كتابة التاريخ ليست أمرًا سهلًا وإنما هي من أصعب الكتابات في كل المعارف الاجتماعية والأدبية، ولا أعني التاريخ بمعناه الأدبي والسردي، وإنما الكتابة بالمعنى الفكري والفلسفي، حيث يوظف المؤرخ كل العلوم المساعدة، ابتداء من امتلاك أدوات المنهج البحثي، وصولًا إلى قدرته على توظيف ما يمتلكه من معلومات بشأن الموضوع الذي يود الكتابة عنه، ولعل القضية الأهم في كتابة التاريخ هي تفسير أحداثه ووقائعه، وهي القضية الأصعب منذ أن انشغل الفلاسفة والمؤرخون بالكتابة التاريخية، ومحاولة التعرف على ما خفي من أحداث ظلت غامضة، لدرجة أن البعض فسر الوقائع التاريخية تفسيرًا خرافيًا أو دينيًا، وهو أمر تولاه منذ فجر التاريخ القاصون والحكَّاؤون، وقد خضعت هذه الروايات لقدر من الخيال والمبالغة وإضفاء القداسة على الوقائع والأحداث التاريخية، وهو ما يفسر الاضطراب الكثير فيما ورد في المصادر التاريخية، سواء في ما كتبه العرب أو الأوروبيون.
رغم أن جميع هذه المصادر في حاجة إلى إعادة النظر فيما ورد فيها من معلومات، ولهذا فهي في حاجة إلى إعمال العقل والبحث عن مصادر جديدة للاقتراب من معرفة الحقيقة، وخصوصًا بعد أن تطورت العلوم والمعارف وظهور النزعة التطبيقية وفقا لما وصل إليه العالم من اكتشاف نظريات مذهلة في كل مناحي العلوم التجريبية، لذا فعلم التاريخ في حاجة إلى مواكبة هذه الثورة الجديدة في المعرفة، لدرجة أن المؤرخين الجدد في أوروبا أخضعوا الوقائع التاريخية في الكتب المقدسة للنقد، أعلوا من شأن النزعة الإنسانية وتحرير العقل من سلطة الدين، بعد أن أصبحت سلوكيات البشر موضوعًا للتاريخ دون النظر إلى الأعراق والأديان، فضلًا عن استبعاد فكرة أثر القوى الغيبية في صناعة التاريخ.
كان ڤولتير ( ١٦٩٤- ١٧٧٨)، أول من قال بالعلاقة بين الفلسفة والتاريخ، وأول من ابتكر مصطلح فلسفة التاريخ، وقد اعتبره كثير من المؤرخين والفلاسفة بمثابة الأستاذ الأول لعلم التاريخ، بعد أن أسقط من حساباته العوامل الروحية والأخلاقية والاجتماعية، وتبعه فيما بعد مؤرخون وفلاسفة قالوا إن التاريخ يمضي نحو الحرية، وأنه يخضع لقوانين علمية مثله مثل كل العلوم الطبيعية، وإنه يمضي على خط واحد لكن ڤولتير من أوائل الذين قالوا بإعلاء قيمة العقل الذي يصل بالإنسان حتما إلى قدر من التوازن، وهو ما يُمَكِّن البشرية من وضع أسس العدالة والنظام وإعمال القانون.
أثارت آراء ڤولتير وتلاميذه ضجة كبيرة، حينما راح يطرح بعض نظرياته وأفكاره، وهي نظريات اختلفت عن نظريات أقرانه، فضلًا عن اختلاف ما قال به عن نظريات ابن خلدون ( ١٣٣٢-١٤٠٦)،الذي قال: التاريخ يدور في مساره كعجلة دائرية تتعاقب عليها الحضارات، وإن البشرية لا تتقدم في مسار مستقيم خلال مراحل التاريخ، ولا على شكل دائرة، وإن التعاقب الدوري لا يعني ارتدادها إلى نفس البداية، بل تمضي وقائع التاريخ في مسار لولبي وكل دورة تعلو سابقتها، وإن العناية الإلهية هي التي تحدد مسار التاريخ، وإن التاريخ لا يعيد نفسه أبدا ولكنه يأتي على صور جديدة.
