لجريدة عمان:
2025-02-27@22:24:58 GMT

معلّم الصبية والقصص: قابيل وهابيل

تاريخ النشر: 2nd, April 2024 GMT

عندما كُنّا صغارا نرتاد المدارس الابتدائيّة البسيطة، التي بالكاد توجَد فيها مقاعد خشبيّة ثنائيّة، مجموعة، تشبه المكتب، وفيها أرضيّة مكتب خشبيّة خشنة مهترئة دوما، عليها نكتب ونضع كتبنا، ويتوسّط شبه المكتب ذاك، حُفرةٌ يأتي العامل كلّ صباح ليملأ بالحبر محبرة صغيرة في تلك الحفرة، لنا فيها مآرب عدّة غير غمس الدواة فيها وتحبيرها للكتابة.

في تلك الفترة، كانت الفواصل بين الخير والشرّ واضحة، ولم يكن المُدرّسُ يُشقي نفسه لإيجاد قصص الشرّ المؤدّية إلى الهلاك، وقصص الخير المؤديّة إلى السلامة، كنّا مؤمنين أنّ الإنسان يحتاج إلى قصّة، وأنّ كلّ حركة في الكون، وكلّ فكرة يؤمن بها الإنسان أو يرفضها، هي قصّة، وكيف لا، والله عزّ وجلّ أمر نبيّه الكريم أن يقص القصص؟ كيف لا، والله عزّ مقامه قد تعهّد بفعل القصص، إذ قال «نحن نقصّ عليك أحسن القصص»، وكان آباؤنا، كلّما جدّ موقف أو فعلنا فعلا معيبا، يُجلسوننا أمامهم، ويقصّون علينا قصّة، قصّة عن «التعلّم»، قصّة عن «فعل الخير»، قصّة عن «قيمة الأخلاق»، قصّة عن «ترك الكسل»، قصّة عن «النهوض باكرا»، قصّة عن «مائة نملة دخلت الغار»، قصّة عن «عقاب معذّب الحيوان»، وأمّهاتنا وجدّاتنا يُبدّدن ليالي الشتاء الطويلة، وليالي الصيف الحارّة بقصص البطولات والأخلاق والجميلات، وقس على ذلك من الحمل على الاعتبار بالقصص.

ولم يكن معلّمونا آنذاك يجنحون إلى القصص لقوّة إيمانٍ فيه، ولا لعقيدة تأمرهم بالقصص، بل كانوا يقومون بذلك انطلاقا من علّم الأطفال وهم يُنصتون إلى القصص، وعلى ذلك، كان معلّمونا الأوائل قصّاصين بامتياز، بعيدا عن ضغوط ضرورة إنهاء البرامج، وكلّ ترسانة المبادئ التنظيريّة التربويّة التي انتهت إلى الفشل الذريع، كان المعلّم هو الذي يختار طرق تحقيق مقاصد الدرس؛ لأنّ المقصد ليس التعليم فحسب، بل إخراج إنسان سويّ، قادر على نفع بلاده وعباده، أن يكون سويّا نفسيّا واجتماعيّا، وأن يتعلّم وهو يُدرك قصّة الكون، ولذلك امتلأنا بقصص الكون منذ كُنّا في مراحل الابتدائيّة الأولى، التاريخ قصّة، الدين قصّة، العلوم قصّة، اللّغات قصّة.

