واشنطن تعتزم فرض قيود على العديد من مسؤولي هونغ كونغ
تاريخ النشر: 30th, March 2024 GMT
أعلنت الولايات المتحدة أنها بصدد فرض قيود جديدة على منح التأشيرات لمسؤولين من هونغ كونغ "ضالعين في انتهاك حقوق الإنسان".
إقرأ المزيدوقال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، اليوم السبت، إن بكين خلال العام الماضي "واصلت اتخاذ إجراءات ضد الحكم الذاتي الواسع الموعود والمؤسسات الديموقراطية والحقوق والحريات في هونغ كونغ".
وأضاف أن حملة القمع تلك تشمل إقرار "المادة 23"، وهي قانون للأمن القومي يستهدف مرتكبي جرائم من بينها الخيانة والتمرد والتجسس وسرقة أسرار الدولة.
وردا على "القمع المكثف" والقيود على "المجتمع المدني ووسائل الإعلام والأصوات المعارضة" تتخذ وزارة الخارجية "إجراءات لفرض قيود جديدة على تأشيرات الدخول للكثير من المسؤولين في هونغ كونغ، وفق البيان.
ولم يوضح بلينكن الإجراءات التي ستتخذ ولا المسؤولين المستهدفين.
ويأتي إعلانه بعد مراجعة واشنطن السنوية لوضع الحكم الذاتي في هونغ كونغ، والذي وعدت به بكين عندما سلمتها بريطانيا المدينة عام 1997.
وقال بلينكن: "هذا العام أكدت مرة أخرى أن هونغ كونغ لا تستحق أن تعامل بموجب القوانين الأمريكية بالطريقة نفسها التي كانت تطبق فيها هذه القوانين على هونغ كونغ قبل الأول من يوليو 1997".
وفرضت واشنطن في السابق قيودا على منح تأشيرات وعقوبات على مسؤولين من هونغ كونغ تتهمهم بتقويض الحقوق والحريات التي تميز المدينة عن بقية الصين.
وفي 2020 ألغت الولايات المتحدة أيضا الوضع التجاري الخاص للمدينة التي تعد مركزا ماليا مهما، ردا على قمع احتجاجات كبيرة مطالبة بالديموقراطية تخللها أحيانا أعمال عنف.
ورفضت حكومة هونغ كونغ التقرير الأمريكي، معتبرة أن العقوبات والقيود على التأشيرات "تنم عن تلاعب سياسي خسيس لتخويف المسؤولين الذين يحمون الأمن القومي".
وقالت الحكومة في بيان مطول، إن المدينة لا تزال تتمتع بحكم ذاتي وإن قانون الأمن الجديد يحمي الحقوق الأساسية والحريات.
ودان ممثل وزارة الخارجية الصينية في هونغ كونغ "بشدة" قرار واشنطن الأخير، باعتباره تشويها لقانون الأمن الجديد وتدخلا في شؤون الصين الداخلية.
وقال متحدث باسم مكتب مفوض وزارة الخارجية إن المراجعة السنوية للحكم الذاتي في هونغ كونغ كانت "مهزلة لم يصدقها أحد.. وينبغي أن تذهب إلى مزبلة التاريخ".
وفرضت بكين في عام 2020 قانونا شاملا للأمن القومي في هونغ كونغ لإخماد الاحتجاجات. والمادة 23 التي دخلت حيز التنفيذ الأسبوع الماضي، هي قانون محلي جديد للأمن القومي قال المسؤولون إنه ضروري لسد الثغرات الأمنية.
المصدر: أ ف ب
المصدر: RT Arabic
كلمات دلالية: هونغ كونغ واشنطن فی هونغ کونغ
إقرأ أيضاً:
بين قيود الأمس وأفق الغد: عقلٌ يتوق إلى التغيير لكنه يرتجف من الجديد
كانت ليلة مشحونة بالتوقعات، ليس لأنها حملت ميلاد طفلٍ فحسب، بل لأنها حملت معها ولادة أمل أيديولوجي جديد. لم يكن مجرد حدثٍ عائلي، بل أشبه بمؤتمر فكري، جلس الأب، اليساري حتى النخاع، بينما الأم، البعثية، كانت تستعد لاستقبال المولود. لم يكن ثمة خلاف بينهما إلا على الاسم, هل سيكون لينين إكراماً لماركسية الأب، أم ميشيل وفاءً لنضال الأم والأسرة الممتدة؟. احتشد الجميع حول غرفة الولادة. ترقبوا الصرخة الأولى، لكن ما حدث كان أبعد ما يكون عن التوقعات. فتح الطفل عينيه، نظر حوله بتمعّن، كأنه يمسح الساحة السياسية التي جاء إليها للتو، وسط ذهول الجميع، صرخ قائلاً: الجماعة ديل قاعدين؟. التفت الجميع إلى الأب. رفع حاجبيه في دهشة، يحدّق بنظرة فاحصة، كأنه يحاول التأكد إن كان هذا الطفل قد جاء فعلاً من صلبه أم أنه لا يخضع لقوانين الطبيعة، باغتهم الطفل بسؤال ملؤها العتاب، لا يخلو من براءة،: (طيب مارقنّا ليه)؟.
