د. طارق سعدة يكتب.. نقطة نظام للأحلام
تاريخ النشر: 31st, March 2024 GMT
مرت مصر فى تاريخها المعاصر بحدث قوى وزلزال شامل لكافة مناحى وأرقام الحياة المصرية، وهى أحداث يناير (25 يناير 2011)، ولولا حفظ الله للوطن، ولولا أبناؤه المخلصون لما كان فاق أحد من هذا الكابوس المدمر.
وبدأت إعادة بناء مصر المعاصرة مرة أخرى وترميم كافة أركانها على يد أحد أبنائها المخلصين، وهو فخامة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى أعاد لمصر مكانتها الإقليمية والدولية، وذلك بعد ثورة 30 يونيو التى عبرت عن إرادة كل قطاعات الشعب المصرى، فكانت ثورة جماهيرية لم يشهد مثلها التاريخ الحديث، أثبت الشعب المصرى فيها أنه يقف وراء أمن مصر وسلامتها، وهذا كل شىء، وأنه فى الوقت ذاته يرفض أى معتدٍ داخلى أو خارجى يحاول أن ينال من بنيان هذا الشعب الأصيل، أو يشوه تاريخه، فانتفض الشعب وخرج إلى الشارع بكافة أطيافه ورجاله ونسائه وأطفاله، للتأكيد على إرادته أمام العالم، وأنه يرفض هذا العبث وتلك العشوائية من خفافيش الظلام.
وبفضل سياستها الخارجية أصبحت مصر رقماً كبيراً فى المعادلة الدولية، بفضل احتياج العالم إلى خبراتها فى مواجهة الإرهاب، وتدخلها الرشيد فى القضية الفلسطينية، والمساعدة لعودة الحياة إلى ليبيا فى الغرب، والسودان فى الجنوب، ومد يد العون لكل طالب خبرة وحكمة أصبحت مصر قبلته، وذلك من 2014 وحتى يومنا هذا. الدور الحكيم الذى تقوم به القيادة السياسية فى التعامل مع مثل هذه الأزمات، سبق أن أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى رئيس الجمهورية موقف مصر الثابت تجاه كافة القضايا الإقليمية وفى القلب منها القضية الفلسطينية، وأن هذا الموقف لن يتغير، لأن القضية الفلسطينية هى قضية مصر الأولى.
وفى الشأن الداخلى، واجهت مصر بفضل إرادتها الرشيدة التناحر الداخلى بين كثير من أبناء الوطن، وعاد الهدوء وروح الحوار والبحث عن مصلحة المجتمع من خلال (الحوار الوطنى)، وجلس الجميع على مائدة واحدة وأصبح الفرقاء رفقاء، فمصر شهدت عرساً ديمقراطياً لم تشهده على مدار سنوات، حيث لفيف متنوع من كل طوائف المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية، وكذلك ممثلو الأحزاب بمختلف أيديولوجياتها ومنظمات المجتمع المدنى بما فيها المنظمات التى تمثل طيف المعارضة، فالكل حريص على المشاركة لإعلاء راية الوطن. وعاد التلاحم الوطنى وظهر جلياً فى مبادرات مثل «كتف فى كتف»، بالإضافة إلى رفع كفاءة الريف والقرى من خلال «حياة كريمة».
كل هذا يجعلنى اليوم أحلم وأخاطب الواقع أن يخضع لأحلامى ويحققها، أحلم وأتمنى فى الجمهورية الجديدة أن يزداد الإنفاق على البحث العلمى الذى هو قاطرة التقدم. أحلم بتعليم قوى وحقيقى يظهر وبجلاء فى الاهتمام بتطوير المعلم والمناهج الدراسية وإعداد خريج يتناسب مع احتياجات سوق العمل.. أحلم باستمرار الاهتمام بالصحة والإنفاق عليها لما له من عظيم الأثر على زيادة الإنتاج وأداء المهام المجتمعية بكفاءة عالية... أحلم بزيادة الاهتمام بالقوى الناعمة من شعراء وأدباء ومفكرين وكتاب وإعلاميين وممثلين ومطربين وفنانين حتى يستمر الإنتاج المصرى لتلك الكوادر الخلاقة للدولة المصرية.
