ربما الأمر العلمائي لم يعد يتعلق بإعادة تعريف مفهوم العالِم أو الفقيه المجتهد أو مصادر تكوينه، ولكن الأمر انتقل إلى قضية أكبر ألا وهي حال العالِم والعلم الشرعي والفقيه في الدولة القومية، فقد صارت الأمور على أرض الواقع تتحرك في إطار تنازع المساحات التي كان فيها نشاط الفقيه، سواء أكانت مساحات تقليدية تتعلق بتكوينه العلمي أو مساحات تتعلق بمكانته لدى الناس والجماهير فيما يتعلق بمساحة الفعل والأحداث التاريخية.



هنا برزت الدولة القومية بنشأتها المشوهة التي ولدت وفي بطنها المركزية والاستبداد فرأت تهميش ومحاصرة هذا الدور الذي يتعلق بالعالم والفقيه؛ وقد قررت ضمن خياراتها أن يتآكل أو يحجم هذا الدور بشكل من الأشكال، وشكلت مجال الإفتاء على نحو يتوافق مع تصوراتها تلك؛ فطرأ تحول كبير على دور العالم والفقيه في المؤسسة الإفتائية بعد أن كان لها دور لا يستهان به كمؤسسة أمة في الخبرة الإسلامية.

انحشر الفقيه والعالم في الزاوية يمارس الفقه المتعلق بالشخصي والخاص، وظل دوره في السياسي والحضاري دورا مشبوها ومشوها، فهو إما مستبعد منه أو يقوم بدور المبرر والمحلل فيه. هذا الدور جعل الفقيه أكثر انحشارا في الزاوية وبدا المجال العام والمجال السياسي تدخله فئات كثيرة تزاحمت عليه، وبرزت صنوف أخرى زاحمت الفقيه تبعده بأكتافها حتى انزوى في خلفية المشهد، يجلس للفتوى في قضايا بعينها؛ قانعا بهذا الدور الهامشي.

ظل الفقيه يقوم بدور محدود للغاية لم يكن فيه أحسن حالا من الأشخاص العاديين في المجتمع، فوقف مشدوها أمام تغيرات كبرى ومفصلية في حركة الواقع ونظم الاتصال وثورات التقنية، وأحدث ذلك إشكالات غاية في الخطورة على طبيعة دور الفقيه وعلى مساراته في هذا السياق. وظل الفقيه يمارس هذا الدور الهامشي؛ رغم مرور الأمة بأيام فارقة وأحداث كاشفة
وبرز أيضا الفقيه الذي احتمى برؤية فقهية يتحدث فيها مؤثرا السلامة عما تحت الأرض وعما فوق الأرض أي في السماء، ولم يتحدث عن الخلق ممن هم على الأرض، ذلك أن السلطان المستبد وجد أن هؤلاء إنما يمثلون بضاعته يحتكر شأنهم وشأن التعامل معهم بلا مشاركة من آخرين إلا أن يوزع عليهم السكوت والكلام والأفعال، وبدا هؤلاء يتحدثون في أمور لا تتعلق بواقع الناس ومعاشهم، وتصدر عنهم فتاوى مستهلكة أتوا بها من بطون الكتب؛ انشغل بها القاصي والداني من دون أن تكون معالجة لقضايا الحياة وتحدياتها، وفقه الحياة ومقتضياته ودين لواقع يجب أن ينهض به وينهض بمن ينتمون إليه.

في هذا المقام ظل الفقيه يقوم بدور محدود للغاية لم يكن فيه أحسن حالا من الأشخاص العاديين في المجتمع، فوقف مشدوها أمام تغيرات كبرى ومفصلية في حركة الواقع ونظم الاتصال وثورات التقنية، وأحدث ذلك إشكالات غاية في الخطورة على طبيعة دور الفقيه وعلى مساراته في هذا السياق. وظل الفقيه يمارس هذا الدور الهامشي؛ رغم مرور الأمة بأيام فارقة وأحداث كاشفة؛ وأطلت على الجميع فتاوى الأمة تفرض على الجميع الاهتمام بها، ذلك أن الأمة تفزع إلى علمائها تلتمس لديهم جوابا كافيا شافيا، جامعا للأمة، مانعا من فرقتها.

