اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.

أيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَات:

السَّـلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛

استكمالاً لما كنا قد بدأنا الحديث عنه، على ضوء الآيات القرآنية المباركة، في قصة نبي الله آدم "عَلَيْهِ السَّلَام"، وبداية الوجود البشري، في سياق أن نقدِّم بعض المحاضرات والدروس على ضوء ما ورد في القرآن الكريم، من القصص الذي فيه الدروس والعبر المهمة والمفيدة، سبق لنا الحديث على ضوء ما ورد من الآيات المباركة في (سورة البقرة)، وفي (سورة الأعراف)، ونتحدث اليوم باختصار على ضوء ما ورد من الآيات المباركة في بعض السور الأخرى.

يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في الآيات المباركة من (سورة الحجر): {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}[الحجر: من الآية26]، فالله بيَّن لنا كيف ابتدأ خلق الإنسان، وهذه مسألة مهمة؛ لأنه- كما قلنا في المحاضرات السابقة- يحاول أهل الضلال والباطل من أولياء الشيطان، وبالذات الذين لهم ارتباط بالصهيونية واليهودية، يحاولون أن يقدِّموا بداية الوجود البشري على أنها بداية مجهولة، ثم أن يفترضوا لها افتراضات تخمينية، قائمة على التخمين، والهواجس، والظنون، والأوهام، وليست مبنيةً على حقائق، وبناءً على ذلك قدَّموا تصوراً خاطئاً جداً عن بداية الوجود البشري، مجرداً من التكريم، وهم يركزون على هذه المسألة.

التوجه اليهودي هو قائم على الامتهان لكرامة البشر، وتقديم تصورات خاطئة، تُرَسِّخ لدى الإنسان أنه مجرد حيوان، متطور عن قرد، وأنه لا كرامة له، ولا تكريم له في خلقه ودوره؛ فالله بيّن لنا بداية الوجود البشري، وأنَّ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" ابتدأ خلق الإنسان ككائن مستقل في نفسه، يعني: ليس فرعاً عن مخلوقٍ آخر، أو نتيجةً للتطور من حيوان إلى حيوان آخر، بل ابتدأ خلقه مباشرةً من طينة الأرض.

سبق لنا الحديث عن أن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" خلق الإنسان ككائن أرضي، من طينة الأرض، ومهمة هذا الإنسان مرتبطة بالاستخلاف في الأرض، والمسؤولية في هذه الحياة، وبيّن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" المادة التي خلق الإنسان منها، وهي: من طينة الأرض، طينة الأرض التي كانت حمأً: تراب أسود متغير لكثرة ما بقي مبتلاً بالماء، وهذا الطين الذي هو بهذا الشكل: ابتلى بالماء حتى تغير، واتجه لونه إلى الأسود، سنَّه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بمعنى: أنَّ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" حرَّكه كثيراً حتى تمازج أكثر وأكثر، وسوَّى منه هيكلًا وشكلًا إنسانيًا، فتحول إلى صلصال، والصلصال عندما ييبس الطين الذي كان طيناً رطبًا آسناً، فييبس تمامًا، يتحول إلى صلصال، يجف وعندما ينقره شيء، أو يصطدم به شيء، يُصَلْصِل، يصدر منه صوت، كما نراه في آنية الفخار، وكما قدَّم التشبيه في الآية القرآنية في (سورة الرحمن): {كَالْفَخَّارِ}[الرحمن: من الآية14]، لكن الفخار طُبِخ بالنار، ويُبِّس بالنار؛ أمَّا الصلصال فلم يُيبس بالنار، بل يبس إمَّا جف نتيجةً للشمس والرياح والعوامل الأخرى. فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" خلق الإنسان من هذه المادة، وبيّن لنا كيف ابتدأ خلق الإنسان من طينة الأرض.

{وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ}[الحجر: من الآية27]، يعني: من قبل خلق الإنسان، فَخَلْقُ الجان قبل خلق الإنسان، {مِنْ نَارِ السَّمُومِ}[الحجر: من الآية27]: من مادة مختلفة عن المادة التي خلق الله الإنسان منها، (نَارِ السَّمُومِ) السَّمُومِ: الهواء الحار، وفي (سورة الرحمن) قال: {مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}[الرحمن: من الآية15]، فهو مخلوقٌ من اللهب، اللهب الناري الذي ينقطع من النار.

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}[الحجر: 28-29]، وتحدثنا عن مسألة تقدم خلق الملائكة قبل خلق البشر بدهرٍ طويل، وعن الدور المرتبط بالملائكة، وعن عبادتهم، وعن علاقتهم بمستقبل الإنسان، علاقتهم بمستقبل الإنسان في مهام ترتبط بوجود هذا الإنسان، فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أعلمهم، وبيَّن لهم أنه (خَالِقٌ بَشَرًا): بشراً من طينة هذه الأرض، والإنسان كائنٌ بشريٌ، في تكوينه، وجلده، وجسمه، (مِنْ صَلْصَالٍ): أصل هذا البشر مخلوقٌ من الصلصال، والصلصال هذا صنعه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وسواه (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ).

{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}، عندما يسوِّيه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يسوِّيه بشكله، وتصميمه، وهيكله، فينفخ فيه الروح، الروح التي بها حياة الإنسان، وهي سرٌ من أسرار الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}[الإسراء: من الآية85]، لا يعرف البشر ماهية هذا الروح، ولا يعرفون تفاصيل عنه، ولكن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" إذا نفخه في الإنسان؛ بعث فيه الحياة، بعث فيه الحياة، وأضافه إليه في قوله: {مِنْ رُوحِي}؛ لأنه خالقه ومالكه، ولتشريف الروح، فهو آيةٌ عجيبةٌ، وله سره العجيب في الإنسان، في تكوين الإنسان، مكوّنٌ مهمٌ في تكوين الإنسان، الإنسان الذي كوَّنه الله وخلقه وأوجده من التراب أضاف إليه الروح، فهو إضافة مهمة في تكوين الإنسان، ولها أثرها فيما يتعلق بالإنسان في حياته، في تفكيره، في مداركه، في أشياء كثيرة، خصائصه، طاقاته... أشياء كثيرة تتعلق به، {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}، وهو سجود تكريم، تكريم لآدم، وعبادة لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأنه تسليمٌ لأمر الله، وطاعةٌ له "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}[الحجر: الآية30]، امتثلوا أمر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" دون تردد، وبكلهم، وهم أصناف كثيرة (الملائكة)، ومستويات في مقامهم، في منازلهم، لكنهم سجدوا.

{إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}[الحجر: الآية31]، إبليس الذي كان يعبد الله في صفوف الملائكة، وبين أوساط الملائكة، امتنع عن السجود بشدة، لم يسجد معهم، وامتنع من السجود معهم، {أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}[الحجر: 31-32]، وسبق لنا أن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أراد بهذا السؤال لإبليس: أن يكشف لنا نحن السبب والدافع، الذي ليس بمبرر لإبليس في امتناعه عن السجود؛ إنما هو دافعٌ سيء، وليس مبرراً مشروعاً، فلما كانت المسألة ذات أهمية بالنسبة لنا في أن نعرفها، أراد الله أن نعرفها باعتراف مباشر من إبليس نفسه: {قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}[الحجر: الآية33]، فهو بيَّن أن السبب وأن الدافع الذي دفعه لتلك المعصية هو: الكبر، عقدة الكبر، وهي عقدة خطيرة جداً، حيث اعتبر أنه في عنصره الذي خُلِق منه، وهو النار، أعلى شأناً وقدراً من أن يسجد لمخلوقٍ من التراب، فكانت عنده عقدة الكبر، وهو بهذه العقدة تجاهل أشياء كثيرة:

في مقدِّمتها: أنَّ أي مخلوق من مخلوقات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، من الجن، والملائكة، والإنس، عليه أن يُنَفِّذ أوامر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بالنظر إلى أنها أوامر من الله، وليس بأي اعتبارات أخرى، فأي أمرٍ من أوامر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، مقتضى العبودية لله أن نُنَفِّذه، وأن نطيع الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وهذا شرفٌ عظيم، وليس فيه أي هوان لأي مخلوق، أن يطيع أمر الله، وأن يُنفِّذ أمر الله؛ لأن حق الله على عباده بكلهم (من الجن، والملائكة، والإنس) حقٌ عظيم، حق الألوهية على العباد، والبقية كلهم عبيد لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ ولذلك ليس هناك أمام أوامر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أي اعتبارات أخرى تبرر لأي مخلوق أن يعصي أمر الله، هذا أولاً.
ثانياً: حتى في تصوره الخاطئ، هو نظر إلى هذه المسألة نظرة ليس له فيها مبرر، حتى في المفاضلة، التراب يخلق الله منه النباتات، التراب فيه الكثير من المعادن النفيسة والرائعة، التراب ليس شيئاً ممتهناً، مبتذلاً؛ فليس له تبرير حتى في نظرته، هي نظرة أصلاً خاطئة.
ولكن العنوان الأول هو الأهم: أنَّ مقتضى العبودية لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" طاعة أوامر الله، وتنفيذها بالنظر إلى أنها أوامر من الله، وليس بالنظر إلى ما تتعلق به، فأوامر الله حقٌ، وحكمةٌ، وخيرٌ، وهو "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" العليم الحكيم، والمسألة بنفسها- يعني: ما أمرهم الله به من السجود تكريماً لآدم، عبادةً وخضوعاً لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"- ليست المسألة مرتبطة بإصدار أحكام، في من هو الخير، ومن هو الأفضل، ومن هو... المسألة مسألة التزام بأوامر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفيها دروس تربوية هامة جداً، وحيثياتها لا تعود إلينا، أن الإنسان بحاجة إلى أن يُفلسف له الله في كل أمرٍ ونهيٍ ، وأن يُصدر له ما يقنعه في ذلك، كذلك بقية المخلوقات.

الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أيضاً نفخ في الإنسان من روحه، الروح التي هي أيضاً عنصر آخر تجاهله إبليس تماماً.
وكذلك تجاهل ما زوَّد الله به الإنسان من مدارك، من طاقات، من قدرات.
تجاهل أن الله علَّم آدم الأسماء كلها.
تجاهل كل شيء، وهي من نتائج الكبر، من نتائج عقدة الكبر: أنَّ المخلوق (سواءً من الإنس، أو الجن) يعمى عن الكثير من الحقائق، وينظر من جانبٍ واحدٍ فقط، ولاعتبارات محدودة، وينسى بقية الأشياء، أو يتجاهل بقية الأشياء ولا يلتفت إليها.

{قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}[الحجر: من الآية34]، طُرِد من بين صفوف الملائكة؛ لأن مقام الملائكة هو مقام عبادة، مقام مُقدَّس، ليس فيه إلَّا الطاعة لله، والعبادة لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ليس مكاناً للعصاة؛ فَطُرِد من بينهم مهاناً، وهي نتيجة التكبر، نتيجة التكبر: الهوان والصغار، {فَاخْرُجْ مِنْهَا}، وقد خسر مقامه، خسر عبادته، خسر كل شيء، {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}، يعني: مطرود، مطرودٌ ويرجم، ويمنع عليه منعاً باتاً العودة إلى الملائكة، {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}[الحجر: من الآية35]، هو سبَّب لنفسه بعصيانه لله، وبتكبره، ومعصيته معصية خطيرة جداً؛ لأنها بدافعها، وبما كان سبباً لها، وبشكلها وحقيقتها وفي جوهرها، جمعت جوانب خطيرة جداً من المعصية لله، فهو اتهم الله في حكمته وعلمه، وأساء إلى الله بذلك إساءة عظيمة، هذا من الكفر: الاتهام لله في عدله وفي حكمته، والاعتراض على الله في أمره، فهو جمع بين:

المعصية الفعلية التي هي: الامتناع من السجود.
مضافاً إليها: الاعتراض على أمر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
مضافاً إليها: الاتِّهام لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في عدله وحكمته.
وحتى التخطئة للملائكة، هو خطّأ الملائكة في سجودهم، واعتبرهم مخطئين في ذلك، وأنَّ عليهم أن يمتنعوا كما امتنع هو عن السجود لآدم.
فجمع أشياء كثيرة في معصيته والعياذ بالله، معصية خطيرة، كلها تفرَّعت عن عقدة الكبر، وبعض المعايب يتفرَّع عنها معاصٍ كثيرة وخطيرة جداً.

{وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}، فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" غضب عليه، وطرده، ليس فقط من صفوف الملائكة، بل طرده من رحمته، فلن يمنحه أي توفيقٍ منه أبداً، أصبح مطروداً من رحمة الله، هذا معنى اللعنة: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}، {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}، نعوذ بالله! وهو استحق الطرد من رحمة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، لم يبق جديراً بالرحمة من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الرحمة التي يحظى من خلالها بالتوفيق، بالتثبيت، بالهداية، بالتسديد، بالتوبة عليه، ولذلك أصبحت الحالة بالنسبة له حالة خطيرة جداً، تعزز في نفسه الخبث، الشر، الإجرام، فسد أكثر، وابتعد عن ساحة الرحمة الإلهية، وهي حالة خطيرة جداً والعياذ بالله، ولعنة مستمرة، مستمرة إلى يوم الدين، يوم الجزاء؛ أمَّا عندما يأتي الجزاء فهو سيتجه إلى جهنم والعياذ بالله، إلى مستقر لعنة الله، جهنم هي مستقر لعنة الله، مثلما- في المقابل هناك- الجنة مستقر رحمة الله.

{قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ}[الحجر: 36-38]، طلب الإنظار، الإنظار؛ ليبقى على قيد الحياة من جهة، وليتم إمهاله، فلا يُعاجل بالعقوبة المهلكة قبل ذلك؛ لأنه خاف أن يعاجل بالعقوبة المهلكة، عندما لعنه الله، وطرده من رحمته، وغضب الله عليه، وهي حالة خطيرة جداً، {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[الحجر: 35-36]، هو معترف بالله، معترف بربوبية الله، معترف بالقيامة، بالجزاء، بالحساب، بالجنة والنار، يعرف كل هذه الحقائق، ولكنه لم يستفد من معرفته تلك في زكاء نفسه، هو تورَّط بشكلٍ خطيرٍ جداً في التمحور حول ذاته، ونمت في نفسه الأنانية والغرور والعجب؛ فتولَّد عن ذلك الكبر والعياذ بالله، حالة خطيرة جداً.

{قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ}، كشف الله له أن في تدبير الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وفي حكمته أن يُنْظِرَه؛ ولذلك فهو سيبقى على قيد الحياة، لا يعاجله الموت، ولا العقوبة المهلكة، {إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ}، إلى وقتٍ محددٍ معلومٍ في تدبير الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وحكمته وعلمه، البعض يقولون أنه: في النفخة الأولى يوم الوقت المعلوم، البعض يتصورون أنه ما قبل ذلك، والله أعلم متى هو بالتحديد، هل في النفخة الأولى، أم قبل ذلك؟! لكن تفيد الآية المباركة: {فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ}، أنه سيبقى على قيد الحياة دون أن يفاجئه أو يعاجله الموت ما قبل، أو العقوبة المهلكة، إلى مرحلة متأخرة من حياة البشرية.

{قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}[الحجر: الآية39]، تحدثنا سابقاً ما يعنيه بقوله: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي}، أنَّه يحمِّل الله مسؤولية وقوعه في الغواية، هو أوقع نفسه في الغواية، بذنبه، بعقدته، التي هي عقدة الكبر، ولكنه يريد أن يحمِّل الله المسؤولية في ذلك؛ احتجاجاً عليه لماذا أمره بالسجود لآدم، وكأنها مهمة مستحيلة، لن يطيق تنفيذها، وسيتَّجه الاتجاه الذي هو اتَّجاه المعصية والغواية، والخروج عن طريق الحق، وهذا ذنبٌ آخر مضافاً إلى ذنوبه التي تتابعت، ومعصية كبيرة وفظيعة؛ لأنه هو الذي أوقع نفسه في الغواية، وهو السبب حتى فيما وصل إليه، حتى في أن يكون في نفسه عقدة الكبر، تنمو في نفسه، وتتجذر إلى تلك الدرجة والعياذ بالله.

فهو يريد أن يقول: أنه سيتَّجه ومن موقع وبدافع الحقد على الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والحقد على البشر، أصبح في نفسه حقد على الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وحقد على عباد الله، وهي أيضاً من الحالات الخطيرة التي قد تنشأ نتيجةً لبعض المعاصي والعقد الخطيرة جداً: أن يصل مخلوق معين (من الإنس، أو الجن) إلى درجة أن يحقد على الله، وأن يحقد على البشر أيضاً! فهو يؤكِّد ويقسم قسماً بأنه سيتَّجه للإغواء، العمل الأساس الذي سيتَّجه له في كل الفترة التي يُنظِرُه الله فيها، ويمهله فيها، أنَّه سيتَّجه للإغواء: لإخراج الناس عن طريق الحق، عن صراط الله المستقيم، وصدهم عن صراط الله المستقيم، والسعي لإغوائهم عنه، وإخراجهم عنه، كمهمة أساسية، يريد أن يركِّز عليها، ويرى أنها أكبر وأهم طريقة للانتقام، أصبحت عنده عقدة الانتقام، مع أنه لا ذنب لآدم فيما وقع فيه، ولا لبني آدم فيما وقع فيه إبليس، الذنب ذنبه هو، فهو اتَّجه هذا الاتِّجاه، والله كشف خطته للناس، التي سيعمل على أساسها، وماذا سيركز عليه في عدائه الشديد جداً، هذا عداء فوق ما نتخيل؛ لأنه يريد أن يبقى في حالة انتقام، وحالة استهداف لبني آدم بالإغواء جيلاً بعد جيل، وأمةً بعد أمة، وفي كل قطرٍ وبلد، يريد أن يستهدفهم استهدافاً شاملاً، {أَجْمَعِينَ}، فتوجهه بالاستهداف هو استهداف شامل لبني آدم.

ويعتمد- مثل ما كشف الله للناس- يعتمد أساليب الإغواء والتزيين، {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}[الحجر: من الآية39]، التزيين الذي يحاول من خلاله أن يجرَّهم إلى المعاصي، فهو يزيِّن لهم سواءً فيما يتعلق بالأرض، أو في واقع الحياة، حياتهم المرتبطة بما أنعم الله به عليهم من النعم، فيكون تعاملهم مع ما أنعم الله به عليهم من النعم في هذه الأرض، تعاملاً بعيداً عن شكر النعم، بسوء الاستخدام لنعم الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ومعصية الله في نعمه، الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أنعم على البشر نعماً عظيمة، ونعماً واسعة، فهو سيزين لهم سوء الاستخدام لنعم الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وسوء التصرف فيها؛ لأن نعم الله علينا بدءاً في أنفسنا: ما وهبنا من طاقات، من قدرات، من حواس، من أعضاء، من جوارح، ثم ما منَّ به علينا في هذه الأرض؛ فالشيطان سيعمل على أن يدفع بالإنسان لسوء التصرف، وسوء الاستخدام لنعم الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ما كان منها في نفسه، وما كان منها في الأرض، في كيفية التعامل معها تعاملاً فيه معصية لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وإساءة إلى الله "جلَّ شأنه".

وتوعُّده بأنه سيستهدفهم جميعاً، وسيعمل على إغوائهم، باعتبار- وسبق في (سورة الأعراف): {لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}[الأعراف: من الآية17]- أنَّه سيبحث عن كل ما يمكن أن يؤثِّر به على الناس، بحسب اختلاف المؤثرات عليهم، واختلاف رغباتهم، واختلاف طموحاتهم:

فالبعض من الناس قد يكون التأثير عليه عن طريق الشهوات المادية، متعلقة بالطعام، بالشراب، البعض الشهوة الجنسية.
البعض من الناس الطموحات في المناصب، والأمر، والنهي، والسمعة... وهكذا.
البعض من الناس الشهرة، ولو بشيءٍ آخر: الشهرة بالعبادة، الشهرة بكمالات معينة يسعى الإنسان إلى أن يحصل عليها عند الناس بأي وسيلة، بأي طريقة، حتى بما فيه معصية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
حالات الغضب والانفعال، وهي مدخل آخر، ويتولَّد عنها أحقاد، وتتولَّد عنها معاصٍ كثيرة، مظالم، وأشياء كثيرة جداً.
فيما يتعلق بأمر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والتقصير في أوامر الله، أو العصيان لله فيما أمرنا به، في مسؤولياتنا في هذه الحياة، وتجاه أوامر الله، كذلك هو يشتغل في مسألة الأمر والنهي الإلهي، ويستخدم أسلوب التزيين، الذي يحاول أن يغري به، وأن يجذب من خلاله، وأن يستدرج الإنسان بواسطته إلى المعصية، وإلى المخالفة: إمَّا لأمرٍ من أوامر الله، أو نهيٍ من نواه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

{إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، بالرغم من حقده على الجميع، وسعيه لاستهدافهم بكلهم، والإيقاع بهم في الغواية بأجمعهم؛ من شدة حقده عليهم، يريد أن يغويهم بكلهم، من آدم إلى آخر كائنٍ بشري، ولكنه يدرك أنَّ ذلك ليس بممكن، وأنه لا يستطيع أن يحقق لنفسه تلك الرغبة الشيطانية؛ ولذلك استثنى هو، فقال: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، فهو يدرك أنه لا قدرة له عليهم، وعلى التأثير عليهم، وعلى إغوائهم، لماذا؟ هو وصفهم بالمُخْلَصين.

وعباد الله المُخلَصين: الذين عبَّدوا أنفسهم لله، وأخلصوا أنفسهم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، واتَّجهوا في حياتهم على هذا الأساس: من منطلق العبودية لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

وحالة الإخلاص لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، حتى يكون الإنسان خالصاً من الشوائب، التي هي ثغرات للشيطان عليه، هي في إطار البرنامج الإيماني، التربية الإيمانية، يتربى الإنسان فيها على التخلُّص من الشوائب الخبيثة، التي يستغلها الشيطان في التأثير على الإنسان، وهناك شوائب خطيرة جداً تتفرَّع عنها المعاصي، مثلما هو الحال- مثلاً- بالنسبة للكبر، من الشوائب الخطيرة جداً، إذا وُجِدَت في الإنسان؛ يتفرَّع عنها الكثير من المعاصي، مثلما هو الحال بالنسبة للطمع، الطمع حالة خطيرة جداً، إذا وُجِدَت في الإنسان، وتحكمت بالإنسان، ونمت في الإنسان، وتجذرت في الإنسان؛ كانت ثغرةً خطيرةً للتأثير عليه... وهكذا الحالات التي يتجاوز الإنسان فيها توازنه ورشده، فهي حالات خطيرة جداً، يستطيع الإنسان؛ لأنها حالة طغيان، يستغلها الشيطان، ويحاول من خلالها الإيقاع بالإنسان في المعاصي.

{إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}[الحجر: 40-43]، فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بيَّن أنه سيرسم لعباده الصراط المستقيم، الذي فيه نجاتهم، وفلاحهم، وفوزهم، ويمكِّنهم من السير في هذا الصراط، بحيث لا يتمكَّن الشيطان من منعهم من أن يسيروا في ذلك الصراط، ولا يمتلك القدرة، ولا السلطة، ولا التأثير لأن يمنع أحداً منهم على طريق القسر، أو يعيقه عن السير في الصراط المستقيم.

ولكن تكون المشكلة عند الإنسان نفسه: إذا اتَّبع الشيطان، إذا قام هو ابتداءً باتِّباع الشيطان، واستجاب له، الشيطان فقط يوسوس، فإذا كان الإنسان هو بعد وسوسة الشيطان بادر للاستجابة للشيطان، واتَّبعه، وأطاعه، وهو في هذه الحالة يزداد تأثير الشيطان عليه، كلما أطاع الشيطان أكثر؛ كلما ازداد تأثير الشيطان عليه أكثر، فنفسه تخبث، كلما خبثت نفسية الإنسان؛ ازداد ميلاً واتجاهاً مع الشيطان، وقرباً من الشيطان، الشيطان هو خبيث، ورجس، ونجس، خبثت نفسه، خبثت إلى درجة رهيبة جداً، فعندما يكون الإنسان هو الذي استجاب للشيطان؛ فنفسه تخبث، وهو يُبعِد نفسه أكثر وأكثر من رحمة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بل البعض من المعاصي لخطورتها، عليها لعن، عليها لعن، نجد في القرآن الكريم قائمة من المعاصي، الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" يلعن من يرتكبها؛ لخطورتها، وسوئها، وفظاعتها، الإنسان إذا ارتكبها؛ طُرِد من رحمة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتركه الله من توفيقه، تركه للشيطان، والشيطان يزداد تأثيره عليه.

{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}، فهو لا يملك- الشيطان- لا يملك السلطة، ولا التأثير لإجبار الناس على السير في طريقه، في طريق الغواية، وصدهم عن الصراط المستقيم، لا يتمكَّن من منع أي أحد من السير في الصراط المستقيم.

{إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}، فهو يمتلك التأثير فيهم؛ نتيجةً لمعصيتهم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وخبث نفوسهم، وابتعادهم عن رحمة الله، عن هدايته؛ لأنه يزيد من اهتدى هدىً، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}[محمد: الآية17]، فنفسية الإنسان تخبث بالمعصية، وتأثير الشيطان عليه يزداد، ويتعوَّد هو أن يستجيب للشيطان، أن يتَّجه في نفس تلك الميول التي تكبر في نفسه، تلك المؤثرات بنفسها تكبر وتنمو في نفسه أكثر وأكثر، فيستغلها الشيطان عليه.

{إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}، كل الغاوين الذين يخرجون عن طريق الحق، يخرجون عن صراط الله المستقيم، ويتَّجهون مع الشيطان، كلهم موعدهم جهنم، والله غنيٌ عنهم، لا تضره معصية من عصاه، {وَإِنَّ جَهَنَّمَ}، جهنم التي هي مستقر العذاب الأبدي، العذاب الرهيب، العقوبة الإلهية الرهيبة جداً، {لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}؛ لأن أسباب الغواية متنوعة ومختلفة في واقع البشر، والبشر الغاوون أصناف وفئات كثيرة في أسباب غوايتهم، ولكن بكلهم موعدهم هو جهنم والعياذ بالله.

{لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ}[الحجر: الآية44]، فهم سبعة أصناف، أهل نار جهنم يقسَّمون إلى سبعة أصناف، بحسب أنواع معاصيهم، وأسباب غوايتهم، ونوع غوايتهم، ومستوى العذاب هو بحسب ذلك: بحسب أعمالهم السيئة، وانحرافهم، ومعاصيهم.

{لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ}، فالنتيجة في الاتِّباع للشيطان، والغواية، الغواية عن طريق الحق، عن صراط الله المستقيم، نتيجتها الخسران، والشيطان هو خاسر، إبليس هو خاسر، ويريد أن يوقع الآخرين معه في الخسارة الرهيبة، يريد أن يوقع البشر معه في تلك الخسارة الرهيبة جداً، وأن يكون مصيرهم معه إلى ذلك العذاب الشديد، ويعتبر أنَّ هذه أكبر طريقة في حربه على البشر، وفي الانتقام منهم، في عقدته عليهم، يرى أنَّ أهم طريقة هي تلك الطريقة التي يوصلهم بها إلى جهنم والعياذ بالله، {لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} والعياذ بالله! وهذه حالة خطيرة جداً.

ولذلك نستفيد من الآيات المباركة، إضافةً إلى ما قد سبق لنا في (سورة الأعراف)، وفي (سورة البقرة)، نستفيد الدروس المهمة، والعبر المهمة، فيما يتعلق بهذه القصة المباركة المهمة جداً، والتي أتت في بداية الوجود البشري، ولو استفاد منها البشر؛ لكفتهم الكثير والكثير مما وقعوا فيه من الشقاء والخسران، ولكانت من أهم الدروس التي تساعدهم على الاستقامة في هذه الحياة.

الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" كرَّم الإنسان في خلقه، خلقه في أحسن تقويم، بما منحه من طاقات، وقدرات، وقابليات، والإنسان هو مخلوقٌ مكرَّم، ليس كأيِّ حيوانٍ آخر، وفق ما تقدَّمه النظرة الغربية، هي تقدِّم الإنسان كأيِّ حيوان آخر، وتجعل متطلبات حياته مقتصرة على المأكل، والمشرب، والمسكن، والزواج، مثل بقية الحيوانات فحسب، وتبعده عن دوره، وعن مسؤولياته، وعن مقامه الذي هيَّأه الله له عندما نفخ فيه من روحه؛ بينما هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" يقدِّم للإنسان البرنامج الصحيح، المتكامل، المتوازن، الذي يلبِّي احتياجات الإنسان العائدة إلى جسمه، واحتياجاته العائدة إلى روحه، وينظِّم للإنسان التوازن ما بين احتياجات الروح واحتياجات الجسم، وما يسمو به الإنسان في هذه الحياة.

يتبين لنا بكل وضوح حاجتنا الضرورية جداً إلى هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، إلى تعليماته، وأنَّ الإنسان إذا انفصل عن تعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتجاهلها، أو تناساها؛ فهو يفتح على نفسه ثغرةً للتأثير الشيطاني، مهما كان ذكاء الإنسان، مهما كان فهمه، مهما كان يمتلك من خلفية معرفية وغيرها، إذا لم يرتبط بهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ فهو قابلٌ للإغواء والتأثير الشيطاني، على مستوى الفكر والتصور؛ لأن الشيطان يحاول أن يغوي الإنسان في فكره، وتصوره، ونظرته للأشياء؛ فيزيِّن له القبيح حتى يراه حسناً، ويقدِّم له فهماً خاطئاً عن الأمور، يشجِّعه أو يورِّطه بسببه إلى أن يدخل في معصية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فيخالف ما أمره الله ونهاه.

كذلك هو يلعب على رغبات الإنسان وانفعالاته، والإسلام وبرنامج الهدى الإلهي هو يزكي النفس البشرية، ويرسِّخ الرشد فيها، والنظرة الصحيحة، وتأتي التعليمات الحكيمة من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، التي إن تمسك بها الإنسان فهي تحميه حتى من أن يتأثر بأي تصوُّرٍ خاطئ؛ لأنه لا يفتح مجالاً أصلاً لأن يكون لديه تصورات مختلفة عن هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، عن تعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يؤمن بتعليمات الله أنها هي القيِّمة، هي الحكيمة، التي فيها رشده، وفلاحه، ونجاته، فلا يفتح مجالاً لأن يكون لديه تصورات أخرى، أفكاراً أخرى، ولا يفتح المجال أيضاً لأن يضرب الشيطان توازنه فيما يتعلق بغرائزه، ودوافعه، وانفعالاته، بل من خلال هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" يكتسب زكاء النفس، الذي يرشِّد، وينظِّم، ويوازن غرائزه وانفعالاته، ويضبطها من خلال هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وتعليماته؛ فيغلق بذلك الثغرة التي يستغلها عليه الشيطان لإغوائه والعياذ بالله.

نكتفي بهذا المقدار...

وَنَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيهِ عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهَدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّج عَنْ أَسرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاء.

وَالسَّـلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛

 

المصدر: ٢٦ سبتمبر نت

كلمات دلالية: الصراط المستقیم فی هذه الحیاة الشیطان علیه من رحمة الله ت فی الإنسان أشیاء کثیرة خلق الإنسان الإنسان من الإنسان فی فیما یتعلق أوامر الله على البشر الإنسان م الإنسان ف أ ج م ع ین ت ع ال ى س ب ح ان ه على الله هدى الله أمر الله السیر فی البعض من ص ل ص ال التی هی أن یکون الله فی على ضوء ع ب اد ک من الله فی نفسه یرید أن م س ن ون ه الله ن الله ة الله ما کان التی ی د الله أنه لا لله فی إلى أن ى الله فی ذلک حتى فی

إقرأ أيضاً:

(نص+فيديو) كلمة قائد الثورة في افتتاح الدورات الصيفية واخر التطورات 4-4-2025



أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبين، وَأشهَدُ أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

أيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَات:

السَّـلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛

في افتتاح الأنشطة الصيفية والدورات الصيفية، نتحدث في هذه الكلمة ونركِّز على ثلاثة محاور:

المحور الأول: فيما يتعلق بـ:

تطورات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزَّة.

والاعتداءات الإجرامية الوحشية في الضِّفَّة.

والانتهاك المستمر في المسجد الأقصى الشريف.

وكذلك ما يقوم به العدو الإسرائيلي من اعتداءات مستمرَّة على لبنان وفي سوريا.

والمحور الثاني: يتعلق بالعدوان الأمريكي على بلدنا، في إسناده للعدو الإسرائيلي، واشتراكه معه في عدوانه.

والمحور الثالث: يتعلق بالدورات الصيفية.

فيمــا يتعلــق بالعـــدوان الإسرائيلـي على قطـــاع غـــزَّة:

يتجلَّى في الممارسة الإجرامية الوحشية للعدو الإسرائيلي، ضد الشعب الفلسطيني، قول الله تعالى: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}[التوبة:10]، العدو الإسرائيلي يرتكب الإبادة الجماعية، ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزَّة، نكث بالاتِّفاق، الذي كان عليه فيه ضمناء، في مقدمتهم الأمريكي ضمينٌ عليه بالالتزام به، لم يفِ بالتزاماته فيما يتعلق بالمرحلة الأولى من الاتِّفاق، ولم يدخل في المرحلة الثانية، ونكث بشكلٍ كامل بالاتِّفاق، واستأنف عدوانه على قطاع غزَّة، بدءاً بمنعه لدخول الغذاء والدواء، واتِّجاهه من جديد إلى تجويع الشعب الفلسطيني في قطاع غزَّة.

مضى أكثر من شهر وهو يمارس هذه الجريمة الكبرى، ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزَّة، الآن بعد مضي أكثر من شهر أُغْلِقت المخابز والأفران، والمنظَّمات الدولية (التابعة منها للأمم المُتَّحِدة، وغيرها كذلك) تتحدث هي- بنفسها- وتشهد على المجاعة في قطاع غزَّة، وعلى نفاد القمح والطحين من تلك المخابز، التي كانت تقوم بتوزيع الخبز لأبناء الشعب الفلسطيني في القطاع، كذلك فيما يتعلق بالأدوية، ومنها الأدوية الضرورية، بما فيها مواد التخدير الطبي... وغير ذلك، العدو الإسرائيلي لمدة أكثر من شهر وهو يمارس هذه الجريمة الكبيرة في التجويع، ومنع الغذاء ومنع الدواء عن الشعب الفلسطيني في قطاع غزَّة.

ومنذ أكثر من نصف شهر استأنف أيضاً الإبادة الجماعية، بالقتل الجماعي للشعب الفلسطيني في القطاع، يلقي القنابل الأمريكية، التي زوَّده بها الأمريكي؛ لإبادة الشعب الفلسطيني، ولقتل الأطفال والنساء، يلقيها على الشعب الفلسطيني في القطاع، يلقيها على الناس وهم في خيامهم، على المدنيين في خيامهم، وفي أطلال منازلهم المُدَمَّرة، ويقتل بها الأطفال والنساء، والكبار والصغار، بكل وحشية، ومن ذلك: مجزرته بالأمس، حينما استهدف (مدرسة دار الأرقم) في قطاع غزَّة، وهي مكتظَّةٌ بالنازحين؛ لإبادتهم.

يمارس أنواع الجرائم، وهو استأنف هذا العدوان منذ أكثر من نصف شهر، بنفس سلوكه الإجرامي، الذي مارسه على مدى خمسة عشر شهراً من العدوان على قطاع غزَّة، ما قبل الاتِّفاق الأخير، ثم عاد ليستأنف نفس الإجرام، والوحشية، والعدوانية، بكل انفلات، بدون التزام بأي ضوابط، عدوٌ همجيٌ، مجرمٌ، منفلتٌ، لا يلتزم لا بقوانين، ولا بمواثيق أمم مُتَّحِدة، ولا باتِّفاقيات، ولا يلتزم بأخلاق، ولا قيم... ولا أي شيء، يرتكب أبشع الجرائم بكل توحشٍ وعدوانية.

ثم ما يفعله أيضاً في إجرامه هناك، من تركيزه على الجانب الإنساني، حيث يحارب الجانب الإنساني محاربةً واضحة، كل ما يتعلق بالجانب الإنساني، ومن ذلك: استهدافه للكوادر والعاملين في المجال الإنساني، يجعل منهم هدفاً أساسياً، إلى درجة أن يقوم باختطاف خمسة عشر من العاملين في الإغاثة الإنسانية، ويقوم بعد اختطافهم بتقييدهم، ثم الإعدام لهم بدمٍ بارد، والإلقاء لهم في حفرة، وإهالة التراب عليهم، جريمة وحشية بكل ما تعنيه الكلمة!

وهكذا يتفنن في ارتكاب الجرائم ضد الشعب الفلسطيني، ويحاول أن يمنع عليه كل مقومات الحياة، وأن يمنع أي خدمة إنسانية: على مستوى الإغاثة، على المستوى الطبي، على مستوى الإسعاف، على مستوى تقديم الغذاء، على مستوى المطابخ والأفران، على مستوى آبار المياه... وغير ذلك؛ فهـو عدوانٌ وحشيٌ بكل ما تعنيه الكلمة، يرتكب فيه العدو الإسرائيلي كل أنواع الجرائم، بكل أوصافها البشعة والوحشية، والذي يُجَرِّئه على ذلك هو الدور الأمريكي.

الدور الأمريكي هو دورٌ أساسيٌ وخطيرٌ في كل ما يفعله العدو الإسرائيلي، والذي يتحمل الوزر- بالدرجة الأولى- في كل ما يحدث في قطاع غزَّة، وفي سائر أنحاء فلسطين (في الضِّفَّة، والقدس... وغيرها)، مع العدو الإسرائيلي، هو الأمريكي؛ لأنَّه شريكٌ له في العدوان، وفي الجرائم بكل ما تعنيه الكلمة، يُقَدِّم له السلاح، يُقَدِّم له القنابل، تلك القنابل التي تلقى على الخيام؛ لقتل النازحين المتجمعين في الخيام، وعلى أطلال المنازل المُدَمَّرة، ويُقْتَل بها الأطفال والنساء، هي قنابل أمريكية، وَقُدِّمَت لهذا الجُرم.

الأمريكي يتبنى بشكلٍ مُعْلَنٍ وواضحٍ وصريح ما يفعله العدو الإسرائيلي، وأعلن ذلك، عندما استأنف العدو الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزَّة، أعلن البيت الأبيض تبنيه لذلك، وأنه تم التشاور معه في ذلك، وأنه يدعم ما يقوم به العدو الإسرائيلي، بمعنى: يتبناه بشكلٍ كامل؛ فالأمريكي هو شريكٌ للعدو الإسرائيلي، في عدوانه على الشعب الفلسطيني، وهو مع ذلك الذي يقوم بدور الحماية للعدو الإسرائيلي، وَيُقَدِّم له كل أشكال الدعم؛ ليمارس ما يمارسه، فما يجري في فلسطين (في الضِّفَّة الغربية، في القدس، في قطاع غزَّة) هو كله بتبنٍ أمريكي، ورعاية أمريكية، ودعم أمريكي مفتوح وشامل للعدو الإسرائيلي.

