قراءة في مجموعة الكاتب السعودي فهد العتيق “ليل ضال مثل بلاد ضائعة”
تاريخ النشر: 1st, April 2024 GMT
أثير – مكتب أثير في تونس
قراءة: محمد الهادي الجزيري
في القصة التي أهدت للمجموعة عنوانها، حكاية منها ومثلها آلاف الحكايا المنتشرة في جهات الأرض، عن قصة حبّ بين حبيبين، نجح الكاتب فهد العتيق في استدراجي كقارئ للعنوان وغاطس مباشرة في لجّ النصّ، فالعنوان يوحي بأشياء رهيبة وخطيرة فهو “ليل ضال مثل بلاد ضائعة” ينبأ بأشياء مفزعة، فأن تجمع ليلا ضالا لا يهتدي إلى السكينة والطمأنينة والسلام ببلاد ضائعة، فتلك حيلة ناجحة.
“في هذه اللحظة، كأنّي أراها في الشارع من بعيد تتلفّت حولها، قلت: ليتها تتذكرني، أراها تفتّش في حقيبتها، قلت : ربّما تدرك الآن أنّها نسيتني، هنا، في منتصف الحارة، وليس في حقيبتها الفارغة”
أعود إلى قصّة أولى ..(كمين الحكاية) كنتُ خلّفتها طمعا في المتن السرديّ الثاني، أعود لأقطف منها الفكرة طازجة ونيئة وبهيّة مثلما اقترف فهد العتيق خلال هذه القصة، يا لهذا الفنّ القصصي كم يتطوّر ويستعمل أدوات شعرية يجعلها في صلب العمل السردي، فمن البحث عن فكرة للكتابة يظفر بها الكاتب فتتحوّل إلى قصة ثمّ إلى حبيبة، سأقتطف جملتين لتوضيح ما أصبو إليه:
“وجدت على الرصيف المظلم فكرة صغيرة ضائعة، كانت مثل فكرة هائمة أو مثل فكرة قصة تائهة، التقطتها فأصابتني بنشوة عالية”
“سأقول لها: أنت فكرتي التائهة وأنت حبيبتي الضائعة، سأشتكي لها وأقول إنّني حزين جدّا وأنّني كلّ يوم أفقد شيئا من ذاتي”
يشتغل الكاتب السعودي فهد العتيق داخل نصّه السرديّ على الحلم والخيال والكوابيس والهواجس، وكلّ ما يدخل في هذا الباب، ففي القصة القادمة بعنوان “محاولة دفن رطبة” يبقى متصارعا مع أعماق ذاته وبواطنها السرية، يحاول أن يلغي منها ما يستطيع وما لا يقوى عليه، يحاول إقصاء هذه المرة: الخيال، وهل ثمّة كائن بشري بدون خيال، يظلّ طوال القصة يصارعه، يدفنه وسط كومة رمل في سطح البيت وينزل إلى الصالة فيتبعه، خلاصة الأمر: ينتصر الخيال، هذا ما استنتجته فلا أقوى وأفدح من خيال الإنسان:
“وأنا أرى بعد عملية الدفن أنّها كانت من خيال انتهى، حاولت الابتعاد عنها قليلا لكنّني لم أستطع الحركة، قلت في نفسي: ما زال الخيال يعمل، لم أدفنه بالكامل..”
يوجد في هذه المتن الممتع عدّة نصوص مكثفة وجميلة، لكنّي أحسّ أنّ قصة “سيناريو صغير” شدّتني بل شدّني الحوار بين بطلين في فيلم وهما على شاطئ البحر، فالحوار ككلّ سؤال وجواب لكنّه يفضح الكاتب (مؤلف ليل ضال مثل بلاد ضائعة) في مسألة هامة ألا وهي الحياة، اسمعوا فهد العتيق متقمّص دور البطل:
“قالت: ماذا تحبّ في الحياة؟
قال: أحبّ كثيرا أن أكون حرّا في طريقة فهمي لها دون سلطان عادة وتقليد
سألته: كيف؟
قال: لا أريد أن أرتبط بطريقة تفكير سائدة عن الحبّ مثلا ، أو عن أي شيء آخر، في هذه الحياة ، أريد أن أتعامل مع الحياة بشكل جديد”.
المصدر: صحيفة أثير
كلمات دلالية: مكتب تونس
إقرأ أيضاً:
حسان الناصر: “لا يخدعنَّكم دقلو”
في العلوم العسكرية والأمنية، تُعَدُّ المسألة اللوجستية آخرَ هُموم مَن يضع الاستراتيجية العامة للمعركة. وفي زمن انتشر فيه سوق السلاح، لم يَعُدِ اقتناء المعدات العسكرية المتطورة أمرًا صعبًا؛ إذ يمكن لمجموعة صغيرة أن تقتني أسلحة جيوش وتقنيات عسكرية متقدمة.
