حزن غزة أم حزن العرب؟
تاريخ النشر: 3rd, April 2024 GMT
د. إبراهيم بن سالم السيابي
تحزن غزة على أبنائها الذين استشهدوا أو أصيبوا في عدوان ظالم وجائر تجاوز كل القوانين والأنظمة والأعراف، وتجاوز كل ما يُمكن أن يقال عن استباحة الدماء والتنكيل بالبشر، أولئك الذين تم قتلهم بدم بارد أمام أنظار العالم الذي كان يُعطي دروسا في الحضارة والحرية واحترام حقوق الإنسان ليل نهار، يرافق ذلك سكوت مطبق من القريب والبعيد.
إنَّ أحداث غزة قد أماطت اللثام عن قبح هذا العالم، وهيمنة القوى التي تسمي نفسها بالقوى العظمى، التي لا تقيم لحقوق الإنسان أي وزن ولا تراعي إلا ولا ذمة للقوانين الدولية التي شرعتها الأمم المتحدة أثناء الحرب.
أكثر من 180 يومًا والاحتلال الغاشم يقتل وينكل بالمدنيين والعزل من الأطفال والشيوخ والنساء بكل قوته وجبروته التي يستمدها من جسر لا ينقطع من الإمدادات العسكرية واللوجستية ودعم لا محدود من قوى الشر وبمساندة واضحة وفاضحة من قوى أخرى كانت تعطي للعالم دروسًا عن القيم الإنسانية والتعايش والديموقرطية لكنها سقطت في وحل التفرقة والعنصرية، ولا يوجد في الحقيقة سبب لهذه التصرفات سوى الحقد والعنصرية المتأصلين في النخب السياسية في تلك البلدان.
هذه الهمجية والبربرية التي تمارس على أهل غزة والتي يُطلق عليها مصطلح حرب، وهو ليس كذلك؛ حيث إن للحروب أصولا وقواعد لا ينطبق أي منها على هذا العدوان الهمجي الذي يُعد بكل المقاييس جرائم حرب بالأدلة الدامغة، فكيف بآلة الحرب تدور على مدنيين عزل تقُصف بيوتهم ومساكنهم وقراهم وبلداتهم، وتُسوي بها الأرض، بل تقصف دور عبادتهم، وحتى مستشفياتهم، ولا يوجد أي مبرر مهما كان يصل إلى حد اجتياح المستشفيات، وترويع المرضى والأطقم الطبية وأجهزتها المساندة، بل يصل بهم الحال إلى قتل الأطباء أنفسهم واختطاف المرضى.
أية حرب هذه التي تصطاد الأبرياء العزل النازحين من القصف الممنهج على بلداتهم ثم تصطادههم في الشوارع والطرقات لدرجة لا يستطيع المسعفون جمع أشلائهم أسوة ببقية الأموات من البشر؟
أية حرب تختار الأطفال والشيوخ والنساء بشكل ممنهج ومتعمد؟ فالحروب كما عرفت في التاريخ بين الجيوش سواء كانت متكافئة في القوة أم غير متكافئة، ولكن هذه ليست حرب؛ بل هي جريمة بشرية بشعة بكل المقاييس تتمثل في قتل وإبادة للمدنيين العُزل، والجرائم التي يجب ان تسجل في أروقة المحاكم إن كان في هذا العالم ذرة من قيم العدالة والإنصاف وفي ذلك شك كبير.
إن أحزان أهل غزة كثيرة وعظيمة فحزنهم وهم مُحاصرين بلا مأوى، بلا ماء، وبلا غذاء، وحزنهم على شهدائهم وجرحاهم، فقدموا حتى الآن ما يزيد عن 32500 شهيد، وما يزيد عن 77 ألف جريح، وما يزال هناك بعض الشهداء تحت ركام المباني لم تستطيع فرق الإنقاذ الوصول إليهم.
وحزن أهل غزة على الشهداء من الأهل والأقارب، وحزن على الأسر الكثيرة التي تم محوها من السجلات، وحزن على مدنهم وقراهم، وحزنهم على هيامهم في الشوارع بلا مأوى، بلا ماء، بلا طعام، أو خوفهم من القصف والموت في أي لحظة، حزن أهل غزة الأكبر على القريب الذي يشاركهم اللغة والدين والمصير والذي تخلى عنهم واكتفى بعبارات الشجب والإدانة، وأخيرًا حزن أهل غزة كذلك على أنظمة العالم وقياداته التي لم تقف معهم ومع قضيتهم العادلة.
إن أهل غزة لم يرهبوا الدول، ولم يتدخلوا في شؤون أحد، أهل غزة جل ذنبهم أنهم متمسكون بترابهم وأرضهم، ولم يتلحفوا بسماء غير سمائهم.
جريمة أهل غزة أنهم يريدون العيش في أرضهم بحرية وبكرامة ، يتنفسون فيها هواءً نقيا بعيدًا عن الذل، والاستبداد، والقهر، والاحتلال، ويطلبون من العالم بجميع منظماته ويطالبون أحرار العالم بجميع أجناسه بالوقوف معهم في المطالبة بحقهم بإقامة دولتهم في أرضهم التي سلبها الاحتلال.
هذه هي بعض أحزان أهل غزة، فماذا عن حزن العرب؟ 22 دولة بعدد سكان يتجاوز 456 مليون نسمة بمساحة تتجاوز 13.5 مليون كيلومتر مربع، تُنتج النفط والغاز، وتملك الثروات الطبيعية المتعددة وغير المحدودة، مع موقع جغرافي لا يُقدر بثمن؛ بل هي مهد الحضارات، وحاضنة لأعظم الديانات السماوية وهي الإسلام.