العدو الإسرائيلي، ما يفعله أيضاً في الضِّفَّة الغربية اعتداء كبير، عمليات عدوانية تهدف إلى التهجير؛ لأنَّها تقوم بعملية التهجير وفق مراحل معينة، بدءاً من المخيمات، والذي حدث في (مخيم جنين) نكبة كاملة للمخيم، وواضح أن العدو الإسرائيلي يخطط لعملية تهجير واسعة من الضِّفّة.

الاستمرار أيضاً في الانتهاكات ضد المسجد الأقصى، انتهاكاً لحرمته، واستباحةً له، وما قام به المجرم الصهيوني اليهودي [بن غفير] في هذه الأيام يأتي في هذا السياق، بمعنى: أن المسجد الأقصى مستهدف باستمرار، عملية الاقتحامات المستمرَّة، والمنظَّمة من قبل العدو الإسرائيلي، هي تبيِّن التَّوجُّه الإسرائيلي العدواني ضد المسجد الأقصى، الذي هو من مُقَدَّسَات المسلمين بكلهم، بل من أعظم مُقَدَّسَاتهم، مسرى النبي "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ"، وإحدى القبلتين؛ ولـذلك فالعدو الإسرائيلي يفعل ما يفعل، في اتِّجاه عدواني وتصعيدي، يهدف إلى التهجير للشعب الفلسطيني، والتصفية للقضية الفلسطينية؛ فالأُمَّة أمام هذين الخطرين:

ما يرتكبه العدو الإسرائيلي من جرائم رهيبة، فظيعة جدًّا.

وفي نفس الوقت ما يهدف إليه من وراء ذلك، وهو: التصفية للقضية الفلسطينية، والتهجير للشعب الفلسطيني.

بشراكة أمريكية في كل ذلك، بتبنٍ أمريكي لذلك، بدعمٍ شاملٍ ورعايةٍ تامة من الجانب الأمريكي، لما يقوم به العدو الإسرائيلي.

العدو الإسرائيلي بناءً على ذلك- على هذا الدعم الأمريكي- يقوم بما يقوم به ضد الشعب اللبناني:

اعتداءات مستمرَّة.

نكت للاتِّفاق، ومخالفات صريحة وواضحة، بل إنه يخرق الاتِّفاق بخروقات جسيمة.

لم يكمل انسحابه من الأراضي اللبنانية، لا يزال محتلاً للمراكز في لبنان.

في نفس الوقت يستبيح الأجواء اللبنانية باستمرار ودون توقف.

وفي نفس الوقت لم تتوقف غاراته العدوانية، بالقتل في مناطق واسعة، وصولاً إلى بيروت.

وهو مستمرٌ في الاستباحة للسيادة اللبنانية، وفي قتل الشعب اللبناني، وفي الاعتداءات بكل أشكالها.

وفي نفس الوقت مستمرٌ في سوريا:

بعمليات القصف الجوي التي لا تتوقف حتى في دمشق، وفي بقية المحافظات السورية.

قام باحتلال أجزاء واسعة.

قَسَّم مناطق الجنوب السوري إلى ثلاثة تصنيفات:

التصنيف الأول: منطقة عازلة.

التصنيف الآخر: منطقة أمنية.

والتصنيف الثالث: منطقة تأثير.

وبذلك وصل إلى أطراف دمشق، إلى (ريف دمشق)، على مسافة (22 كيلو) من دمشق، وبذلك بسط سيطرته فعلياً على ثلاث محافظات في الجنوب السوري: في القنيطرة، ودرعا، والسويداء، وصولاً إلى ريف دمشق.

ومن الجهة الأخرى الأمريكي يتقدَّم ويتوغَّل، ووصل إلى (الضُمِير) في ريف دمشق من الجهة الأخرى، إلى (الضُمِير) إلى القاعدة الجوية فيها، وبسط سيطرته عليها، ومعه تشكيلات تحرس جنوده من سوريا، بمسميات تعتبر مسميات مضحكة: سوريا الديمقراطية، سوريا الحُرَّة، جيش الصناديد... أي حُرِّيَّة، وأي ديمقراطية، وأي صناديد، وهم يعملون لمجرَّد حراسة للجيش الأمريكي، الذي يحتل أجزاء واسعة أيضاً من سوريا؟!

فالحال في سوريا أنها أصبحت مستباحة:

من جانب الإسرائيلي، الذي وصل من جهة الجنوب إلى ريف دمشق.

ومن جهة الأمريكي، الذي أكمل من جهة (البادية) إلى (الضمير)، في الجانب الآخر من ريف دمشق.

الجماعات التكفيرية هناك، لا هَمَّ لها ولا شغل إلَّا قتل المدنيين، المسالمين، العُزَّل، الذين لا يمتلكون السلاح، والإبادة الجماعية لهم، وهي تتفرَّج على ما يفعله العدو الإسرائيلي، من قتل، من غارات جوية، من تدمير... دون أي توجُّه جاد وعملي للرد عليه ومنعه، منعه من الاحتلال، إيقاف عدوانه على الشعب السوري.

ما يحدث أيضاً في سوريا فيه درسٌ كبيرٌ- سنتحدث عن هذه النقطة- لبقية البلدان العربية.

وعلى كُلٍّ، فالعدو الإسرائيلي، استناداً إلى الحماية الأمريكية، والشراكة الأمريكية، والإذن الأمريكي، يفعل ما يفعله من عدوان، ويتصرف بهذه الطريقة الهمجية المنفلتة، ليس عنده احترام لأي شيء: لا لاتِّفاقيات، ولا لالتزامات، ولا لقوانين، ولا لمواثيق... ولا أي اعتبارات أخرى أبداً، يعطي لنفسه الحق في أن يفعل ما يشاء ويريد من عدوان، واحتلال، وقتل، واستباحة، وهو يسعى فعلياً لتثبيت معادلة الاستباحة لهذه الأُمَّة، لشعوبها، لأوطانها، لثرواتها... لكل شيء، الاستباحة للأرض والعرض والدم في أبناء هذه الأُمَّة، وبشراكة أمريكية في ذلك.

ماذا يستند إليه الإسرائيلي فيما يفعله في لبنان؟ يُعَبِّر بكل وضوح أنه يستند إلى الإذن الأمريكي، وكأن الأمريكي هو المالك! ويستند إلى ما يفعله كذلك في قطاع غزَّة إلى الإذن الأمريكي، والدعم الأمريكي، إلى درجة أنهم يقولون: أنهم يريدون أن يُنَفِّذوا خطة [ترامب]، وفعلاً المخطط واضح أنه يهدف فعلياً إلى التهجير للشعب الفلسطيني، الخطة الإسرائيلية التي كشف عنها كبار المجرمين الصهاينة، هي: أنهم يريدون أن يتَّجهوا إلى تقطيع أوصال قطاع غزَّة، وأن يعزلوا (رفح) عن (خان يونس)، وهكذا في بقية القطاع، فصلٌ للقطاع ومناطقه عن بعضها البعض، وتقطيعٌ لأوصاله؛ ثم إطباق المزيد من الحصار، والقتل، والتضييق، وفتح المجال لما يسمُّونه هم بالهجرة الطوعية، أي هجرة طوعية، والقنابل الأمريكية تلقى على الشعب الفلسطيني في خيامه، وعلى أطلال منازله المُدَمَّرة، وهو يُجَوَّع، أي هجرة طوعية؟! هل هذه الطريقة هي طريقة اختيارية للشعب الفلسطيني: من يرغب بالبقاء، أو الهجرة، أو أنها تهجيرٌ قسري؟!

ما يفعله العدو الإسرائيلي أيضاً في الضِّفَّة، بمثل ما فعله في (مخيم جنين) هل هي هجرة طوعية، أو تهجيرٌ قسريٌ؟ إن لم يكن التهجير القسري بإطلاق القنابل الأمريكية القاتلة، المُدَمَّرة، على النازحين في مخيماتهم، في الخيم القماشية، وتجويعهم، ومنع الغذاء عنهم، ومنع الدواء، وارتكاب جرائم الإبادة حتى بدمٍ بارد، فكيف هو التهجير القسري؟! عملية الهجوم الجوي، والبري، والبحري، التي يقوم بها العدو الإسرائيلي، ثم يقول: أنه يريد أن يُنَفِّذ خطة [ترامب] الكافر المجرم، بالتهجير الطوعي من قطاع غزَّة.

فعلى كُلٌّ، ما يفعله العدو الإسرائيلي هو عدوانٌ همجيٌ، إجراميٌ، وحشيٌ فظيعٌ جدًّا، وهو عاد إلى نفس مسلكه الإجرامي الوحشي، بنفس المستوى من التصعيد الذي كان عليه على مدى خمسة عشر شهراً، والأهداف نفسها خطيرة جدًّا، والدور الأمريكي هو الأساس فيما يحدث؛ لأنه الممول، والحامي، والشريك، والمتبني حتى لمسألة التهجير- بنفسها- بشكلٍ واضح وصريح.

تجاه ما يجري في فلسطين، تجاه هذه المأساة الكبرى التي يعاني منها الشعب الفلسطيني، تجاه ذلك المستوى من الإجرام الوحشي، والإبادة الجماعية، التي يرتكبها العدو الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، لا يجوز أبداً أن يتحوَّل كل ذلك إلى حالة روتينية اعتيادية، يشاهدها الناس، تكتفي الأنظمة تجاهها بإصدار بيانات التنديد والاستنكار وانتهى الأمر، هذا ما لا يجوز أبداً؛ لأن مستوى هذا الصمت، والتجاهل لما يجري، والتَّعَوُّد عليه، أن تتحوَّل إلى مشاهد يومية اعتادت الشعوب- وفي المقدِّمة الشعوب العربية- أن تشاهدها، هذا قتلٌ للضمير الإنساني، هذا انقلاب على كل المبادئ، والقيم، والأخلاق، والقوانين، والشرائع، هذا سماحٌ للوحشية، والهمجية، والطغيان المنفلت، والإجرام الكامل، أن يسيطر وأن يسود في المنطقة والعالم، وهذا يُشَكِّل خطراً على كل الشعوب، هذه مسألة في غاية الخطورة، على المسلمين أولاً، على العرب بالذات قبل غيرهم، وأكثر من غيرهم، وعلى المستوى العالمي، وعلى المستوى العالمي، وهذه مسألة خطيرة جدًّا فيما يتعلق أيضاً بالعقوبة من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأن هذا إسهام في أن يحدث ما يحدث، بهذا المستوى من الوحشية والإجرام الفظيع جدًّا.

ولـذلك لابدَّ من العودة للنشاط العالمي، والتَّحَرُّك العالمي من جديد، بمثل ما كان عليه وأكثر، في الخمسة عشر شهراً في (معركة طوفان الأقصى)، على مستوى الأنشطة، التي كان يقوم بها من يحملون الضمير الإنساني، ويعبِّرون عن هذا الصوت الإنساني، في بلدان العالم وشعوب العالم، سواءً الناشطون الإنسانيون في أمريكا، في أوروبا، في استراليا... في مختلف القارات، من المهم أن تخرج المظاهرات من جديد:

لإعلان التضامن مع الشعب الفلسطيني.

وللمطالبة بوقف الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.

والتَّوقُّف عن مساعي التهجير القسري للشعب الفلسطيني، ينبغي أن يكون هناك نشاط واسع في مختلف البلدان، على المستوى العالمي.

وللضغط على حكومات تلك البلدان؛ لتتبنى سياسات داعمة إنسانياً للشعب الفلسطيني، وتتحرَّك لمنع هذه الهمجية، هذا الطغيان، هذا الإجرام.

ولأن يكون هناك عزلٌ للعدو الإسرائيلي، وللعدو الأمريكي، في توجههما الوحشي، المنفلت، الهمجي، الإجرامي.

لا ينبغي أن تتحوَّل المسألة هذه المرَّة إلى حالة صمت يَعُمُّ البلدان بكلها، مع أن هناك تحرُّك معروف في أمريكا رسمياً؛ لقمع أي نشاط يُعَبِّر عن الصوت الإنساني، والموقف الإنساني، المتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهناك ضغط على الجاليات، وعلى الناشطين في الجامعات، إلى درجة الترحيل لبعضهم، هناك ضغط أيضاً في البلدان الأوروبية، وفي ألمانيا تحذو السلطات الألمانية حذو الأمريكيين، في التضييق أكثر على الناشطين، والتهديد بترحيلهم، بل البدء في ترحيل بعضهم؛ لكن يجب أن يكون هناك نشاط واسع.

هناك خطر يتهدد الإنسانية، والضمير الإنساني، والقيم الإنسانية في كل العالم، الأمريكي والإسرائيلي يتَّجهان بالمجتمع البشري نحو الغابة، نحو الحيوانية، نحو التَّنَكُّر التام لكل شيء، لكل الضوابط، لكل الأعراف، لكل القيم، لكل الأخلاق، يريدون أن تسود الهمجية، والوحشية، والإجرام، والطغيان، ولا يبقى أي اعتبار لأي قيم، ولا أخلاق، ولا ضوابط، وهذه حالة- كما قلنا- تُشَكِّل خطراً كبيراً على المجتمع البشري، وتحوِّل الساحة العالمية بكلها إلى غابة، لم يعود فيها أي قيم، ولا ضوابط، ولا قوانين، ولا أنظمة، ولا أخلاق... ولا أي شيء.