لكن المسألة الاجتماعية ظلَّتْ محطَّ متابعةٍ لكلِّ مَن يعمل على إسناد الدولة والحفاظ عليها، وتسييرها بالشكل المطلوب لضمان بقاء فرص الإصلاح على المدى البعيد، وتشغيلها الفعّال على المدى القريب. وفي عددٍ من اللقاءات المغلقة والمفتوحة داخل السودان وخارجه، وكذلك في كتابات سابقة، أكَّدْتُ أن **”الخطر ليس عسكريًّا**؛ فلدينا جيشٌ ومقاتلون منتشرون في مختلف الجغرافيات، وهناك تعددٌ في الإمكانيات. لكن الخطر الحقيقي هو اختراق المجتمع، وخلق حالةٍ من الهشاشة تُفضي إلى تمزيق السودان وتقسيمه إلى دويلات محلية مقطوعة الأوصال والمخيال.”
إن خطر “صناعة” شروط الانقسام هو التهديد الأكبر للسودان ككيانٍ وشعبٍ وجغرافيا سياسية، وهو محاولةٌ لتحجيم بلدٍ مركزيٍّ قادرٍ على لعب دور اليد الخفية في موازين القوى الإقليمية، خاصةً كونه يمثِّلُ مفصلًا يجمع مشاريع عالمٍ متعدد الأقطاب في مواجهة إرث الهيمنة الأمريكية والرأسمالية.
مع صعود خطابات التقسيم، التي تبنَّاها عددٌ من “الهتيفة والمتردية”، اتضح بما لا يدع مجالًا للشك أن “الدويلة” تفرض شروطًا لتفكيك الدولة القومية، بل وتخلق لها سوقًا سياسيًّا وفئاتٍ مستفيدةً. وهذا السيناريو ليس جديدًا؛ فقد عملت “الدويلة” على تمزيق دولٍ مثل اليمن وليبيا، وهو جزءٌ من سياساتٍ تُنفَّذ بالوكالة، حيث تخدم في جوهرها مشاريع الهيمنة الغربية والأمريكية الرامية إلى صنع دولٍ “متقزمة” و”معاقة”، تُستنزفُ مقدراتها الاقتصادية عبر سياساتٍ ممنهجة.
وقد خرج عبد الرحيم دقلو في فيديو منشورٍ بتاريخ ٢ أبريل يتوعد فيه ولايتي الشمالية ونهر النيل بالحرب والغزو. لكن كلام دقلو لا قيمة له عسكريًّا؛ فلو كان قادرًا على تحقيق انتصارٍ عسكريٍّ، لَحَقَّقَه في جبهاتٍ أكثرَ أهميةً واستراتيجيةً من المناطق التي يهددها. فهؤلاء **”الشبالي”** لو كانوا قادرين على الصمود أمام جحافل الدولة، لتمكنوا من السيطرة الكاملة على الخرطوم!
كلام دقلو ليس سوى محاولةٍ لتمزيق وحدة السودان، وترويجِ فكرة أن هذه الحرب صراعٌ بين الغرب والشمال. وهذا ما فشل فيه هو، لكنه نجح فيه “معاتيه الإعلاميون” وسواقط الميديا”الذين يروجون لفكرة تقسيم السودان. وهنا تكمن النقطة التي يجب أن ينتبه إليها الجميع، ونقطع الطريق أمامها.
فمَن يحاول تقديم سردية التقسيم على أنها خيارٌ اجتماعيٌّ، أو يبررها بحججٍ واهية، فهو إما “جاهلٌ ” يجب تأديبه، أو “عميلٌ” وجب التخلص منه. وللأسف، يمارس بعض الجهلة والأرزقة خطابات ابتزازٍ تُغذي هذه النزعات.
أما عن مطالب التنمية والمشاريع، فهي حقٌّ مشروع، لكن يبدو أن بعض القيادات المحلية والأهلية تحوَّلتْ إلى أدواتٍ للعمالة، تُدار لمصالح شخصية ضيقة. وفي المقابل، هناك أغبياء يمتلكون “مخيال بعوضة”، يريدون تقسيم السودان وفق إرادة الخارج تحت شعارات عرقيةٍ مستوردةٍ من عباءة الاستعمار!
على كل حال، لا فرق عندنا بين الشمالية وجنوب كردفان، ولا بين نيالا وطوكر وكسلا والشوك. فنحن نرى أن الخطر ليس في استهداف منطقةٍ بعينها، بل في قطع أواصر الدولة، ومنعها من إنتاج أي رؤية موحِّدة. لذلك، إذا رأيتم أحدًا يرفع شعار التقسيم أو دولةٍ منفصلة، فاعلموا أن **”بن زايد قد صبَّ من شَرَه في أذنه”**! ولو كنتُ سأعاقب أحدًا بالموت، لعاقبتُ هؤلاء **”موتًا حتميًّا”**!
**عمومًا، موعدنا أم دافوق… وما بعد أم دافوق!**
حسان الناصر
إنضم لقناة النيلين على واتساب