أتذكّر جيّدا دروس اللّغة العربيّة نحوها وصرفها، كانت تُقَدَّم إلينا انطلاقا من نصّ طريف مرغِّب في القراءة محبّب في العودة إلى أصل الكتاب، فكاهةً أو طرافةً أو موقفا إنسانيّا. ومن قصص التعليم الابتدائي الباقية في ذهني قصّة قابيل وهابيل، لم يكن من العسير تمثّل القصّة، ولا تخيّل حوادثها، ولكن كان من العسير علينا إدراك أنّ أخا يُمكن أن يقتل أخاه، وأن يدفنه أيضا، كان سؤالنا المُحيّر الذي لم نقدر على طرحه، ما هو السبب الذي من أجله قتل الأخ أخاه؟ كنّا مبهورين بالقصّة الأولى، وبمعرفتنا كيفيّة نزول الإنسان إلى الأرض، ولكن الأهمّ من كلّ ذلك هو معرفة تآخي الخير والشرّ، ووجود سُلالة تكرّست لكل ما هو شرّ على الأرض، هي سلالة قابيل قاتل أخيه، ورافض أمر ربّه، وسُلالة للخير والتقوى وطاعة الله، هي سُلالة هابيل المقتول، وأنّ الخير والشرّ قد نتجا عن جذر واحد وأصل واحد، هو آدم عليه السلام الأب الأوّل الذي لا يخلو هو نفسه من قصّة تُقرّبه إلينا ونحن صغار، وقصّته هي العصيان والندم، فقد عصى آدم أمر ربّه بعدم الأكل من الشجرة الممنوعة، ولكن بتوفّر عوامل مساعدة على إنجاز العصيان، وعلى رأسها الشيطان، أصل الشرور، ومنبع كلّ فعل دنيء يُمكن أن يأتيه البشر، يتحقّق الطرد من الجنّة، ومعاقبة آدم عليه السلام بإنزاله أرضا ملؤها الشرّ، بإطلاق الشيطان فيها إغواءً وإغراء، وكانت أسئلتنا آنذاك، تدفع معلّمينا إلى توسيع نوى القصّة وتأثيثها بتجهيز إطار الحكاية وتوصيف شخصيّاتها ومسرحة الأقوال، يُصبح المعلّم قاصّا معملا خياله، وممثّلا مؤدّيا لأدوار عدد، كُنّا نسمع القصص فنهنأ، ونسعد، ونتعلّم، ونُدرك أنّ الخير والشرّ في الإنسان، وأنّ العالم فيه من الجمال ما يَجُبّ الشرّ، وأنّا لا نخاف الشيطان لأنّه لا يدخل إلّا النفوس الضعيفة، ولذلك تظاهرنا بأنّا أقوياء، وحفظنا ما تيسّر من القرآن الكريم لفعل ذلك، بعد عقود من الزمن، وقد تطوّر العالم وتعدّدت معارف المعلّمين، وتيسّرت سُبل التدريس والدراسة، ولم يعد لطاولة التلميذ ذات المقعد المتّصل والتي يشترك فيها طالبان الجلوس مع أرضيّة خشبيّة أقرب إلى الحديد، ومحبرة تتوسّطها، وخشب بال منه تتكوّن، وحديد يمكن أن ينتأ من أيّ مكان، وجودٌ وحلّت محلّها مكيّفات ومقاعد وثيرة، وقاعات بهيجة وطريقة في التعليم ضعيفة، لا يعرف اليوم الأطفال قصّة قابيل وهابيل شغفا وحبّا وإن قيلت لهم في المدارس؛ فالطالب لم تهفُ نفسه إليها ولم يعلق لا بالقصّة ولا بالقاصّ، وأذكر جيّدا أنّ ابنتي وهي في الابتدائية الأولى كانت تقوم مفزوعة ليلا وتُصاب بكوابيس مرعبة، فلمّا سألتها عمّا تراه، أخبرتني أنّها تحلم بيأجوج ومأجوج يأكلونها، فقلت لها من أين تعرفين يأجوج ومأجوج، فأخبرتني أنّ معلّمها وهو من إحدى الدول العربيّة، وكُنّا آنذاك في عُمان، أخبرهم بأشراط الساعة، وبخروج فئة من الأقوام، ليسوا بالبشر، وهم أقزام في حجم إبهام اليد، وينتشرون في الأرض يلتهمون النّاس، فِلْم الرعب هذا لا وجه له من الحقّ، ولا تسويغ له لقصّه على أطفال في أعمار الزهور يُقبلون على الدنيا، ويرون في الخير انتصارا وفي الشرّ اندحارا، الإسلام ترغيب ونورٌ وضياءٌ وأملٌ وليس ترهيبا وظلاما وعَتمة، فعلّموا الأطفال بالقصص، علّموا الأطفال وهم مبتهجون، راغبون، لاعبون، ضاحكون، مقبلون، مُحبّون.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الخیر والشر