أحدثت آراء ڤولتير ردود فعل كبيرة، خلال القرن الثامن عشر، حينما قال: التاريخ نوع من الفلسفة وأن الفيلسوف فقط هو المؤهل لكتابة التاريخ، ولم يكتف ڤولتير بطرح نظرياته في المنتديات، بل راح يكتب التاريخ من منطلق رؤيته الفلسفية، وأقدم على نشر كتابه (حياة شارل الثاني)، وهو بمثابة دراسة وثائقية نقدية تحليلية متأنية، ويمكن وصف ما جاء في هذا الكتاب بأنه العمل العلمي الأول الذي وُظفت فيه الفلسفة في كتابة التاريخ، أعقب ذلك بكتاب آخر (خطابات فلسفية) وقد حفل بمزيد من الآراء والملاحظات عن حركة التاريخ، ثم نشر كتابا ثالثًا (عصر لويس الرابع عشر) وقد أبدى فيه براعة مذهلة في تحليل الأحداث والأشخاص، تجاوز كثيرا المفهوم التقليدي للكتابة التاريخية باعتبارها سردًا للأحداث.
أعتقد أن من وضع البذرة الأولى لكتابة التاريخ بالمعنى العلمي هو ڤولتير، هذا الفيلسوف الذي أقام الدنيا ولم يقعدها، وخصوصًا عندما نشر كتابه (أخلاق الأمم وروحها)، وهو أيضا أول من لفت الأنظار لأهمية تاريخ الفكر، مؤكدا على أن الفكرة العميقة والخفية في صناعة التاريخ هي تقدم الفكر الإنساني، وقد رأى أن أحداث التاريخ تفتقد إلى الحكمة والفلسفة، وأشاد كثيرا بدور العقل القادر على إزاحة الخرافات والجهل والتعصب، وهاجم بشكل عنيف المؤرخين الذين أرجعوا كل الأشياء إلى العناية الإلهية، وقد استبعد كل هذه الآراء بحجة أن الله خلق العالم وفقا لقوانين ثابتة، ومنح الإنسان العقل ليحسن استخدامه، ولهذا فالتاريخ لا يسير وفقا لمفهوم العناية الإلهية لدى اللاهوتيين، وإنما بمقتضى العقل البشري نحو الأفضل والأكمل.
كان التاريخ قبل ڤولتير فرعا من الأدب، يُعنى به الرهبان والملوك بهدف الإعلاء من شأن القديسين، ولم يكن في أوروبا حتى ظهور ڤولتير ما يمكن تسميته بعلم التاريخ، وإنما كانت هناك بعض المدونات التي كُتبت في الكنائس، فضلًا عما كتبه مؤرخو اليونان والرومان في العصور القديمة، ومع ظهور عصر النهضة الإيطالية، وظهور النزعة العلمية للعلوم التجريبية التي توجت باكتشافات (إسحاق نيوتن) للجاذبية، و(جالبيرت) للمغناطيسية، وما صاحب ذلك من التطور الهائل في علوم الكيمياء والفيزياء والطب، واكب ذلك ظهور تيار جديد في الدراسات التاريخية يهدف إلى إخضاع الوقائع التاريخية التي وردت في الكتب المقدسة إلى النقد وتحرير الإنسان من سطوة الكنيسة، واستبعاد القوى الغيبية عن مسار التاريخ باعتباره فعلًا إنسانيا، أعقب ذلك ظهور تيار جديد يدعو إلى إخضاع كل شيء للنقد وإعمال العقل، وهو السياق التاريخي الذي ظهر فيه ڤولتير متسلحا بثقافة فلسفية جديدة، مؤمنا بفكرة أن الفيلسوف فقط هو المؤهل لكتابة التاريخ، وإذا كان ڤولتير هو أول من وضع مصطلح (فلسفة التاريخ) إلا أنه أغفل الجوانب الروحية والخلقية والإنسانية في صناعة التاريخ، وأعتقد أنه قد جانبه الصواب وخصوصًا حينما قال بأن التاريخ شأنه شأن العلوم الطبيعية، وأنه يمضي في خط مستقيم واحد، وهى رؤى في مجملها ثبت أنها لا تكفي لقيام الحضارة واستقرار الأمم، بل البشرية دائما في حاجة إلى مُنظرين يحررون الإنسان من عبوديته في ظل قواعد قانونية وتشريعية تنشئها الحكومات في سبيل الوصول بالمجتمع إلى ما يمكن تسميته بالسلام الاجتماعي.
أعتقد أننا في عالمنا العربي وفي جامعاتنا ومراكزنا البحثية في حاجة إلى إعادة قراءة ما كتبه ڤولتير، والإفادة منه في كثير من القضايا التاريخية، التي يضطلع بكتابتها المؤرخون، وخصوصًا في علاقة الفلسفة بالتاريخ، وأن ما قال به ڤولتير في هذا الجانب جدير بالعناية والدراسة، ولهذا فأنا أعتقد أن دراسة الفلسفة شرط من شروط المؤرخ، وعلى ضوء كل ما سبق أعتقد أن تاريخنا العربي في مجمله بحاجة إلى إعادة النظر على ضوء هذه الأفكار والنظريات النقدية لعلنا نصلح ما أفسده الغرب في كتابة تاريخنا العربي.