هذه الدول معظمها بلا هُوية سياسية واضحة ومستقرة، وبعضها حتى اليوم لا يوجد لديها حكومات ونظام سياسي مُستقر، هذه الدول رغم أن الإسلام هو دينها، والقرآن دستورها، لكن لا يوجد ما يعكس هذا الأمر في أنظمتها وسياستها إلا في الورق وعلى دساتيرها.
22 دولة يقع غالبيتها تحت خط الفقر، وشعوبها لا تعرف الرفاهية ورغد العيش.
حزن من هو الأكبر؟ هل حزن أهل غزة الذين يقدمون دماءهم قرابين الحرية والكرامة؟ أم حزن أمة بلا رأي ولا هُوية؟
وصدق المتنبي حين قال:
أَغايَةُ الدينِ أَن تُحفوا شَوارِبَكُم
يا أُمَّةً ضَحِكَت مِن جَهلِها الأُمَمُ
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
تعلموا من أنصار الله.. ترامب لن ينفعكم يا عرب
شرّ البلية ما يضحك، فالقادة العرب يرون دونالد ترامب قائدا مؤهلا لتحقيق السلام وحلّ الدولتين، نعم.. هكذا يعتقد هؤلاء القادة، في الوقت الذي سمحت إدارته بتزويد جيش الاحتلال بقنابل زنة ألفي رطل، والتهديد بالجحيم القادم على غزة إن لم يتم إطلاق الرهائن، إضافة إلى أن ترامب جاهز للموافقة على فرض السيادة على معظم أجزاء الضفة وكذلك القدس الكبرى طور التطبيق والتنفيذ، بحيث تصل مساحتها إلى عشرة بالمئة من مساحة الضفة.
عن أيّ دولتين يتحدّث القادة العرب؟ هل يضحكون علينا وعلى شعوبهم؟ غالبية القادة العرب وضعوا أنفسهم بتصرّف ترامب تمهيدا لتصفية القضية الفلسطينية، من يجرؤ من القادة العرب على ذكر كلمة (المقاومة) في خطاباته؟ هؤلاء يقومون بترتيبات تحت الطاولة للعمل الفعلي باتجاه تهجير الفلسطينيين من غزة، أصابنا القرف والتقزز من مواقف عربية تتسم بالميوعة والكذب، لم يعد ينطلي علينا تلك المواقف لزوم الاستهلاك الإعلامي، والتي تحاول كسب تأييد الجماهير العربية، التي تدرك تماما حجم التواطؤ العربي مع كيان الاحتلال وواشنطن.
العرب وضعوا كل البيض في سلّة ترامب، وهذا دليل واضح على خشيتهم وخوفهم من هذا الرئيس الذي لا يعرف لغة الدبلوماسية في تعامله مع العرب، يخشون على أنظمتهم من السقوط، وهم يدركون تماما بأنّ ترامب لن ينفعهم، وبكل بساطة يمكنه التخلّي عن أقرب الحلفاء، فلا ثقة بأي إدارة أمريكية وخاصة الحالية.
قللناها سابقا، الوقوف مع المقاومة بكلّ قوّة هو السبيل الوحيد أمام هذه الأنظمة للمحافظة على وجودها، فالمقاومة هي خطّ الدفاع الأول عنهم، وعلى هؤلاء القادة اتّخاذ مواقف رجولية قبل فوات الأوان، تعلّموا من أنصار الله في اليمن الذين وجّهوا تحذيرا مدته أربعة أيام لإدخال المساعدات، وغير ذلك سيعودون لاعتراض البواخر في باب المندب، هؤلاء هم الرجال الذين وقفوا وساندوا مقاومة فلسطين وما زالوا، في حين يرتجف القادة وترتعد فرائصهم خوفا من قرارات لا يتوقعها أحد من ترامب.
أيّها القادة العرب.. ترامب لن يستطيع تغيير الشرق الأوسط، لأنّ من سيقرر ذلك هي المقاومة فقط، التغيير يا سادة سيطال أمريكا نفسها، الثقة بالولايات المتحدة ضرب من الجنون والتفاهة، فالإدارة الحالية لا تعرف غير لغة المصالح، ومصالح العرب هي فقط بالوقوف الحقيقي إلى جانب المقاومة الفلسطينية وخلع رداء الذلّ والمهانة عنهم، قبل أن يجرفهم طوفان شعبي لا يبقي ولا يذر.
هل تجرؤ دولة عربية على مقاضاة ترامب؟ تصريحات الرئيس الأمريكي بفتح أبواب الجحيم على غزة، هي دعوة للإبادة الجماعية والقتل والإجرام، وهذا بحدّ ذاته مدعاة لأن يقوم نظام عربي واحد بمقاضاة ترامب أمام المحاكم الدولية، فهل يمكن رؤية تحقيق ذلك؟ يبدو أنني شطحت كثيراً!
وفي كلّ الأحوال؛ أنا أنفخ في قربة مثقوبة، لا طائل من كل مناشداتي، فمن اعتاد على الذلّ وتقبيل بساطير الأعداء، سيبقى ذليلا خانعا، عبدا مطيعا لأسياده في تل أبيب وواشنطن، ويكفي أننا رفعنا رؤوسنا بالمقاومة الباسلة، التي ستبقى في غزة رغما عنهم جميعا.. فهي عنوان الكرامة والشرف والرجولة والعنفوان.
كاتب فلسطيني