- تتزاحم على المسلم أبواب الإنفاق لخيارات شتى لا سيما في موسم رمضان ولكن تبقى قدرته المالية محدودة فهل هناك ترتيب يستعان به لبذل ما تيسر من اليد؟

السؤال فيما يتعلق بالتبرعات والصدقات التي هي من النفل والمندوب إليه، والجواب نعم فما كان من تبرع يعم نفعه ويمتد أثره فهو أولى بالتقديم، فكل صدقة يكون خيرها عامًا ويمتد أثرها فهذه الصدقة تكون أولى بالتقديم من تلك التي يكون نفعها خاصًا وأثرها ضيقا، هذا المبدأ العام.

فلنضرب بعض الأمثلة: إذا اشتدت الحاجة في مجتمع من المجتمعات لفاقة أو لمجاعة أو لظلم واقع عليهم كما هو شأن إخواننا في غزة الآن من عدوان وتقطيع لسبل إيصال المعونات والغذاء ولما يمارسه العدو الغاشم من تجويع متعمد لهم، فهؤلاء اشتدت حاجتهم، والنفع يكون عاما، والأثر يكون ممتدا، إذن هم أولى من غيرهم بالعون ومد يد الصدقة والتبرع إن لم يكن ذلك في صدارة ما ينبغي للمسلمين اليوم أن يشتغلوا به، وكذا يقاس الحال على ما يتعلق على سبيل المثال بما فيه نشر للعلم فإننا نجد أيضًا أن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحث على العلم، ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما ذكر الصدقة من العلم الذي ينتفع به، أو ما كان متعلقا بكتاب الله عز وجل هذا أيضا من العلم أو كتاب يورثه، فكل هذه تؤكد أن ما كان متعلقا بنشر العلم في مجتمع المسلمين فهو أولى بالتقديم في التبرعات والصدقات لأن خيره يكون عامًا ولأن أثره يبقى ممتدًا وهكذا ينظر المكلف في هذه الوجوه.

بقي أن هناك بعض الوجوه التي يمكن أن يكون أثرها خاصا بالمكلف نفسه فينفق نفقة في شيء من ما هو مندوب إليه أو نفل في حقه هو، لكن أثره عليه عظيم يعود عليه بمزيد من التزكية ومن إقباله على الله تبارك وتعالى ومن سماحة نفسه لتجود في الوجوه المتقدم ذكرها، فهذا لا مانع منه، فبعض الناس بحاجة إلى ما يجدد له إيمانه ويبعث فيه العزيمة بإتيان شيء من العبادات التي يعود نفعها عليه هو من القربات والنوافل والطاعات، حتى تجود نفسه فيما هو أعظم، وتسخو يده لإخوانه بمزيد من الصدقات، أما إذا قصر فيما يعود عليه هو بنفع فيمكن أن تغلبه نفسه أو أن تنازعه أهواؤه، فيقبض يده ولا يبسطها لإخوانه، فمثل هذه الأحوال أيضا تتفاوت من مكلف إلى آخر فينبغي اغتنام إقبال النفس وإدبارها وينبغي التعرف على أحوال النفس والسعي إلى تزكيتها بما يدفعها إلى فعل الخير والله تعالى أعلم.

- بعض المكلفين حين يقعون في مسألة فقهية فإنه يبحث عن حكمها في كتب الفتاوى أو الجوابات أو يبحث عن سؤال مشابه في برامج الإفتاء أو يسأل أحد المتعلمين من غير أهل الفتوى فيفعل الفعل نفسه في بحثه عن جواب المسألة. ما ضابط نقل الحكم من مسألة إلى نظيراتها؟

هذا يتفاوت بين مسألة وأخرى وبين محتاج إليها وآخر، المقصود هو أن بعض المسائل هي المسائل ذاتها ولا تخفى على أحد، لكثرة إتيان الناس لها وتعرفهم عليها ومعرفتهم بحكمها، فهي لا تختلف بين زيد وعمرو وهند حكمها واحد في الجميع ولا يكتنفها تفاصيل ومتعلقات وأحوال وشرائط فمثل هذا لا حرج في نقلها والأخذ بها، لنضرب لذلك أمثلة، حكم الإسبال على سبيل المثال، صلاة المسبل لكثرة معرفة الناس بها ولكثرة ما تداولوه من فتاوى فإنه لا حاجة إلى أن يأتي إلى شيخ مجتهد أو إلى أحد المفتين ليسأله عن حكم هذه المسألة لأن حكمها صار معروفًا وهنا لم أضرب مثالا بما هو ظاهر كأن يكون السؤال عن ركعات الفرائض على سبيل المثال كم ركعة في السفر أو كم ركعة في الحضر، فهذه أيضا مما لا يختلف فيه لكن لا أظن أن السائل يقصد هذا النوع من المسائل الظاهرة، لكن هنا في هذا النوع من المسائل التي لا تكاد توجد فوارق بين الواقعين فيها ويكون حكمها واحدا فلا مانع من النقل.