على مستوى المؤسسات الدولية، ينبغي أيضاً تذكيرها بمسؤولياتها، وإقامة الحُجَّة عليها، والضغط عليها لتتبنى مواقف أكثر جِدِّيَّة.

الأُمَّم المُتَّحِدة، لماذا لا تقوم بطرد العدو الإسرائيلي منها؟ هي ارتكبت جرماً عظيماً، وتحمَّلت وزراً كبيراً، يوم اعترفت بالكيان الإسرائيلي الغاصب لفلسطين، تعترف به دولةً وعضواً فيها، لماذا لا تسحب هذا الاعتراف، وتلغي اعترافها؟

كذلك مجلس الأمن، ولو أنه مجلس أمن المستكبرين، وليس ضمن اهتماماته إطلاقاً العناية بالمستضعفين، لكن ينبغي أن يكون هناك تحرُّك، العدو الإسرائيلي ينزعج، الأمريكي ينزعج، عندما يكون هناك تحرُّك من هنا وهنا، في كل المنابر، في كل الجهات، في كل المنظَّمات، لمواقف أكثر.

وفي العالم الإسلامي، يجب التذكير للمسلمين بمسؤوليتهم، من مسؤولية علماء الدين، والنخب، والمُثَقَفِين، والمُعَلِمِين، والمرشدين، والخطباء في المساجد، والكل: المؤسسات الثقافية، المؤسسات الإعلامية... من واجب الجميع أن يُذَكِّر أبناء العالم الإسلامي بمسؤوليتهم الدينية، والإنسانية، والأخلاقية، وباعتبار أمنهم أيضاً القومي كأُمَّة، يجب أن يُذَكَّر الجميع بهذه المسؤولية، يجب الاستنهاض للجميع، حالة الصمت خطيرة، حالة السكوت خطيرة، هي- بحد ذاتها- وزر وذنب تجاه ما يجري، يجب الاستنهاض المستمر لِلأُمَّة.

تذكير الأنظمة أيضاً بمسؤوليتها، تجاهلها لا يعفيها أبداً من هذه المسؤولية؛ بل تتحمل وزر هذا التجاهل، وزر هذا السكوت، وزر الاكتفاء بالمواقف، التي لا ترقى فعلياً إلى مستوى موقف، وهي: مسألة إصدار البيانات، وإطلاق بعض التصريحات في بعض الأحيان، في بعض الأحيان فقط.

يجب أن يكون هناك تذكير للجميع بهذه المسؤولية: على المستوى الرسمي، على مستوى الشعوب؛ لتتحرَّك بالحد الأدنى؛ لأن الأُمَّة- بأكثرها رسمياً وشعبياً- ليست في مستوى الموقف، الحالة السائدة، الحالة العامة: هي حالة تخاذل، هي حالة تجاهل هي حالة تفرُّج، هذا لا يجوز لهذه الأُمَّة؛ لأنها لم تَتَّجه عملياً إلى مستوى الموقف في الحد الأدنى:

كم هي نسبة المقاطعة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية في أوساط هذه الأُمَّة، في أوساط شعوبها المختلفة، ولاسيَّما الشعوب الأكثر إقبالاً على البضائع الأمريكية والإسرائيلية؟ نسبة محدودة جدًّا، ومبادرات فردية، ولو اتَّسع هذا الفعل، هذا الموقف المتاح، المُيَسَّر، والفاعل، والمؤثِّر، على نطاقٍ واسع، لو انتشر على نطاقٍ واسع؛ لكان له تأثير كبير، يجب الاهتمام بهذا.

على مستوى التَّبَرُّع، على مستوى الإنفاق في سبيل الله، على مستوى العطاء الإنساني للشعب الفلسطيني، يجب أن يكون هناك نشاط واسع في أوساط الشعوب، وتذكير لها بهذه المسؤولية.

على مستوى التضامن الإعلامي، التضامن الثقافي... التضامن بكل أشكاله الممكنة في مختلف البلدان والشعوب، بدلاً من الصمت والسكوت والتَّفَرُّج؛ أو التجاهل لما يجري، ينبغي أن يساهم كل من بقي له ذرةٌ من الضمير الإنساني، أو شعورٌ دينيٌ وإحساسٌ بشيءٍ من المسؤولية، يعتبر نفسه مسلماً، ليدرك أن عليه مسؤولية لأن يفعل ما يمكن، وبوسع الأُمَّة أن تفعل الكثير إذا اتَّجهت بشكلٍ جِدِّي.

الأنظمة نفسها، يجب أن تَتَّجه إلى خطوات عملية:

في المقاطعة السياسية، والاقتصادية، والدبلوماسية، للعدو الإسرائيلي.

في الدعم للشعب الفلسطيني: مالياً، سياسياً، إعلامياً...

في الدعم لإخوتنا المجاهدين في فلسطين؛ لتغيير المواقف السلبية تجاههم إلى مواقف إيجابية، داعمة، مساندة، متضامنة، مُشَجِّعة.

وسائل الإعلام على المستوى الرسمي العربي، يجب أن تُغَيِّر من سياستها السلبية تجاه إخوتنا المجاهدين في فلسطين، وأن تتغير أيضاً كذلك في أدائها المتردِّي تجاه العدو الإسرائيلي؛ لتكون أكثر وضوحاً في فضح جرائمه، في الموقف منه، الموقف الصحيح، الذي يُعَبِّر عن الموقف الإنساني، والموقف الديني، والموقف الأخلاقي، الموقف الذي يدين جرائمه، يفضحه، يستنهض الأُمَّة ضده، يصنع أثراً في الرأي العالمي، تجاه ما يقوم به العدو الإسرائيلي.

هذا ينبغي أن يتحرَّك فيه الجميع، وأن يدرك الجميع مسؤوليتهم، وأن يدركوا أن تفريطهم في هذه المسؤولية الدينية، والإنسانية، والأخلاقية، له عواقب خطيرة عليهم في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا وفي الآخرة.

إذا كانت الحالة السائدة في أوساط الأُمَّة هي: حالة التَّرَبُّص، والانتظار لما تؤول إليه الأمور، وهم ينتظرون حتى يصل العدو الإسرائيلي إلى مرحلة التهجير للشعب الفلسطيني، فالتَّرَبُّص عاقبته خطيرةٌ جدًّا: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[التوبة:24]، يعني: هي حالة إخلال كبير بمبادئ، بقيم، بأخلاق، بواجبات دينية، بالتزامات إيمانية، حينما يكون موقف الأُمَّة هو التَّفَرُّج، والانتظار إلى ما تؤول إليه عواقب الأحداث دون أي موقف.

اليمــن (رسمياً، وشعبياً) أعلــن موقفــه:

منذ أن قام العدو الإسرائيلي بمنع دخول الغذاء والدواء، وعاد إلى التجويع من جديد للشعب الفلسطيني في قطاع غزَّة؛ عُدنا- بدءاً- إلى موقفنا فيما يتعلق بالعمليات البحرية، وحظر الملاحة على العدو الإسرائيلي في (البحر الأحمر، وباب المندب، وخليج عدن، وبحر العرب).

ثم كذلك الاستئناف لعمليات القصف الصاروخي وبالمسيَّرات، إلى عمق فلسطين المحتلة؛ منذ أن قام العدو الإسرائيلي باستئناف أيضاً الإبادة الجماعية، وبدأ عدوانه العسكري من جديد على قطاع غزَّة.

وعاد شعبنا العزيز إلى التَّحَرُّك في مختلف الأنشطة الداعمة والمناصرة للشعب الفلسطيني، ومنها: الخروج المليوني العظيم في ذكرى غزوة بدرٍ الكبرى، وأيضاً في يوم القدس العالمي. ما بعد شهر رمضان أيضاً ستعود كل الأنشطة الشعبية، ويتم استئناف الخروج المليوني- إن شاء الله- من الأسبوع القادم، وكذلك الأنشطة المهمة جدًّا فيما يتعلق بالتعبئة.

تَحَرُّك شعبنا العزيز، وتحرُّك اليمن (رسمياً، وشعبياً) مع الشعب الفلسطيني على كل المستويات، في كل المجالات، بكل ما نستطيع، بكل ما نتمكَّن منه، أغاظ العدو الأمريكي غيظاً شديداً؛ لأن العدو الأمريكي يسعى مع العدو الإسرائيلي إلى تكريس معادلة الاستباحة لأُمَّتنا، والاستفراد بالشعب الفلسطيني، دون أي رد فعل، أو تعاون، أو تضامن حقيقي، من أي بلد مع الشعب الفلسطيني؛ ولـذلك أغاظه كثيراً هذا التَّحَرُّك، بالموقف الكامل والشامل من اليمن، في نصرة الشعب الفلسطيني.

ولـذلك فالأمريكي اتَّجه للعدوان على بلدنا، في إطار اشتراكه مع العدو الإسرائيلي؛ لأنــه:

مشتركٌ معه في عدوانه على الشعب الفلسطيني.

فيما يفعله أيضاً ضد لبنان، الأمريكي يشارك بالضغط السياسي، والإسرائيلي استند فيما يفعله في لبنان إلى الإذن الأمريكي، وصرَّح بذلك: أنه حصل على إذن أمريكي في البقاء في تلك المواقع، فيما يمارسه أيضاً من اعتداءات.

ويستند إلى ذلك فيما يفعله في سوريا.

ويحظى مع ذلك بالحماية، بالدعم، بتوفير القنابل، والسلاح، والقذائف... وكل ما يحتاج إليه.

الأمريكي هو شريكٌ في كل ذلك، ويسعيان معاً- الأمريكي والإسرائيلي- يسعيان معاً في إطار المشروع الصهيوني، لتنفيذ خطوات جديدة، في إطار معادلة الاستباحة؛ وبالتـالي يغضبون من أن يكون هناك موقف حُرّ، موقف يرفض الاستباحة، يرفض العبودية للأمريكي والإسرائيلي، يرفض الخضوع للأمريكي والإسرائيلي، تجاه ذلك الطغيان والإجرام الكبير، ما يقومون به ضد أُمَّتنا في فلسطين وغيرها.

في المحور الثاني من هذه الكلمة، نتحدث عن هذا العدوان الأمريكي على بلدنا:

الذي هو- كما قلنا- جزءٌ من المعركة، يشترك الأمريكي فيه مع العدو الإسرائيلي؛ لأن المعركة هي ما بيننا وبين العدو الإسرائيلي، نحن أعلنا موقفنا الكامل، ومنه: الدعم العسكري لإسناد الشعب الفلسطيني؛ ولـذلك فموقفنا مُوَجَّه ضد العدو الإسرائيلي.

الأمريكي لأنه مشتركٌ مع العدو الإسرائيلي؛ أعلن عدوانه على بلدنا، وبدأ هو- ابتداءً- عدوانه على بلدنا، وبكل همجية وإجرام، يُصَعِّد، يُكَثِّف، يستهدف الأعيان المدنية؛ لأنه يهدف- فعلاً- إلى:

الاستفراد بالشعب الفلسطيني.

وفرض معادلة الاستباحة لصالح العدو الإسرائيلي.

وإخضاع المنطقة بكلها له (للعدو الإسرائيلي).

وإزاحة أي عائق قبل العدو الإسرائيلي.

لأنه يريد الكل أن يخضعوا للعدو الإسرائيلي؛ ليكون هو وكيله وأداته في المنطقة، التي يسيطر من خلالها على كل المنطقة، ولتنفيذ المشروع الصهيوني؛ لأن كُلًّا من الأمريكي والإسرائيلي مشتركان في المشروع الصهيوني بنفسه.

الأمريكي- كما قلنا- يرتكب الجرائم، وهو في حالة عدوان على بلدنا، ليس له أي مستند أبداً، وفي نفس الوقت يستهدف الأعيان المدنية، بما فيها: المراكز الصحية، وخزانات المياه، وغيرها من الأعيان المدنية، شبكات الاتصالات العامة، المرافق الحكومية العامة، التي هي إدارية، ولخدمة الشعب... وغيرها.

الأمريكي في عدوانه على بلدنا هو في حالة تصعيد؛ ولـذلك يستخدم طائرات (الشبح)، وقاذفات القنابل، وفَعَّل قاعدةً له في المحيط الهندي، ويحاول من خلالها أن يُكَثِّف من غاراته واعتداءاته، التي تصل في بعض الأيام إلى أكثر من (تسعين غارة)، فهو يُكَثِّف عدوانه وتصعيده على بلدنا؛ ولكنَّه مع كل ذلك فشل والحمد لله:

لا هو أثَّر على القدرات العسكرية.

ولا هو تمكَّن من إيقاف العمليات العسكرية المساندة للشعب الفلسطيني.

ولا هو تمكَّن من توفير الحماية للملاحة الإسرائيلية في (البحر الأحمر، وخليج عدن، والبحر العربي).