إقرأ أيضاً:

«يا باغي الخير أقبل».. الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة 28 فبراير 2025

حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة، وهي تحت عنوان «يا بَاغِيَ الخَيْرِ أقبِل»، والهدف من هذه الخطبة، هو التوعية بفضائل شهر رمضان المعظم، والتنبيه على وجوب الإقبال على مواسم الخير، علمًا بأن الخطبة الثانية تتناول إبراز أهمية الحفاظ على الآثار المصرية، وصون الثروات الطبيعية لبلدنا العزيز.

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، بَدِيعِ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ، وَنُورِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهَادِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، سُبْحَانَهُ، مِنْهُ العَطَاءُ وَالإِمْدَادُ، وَبيَدِهِ الإِشْقَاءُ وَالإِسْعَادُ، لَا تَطِيبُ الأَلْسِنَةُ إِلَّا بِذِكْرِهِ، وَلَا تَعْمُرُ القُلُوبُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَلَا تَسْتَقِيمُ الجَوَارِحُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، ونَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، ونَشْهدُ أنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، صَاحِبُ الخُلُقِ العَظِيمِ، النَّبِيُّ المُصْطَفَى الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَيهِ، وعلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَومِ الدِّينِ، وَبَعْدُ:

فَيَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، فَأَنْتَ عَلَى أَعْتَابِ أَيَّامٍ مُمجَّدَةٍ، وَأَوْقَاتٍ مُنَوَّرَةٍ، سَاعَاتٌ مِنَ الفَضْلِ وَالعَطَاءِ الإِلَهِيِّ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَرَحَمَاتٌ وَتَجَلِّيَاتٌ مِنَ الرَّحْمَنِ تَنَزَّلَتْ، وَبَرَكَاتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ فُتِّحَتْ، فَهَيِّئْ قَلْبَكَ لِمُرَادِ رَبِّكَ، فَإِنَّ لِلْقُلُوبِ النَّقِيَّةِ اسْتِقْبَالًا وَتَعْظِيمًا لِشَعَائِرِ الحَقِّ {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ}.

يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، فَهَا هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ المُبَارَك، تُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النِّيرَانِ وَتَفْقِدُ لَهِيبَهَا، وَتُفَتَّحُ أَبْوَابُ الجِنَانِ وَيَفُوحُ فِي الدُّنْيَا شَذَاهَا وَنَسِيمُهَا، وَتُصَفَّدُ الشَّيَاطِينُ فَتَنْحَسِرُ هَمَزَاتُهَا، فِي لَحْظَةِ أُنْسٍ لَطِيفَةٍ، وَسَاعَةِ قُرْبٍ مُنِيفَة، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَا مِنْ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِ الوُجُودِ إِلَّا وَتَتَشَوَّقُ إِلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ الشَّرِيفَةِ المُتَفَرِّدَةِ مِنْ لَيَالِي الزَّمَانِ، فَإِنَّهُ «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدةُ الجِنِّ، وَغُلِّقتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغلقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَللهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ».