أحلم فى الجمهورية الجديدة أن نحافظ على ما وصلنا إليه وما حققناه فى العشر سنوات الماضية، لأنها أخذت وقتاً وجهداً ومالاً وعرقاً غزيراً.
أحلم فى الجمهورية الجديدة بأن تخرج كل صفاتنا الطيبة وأخلاقنا الحميدة إلى الواقع، وتسيطر على حياتنا، وتكون هى نهج سلوكياتنا، فلا تبنى الأمم أى حضارة إلا بالأخلاق والالتزام الخلقى والضمير الحى اليقظ الذى هو المعين الوحيد لبناء جمهورية جديدة نفخر ونباهى بها العالم.. أحلم وأدعو وأتمنى أن يستمر عون الله ومدده لفخامه الرئيس/ عبدالفتاح السيسى، فإن حمله ثقيل، ومشواره طويل، وشعبه يحلم ويتطلع إلى التجويد المستمر لمعيشته وحياته.
* نقيب الإعلاميين وعضو مجلس الشيوخ
المصدر: الوطن
كلمات دلالية: 25 يناير 2011 القضية الفلسطينية القضايا الإقليمية
إقرأ أيضاً:
تامر أفندي يكتب: أنا اليتيم أكتب
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أمات أبوك؟
ضلال أن لا يموت أبي..
ففى البيت منه روائح ربٍ.. وذكرى نبي..
أكتب الآن كيتيم لم يبك منذ ١٥ عامًا، ولا يعرف ما الذى دفعه للبكاء اليوم، أهى الدعوة المفاجئة للكتابة عن يوم اليتيم!.. ربما.. وربما موت أصدقاء وتركهم يتامى استدعى شجون لحظة الفراق.. آه من الفراق.
عن أبى أولًا أحكى لكم.. كنا نتهاتف إذ أنه قبل سنوات كنت أبحث عن عمل وبالكاد وجدت فرصة، فأحببت أن أرفع عن كاهله همى واتصلت به أخبره، كان صوته مُتعبًا بعض الشىء لكن ضحكته كانت كما هي، أغلقت معه الهاتف وبعد ١٠ دقائق ظهر لى اسمه ورقمه.. "أيوا يا أبا".. البقاء لله والدك توفى..! كيف وكيف وألف ألف كيف.. هذا قدر الله.. هكذا يا أبى فجأة دون وداع يليق بما كان بيننا من صداقة!.. هكذا دون أن أضع فى يدك بعض الأحلام التى تمنيت تحقيقها!.. هكذا دون أن تخبرنى ماذا على أن أفعل بعدك!.
بعد الذهول شعرت برتبة من الله على قلبي.. توضأت وصليت ركعتين وكان الجميع انفض من حولى مسرعين إلى المستشفى لإلقاء نظرة الوداع الأخير على والدي، ووقفت أنا وحيدًا.. من الآن صرت هكذا.. فالعالم كان أبي.. كان عائلتى وأصدقائي.. فهمت فى تلك اللحظة لماذا سقط أبى حينما توفيت جدتي.. كنت صغيرًا أمسكت بيده لينهض، لكنه كان يجهش بالبكاء ويقول: "ضِعت يا أمى"، حينها خلت أبى أقوى من ذلك وتعجبت كيف لمن أراه طودًا عظيمًا أن يسقطه شىء حتى ولو كان وفاة أمه، والآن أدركت لماذا سقط أبى ولم يستطع أن ينهض، لكن لا ينبغى على السقوط الآن رغم قسوة الفاجعة فليس هناك من أحد حولى سيمد يده لى لأنهض.. الجدار التى كنت أستند عليه هدمه ملك الموت.