ولا هو تمكَّن أيضاً من تنفيذ أهدافه فيما يسميه بتصفية القيادات، والقضاء على أحرار اليمن.

الأمريكي هو فاشل، وسيفشل باستمرار بإذن الله تعالى، لن يتمكَّن حتى في المستقبل من تحقيق هذه الأهداف المشؤومة؛ لأن شعبنا يتوكل على الله، ويعتمد على الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وله مسيرةٌ طويلة في الجهاد في سبيل الله تعالى، الغارات الجوية، والاستهداف المُكَثَّف للبلد ليست حالةً جديدة، الأمريكي هو أشرف بنفسه وأدار بنفسه العدوان على بلدنا، الذي نَفَّذَته أدواته الإقليمية، على مدى ثمان سنوات، التي هي بتصعيد غير متوقف ولا محدود، يستهدف كل شيءٍ فيها، ومن بعد ذلك العدوان كان على مدى خمسة عشر شهراً، وشعبنا في إسناده للشعب الفلسطيني في قطاع غزَّة، والأمريكي مستمرٌ في تنفيذ غارات واعتداءات بشكلٍ مستمر.

هذه المرَّة هو مستمرٌ بهذا المستوى من التصعيد؛ ومع ذلك فالواقع في استمرار العمليات، في استمرار القصف إلى عمق فلسطين المحتلة ضد العدو الإسرائيلي، في استمرار حظر الملاحة البحرية على العدو الإسرائيلي، والأمريكي ورَّط نفسه معه بسبب عدوانه، كل هذا يثبت من الواقع فشله بشكلٍ واضح، ويعترف أيضاً بالفشل، هناك- في البارحة- مسؤولين أمريكيين في وزارة الدفاع الأمريكية اعترفوا بفشلهم، فيما يتعلق بتدمير القدرات العسكرية، اعترفوا أنهم فشلوا في ذلك، ولم يُحَقِّقُوا النجاح الذي يريدونه في ذلك.

أمام هذا العدوان الأمريكي، والبلطجة الأمريكية، كما قلنا: شعبنا العزيز له مسيرة طويلة في الجهاد في سبيل الله، نحن في العام العاشر، ونحن في ظل هذا الوضع، الذي هو وضع جهاد، ومواجهة للطغيان الأمريكي، ومواجهة لكل من يتحالف معه في العدوان على بلدنا، والشيء المهم بالنسبة لنا: أننا وصلنا إلى درجة المواجهة المباشرة فيما بيننا وبين الإسرائيلي والأمريكي، وهذا ما كُنَّا نحرص عليه خلال كل المراحل الماضية، كانت أُمْنِيَّتنا الوحيدة ولا تزال: أن يَكُفّ العرب، الذين يتعاونون مع الأمريكي والإسرائيلي، أن يَكُفُّوا عنَّا، وأن يتركونا في هذه المواجهة المباشرة بيننا وبين العدو الأمريكي والعدو الإسرائيلي، وهذه المعركة القائمة الآن هي معركة ما بيننا وبين العدو الإسرائيلي، الأمريكي هو جزءٌ من هذه المعركة، ليست معركته منفصلةً أبداً، هي بنفسها المعركة بيننا وبين العدو الإسرائيلي.

ونحن في كل يومٍ وفي كل ليلة، عندما نشاهد في التلفاز الجرائم الإسرائيلية البشعة، ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزَّة، عندما نشاهد الأطفال وهم أشلاء، ونشاهد آخرين أيضاً من الأطفال وهم في حالة الصراخ والصياح غارقين بدمائهم، ونشاهد ما عليه الشعب الفلسطيني في غزَّة، من تجويع، وقتل، وتدمير، ومنع دخول الدواء والغذاء إليهم... وغير ذلك من الجرائم، عندما نشاهد قطاع غزَّة وهو مُدَمَّر بالكامل، ونشاهد أيضاً ما يفعله العدو الإسرائيلي في الضِّفَّة الغربية، عندما نشاهد الانتهاكات لساحات المسجد الأقصى، ولحرمة المسجد الأقصى، من المجرمين اليهود الصهاينة؛ نتذكر أننا في إطار هذا الموقف، الذي هو موقفٌ مُشَرِّفٌ أمام الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، نتذكر أننا نقوم بواجبنا، نؤدِّي مسؤوليتنا، ونستعين بالله على ذلك؛ ولـذلك نرى أنفسنا أننا لسنا في حالة الخزي، التي عليها معظم الأُمَّة، لسنا كما الذين يتفرَّجون على كل ذلك، ويسكتون تجاه كل ذلك.

نحن نؤدِّي مسؤوليتنا أمام الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأنه يهمنا ذلك: يهمنا أن يرضى الله عنَّا، يهمنا أن ننجو من سخط الله، وغضب الله، ولعنة الله، وانتقام الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأننا نؤمن بالوعيد الإلهي تجاه التفريط في مثل هذه المسؤولية، وفي نفس الوقت هذا يرضي ضميرنا الإنساني، ندرك أننا في موقف، أننا نعمل كلَّ ما نستطيع، ولا نتردد في أيِّ شيءٍ نستطيعه، مما هو في إطار مسؤوليتنا الدينية، وفي إطار التزامنا الأخلاقي، وفي إطار الضوابط الشرعية، لا نتردد في أي شيء.

هذا يرضي ضميرنا، يريح بالنا، نطمئن أننا نقوم بمسؤوليتنا، ونحن أكثر اطمئناناً على أساس ذلك، فيما يتعلق بأن نحظى برعاية من الله، بمعونة من الله، بنصرٍ من الله، بتأييدٍ من الله؛ لأن هذا في مقدِّمة أسباب التأييد، والرعاية الإلهية، والمعونة من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": أن نتحرَّك لأداء مسؤولياتنا وواجباتنا المقدَّسة.

نحن نجاهد في سبيل الله تعالى، كلما نتلوا القرآن، ونقرأ فيه الآيات المباركة التي يأمرنا الله فيها بالجهاد؛ نجد أنفسنا أننا نجاهد، ثم نقول لِلأُمَّة من حولنا، لكل المنتسبين للإسلام، لكل الذين يتلون القرآن: متى ستجاهدون، إن لم تجاهدوا ضد الطغيان الإسرائيلي، ضد الإجرام الإسرائيلي، ضد الوحشية والهمجية الإسرائيلية؟! العدو الإسرائيلي عدوٌ لكم في دينكم ودنياكم، هو يدمِّر المساجد، يمزِّق المصاحف ويحرقها، يقتل الشعب الفلسطيني بكل وحشية، كباراً وصغاراً، نساءً وأطفالاً، يفعل كل أنواع الجرائم، يستبيح كل الحرمات، وهي عقيدةٌ له تجاهكم، وله مشروعٌ- كذلك- هو المشروع الصهيوني تجاهكم، مخططه هو نفس المخطط في فلسطين تجاهكم، متى ستستشعرون مسؤوليتكم؟! متى يمكنكم أن تستجيبوا لله؟! ماذا ستقولون لله يوم تلقونه يوم القيامة، يا أُمَّة الملياري مسلم، يا أيُّها العرب، أنتم بمئات الملايين، أُمَّة كبيرة، لها إمكاناتها على المستوى الاقتصادي، على المستوى العسكري... على كل المستويات، ماذا ستقولون لله؟!

فنحن نطمئن أننا نتحرَّك في إطار هذا الموقف، ونحن نثق بالله، لا ترهبنا أمريكا، ونحن لا نعتبر أنَّ أمريكا أصبحت مهيمنةً على العالم، وأصبحت بالمستوى الذي يمكنها أن تفعل ما تشاء وتريد، وتقرر في مصائر الشعوب ما تشاء وتريد، هي تنجح تجاه من يرضخون لها في ذلك؛ أمَّا من يعتمدون على الله، ويتوكلون على الله، ويقومون بمسؤولياتهم وواجباتهم، فالمسألة مختلفة؛ نحن نثق بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، نؤمن به، نتوكل عليه، لسنا معتمدين على مستوى قدراتنا، ولا إمكاناتنا، هي تأتي في إطار الأسباب فقط، اعتمادنا كُلِّيّاً هو على الله تعالى، ونحن نثق به، ونثق بوعده، وعده بالنصر: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ}[محمد:7]، ونحن في حالة انتصار، على مدى كل هذه العشرة أعوام، نحن في حالة انتصار، ولسنا في حالة هزيمة، وهذه نعمةٌ علينا من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

ولـذلك نحن نثق بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ونعتمد عليه، وسنواصل إسنادنا للشعب الفلسطيني، ومعركتنا وموقفنا المتكامل ضد العدو الإسرائيلي، ونتصدَّى للأمريكي، الذي يشترك مع العدو الإسرائيلي، يسنده ويحميه، ويشاركه في عدوانه على فلسطين، وضد شعوب أُمَّتنا، فنحن في إطار هذا الموقف الحق، والصحيح، والحكيم، والواعي، والراشد، الذي هو: موقف استجابة لله، وموقف اهتداء بالقرآن الكريم، وموقف من منطلق إيماني، وديني، وإنساني، وأخلاقي، وموقفٌ مشرِّف، وموقفٌ فعَّال ومؤثِّر.

نحن- بفضل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وبعونه- نتصدَّى للعدوان الأمريكي ببسالة وفاعلية، القوات الصاروخية تؤدِّي واجبها، وكذلك الطيران المسيَّر، والدفاع الجوي، الذي قد تمكَّن- بفضل الله- من إسقاط (سبعة عشر طائرة أمريكية) من نوع (MQ-9)، وهذا عدد كبير منذ بداية (طوفان الأقصى)، وحالة فريدة، لا نسمع بمثل هذا المستوى تم إسقاطه، في أيِّ معركة مع الأمريكي تجاه أي بلد آخر، فهذا إنجاز مهم، ومعونة من الله، وتوفيق من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

هناك- بفضل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"- على المستوى الشعبي حالة ثبات عظيم، معنويات عالية، منطلق إيماني، وليس هناك أي التفات إلى أصوات المرجفين، والمثبِّطين، والمخذِّلين؛ لأن هذا هو يمن الإيمان، يمن الأنصار، يمن الواثقين بالله، المتوكلين على الله، المعتمدين على الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ونحن في موقف متقدِّم.

على المستوى البحري: حاملة الطائرات [ترومان]، هي في حالة هروب باستمرار، والمطاردة لها مستمرَّة؛ ولـذلك اعتماد الأمريكي حتى في تصعيده هذه الأيام، اعتماده على طائرات (الشبح)، وقاذفات القنابل، التي تأتي من قواعد أخرى، من غير [ترومان] هو الأكثر؛ لأن الحالة التي فيها حاملة الطائرات [ترومان] هي حالة مطاردة باستمرار، وهي تهرب في أقصى شمال البحر الأحمر، وفي حالة تنقُّل وتهرُّب باستمرار، العمليات لاستهدافها، والاستهداف للقطع البحرية مستمرَّة، بفاعلية عالية.

والعمليات ضد العدو الإسرائيلي مستمرَّة، والعدو الإسرائيلي متوقفٌ تماماً عن الملاحة عبر (البحر الأحمر، وباب المندب، وخليج عدن، والبحر العربي)، فالموقف- الحمد لله- موقفٌ قوي، وموقفٌ متقدِّم، والأمريكي يعترف بفشله، والواقع يثبت فشله أيضاً.

تجــاه ذلـك، أنــا أقــول لكــل الأنظمــة العربيــة، ولكــل الـدول المجــاورة:

فيما يتعلق بالعدوان الأمريكي على بلدنا، الذي هو اشتراك مع العدو الإسرائيلي؛ لأن المعركة ما بيننا وبين العدو الإسرائيلي، الموقف الأمريكي هو اشتراك مع العدو الإسرائيلي، وإسناد للعدو الإسرائيلي، هذا العدوان هو عدوان سافر، وظالم على بلدنا، ويستهدف الأعيان المدنية بكل وضوح، كما قلنا: استهدف حتى الأغنام، والماشية، استهدف خزانات المياه، والمراكز الصحية، والمرافق الحكومية العامة... وغير ذلك، هذا العدوان- الذي هو في إطار الاشتراك مع العدو الإسرائيلي- عدوان ظالم، عدوان إجرامي ووحشي، يقتل أبناء الشعب اليمني العربي المسلم، تجاه كل ذلك، نحن لا ننتظر، ولا نتوقَّع من الأنظمة العربية أي موقف مساند لنا كشعبٍ يمنيٍ عربيٍ مسلم:

لا بموجب الحق الإسلامي: في أننا شعبٌ مسلم، ينتمي لهذه الأُمَّة المسلمة، ومن واجب المسلمين جميعاً أن يقفوا معنا، أن يكونوا متضامنين معنا؛ لأن الذي يعتدي علينا هو الأمريكي والإسرائيلي، وهم في موقفٍ عدوانيٍ، ظالمٍ، كافر، يعتدي على مسلمين بغير حق، نحن لا ننتظر منكم ذلك؛ أنتم خذلتم الشعب الفلسطيني، من خذل فلسطين؛ سيخذل غيرها من شعوب هذه المنطقة، سيخذل أيَّ شعب.