أَبْشِرْ أَيُّهَا المُكَرَّم، فَأَنْتَ عَلَى مَوْعِدٍ شَرِيفٍ مَعَ شَهْرٍ أَذِنَ اللهُ فِيهِ لِخَزَائِنِ أَنْوَارِ القُرْآنِ أَنْ تَنْفَتِحَ، وَلِلْأَرْضِ أَنْ يَتَجَدَّدَ اتِّصَالُهَا بِالسَّمَاءِ، فَتَدَفَّقَتْ أَنْوَارُ القُرْآنِ مُنَزَّلَةً بِالوَحْيِ الأَشْرَفِ، مُتَجَلِّيَةً عَلَى قَلْبِ الجَنَابِ الأَنْوَرِ فِي لَيْلَةٍ سَاطِعَةٍ، وَكَأَنَّهَا أَلْفُ شَمْسٍ قَدِ اجْتَمَعَتْ لِشُهُودِ تَنَزُّلِ القُرْآنِ الكَرِيمِ عَلَى الأَرْضِ {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ وَأَبْشِرْ، فَحَادِيكَ قُرْآنٌ يَشْهَدُ لَكَ، وَرَكَعَاتٌ تُنَادِيكَ، وَقِيَامٌ بِاللَّيْلِ يُحَقِّقُ أَمَانِيكَ، فَهَلُمَّ إِلَى سَجْدَةِ خُشُوعٍ، وَدَمْعَة خُضُوعٍ، وَآيَةٍ تُنِيرُ دَرْبَكَ، وَدَعْوَةٍ تُقِيلَ عَثرَتَكَ، وَنَظْرَةِ عَفْوٍ وَعِتْقٍ مِن رَبِّك، فَإِنَّ رَمَضَانَ حِكَايَةُ شُهُودٍ وَعِرْفَانٍ، وَفَضْلٍ وَإِحْسَانٍ، وَصِلَةٍ وَامْتِنَانٍ، فَهَلْ مِنْ مُشَمِّرٍ لِنَفَحَاتِ رَمَضَان؟!

وَيَا عِبَادَ اللهِ، جَدِّدُوا رَبِّطَ قُلُوبِكُمْ بِمَوْلَاكُمْ، أَشْعِرُوا نُفُوسَكُمْ أَنَّ لَحْظَةً سَامِيَةً نَفِيسَةً مِنَ الأُنْسِ بِاللهِ تَعَالَى قَدْ أَقْبَلَتْ، وَأَدُّوا شُكْرَ نِعْمَةِ إِدرَاكِ رَمَضَانَ، اجْبُرُوا خَوَاطِرَ النَّاسِ، ابْحَثُوا عَنْ أَبْوَابِ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَاليَتَامَى، مُلْتَمِسِينَ الحَالَ النَّبَوِيَّ الشَّرِيفَ «كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»، تَحَرَّوْا أَيُّهَا الكِرَامُ الأَزْمِنَةَ الشَّرِيفَةَ، وَالأَحْوَالَ الكَرِيمَةَ، وَارْفَعُوا إِلَى رَبِّكُمْ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ، وَبُثُّوا إِلَى اللهِ تَعَالَى مَا بِقُلُوبِكُمْ، مُتَحَقِّقِينَ بِحَالِ الذُّلِّ وَالخُضُوعِ، يُمْدِدْكُمْ رَبُّكْمْ بِمَزِيدٍ فَوْقَ المَزِيدِ، فَإِنَّ «لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَة لَا تُرَدُّ».

أَيُّهَا الكِرَامُ، أَشِيعُوا فِي أُسَرِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ وَمَنْ يُحِيطُ بِكُمْ أَنَّ زَمَنًا شَرِيفًا مُنَوَّرًا سَامِيًا عَالِيًا رَاقِيًا قَدْ أَطَلَّ، امْلَأُوا قُلُوبَكُمْ لُطْفًا وَأُنْسًا وَاسْتِمْدَادًا وَاسْتِنَارَةً بِالأَنْوَارِ الَّتِي بَثَّهَا اللهُ تَعَالَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، افْرَحُوا بِأَيَّامِ اللهِ، وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ شُهُودِهَا، {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.

*

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَاتَمِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَبَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ، اعْلَمُوا أَنَّ صَوْنَ مُقَدَّرَاتِ الوَطَنِ دَلِيلُ النُّبْلِ وَالشَّرَفِ، وَآيَةُ الوَطَنِيَّةِ الصَّادِقَةِ، وَعَلَامَةُ التَّدَيُّنِ الصَّحِيحِ، أَلَسْتُمْ مَعِي أَنَّ الحِفَاظَ عَلَى آثَارِ مِصْرَ أَقَلُّ مَا يُقَدَّمُ لِوَطَنِنَا العَزِيزِ؟! أَلَا تَعْلَمون أَنَّنَا مَأْمُورُونَ بِالسَّيْرِ فِي الأَرْضِ وَالنَّظَرِ فِي آثَارِ السَّابِقِينَ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ نَحْفَظْ آثَارَهُمْ؟! اسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ الحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعالَى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ}، انْتَبِهُوا أَيُّهَا النَّاسُ إِلَى هَذِهِ الحَقِيقَةِ القُرْآنِيَّةِ الثَّابِتَةِ، إِنَّهَا دَعْوَةٌ شَرِيفَةٌ إِلى النَّظَرِ فِي آثَارِ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ، وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ مِنْ أَحْوَالِ السَّابِقِينَ.