إن هذه الأمة تحتاج إلى عقل استراتيجي مادته أهل الفكر وأهل العلم وأهل الاجتهاد؛ وكذلك الخبراء من المتخصصين يجمع بينهم ناظم الإرادة ومقام الإدارة. وفي هذا المقام يحسن أن نعود إلى هذا لتشييد رؤية قادرة على التفكير والتدبير والتغيير والتأثير؛ وحتى يمكنها تحقيق ذلك فعليها أن تتعرف على حجم الإشكالات وتبصر كافة التحديات وكذلك عليها أن تتعرف على مساحة المتطلبات وقدرات الاستجابات، إلا أن الحاضنة المهمة التي تشكل سندا لهذا العقل الاستراتيجي إنما تتعلق بالتيار الرئيس للأمة؛ الذي يحسن إدارة الصراع والقدرة التدافعية وإدارة الأزمات وإدارة الفرص؛ مما يؤسس المعنى الذي يتعلق بساحات الحركة وإمكانات التغيير وأصول الفاعلية؛ خاصة مع ما يحيط بهذه الأمة من مخاطر وما يتولد من جوفها من فرص.

يتشكل هذا العقل الاستراتيجي من طاقات علمائية متنوعة؛ في كيان شبكي فاعل يسير على هدي بصيرة استراتيجية تضع أولويات أزمات الحاضر وترسم الأهداف الصلبة للمستقبل القريب والبعيد؛ يقوم هذا الكيان بدوره من خلال تفعيل رؤى البصيرة الاستراتيجية وتحويلها لخطط استراتيجية قبل الدفع بها إلى دوائر التدبير والحركة، ويقوم فيه العلماء بدورهم الريادي كطليعة في عمليات التغيير؛ من خلال مجمع اجتهادي لا يقتصر على المكون الفقهي والشرعي.

وفي سياق تأكيدنا على أهمية هذا العقل الاستراتيجي نذكر أن جوهر وظيفة العالم السياسية هي وظيفة كفاحية لا تعرف الالتواء أو التحريف، ولا يجوز التخلي عنها لأي سبب كان، ذلك أن هذه الوظيفة ترتبط بأهم وظائف العلماء في وراثة النبوة (البلاغ والتبيين)، ومن ثم كان كتمان العلم خطيئة وتحريفه إثما، والهجوم عليه بلا مكنة معصية، واستخدامه في غير موضعه إنما يعد فسادا كبيرا. إن كفاحية العالم في الرؤية الإسلامية تتمثل في مهمة العالم العامل وواجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لكل مسلم، متحليا بالصبر وجريئا في الصدع بالحق، منجزا مسؤوليته الكبرى من أجل إقامة حكم الله شرعة ومنهاجا في الأرض.

إن من أهم الشروط الأساسية لقيام العالم بوظيفته استشعار المسؤولية في الفتوى، وكراهة التجرؤ عليها دون مكنة أو الإفاضة في الفتاوى الفردية أو السكوت عن فتاوى الأمة والفتاوى ذات الطبيعة السياسية والذي يعد من كتمان العلم، خاصة أن فتاوى الأمة يتصدّر لها من غير سائل عنها على خلاف الفتاوى الفردية.

فإذا كانت تلك هي خطورة دور المفتي وأهمية الفتوى بطبيعتها، فإن الجرأة على الفتوى من العلماء أمر جد خطير يُخرج العالم عن حد العلم. وكذا كراهة الدخول على السلطان والدنو منه، حيث يعد ذلك أهم الشروط للقيام بـ"وظيفة العالم الكفاحية السياسية"، حتى لا يكون هناك مجال من الناحية الشرعية لهؤلاء الذين يزينون لصاحب السلطة سوء عمله، ويأتون بالمبررات لفساد رأيه بلا أدنى تحرج أو مراقبة لحق الله وحقيقة شرعه، ممن سُمّوا بفقهاء السلطان.

فليس من وظيفة العالم المدح والتبرير للسلطة، بل وظيفته الأساسية مراقبة شرع الله وتحقيقه، وهذا من الشهادة لله والحفاظ على شرعه. وهو في سبيل ذلك يتجنب كل ما يفتنه أو يصرفه عن جوهر وظيفته الكفاحية سواء حيال السلطة برقابتها، أو بتأكيد وعي الرعية بتعليمها وإفتائها شرعا، بما يحقق نوعا من التطابق بين سلوكهم وجوهر المثالية الإسلامية. فطاعة الشرع هي محصلة الشرطين السابقين، وهي أهم الشروط التي تحدد حركة العالم ووظيفته الإيمانية.