كذلك لا ننتظر منكم شيئاً بموجب الانتماء العربي: أننا شعب عربي، وفي نفس الوقت العدوان علينا يشكِّل خطراً على الأمن القومي للعرب جميعاً، وعلى المنطقة العربية بكلها، وفي نفس الوقت من واجب العرب إن كان بقي لهم نخوة، شهامة، شرف، كرامة، إباء... وغيرها من القيم، التي كان يتمتَّع بها العرب حتى في الزمن الجاهلي، من واجبهم أن يقفوا مع الشعب اليمني في مثل هذه الظروف، وهو يُعتدى عليه من عدوٍ أجنبيٍ، كافرٍ، ظالمٍ، غاشم، وعدوان شامل، حتى بهذا الاعتبار، نحن لا نتوقَّع منكم: لا أن يكون لكم أي موقف إيجابي، ولا أي موقف مساند، ولا أي موقف متضامن، ولا أي موقف مُشَرِّف؛ لأنكم قد تخلَّيتم عن كلِّ تلك القيم تجاه فلسطين، فغير فلسطين بالأولى.

وكذلك على مستوى حق الجوار، بالنسبة للدول المجاورة: نحن لا نتوقَّع شيئاً بموجب حق الجوار، والتضامن مع الجار، والوقوف مع الجار.

لكن ما يهمنا بالنسبة لكم، هو أن ننصحكم جميعاً- لكل الأنظمة العربية، ولكل البلدان المجاورة لليمن، على المستوى الأفريقي وغيره- أنصحكم جميعاً، ونحذركم في نفس الوقت: لا تتورَّطوا مع الأمريكي في الإسناد للإسرائيلي، العدو الأمريكي هو في عدوانٍ على بلدنا إسناداً منه للعدو الإسرائيلي، المعركة هي بيننا وبين العدو الإسرائيلي، الأمريكي يسنده، ويحميه، ويدعمه، لا تتورَّطوا في الإسناد للعدو الإسرائيلي، يكفيكم الخزي والعار، الذي قد تحملتموه وزراً فظيعاً يبقى في الأجيال، وتحملونه يوم القيامة، في الخذلان للشعب الفلسطيني، فلا تتورطوا في الإسناد للعدو الإسرائيلي، لا تحاربوا مع العدو الإسرائيلي، أيّ تعاون مع الأمريكي في العدوان على بلدنا، بأيِّ شكلٍ من الأشكال، هو إسناد للعدو الإسرائيلي، هو تعاون مع العدو الإسرائيلي، هو تآمر على القضية الفلسطينية.

المعركة هي المعركة من أجل فلسطين، من أجل منع تهجير الشعب الفلسطيني، من أجل الضغط لوقف الإبادة ضد الشعب الفلسطيني؛ فأنتم إذا قمتم بأي تعاون مع الأمريكي:

إمَّا بالسماح له بالاعتداء علينا من قواعد في بلدانكم.

أو بالدعم المالي.

أو الدعم اللوجستي.

أو الدعم المعلوماتي.

فهو دعمٌ للعدو الإسرائيلي، ومناصرةٌ للعدو الإسرائيلي، وإسنادٌ للعدو الإسرائيلي.

معركة الأمريكي ضدنا هي معركة إسناد للعدو الإسرائيلي، وهذه مسألة واضحة تماماً، ليس فيها أيُّ التباس، ولا أيُّ خفاء، نحن لا نريد منكم أي شيء، كُفُّوا أذاكم عنا، كُفُّوا شرَّكم عنا، واكتفوا بالتفرُّج، أنتم تتفرَّجون؛ فلتتفرَّجوا، وليكفكم ذلك أن تتفرَّجوا، أن ترتاحوا بما يحدث من قتل وجرائم ضد أبناء الشعب اليمني، حتى على مستوى الأعيان المدنية، فيما يحدث من تدمير لها، وقتل لأبناء الشعب اليمني فيها، في المكاتب الحكومية، في المرافق الصحية... في غيرها، فلتكتفوا بذلك.

نحن لا نريد منكم أي شيء، ولا نتوقع منكم أي شيء، في أن يكون بمستوى تضامن، أو تعاون، أو موقف؛ أنتم خذلتم فلسطين بكل ما يحدث في فلسطين؛ لكن لا تشاركوا، لا تشاركوا في إسناد العدو الإسرائيلي، يكفيكم الخزي والعار الذي سيبقى عبر الأجيال بخذلانكم للشعب الفلسطيني، وسيكون وزراً رهيباً عليكم يوم القيامة، يوم لقاء الله، فلا تدعموا العدو الإسرائيلي ضدنا، لا تقفوا مع الأمريكي في إسناده للعدو الإسرائيلي ضد بلدنا، لا تشتركوا في الدفاع عن العدو الإسرائيلي، وحماية العدو الإسرائيلي، ومحاربة من يحاربه، واتركونا وشأننا، اتركونا وشأننا.

نحن مستعينون بالله تعالى في مواجهة العدو الإسرائيلي والأمريكي، وواثقون بالله، ومعتمدون على الله، نخوض هذه المعركة بكل شرف، بكل عِزَّة، بكل إباء، بكل إيمان، باعتمادٍ كُلِّيٍ على الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

السياسات الأمريكية هي عدوانية، واستعمارية، ومتكبِّرة، وهذه مسألة واضحة، التوجُّه الأمريكي في هذه المرحلة، هو: تَوَجُّهٌ مستفزٌ لكل دول العالم، ماذا يفعل [ترامب]؟ ما هي سياساته التي يعتمد عليها في هذه المرحلة؟ يعني: الأمريكي والإسرائيلي في أسوأ مرحلة من الانعزال العالمي، من السياسات العدوانية، من التصرفات الهمجية، من السياسات الرعناء والحمقاء؛ ولـذلك لا ينبغي للعرب في مثل هذا الظرف أن يتَّجهوا للمزيد من الانبطاح للأمريكي والإسرائيلي، والخضوع والتعاون مع الأمريكي والإسرائيلي.

الأمريكي في هذه المرحلة حتى على المستوى الاقتصادي، السياسات [الترامبية] معروفة في التعرفة الجمركية، التي مثَّلت ضربةً اقتصادية، وممارسةً للابتزاز الشديد، والاستغلال الكامل، حتى ضد حلفاء أمريكا، وكبار شركائها على المستوى التجاري والاقتصادي في العالم، الآن كل الأوروبيين يصيحون، من يتابع تصريحاتهم يعرف مدى تأثير السياسات الأمريكية المستفزة، كم هي ابتزاز، وكم تمثِّل من استفزاز لهم، كلهم يتحدَّثون عن أن تلك القرارات [الترامبية] والأمريكية، في التعرفة الجمركية، لها تأثيرات سيئة جدًّا على الوضع الاقتصادي لهم.

الأوروبيون الذين هم الحلفاء، الذين يحظون بقرب أكثر من الأمريكي، أكثر من العرب والمسلمين، الأمريكي لا يعتبر العرب والمسلمين حلفاء، يعتبر من يخضع له منهم مجرد أداة يستغلها، ليس لها عنده أي قيمة، لكنه يعتبر الأوروبيين حلفاء، وهؤلاء الحلفاء ماذا يعمل معهم؟ يتَّخذ سياسات اقتصادية مؤثِّرة سلباً عليهم، تؤثِّر على شركاتهم، على مصانعهم، يتحدثون عن التأثيرات بالتفصيل: أنها تأثيرات تؤِّثر على الشركات، على المصانع، تؤدِّي إلى التَّضَخُّم، تسبب إلى تسريح العاملين، وإلى كذلك التسريح للكثير من الموظفين، أنها ستسبب الركود الاقتصادي، أن لها تأثيرات اقتصادية سلبية بشكلٍ كبيرٍ عليهم؛ لكن الأمريكي ليس عنده مشكلة تجاه كل هذه التأثيرات السلبية على أولئك الذين هم حلفاء له.

بل أيضاً على مستوى الدفاع، فيما يتعلَّق بـ[حلف الناتو]، الأمريكي يمارس ابتزازاً غير مسبوق على الدول الأوروبية، ويضغط عليها، ويبتزها مالياً بشكلٍ كبير، وهي تصيح، وهي تبدي عدم اطمئنانها إلى الحماية الأمريكية، تبدي ذلك بشكلٍ واضح، في تصريحات لكبار المسؤولين في مختلف البلدان الأوروبية، أنهم ليسوا واثقين فيما يتعلَّق بالمستقبل من الحماية الأمريكية، وأنهم أصبحوا قلقين، ويدركون أن عليهم أن يهتموا بما يُوَفِّر لهم الحماية لأنفسهم من أنفسهم.

فالدول العربية التي لديها تفكير كيف تحظى بالحماية الأمريكية، كيف تتودد إلى الأمريكيين، كيف تتَّجه للاعتماد كُلِّيّاً عليهم، على حساب قضايا أمتها، والتآمر على شعوب هذه المنطقة، عليها أن تأخذ الدروس مما يحدث في أوروبا.

ما يفعله الأمريكي الآن فيما يتعلق بسياساته الاقتصادية: انقلب فيها حتى على مبادئ الرأسمالية، وعلى قيم اقتصادية في أمريكا وأوروبا والغرب، انقلب على كل ذلك، ويمارس سياسة الابتزاز بكل ما تعنيه الكلمة، والاستغلال، والضغط، بل قد تصل إلى درجة التأثير حتى على الاقتصاد الأمريكي، حتى على مستوى الاقتصاد الأمريكي.

ولـذلك هذه السياسة التي هي سياسة بلطجة، ابتزاز، ضغوط، استغلال، وصلت إلى درجة أن يأخذ جزيرة كاملة على (الدنمارك)، بدون أي اعتبار، هكذا في الأخير سلَّم له الدنماركيون جزيرتهم؛ ليسلموا من شرِّه، ما يتعامل فيه مع (بنما)، توجُّهه للمزيد من الضغوط على شرق آسيا... وغير ذلك، كل هذه السياسة العدوانية استفزت كل دول العالم، الكل يرى أمريكا بصورتها الحقيقية، فيما عليه من طغيان، من تكبُّر، من عدوانية، من ابتزاز مكشوف، من استغلال مفضوح، من عدوانية واضحة؛ فموقفنا نحن في الاتِّجاه الصحيح بكل ما تعنيه الكلمة.

أمَّــا تجــاه أُمَّتنــا: فما يحدث هو خطر على الأُمَّة جميعاً، العدو الإسرائيلي توجُّهاته واضحة، يحظى بهذا الدعم المفتوح والشامل من الأمريكي، المسؤولية على الجميع، وفي الحد الأدنى أن تكفَّ الأنظمة شرَّها، الأنظمة التي تتعاون مع أمريكا أن تكفَّ شرَّها عن الفلسطينيين، عن المجاهدين في فلسطين، وأن تكفَّ شرَّها أيضاً تجاه من يقف معهم ويدعمهم، مثل ما هو الحال بالنسبة لـ(محور الجهاد والقدس والمقاومة).

فيمـا يتعلَّـق بالمحـور الثـالث في الكلمــة: فيمـا يتعلَّـق بالـدورات الصيفيــة، التي تأتي في إطار الاهتمام بالجيل الناشئ:

لأن من الحاجات الأساسية، هي: التعليم، والمعرفة، والتربية، فهي حاجة إنسانية، وحاجة إيمانية، وحاجة حضارية، وحاجة أيضاً للتحصُّن في مواجهة الحرب العدوانية المفسدة، المُضِلَّة، التي يطلق عليها [الحرب الناعمة].

الــدورات الصيفيـــة تهــدف إلـى:

تربية الجيل الناشئ على التمسُّك بهويته الإيمانية.

وتنويره بالهدى، والوعي، والبصيرة، والمعرفة، والعلم النافع.

وتنشئته على مكارم الأخلاق، وعلى العِزَّة الإيمانية، والشعور بالمسؤولية.

ليكـون جيلاً واعياً، مؤمناً، قرآنياً، عزيزاً، كريماً، عملياً، حُرّاً، ينهض بدوره في تغيير الواقع نحو الأفضل، وفي النهضة المأمولة لشعبه، وفي مواجهة التحديات والأخطار، بالإيمان والوعي، والأخذ بأسباب النصر والقوة.

من يتأمل في واقع الأُمَّة بشكلٍ عام، واقع المسلمين جميعاً؛ يدرك أهمية العناية بالجيل الناشئ، فهناك مخاطر كبيرة، وفي نفس الوقت هناك فرص كبيرة، المخاطر تتعلَّق بالسياسة المتَّبعة في كثيرٍ من البلدان؛ نتيجةً لِلتَّوَجُّه الذي عليه أنظمتها، وهو المزيد من التدجين، يعني: لم يكفهم ما عليه حال الأُمَّة بشكلٍ عام، من تدجين لأعدائها، يتَّجهون إلى توارث هذه الحالة، توريثها للأجيال القادمة؛ فيتَّجهون إلى الجيل الناشئ بالمزيد من التدجين للخضوع للأعداء، والذل، والاستسلام، والجمود، والضعف، والتَّشَبُّث بالأسباب التي انحدرت بِالأُمَّة إلى الحضيض، فلا استفاقة، ولا انتباه، وكأننا أُمَّة بلا مسؤولية، وكأننا أُمَّة لا تواجه المخاطر، والتحديات، والأعداء.