وكذلك الناقل إن كان من طلبة العلم الذي تعلم العلوم الشرعية تفقها في دين الله تبارك وتعالى وهذا النوع من المسائل مما اعتاد التعرض له دراسة وتلقيا من أهل العلم ومتابعة لهذا النوع من المسائل الفقهية فلا حرج عليه أن ينقله.

لكن إذا كانت المسألة يمكن أن تختلف من حالة إلى أخرى لنأخذ مثلًا مسألة طلاق، لو كانت المسألة فقط مجرد لفظ طلاق صريح فهذه أسئلة أيضًا نص عليها في كتاب الله عز وجل واشتهرت عند الناس فلا يكاد تخفى على مجتمع المسلم، لكن إذا كانت من ألفاظ الكناية أو إذا احتف بها تعليق أو إذا زعم الرجل أنه لم يكن في وعيه لأي سبب من الأسباب لمرض أو غضب أو سكر أو غير ذلك من الأسباب مشروعة كانت أو غير مشروعة ففي هذه الحالة ليس له أن ينقل فتوى لمسألة سمعها يظن أنها مشابهة فيأتي فينقل، لأن هذه تترتب عليها آثار ولأن اللفظة الواحدة يمكن أن تغير من الحكم الشرعي لأنها أحكام بنيت على الألفاظ ولا بد من معرفة تفاصيلها من الواقع فيها، فضلًا عن أن تأخذ ممن تنقل عنه، فالمسألة يصعب أن أضع لها ضوابط، لكن قلت: إن من حيث المسائل نفسها ومن حيث الناقل لها أما من حيث المسائل فإذا كانت من المسائل المشهورة والتي لا يختلف حكمها باختلاف أحوال المكلفين فهذه لا حرج.

أما من حيث الناقل فإنه إذا كان من أهل العلم يعني لا نتحدث عن جاهل لا يعرف شيئًا ويأتي ويقول أنا سمعت الشيخ الفلاني فالحكم كذا ويفتي بجهل فهذا يمكن أن يورده موارد الهلاك والعياذ بالله، يورد نفسه ويورد غيره موارد الهلاك، ورأينا من هذا الشيء الكثير، لكن إذا كان من طلبة العلم الشرعي الذين تفقهوا في الدين وجالسوا أهل العلم وسمعوا وتدربوا على هذا النوع من المسائل فهؤلاء يمكن لهم أن ينقلوا الفتاوى الشهيرة المعروفة في مثل هذا النوع من المسائل المتقدم وصفها والله تعالى أعلم.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: إذا کان یمکن أن کان من من حیث

إقرأ أيضاً:

كيف يكون صيام الست من شوال كصيام الدهر كله؟.. أنسب وقت لحصد ثوابها

يعد صيام الست من شوال، واحدًا من أهم العبادات التي يكثر البحث عنها خاصة مع دخول شهر شوال من كل عام، ويتساءل الكثيرون: كيف يكون صيام الست من شوال كصيام الدهر كله؟، وما هي أنسب الأيام للصيام فيها خلال شهر شوال الجاري.

كيف يكون صيام الست من شوال كصيام الدهر كله؟

في جواب كيف يكون صيام الست من شوال كصيام الدهر كله؟: ورد في السنة المشرفة الحثّ على صيام ستة أيام من شوال عقب إتمام صوم رمضان، وأنَّ ذلك يعدل في الثواب صيام سنة كاملة؛ فروى الإمام مسلم في "صحيحه" عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْر».

وتفسير أنَّ ذلك يعدلُ هذا القدر من الثواب، هو أنَّ الحسنة بعشر أمثالها؛ روى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا»، وعليه: فصيام شهر رمضان يعدل صيام عشرة أشهر، وصيام الستة أيام من شوال يعدل ستين يومًا قدر شهرين، فيكون المجموع اثني عشر شهرًا تمام السنة.

وبينت دار الإفتاء المقصود من أن صيام الست من شوال بعد رمضان يعدل صيام سنة، أنه قد جاء التصريح بهذا فيما رواه النسائي في "الكبرى" وابن خزيمة في "صحيحه" عن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ بِشَهْرَيْنِ؛ فَذَلِكَ صِيَامُ سَنَةٍ».