في ضوء هذه المعاني المهمة كلها تأتي فكرة المقاومة الحضارية والتي تترافق مع مفهوم علماء الأمة الذين يمثلون الأمة والتزام شرعتها؛ فعين علماء الأمة على الشرع ومراقبة الشرعية؛ وعين أخرى على عموم الناس في الأمة والحفاظ على ضرورات حياتهم. وتقترن بذلك عملية تأسيس راسخة تتمثل في ضرورات تأسيس مؤسسة علمائية تضمن استمرارية الدور وضمان تأثيره وفاعليته، وتشكل حماية من شطط الاجتهاد الفردي وتؤسس مهمتها ضمن حالة اجتهادية وشورية واسعة؛ ترى كل ذلك ضمن مفهوم أهل الذكر الجامع لأصول الفقه الحضاري الناظم بين أهل الاجتهاد وأهل التخصص والخبرة. والجامع بين المستويات الثلاث في العملية الاجتهادية فقه الأحكام، وفقه الواقع، وفقه التنزيل؛ ليشكل بذلك رؤية ممتدة بحيث تتواصل وتتصل هذه المستويات الثلاث، وتتداخل وتتكافل فيها الأدوار والوظائف؛ لا تُختزل بأي حال في فقه الأحكام والنصوص والأدلة، ولكنها تمتد لفقهي الواقع والتنزيل؛ وتجعل من الفتاوى الحضارية والاستراتيجية المتعلقة بالأمة ميدانا وإعمالا لهذه الرؤية الكلية والمتكاملة.

ومن أهم ما كشفت عنه معركة الطوفان أنها أشّرت وبشكل واضح لا لبس فيه إلى أن المقاومة تعد خيارا استراتيجيا ليس فقط لها ولكن للأمة بأسرها، والتمييز بين مسارين حيال مقاومة الأمة؛ علماء الطوفان ومسار آخر يمثله علماء السلطان ولكل مواصفات ومواقف.من أهم ما كشفت عنه معركة الطوفان أنها أشّرت وبشكل واضح لا لبس فيه إلى أن المقاومة تعد خيارا استراتيجيا ليس فقط لها ولكن للأمة بأسرها، والتمييز بين مسارين حيال مقاومة الأمة؛ علماء الطوفان ومسار آخر يمثله علماء السلطان ولكل مواصفات ومواقف إن علماء الطوفان يطوفون بنا في خبرة المسلمين في ذاكرتها التاريخية والحضارية، ويكشفون عن دور العلماء في المقاومة الحضارية للأمة، وجوهر وظيفتهم الكفاحية. العالم الحق اجتهاد وجهاد؛ ينظر للفتوى فيما يخص الأمة وتحدياتها الحاضرة لا باعتبارها فتاوى استراتيجية وحضارية فحسب بل هي جهاد بالفتوى؛ يمكّن للمقاومة فيها، بل يعد العلم فيها في طليعة المقاومة والجهاد؛ مستلهمة أدوار الإمام ابن تيمية الجهادية وأدوار العز بن عبد السلام "سلطان العلماء".

إنهم العلماء الحق بما يمثلون حاضنة علمية ومعرفية اجتهادا وجهادا ومقاومة حضارية، وبما تؤكد عليه الحالة العلمائية المجاهدة والمقاومة من وظيفة كعقل علمائي استراتيجي للأمة؛ يتبنى الثقافة الجهادية وتفعيل أصول الفقه الحضاري، ضمن حالة مؤسسية مستدامة بتأسيس مجمع اجتهادي وحضاري لا يتكون من الإمكانات الفقهية وحدها بل يتأسس على قاعدة التقوى الحضارية الشاملة الجامعة؛ من متخصصين وخبراء وعلماء يحملون الأمة بمنظومة من فتاوى الاستنفار والإنذار، وفتاوى استراتيجية لتحرير الأمة ونهوضها؛ يواجهون علماء الشيطان والسلطان ويردونهم؛ هؤلاء المرجفون الذين يصدرون خطاب التخذيل والتضليل؛ ويتجرؤون على الفتوى بفتاوى التطويع والتمييع والتطبيع ويلحقونها وأسفاه بفتاوى رفض المقاومة وتحقير وتهوين المقاطعة؛ إنها فتاوى الأمة ومقاومة الأمة حينما تكون بين نجدين؛ علماء الطوفان والإيمان وعلماء الشيطان والسلطان.