الإشكالية لا تكمن في الخصوم التاريخيين، للطفلٍ وأبويه، أم في الأحزاب، وحركات الكفاح المسلح. بل تتجلى جوهر الأزمة في بنية فكرية أكثر عمقاً، متشبثة بأيديولوجية مغلقة، لا ترى في الحقيقة سوى انعكاسٍ مشوّه لقناعاتها، ولا تتسع للآخر إلا بوصفه نقيضاً. ترى الحقيقة ملكية خاصة لا تقبل القسمة، وتعتبر الرأي المخالف تهديداً، لا مجرد اختلاف في وجهات النظر. الأزمة ليست في الأسماء والمسميات، بل في الذهنية التي تجعل الانتماء لأي عقيدة أو حزب أو فكرة سجناً يحجب استيعاب التنوع. فهل المشكلة في اللاعبين، أم في قواعد اللعبة؟ كيف ننتظر ولادة أفكار جديدة من عقول تأبى المراجعة، وتخشى المساءلة؟ عندها التنوع خطراً، والاختلاف جريمة، والمخالف خصماً ينبغي اجتثاثه، وتبني خطابٍ سياسي أو ديني يمجّد الإقصاء، ويبرّر العنف، متدثراً بثوب المشروعية الزائف، لابد من تبني فكر لا يهاب النقد، بل يستمد منه اتساعه وثراءه، ويتحرر من سجن الأيديولوجيات الجامدة التى لا تتحقق إلا بانفتاح العقل على الأسئلة، وإدراك أن الحقيقة ليست ملكاً لأحد. ومواجهة الذهنية العاجزة عن استيعاب الاختلاف، والتي تؤجج الغضب وتدفع بالمجتمعات نحو الانفجار. الإقصاء، مهما بدا مغرياً لنخبٍ تخشى فقدان امتيازاتها، لا يخلّف سوى مزيدٍ من الانقسام والاحتقان، في دورة مغلقة من التآكل الذاتي.
التورط في مستنقع المحاصصة والعنصرية ليس مجرد خلل سياسي، بل هو داءٌ يقوّض فكرة الدولة ذاتها، فيحيلها من مشروعٍ للبناء إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات، وحين تُختزل السلطة إلى مجرد غنيمة تُقتسم، لا أمانة تُحمل، تتحول معايير الاختيار إلى محض ولاءات، لا كفاءات. فيُقصى أصحاب العقول النيّرة لأنهم لا ينتمون إلى الدوائر المغلقة، ويُقرَّب الأتباع لا لجدارتهم، بل لولائهم الأعمى. هي ذاتها العقلية التى تبدد الموارد في معارك جانبية بدلًا من توجيهها للتنمية، وتُعيد إنتاج الفشل بوجوهٍ جديدة، متناسية أن الشعوب، مهما طال سباتها، تستعيد وعيها وقت يحين أوان الحساب. هذه العقلية لا تدرك ان الزمن لا يرحم والتاريخ لا ينسى، وأن اللحظة التي ينهض فيها الوعي، ولو تأخر، ستكون اللحظة التي يُكنس فيها هذا الإرث البالي، فالشعوب قد تُرهَق، لكنها لا تُهزَم، وقد تُخدع لبعض الوقت، لكنها تأبى أن تعيش في الظل إلى الأبد.