وفيما يتعلق بـ ثواب صيام الست من شوال، روى ابن ماجه عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا». قال الإمام القرافي في "الذخيرة" (2/ 531، ط. دار الغرب الإسلامي): [ومعنى قوله: «فَكَأنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ»: أنّ الحسنة بعشرة، فالشهر بعشرة أشهر، والستة بستين كمال السنة، فإذا تكرر ذلك في السنين فكأنما صام الدهر] اهـ.

الحث على صيام الست من شوال
ورد في السنة المشرفة الحثّ على صيام ستة أيام من شوال عقب إتمام صوم رمضان، وأنَّ ذلك يعدلُ في الثواب صيام سنة كاملة؛ فروى الإمام مسلم في "صحيحه" عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْر».

آراء الفقهاء في تتابع صيام الست من شوال
قد اختلف الفقهاء في الأفضل في صيامها هل هو التتابع أو التفريق؟

فذهب الحنفية إلى أفضلية التفريق؛ قال الإمام الحصكفي الحنفي في "الدر المختار" (ص: 151، ط. دار الكتب العلمية): [(وندب تفريق صوم الستّ من شوال)، ولا يُكْرَه التتابع على المختار] اهـ.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أفضلية التتابع؛ قال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (2/ 184، ط. دار الكتب العلمية): [يُسْتحبُّ لمَن صام رمضان أن يتبعه بستٍّ من شوال كلفظ الحديث، وتحصل السنّةُ بصومها متفرقةً، (و) لكن (تتابعها أفضل) عقب العيد؛ مبادرةً إلى العبادة، ولما في التأخير من الآفات] اهـ.
وجاء في "شرح منتهى الإرادات" من كتب الحنابلة (1/ 493، ط. عالم الكتب): [(و)سنّ صوم (ستة من شوال، والأولى تتابعها، و)كونها (عقب العيد)] اهـ.
وهذه الأفضلية عند هؤلاء الفقهاء يمكن أن تنتفي إذا عارضها ما هو أرجح؛ كتطييب خواطر الناس؛ إذا كان الإنسان يجتمع مع أقاربه مثلًا على وليمة يُدْعَى إليها، فمثل هذه الأمور من مراعاة صلة الرحم وإدخال السرور على القرابة لا شكّ أنَّها أرجحُ من المبادرة إلى الصيام عقب العيد أو التتابع بين أيامه، وقد نصّ علماء الشافعية والحنابلة على أنَّ الكراهة تنتفي بالحاجة. انظر: "حاشية الرملي على أسنى المطالب" (1/ 186، ط. دار الكتاب الإسلامي)، و"غذاء الألباب" للسفاريني (1/ 323، ط. مؤسسة قرطبة).

ومن هذا الباب ما ذكره الإمام الحافظ عبد الرزاق بن همام الصنعاني؛ قال: "وسألت معمرًا عن صيام الست التي بعد يوم الفطر، وقالوا له: تُصَام بعد الفطر بيوم، فقال: معاذ الله!! إنما هي أيام عيد وأكل وشرب، ولكن تُصَام ثلاثة أيام قبل أيام الغر، أو ثلاثة أيام الغر أو بعدها، وأيام الغر ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر". وسُئِل عبد الرزاق عمن يصوم يوم الثاني؟ فكره ذلك، وأباه إباء شديدًا. انظر: "مصنف عبد الرزاق" (4/ 316، ط. المكتب الإسلامي).

مقالات مشابهة

  • كيف يكون صيام الست من شوال كصيام الدهر كله؟.. أنسب وقت لحصد ثوابها
  • بعد رمضان والعيد نخشى العودة للذنوب ماذا نفعل؟.. علي جمعة يجيب
  • كيف يكون الدعاء في الصلاة؟.. هكذا علّمه الرسول للصحابة
  • هل عليه قضاؤها؟.. حكم صلاة المأموم منفردا خلف الصف
  • مقيمون: العيد في سلطنة عمان ألفة وفرحة وذكريات لا تنسى
  • ما حكم الزواج بين العيدين؟.. الإفتاء الاردني يجيب
  • المفتي قبلان: الخطأ بموضوع سلاح المقاومة أكبر من لبنان والمنطقة ولم يعد لدينا شيء نخسره
  • هل السفر عبر الزمن ممكن؟.. العلم يجيب!
  • والد الزميل غازي المرايات في ذمة الله
  • حين يكون العيد مُرّاً…!