جيرانى كرروا علىَّ السؤال بدهشة وتعجب: أمات أبوك؟.. الدهشة كانت لأن أبى لم يمرض ولم يفقد عنفوان صحته، كانت قبضة يده بقوتها لكن قبضة الموت كانت أبقى.. لم أنبس ببن شفاه.. لم أجب أحدًا ولكنى ابتلعت ما حفظته من أبيات داخلي:
أمات أبوك؟
ضلالٌ! أنا لا يموت أبي
ففى البيت منه
روائح ربٍ وذكرى نبي
هنا ركنه تلك أشياؤه
تفتق عن ألف غصنٍ صبي
جريدته تبغه متكاه
كأن أبى بعد لم يذهب
وصحن الرماد وفنجانه
على حاله بعد لم يشرب
ونظارتاه أيسلو الزجاج
عيونًا أشف من المغرب
رتب الله لى ما يليق بوداع أبي.. جهزت قبره وعطرت كفنه وذهبت لإلقاء نظرة وداع عليه فى المستشفى، وصعدت مرغمًا إلى قمة الحزن أو إن صح التعبير سقطت فى جحيمه، أنا الذى ما تخيلت يومًا وداعه، أفتح باب "ثلاجة الموتى" لأقبل جبينه دون أن يحدثنى كعادته، لكنه رأفة بى ودعنى بابتسامته التى بعد لم تفارقني.. عشت اليتم وعرفت أنه لا أحد بعد الأب.. لا جدار تستند عليه.. لا جبل تأوى إليه.. لا مجازفة ولا مغامرة ولا طمأنينة.. لذا أشفقت على إخوتى مما أشعر به فاتخذت قرارى بأن أكون لهم أبًا.
فى شارعنا ثمة صراخات علت ودوت ونبأ حسبته زيفًا لكنه كان حقيقة.. مات صديقى وأخى وجارى وتيتم أبناؤه.. مات هو الآخر دون مقدمات.. خرج من المباراة دون سبب.
كنا صغارًا نتكئ عليه، وكان هو من ذوى الهمم يتكئ على عصاه، نلعب الكرة فى تحدٍ بين الشوارع والحارات، فيؤرجها بين قدمه وعصاه فلا يستطيع أحد نزعها منه حتى يحرز بها هدفًا، فنصيح ابتهاجًا به «العب يا الورد».. كان بطلنا وكنا ظله أينما ذهب، يرفع عصاه فيلمس القمر، ويغرسها فى الأرض فتنبت شجرًا.. وها هو نجمنا يغادر ملعب الحياة ويجعل المباراة بعده بلا معنى، رحل هداف البطولة من غير وداع أخير لجماهيره.
جرح اليُتم فى زمن مواقع التواصل الاجتماعى لا يندمل ولا يهدأ فكلما حاولنا أن ننسى، جدده أبناؤه بفيديو وهو يتكلم.. يبتسم.. يحلم.. أهذا الذى يتكلم فى الواقع الافتراضى لا يمكنه الترجل إلينا هنا.. حسنًا فعل "مارك" بإجراء حذف الفيديوهات القديمة، فكلما تم عرضها تجددت فواجع الفراق.
تستطيع إذا ما دخلت قريتنا أن ترى اليُتم على جبينها، فحوادث موت الآباء الشباب كثيرة، والحزن يا سيدى وشم لا يُمحى لا تُزيله ضحكات ولا انتصارات فى الحياة.. هب أنك حققت كل النجاحات ولم يعد أباك هنا.. ولم تعد أمك هنا.. كيف سترى انعكاس نجاحك وعيناهما كانت المرآة؟!
كيف لأطفال غزة أن يكونوا بكل هذه القوة وهم يتامى؟!.. من أين لهم كل هذا الكبرياء بعد الفقد؟!.. لا يمكن أن يحدث ذلك إلا إذا كانوا ولدوا أباء.. رجالًا.. جبالًا.. فعجبًا أن تنضح مدينة اليُتم بالحياة.
هل كان الجرح يؤلم؟
أبى جَفَّ فجأة..
تيبَّس كالشجر المهجور..
أبى مات هناك..