ما لم تتغير العقلية، سيبقى الوطن عالقاً في دائرة مغلقة،. فالأوطان لا تُبنى بالموروثات الفكرية الراكدة، بل بعقول تتجدد، ترى أبعد من حدود المعتاد، وتدرك أن الجمود هو تعطيل لتفعيل برنامج التكليف. كل كائن في هذا الكون خُلق بسعة استيعابية محدودة، كالأجهزة التي نستخدمها بعضها لا يملك قدرة على التحميل (Download)، وبعضها يتفاوت في سعة التحميل. غير أن الإنسان، وحده، هو الكائن الذي مُنح سعة غير محدودة. فكان مؤهلاّ لحمل برنامج الأمانة الذي استعصى على السماوات والأرض والجبال، لا لعجزها المادي، ولكن لأن البرنامج (software) يتجاوز بنيتها وقدرتها على الاستيعاب. وحده الإنسان امتلك السعة التي مكّنته من تحميل برنامج الامانة، ليظل كائناً متفرداً بين المخلوقات، ولكن كم إنسان ظل هذا البرنامج غير مفعل في داخله وبقي بلا أثر، الفارق بين من يعي أمانته ومن يفرّط فيها ليس في التحميل، بل في التفعيل. وإلا فإنه يصبح كحامل للأسفار، مجرد مستودعٍ للمعلومات لا روح فيها ولا إبداع.
العقلية التي لا تدرك أن الزمن ثروة، وتراه عبئاً ثقيلاً يسعى للتخلص منه، تفرط في أعظم ما تملك. وكذلك المنهج العقيم الذي يعجز عن إيقاظ شغف الطالب بالمعرفة، يتحول إلى سجن للفكر، يحشو الأذهان دون أن يفتح أمامها أبواب الاكتشاف. يبقى مجرد تكرارٍ عقيم لا يلامس الوجدان. كم من طالب حفظ نظريات الفيزياء دون أن يلمس في سقوط التفاحة لحظة إلهام، وكم من قارئ طوى آلاف الصفحات دون أن يجد فيها ما يضيء له الطريق. بدون المعرفة، لا يمكننا إعادة بناء مؤسسات قوية تُدار بالكفاءة والنزاهة، لا بالمحسوبية أو الولاءات الضيقة. ويتحول الولاء للأشخاص أو الجماعات دون للوطن. أي تجاوز لهذا الإطار المؤسسي ليس إلا امتداداً للجنجويدية السياسية. حين تُدار العدالة خارج مؤسسة القضاء، وتُقام المحاكمات وفق الأهواء السياسية لا القانون، وحين تشارك الأحزاب في السلطة الانتقالية دون تفويض شعبي، فإنها تمارس نفس الجنجويدية السياسية التي تقوض الدولة بدلاً من أن تبنيها. الإصلاح لا يتحقق بتغيير الوجوه، بل بتغيير القواعد، حيث يصبح القانون هو السيد، وتُدار الدولة بمعايير واضحة لا تخضع للمزاج السياسي أو المحاصصة الضيقة.
ما جدوى الثورات إن بقيت العقول سجينة ماضٍ يأبى أن يفسح المجال للجديد، تتقاذفها دوامة التكرار ويشلّها الخوف من المجهول؟ إن النهضة ليست في عدد الجامعات ولا في وفرة الأبحاث، ولا في اوارق تُكتب ثم تُنسى في أدراج الوزارات، بل في القدرة على التفكير وتحويل الرؤى إلى افعال. لماذا استطاعت أمم كاليابان والصين وسنغافورة ورواندا أن تنهض من تحت رماد الحروب والكوارث، لتصبح أمثلة تحتذى في البناء والتقدّم، بينما نقف نحن عند مفترق الطرق، نُثقِل كواهلنا بجدل عقيم، لا يُفضي إلا إلى معادلة صفرية، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل استنزافٌ مستمر للفكر والوقت والجهد؟ أهو شُحّ الموارد، أم ندرة العقول التي تجرؤ على خوض غمار التغيير بعزيمة لا تعرف الانكسار؟ لا سبيل أمامنا سوى إعادة النظر في أسس تفكيرنا، وإشعال ثورة فكرية تعيد ترتيب الأولويات، وتؤسّس لمشروع وطني لا مكان فيه للتمييز أو الإقصاء، بل يؤمن بأن كرامة الإنسان، أيًّا كان دينه أو لونه أو أصله، هي حجر الزاوية لكل نهضة. فهل نمتلك الشجاعة لكسر قيد الانقسامات ورؤية تنوعنا كمصدر قوة لا كنقطة ضعف؟، الواقع لا يمنح مكاناً للعاجزين عن التفكير. إن لم نعدّ جيلاً من الشباب متسلح بأدوات التقدّم، قادراً على خوض غمار الصناعة والزراعة وكافة ميادين الحياة بإرادة لا تعرف السكون، فسنظل أسرى دوامة الأخطاء المتكررة، نتخبط ثم نتساءل عبثاً لماذا يسبقنا الآخرون بينما نظل نحن في المؤخرة.
abudafair@hotmail.com