وَيَا مَنْ تَدْعُونَ إلَى مُقَاطَعَةِ آثَارِ البِلَادِ انْتَبِهُوا! فَلَسْتُمْ أَكْثَرَ إِسْلَامًا وَأَزْيَدَ إِيمَانًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، أَلَمْ يَتْرُكْ سَيِّدُنَا عَمْرُو بْنُ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ آثَارَ مِصْرَ المَحْرُوسَةِ شَاهِدًا عَلَى حَضَارَةِ المِصْرِيِّينَ وَعَظَمَتِهِمْ، وَدَلِيلًا سَاطِعًا عَلَى نُبُوغِهِمْ وَإِبْدَاعِهِمْ؟! {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ}، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.

أَيُّهَا الكِرَامُ، اعْلَمُوا أَنَّ المُحَافَظَةَ عَلَى المَوَارِدِ وَالثَّروَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ لِبِلَادِنَا المُبَارَكَةِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُوَاطِنٍ، فَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِالإِصْلَاحِ وَنَهَانَا عَنِ الفَسَادِ وَالإِفْسَادِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسدِينَ}، وَدَعَانَا الجَنَابُ الأَكْرَمُ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى الحِفَاظِ عَلى الثَّرَوَاتِ القَوْمِيَّةِ وَالطَّبِيعِيَّةِ كَالأَنهَارِ وَالبِحَارِ والآبَارِ وَالأرَاضِي وَمَا فيها مِنْ ثَروَاتٍ وَبَرَكَاتٍ، فَقَالَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «إنَّ الدُّنيا حلوةٌ خَضِرةٌ، وَإِنَّ اللَه مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُر كَيْفَ تَعْمَلُونَ» فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا فِي تَعَامُلِكُمْ مَعَ الحَيَاةِ وَكُنوزِهَا، وَمَعَ الحَضَارَةِ وَآثَارِهَا، وَاسْتَجِيبُوا لِقَوْلِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الـْمُفْسِدِينَ}.

اللَهُمَّ أَدِمْ عَلَى بِلَادِنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالسَّكِينَةِ وَالأَمَان

وَبَلِّغْنَا اللَّهُمَّ شَهْرَ رَمَضَان

اقرأ أيضاًبعنوان: «يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أقبِل».. موضوع خطبة الجمعة القادمة

موضوع خطبة الجمعة اليوم 21 فبراير 2025

إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ برِفْقٍ.. الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة 21 فبراير

مقالات مشابهة

  • المسلسلات السعودية والخليجية في رمضان 2025.. القصص وقنوات العرض
  • «يا باغي الخير أقبل».. الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة 28 فبراير 2025
  • الحميدي: هذا الدوري وهذه النسخة ما فيها شيء يطمن .. فيديو
  • أهلًا وسهلًا بشهر الخير
  • الأمير عبدالرحمن بن مساعد: الأم تحبك دون مقابل لكن الأبوة فيها شيء من الأنانية.. فيديو
  • دعاء عيد ميلادي.. «اللهم اغفر لي ما مضى واكتب لي الخير فيما هو آت»
  • حالات يجوزر فيها قصر الصلاة وجمعها .. الإفتاء تكشف عنها
  • حالات انتحار وطلاق.. جرائم جديدة تسببت فيها منصة FBC
  • 3 حالات يتم فيها استحقاق التعويض عن الحبس الاحتياطى
  • هطول أمطار الخير على أبوظبي