أبى دُفن هناك
فى التل المطلِّ على مشهد حياته المنهار
فأين أموت يا أبي؟
وأنا أتحدث مع الموت سخر مني، فلم يٌعد هناك دار فى شارعنا إلا وزرع فيها شجر اليُتم.. شارعنا كان عنوانًا للفرح.. كنا كفرقة شعبية تٌجيد كل أنواع الفنون.. رجال ونساء يرقصون على وقع أنغام السعادة.. نعسنا واستيقظنا وقد احتل الحزن الشارع، لم نفطن ونحن صغار أن الذى يموت لن يعود.. ظللنا ننتظر لسنوات ونحن نستعيد الذكريات.. كانوا يقولوا لنا أن من مات ذهب إلى ربنا.. وكنا نذهب إلى الله نصلى فى المسجد ونعود فظننا أنهم حينما يفرغون من لقاء الله سيعودون لكن ذلك لم يحدث.
أتحاشى السؤال عن أحمد وبدر أبناء الدكتور مسعد!.. لأننى أعرف أن قناديل الفرحة لن تُضئ وإن بدت مشتعلة.. عرفت مسعد يتيمًا لم أر أباه.. ثم مات شقيقه الأكبر شهيدًا فخلد ذكراه باحتفالية سنوية فى القرية، ومنذ تلك اللحظة تحامل مسعد على نفسه وحمل جثمان أخيه على ظهره طيلة حياته حتى ودعنا هو الآخر شابًا أثناء ركضه فى ملعب الحياة.. تاريخ وفاته كان قد سبق صعود روحه بشهور حينما ماتت أمه.. فكيف لغصن أن يعيش وقد اجتث جذر شجرته وساقها؟!.. لست أعرف من هم الموتى.. من فُقدوا أم من فقدوا أحباءهم؟.. لعلنا نموت ببطء كلما فقدنا حبيبًا ولحظة الموت ما هى إلا إعلان رسمى عن الرحيل.
بموت أمي..
يسقط آخر قميص صوف
أغطى به جسدى
آخر قميص حنان
آخر مظلة مطر
وفى الشتاء القادم
ستجدوننى أتجول فى الشوارع عاريًا..
كُثر من ماتوا ومن تيتموا.. محمد عواد وفايز شاكر ومحمد حسن.. وأدرك أن شعور اليُتم ليس فقط من يشعر به هم الأبناء بل إن الآباء والأمهات أكثر يُتما إذا فقدوا قرات أعينهم..
مهما كنت كبيرًا وماتت أمك.. ومات أبوك.. ستصيرا يتيمًا.. كتب صديق لى مرثية لأمه جاء بها: «فى لحظات القنوط.. الهبوط.. السقوط.. الفراغ.. الخواء، وفى لحظات انتحار الأمانى وموت الرجاء وفى لحظات التناقض حين تصير الذكريات والحب ضدى وتصبح فيها القصائد ضدى وتصبح حتى الحروف ضدى وفى اللحظات التى أتسكع فيها على طرق الحزن وحدى أفكر فيك لبضع ثوانى فتغدو حياتى حديقة ورد».
مُرة هذه المقطوعة إلى الدرجة التى توصف مرارتها بالحلوة.. كنت أود أن أسأل صديقى كيف يرى المرء نفسه إذا ما سحبت الأقدار منه مرآته.. فخشيت على نفسى من الإجابة.
حرفان هما معنى الحياة
ثمة إلاه خلقه الله لك
بين كفيه قبس مما فى يد الله
ستتأمل الحرفين مليًا فى لحظة ما لتُدرك ما بهما من نعم ومعان ومواقف.. وستتمنى أن تعاود سنوات عمرك مرات لأداء فرائض الإيمان تحت أقدام هذا الإله الذى وضعه الله فى حياتك.. ستدرك أن أعظم ابتلاء فى الحياة هى لحظة فقد هذا الإله، وأن التحذير الربانى لنبيه ما جاء بهذا الشكل في: «فأما اليتيم فلا تقهر» إلا لعظمة الفقد وشدة الكسر، وستعى أن أم موسى ما كان لها أن تطمئن لتلقى بابنها فى اليم إلا بأمر مباشر من الله سمعته بقلبها وأٌذنيها، ستدرك صعوبة اختبار «هاجر» وفجعتها وركضها بين «الصفا والمروة» من فرط بكاء ابنها، وأن «دبدبة إسماعيل وزمزم ما كانت إلا شفقة على أمه»، وستتعلم على مهل ما حملته البتول من معُجزة وعظمة أن يُنسب عيسى لأمه وتباهيه بين قومه ببره: «وبرًا بوالدتي».