د. محمد صابر عرب أستاذ التاريخ بجامعة الأزهر ووزير الثقافة المصرية (سابقا) ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية (سابقا).
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: کتابة التاریخ فی حاجة إلى أعتقد أن وخصوص ا ما قال
إقرأ أيضاً:
للمرة الأولى في التاريخ.. رصد الشفق القطبي الغامض لكوكب نبتون
#سواليف
تمكن #تلسكوب_جيمس_ويب الفضائي التابع لناسا من #رصد #الشفق_القطبي على كوكب #نبتون بتفاصيل مذهلة، سجلت للمرة الأولى في التاريخ.
وهذه الظاهرة الجوية الخلابة تحدث عندما تصطدم جسيمات مشحونة من #الشمس بذرات الغاز في الغلاف الجوي للكوكب، ما ينتج عنه #أضواء_ملونة ساحرة.
وعلى مدى السنوات الماضية، التقط علماء الفلك لمحات عابرة للنشاط الشفقي على نبتون، كان أبرزها أثناء تحليق مركبة “فوياجر 2” التابعة لناسا عام 1989. لكن على عكس جيرانه من العمالقة الغازية مثل المشتري وزحل وأورانوس، ظلت أضواء نبتون الشفقية بعيدة المنال، حتى جاء تلسكوب ويب ليحل اللغز أخيرا.
مقالات ذات صلة 6 طرق ضرورية للحفاظ على هاتفك أطول فترة مُمكنة 2025/03/31وفي يونيو 2023، استخدم تلسكوب جيمس ويب مطياف الأشعة تحت الحمراء القريبة لرصد الشفق على نبتون بدقة غير مسبوقة. وبالإضافة إلى صورة الكوكب، حصل العلماء على طيف لتحليل تركيبته وقياس درجة حرارة غلافه الجوي العلوي (الأيونوسفير).
وفي اكتشاف ثوري، تم الكشف عن خط انبعاث قوي من أيون ثلاثي الهيدروجين (H3+)، وهو جزيء معروف بتكونه في الظواهر الشفقية.
وكشفت الملاحظات أن الشفق على نبتون يختلف تماما عن نظيره على الأرض أو المشتري أو زحل. وبدلا من التركيز عند القطبين كما هو معتاد، تظهر هذه الأضواء عند خطوط العرض الوسطى للكوكب، تقريبا حيث تقع أمريكا الجنوبية على الأرض.
ويعزو الباحثون هذه الظاهرة الغريبة إلى المجال المغناطيسي المائل بشكل غير عادي لنبتون، والذي اكتشفته “فوياجر 2” عام 1989.
وفي مفاجأة أخرى، قاس العلماء درجة حرارة الغلاف الجوي العلوي لنبتون لأول مرة منذ تحليق “فوياجر 2”. والنتائج كانت صادمة، فقد تبين أن الغلاف الجوي العلوي للكوكب قد برد بمئات الدرجات منذ آخر قياس، ما قد يفسر سبب بقاء الشفق خفيا عن الأنظار طوال هذه المدة.
إقرأ المزيد
سبعة كواكب في صورة واحدة.. مصور فلكي يوثق ظاهرة نادرة في سماء الليل
سبعة كواكب في صورة واحدة.. مصور فلكي يوثق ظاهرة نادرة في سماء الليل
ويقدم هذا الاكتشاف الرائد طريقة جديدة لدراسة كيفية تفاعل المجال المغناطيسي للكوكب مع الجسيمات الشمسية التي تصل إلى أطراف نظامنا الشمسي. كما يخطط الفريق الآن لدراسة الكوكب خلال دورة شمسية كاملة مدتها 11 عاما باستخدام تلسكوب جيمس ويب، ما قد يكشف المزيد من أسرار هذا الكوكب الجليدي الغامض.
ويقول هنريك ميلين من جامعة نورثمبريا، المؤلف الرئيسي للدراسة. “لم يكن رصد الشفق بحد ذاته مذهلا فحسب، بل وضوح التفاصيل ودقتها قد صدمتني حقا”.
وتمثل هذه النتائج التي نشرت في مجلة Nature Astronomy، خطوة مثيرة للأمام في فهم ديناميكيات الغلاف الجوي للكواكب الجليدية العملاقة.