التوارث لهذه الحالة من جيل إلى جيل، هو انحدارٌ نحو الحضيض، وهو حالة كارثية على الأُمَّة، وهو ظلم للجيل الناشئ، حينما يربَّى لأن يرث هذه الحالة التي عليها الأُمَّة، وهي حالة سلبية جدًّا.

أمَّا البعض فهم يتَّجهون في ما هو أسوأ: الأنظمة التي اتَّجهت بالولاء للأمريكي والإسرائيلي، واتَّجهت لتأقلم مناهجها الدراسية، نشاطها التثقيفي، السياسات بكلها، والتَّوَجُّهات بكلها، وفق ما يريده الأمريكي والإسرائيلي، وأصبحت في ذلك تتلقى الإملاءات من الأمريكي والإسرائيلي؛ فهي تتَّجه بالجيل نحو الضياع، تستهدف الجيل الناشئ لتربيته على الولاء لأعدائه، الولاء للأمريكي والإسرائيلي، ونحو التمييع، والإفساد، والتفريغ من المضمون الإنساني، والمضمون القيمي والأخلاقي والديني، والتحريف للمفاهيم والقيم، والإسقاط فيما يسمى بـ [الحرب الناعمة]، وهو خطر كبير بكل ما تعنيه الكلمة.

من يتم إسقاطهم في الحرب الناعمة بالإضلال والإفساد، الإضلال على مستوى الثقافة، والفكر، والرؤية، وتضييع البصيرة، وانعدام الوعي، وعلى مستوى الأخلاق؛ لضرب الأخلاق والقيم، والتميُّع، والفساد؛ هـذه حالة قتل لإنسانية الإنسان، ولشرفه، ولمستقبله، ولأخلاقه، ولدينه، يعني: أخطر من قتله وتصفيته جسدياً.

يمكنك أن تلقى الله شهيداً، وأنت في ميدان المواجهة العسكرية، حُرّاً، عزيزاً، كريماً، تحتفظ بشرفك الإنساني، بقيمك الإنسانية، والإيمانية، والدينية، وتضحيتك في إطار موقف مشرِّف، تساهم به في تحقيق نصر، وتغيير واقع، ودفع شر؛ وفي نفس الوقت تحقق لك رضا الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والسعادة الأبدية في الآخرة، هذه ليست خسارة.

لكن الخسارة الأكبر، هي: إسقاط الملايين من الجيل الناشئ ومن شباب أمَّتنا عبر الحرب الناعمة، من أضلُّوهم، ومن أفسدوهم، من جعلوهم يخسرون: إنسانيتهم، شرفهم الإنساني، ضميرهم الإنساني، أخلاقهم الإنسانية؛ من فرَّغوهم من محتواهم الإنساني والإسلامي، وحوَّلوهم إلى أشباه بشر، وعبأوهم بالضلال، والفساد، والولاء لأعداء الإسلام، والغباء، وانعدام البصيرة والوعي، هذه هي الحالة الخطيرة جدًّا، هذا هو الضياع، هذا هو الخسران المبين.

الأُمَّة في هذه المرحلة- بشكلٍ عام- تعاني من الوَهَن، الحالة العامة التي نراها تجاه ما يحدث في غزة هي الوَهَن، حالة خطيرة جدًّا على أُمَّتنا، هي الحالة التي حذَّر منها رسول الله "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ"، في قوله في الحديث المهم جدًّا: ((يُوشِكُ أَنْ تَتَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَم، كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا))، وكأنكم وجبة طعام، فريسة سهلة سائغة، يتناولها الأعداء ويأكلونها، تصبحون مأكلة للأمم، مأكلة، ينهبون ثرواتكم، يحتلون أوطانكم، يهتكون أعراضكم، يستبيحون قتلكم وإبادتكم، هذا معنى أن تكونوا كالقصعة التي يتداعى عليها الأَكَلَة ليأكلوها، هذا هو المعنى، أن تكونوا بهذا النحو، على هذا المستوى، يعني: حالة رهيبة، حالة مخزية، حالة استسلام ووهن وضعف، حالة ليست فيها عِزَّة، ولا كرامة، ولا حُرِّيَّة، ولا استقلال، حالة استباحة بكل ما تعنيه الكلمة، القصعة التي يتداعى عليها الأكلة، هي حالة استباحة لما يعتبرونه إداماً سهلاً، مستساغاً يأكلونه، ويتداعون لأكله.

(قَالُوا: أَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَومَئِذٍ يَا رَسُوْلَ اللَّه؟)، يعني: هل السبب في أن نصل إلى هذا المستوى من الضعف، تتشجع علينا بقية الأمم، التي لا تمتلك ما نمتلكه من مبادئ، ولا من قيم، ولا من دين يُمَثِّل صلة بالله، نحظى بنصره، بعونه، بتأييده، هل ستصل الحال بنا إلى ذلك المستوى لانعدام إمكانات، وقدرات، وقلة في عددنا، فيتشجعون علينا لذلك؟

((قَالَ: أَنْتُم يَومَئِذٍ كَثِير، وَلَكِنَّكُم غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْل، يُنْزَعُ الوَهَنُ مِنْ قُلُوبِ أَعْدَائِكُم، وَيُقْذَفُ فِي قُلُوبِكُم))، هذه الحالة الرهيبة لأُمَّتنا، أُمَّة الملياري مسلم، هي: غثاءٌ كغثاء السيل، انظروا كيف هي في مواجهة عشرة مليون يهودي صهيوني؟! كيف أُمَّة الملياري مسلم، كيف ضعفها، عجزها، قراراتها، توجهاتها، مواقفها، تصرفاتها، هذا الوهن حالة خطيرة على الأُمَّة، يشجِّع الأعداء عليها في كل بلدٍ وقطر، وتجاه كل شعب، حالة ليست حالة طبيعية، ليست سليمة، ليست إيجابية.

ولـذلك يجب التَّخَلُّص منها، يجب العمل على الخروج من هذه الحالة؛ لأن بقاء الأُمَّة غثاءً كغثاء السيل، يعني: مداسة، مداسة يدوسها الأعداء بأقدامهم، يدوسها الأعداء بأقدامهم، فالخروج عن هذه الحالة؛ حتى لا نبقى غثاءً كغثاء السيل، بل نتحوَّل إلى النموذج الذي يصلنا بقرآننا، بنبينا رسول الله "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ"، الذي قال الله عنه، وعن نموذجه الذي يمثِّل الإسلام حقاً: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}[الفتح:29]، هذا المثل الذي يبيِّن الفارق:

ما بين حالة الغثاء كغثاء السيل، الذي هو مداسة للأقدام، ولا قيمة له، لا وزن له، لا أهمية له، لا فائدة منه، لا تأثير له.

وبين هذا النموذج، الذي يعبِّر عن الخير والقوة، وعن العِزَّة، وعن المنظر البهيج، القوي، الرائع.

هذا المثل أتى في (التوراة، والإنجيل، والقرآن)، في ثلاثة من كتب الله، مع ثلاثة من رسل الله، من أولي العزم من الرسل؛ ليعبِّر عن أنَّ ذلك هو الامتداد الأصيل لرسالة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

ولـذلك فيما يتعلَّق بواقع الأُمَّة، هي غثاءٌ كغثاء السيل:

لأنها لا تمتلك البصيرة، ولا الرؤية الصحيحة.

ولأنها أفلست على مستوى القيم والأخلاق.

ولأنها فقدت شعورها بالمسؤولية، وأخذت بأسباب الضعف والوهن، فقدت التربية الإيمانية، التي تبنيها أُمَّةً عزيزةً قويةً.

قال الرسول "صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ" عن هذه الحالة من الوهن، حينما سألوه عنها: (وَمَا الوَهَنُ يَا رَسُولَ الله؟)، قال: ((حُبُّكُمُ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَّتِكُمُ المَوْت))، هذا التعلُّق بالمصالح الزائفة، غير الواعي أيضاً بالمصلحة الحقيقية، غير الواعي بما فيه الخير في الدنيا، والخير في الآخرة، بما فيه العِزَّة والكرامة، هو الذي أوصل الأُمَّة إلى ما وصلت إليه من حالة الوَهَن.

ولـذلك أُمَّتنا هي بحاجة إلى معالجة لهذا الوضع، ومن أكبر ما تعانيه: أزمة الثقة بالله، هي أمّ المشاكل، أمّ كل المشاكل التي تعاني منها أُمَّتنا، وتفرَّع عنها هذا الخلل الكبير على مستوى الرؤية، والبصيرة، والوعي، على مستوى القيم والأخلاق، على مستوى الشعور بالمسؤولية، كله تفرَّع عن أزمة الثقة بالله، وبوعده ووعيده، وبكتابه ونبيه، أزمة ثقة تحتاج الأُمَّة إلى معالجتها.

ولـذلك من أهمِّ ما تحتاج إليه أُمَّتنا، وجيلها الناشئ، هو: تعزيز العلاقة بالقرآن الكريم ككتاب هداية، وأن نتعلم منه: معرفة الله تعالى، وترسيخ الشعور بعظمة الله، وتعزيز الثقة به، وأن نعرف كيف نعزِّز ثقتنا بالله تعالى؛ حتى نرى أن بإمكاننا أن ننفِّذ كل ما أمرنا الله أن نقوم به:

أن نكون قوَّامين بالقسط.

أن نكون مجاهدين في سبيل الله.

أن نكون أنصاراً له.

أن نكون أُمَّةً تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.

أن نكون مؤمنين بعضنا أولياء بعض، نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر.

حتى تستعيد الأُمَّة فاعليتها، وتخرج من الحالة الرهيبة، من انعدام الفاعلية، والوزن، والتأثير، وتعطيل كل عناصر القوة، تنتقل من حالة الغثاء، الذي يدوسه الأعداء بأقدامهم، إلى ذلك النموذج الأصيل، المغيظ للكفار، مغيظٌ لهم؛ لأنه ليس مداسةً لهم ولأقدامهم، مغيظاً لهم؛ لأنه يتصدَّى لهم، يقف بوجه طغيانهم، وشرِّهم، وظلمهم، وإجرامهم، يعمل على إفشال مخططاتهم ومؤامراتهم.

إنَّ كلَّ بناءٍ للجيل الناشئ لا يعتمد على القرآن الكريم، وأسسه، وهدايته، ونوره؛ لن يغيِّر من الواقع شيئاً، بل يسهم في السقوط أكثر وأكثر، وإنَّ البناء القرآني العظيم، الفعَّال والمؤثِّر، المغيِّر نحو الأفضل في هذه المرحلة الحسَّاسة، والذي سيكون امتداداً للنموذج الأصيل، في وصف رسول الله "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، والذين معه، هو البناء على أساس قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة:54-56].

وأن يتربى هذا الجيل ويتعلَّم كيف تكون الغاية الكبرى، والمطلب المهم الذي يسعى إلى تحقيقه، والوصول إليه، هو: رضوان الله تعالى؛ لأن في ذلك الخير كله، في الدنيا والآخرة، يحظى الإنسان برعاية واسعة من الله تعالى، ويوفِّقه، ويسيِّر الخير على يديه للناس، ويكون عنصراً فاعلاً، خيِّراً، محسناً، صالحاً، عزيزاً.

مستوى الاستفادة من الدورات الصيفية يتطلب اهتماماً من جميع الجهات ذات العلاقة، على المستوى الرسمي، ومن جهة القائمين إدارياً على الدورات الصيفية، وأن يساهم من يمتلكون الخلفية الثقافية والعلمية في التدريس فيها بجدّ ومثابرة، هذا إسهامٌ عظيم في تربية الجيل الناشئ، وفي تعليمه، وفي إكسابه المهارات اللازمة، وهو جزءٌ أيضاً من الجهاد في سبيل الله تعالى، نأمل من الجميع الاهتمام بذلك، وكذلك المجتمع دوره أساسيٌ ومهم، ونسأل الله للجميع العون، والتوفيق، والسداد.

نَسْألُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيهِ عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاء.

وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛

كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في افتتاح الأنشطة والدورات الصيفية وحول آخر التطورات والمستجدات الإقليمية والدولية 04 ابريل 2025م pic.twitter.com/vyJX8S74PY

— الإعلام الحربي اليمني (@MMY1444) April 4, 2025

مقالات مشابهة

  • نص كلمة قائد الثورة في افتتاح الأنشطة والدورات الصيفية وحول آخر التطورات والمستجدات
  • بكري حسن صالح .. الرجل الذي أخذ معنى الإنسانية بحقها
  • أمطار خفيفة إلى غزيرة.. الحصيني يكشف تفاصيل الحالة الحادية عشرة
  • أوقفوا القتل خارج إطار القانون
  • “الثورة نت” ينشر نص كلمة قائد الثورة في افتتاح الأنشطة والدورات الصيفية
  • (نص+فيديو) كلمة قائد الثورة في افتتاح الدورات الصيفية واخر التطورات 4-4-2025
  • عيد محور المقاومة الذي لا يشبه الأعياد
  • اجتماع لقائد الجيش مع قادة الأجهزة الأمنية
  • حفظه الله عمكم البرهان الذي قضى على الجنجويد بالابرة
  • خيارات الدولة السورية الجديدة