الأم.. هبة وعطية ربانية البعض منا يدرك عظمتها فيتفانى فى لثم قدميها، والبعض يأتيه الإيمان بها فى لحظة ما أو فى محنة ما، والبعض يركض فى الحياة ولا يُدرك ما فاته إلا حين تصطدم رأسه بمقولة السماء: «ماتت التى كٌنا نكرمك من أجلها».
لكل أم ملحمة وكتاب مقدس ولكل ابن حرف وفرح ودمعة مختلفة.. لى صديق أصبح يُشار إليه بالبنان كان مشروع أمه، التى أفنت فيه عمرها، يقول لى أحد أقاربه، أنه حينما بدأ صديقى هذا يظهر على شاشات التلفاز منذ سنوات، كانت أمه تٌخرج "تلفزيون صغير" على "تربيزة خشبية" أمام دارها فى قريتها وتدعو الجميع إلى مشاهدة ابنها بقول: "الأستاذ هيطلع دلوقتى فى التلفزيون".. سأترك لكم هذا المشهد لتستكملوه كل منكم بخياله..!
لى صديق آخر ودع أمه وهى تبتسم قبل أن يأتيها ملك الموت وخرج مسرعًا من المستشفى ولم يعد من لحظتها إلى الحياة.. ومازال ملك الموت يبحث عنه ليعتذر له عن عدم قبض روحه مع روح أمه..!
أعرف الكثير من الأمهات اللاتى يغضبن إذا نودين بأسمائهن دون أن يقول المنادى «الست أم فلان».. ولا عجب أن تٌضحى بتعريفها واسمها من ضحت بحياتها من أجل صناعة هذا الابن.
يقول لى صديق وقد أخذ ثمار حرفه من غصون بعض الفلاسفة فى التعبير عن حبه لأمه: «كل البيوت مظلمة يا صاح حتى تستيقظ الأم، فهى كل شيء فى هذه الحياة؛ هى التعزية فى الحزن، والرجاء فى اليأس، والقوة فى الضعف».
وأسكت أنا لأن أمى أعظم من الحرف.. فما أكتبه ويٌعجب البعض أراه لا يرقى لأن يٌشكل كلمة حب أضعها فى كف أمي، حتى درويش حينما كتب ترنيمته الخالدة على "علبة كبرت" لم يصعد سوى درجة واحدة فى المحبة ولكم من درجات لا تُحصى
«إن أمى لا يمكن أن تكون كبقية الأمهات».. هكذا قال لى إحسان عبد القدوس وأنا أطالعه ليلة أمس، ثم بدأت أسمع صداها فى كل الشوارع وأراها مرسومة على كل شفاه المارة.. لم أبُد تعجبًا مما قاله «إحسان».. فهزنى بعنف قائلًا: «أمى صنعتنى بيديها كما صنعت مجدها بيديها.. لا تحمل شهادة مدرسية أو تأهيلًا علميًا ورغم هذا أخرجت جيلًا كاملًا من الكتّاب السياسيين والصحافيين.. هى التى أرشدت أقلامهم».
تساقط الدمع من عينيه وهو يتحدث عن أصعب لحظة فى الحياة: «سمعت صوتًا يقول البقية فى حياتك.. أحسستُ كأن شفتى قد انفرجتا وانطلقت منهما صرخة: البقية فى حياتك؟ هذا التعبير لا يقال لي..! إنه ليس لى حياة إلا مع أمي».
أترك درويش وإحسان ووالدة صديقى التى مازالت تتابع ظهوره فى التلفاز حتى بعدما فارق جسدها الحياة وأهرب من عبارات النعى ومرض الأمهات.. وأدندن مع نزار:
أيا أمي
أيا أمي
أنا الولدُ الذى أبحر
ولا زالت بخاطرهِ
تعيشُ عروسةُ السكّر
عزائى لمن فقد إلهه: عسى لقاء.