twitter.com/Saif_abdelfatah

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الفقه فتاوى العلماء علماء فتاوى الفقه طوفان الاقصي مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة هذا الدور فی هذا

إقرأ أيضاً:

العيد مناسبة يحتفي بها الشعراء في كل زمان ومكان

 

شكلت المناسبات الإسلامية مادة خصبة للشعراء منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا، وتفاوت أحاسيسهم بها قوة وضعفُا، عبادة وعادة، وأخذ هذا الاهتمام مظاهر عديدة، ومن هذه المناسبات، مناسبة العيد، هذه المناسبة التي تتكرر كل عام مع اختلاف الظروف والأحداث التي قد تمر بالشاعر خاصة أو تمر بالأمة الإسلامية عامة، ويعتبر مفهوم “العيد” أحد العناصر المؤثرة في تشكيل شعر أغلب قصائد شعراء العربية، وبخاصة في شعر المناسبات والتهنئة، حيث ارتبط العيد بمظاهر البهجة والسرور، والفرحة والحبور، وأشكال التضامن الاجتماعي، وكان توظيف هذه المعاني التي يشتمل عليها “العيد” بمظاهره الجميلة.
وقد تفاعل الشعراء خلال القرون السابقة وحتى عصرنا الحاضر مع الأعياد تفاعلاُ قويًا ظهر في أغراض شعرية منوعة نرصد منها:
تحري رؤية الهلال
يستبشر المسلمون بقدوم العيد ويتحرون رؤية هلال العيد ويستبشرون به وقد قال الشاعر ابن الرومي في ذلك:
ولما انقضى شهـر الصيـام بفضله
تجلَّى هـلالُ العيـدِ من جانبِ الغربِ
كحاجـبِ شيخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه
يشيرُ لنا بالرمـز للأكْـلِ والشُّـرْبِ
وأما الشاعر ابن المعتز فيقول عن عيد الفطر:
أهـلاً بفِطْـرٍ قـد أضاء هـلالُـه
فـالآنَ فاغْدُ على الصِّحاب وبَكِّـرِ
وانظـرْ إليـه كزورقٍ من فِضَّــةٍ
قـد أثقلتْـهُ حمـولـةٌ من عَنْبَـرِ
ويقول الشاعر يحيى توفيق في قصيدته «ليلة العيد»، حيث يرى في العيد مصدرا للبشر والفرح والسعادة، حيث يقول فيها:
بشائر العيد تترى جمة الصور
وطابع البشر يكسوا أوجه البشر
وموكب العيد يدنو صاخباً طرباً
في عين وامقة أو قلب منتظر
حقيقة معنى العيد
الكثير من المسلمين يغفلون عن المعنى الحقيقي للعيد فيظنوه في لبس الجديد واللهو واللعب فقط، وإن كان ذلك من سمات العيد ولكن هناك أمورًا أخرى ينبه إليها أبو إسحاق الألبيري حول حقيقة معنى العيد يقول الأبيات التالية:
ما عيدك الفخم إلا يوم يغفر لك
لا أن تجرَّ به مستكبراً حللك
كم من جديد ثيابٍ دينه خلق
تكاد تلعنه الأقطار حيث سلك
ومن مرقع الأطمار ذي ورع
بكت عليه السماء والأرض حين هلك
وهو قول ينم عن عمق معرفة بحقيقة العيد، وكونه طاعة لله وليس مدعاة للغرور والتكبر.
تهاني الشعراء للملوك
ويلاحظ المتتبع لموضوع العيد في الأدب العربي أن المدائح بمناسبة العيد قد شغلت حيزاً كبيراً من أشعار العيد، وأن بعضها يعتبر من غرر الشعر العربي. ومن هذه القصائد رائية البحتري التي يهنئ بها الخليفة العباسي (المتوكل) بصومه وعيده ويصف فيها خروجه للصلاة:
بالبر صمت وأنت أفضل صائم
وبسنة الله الرضية تفطر
فانعم بعيد الفطر عيداً إنه
يوم أغر من الزمان مشهر
فيما قال المتنبي مهنئًا سيف الدولة عند انتهاء شهر رمضان:
الصَّوْمُ والفِطْرُ والأعيادُ والعُصُر
منيرةٌ بكَ حتى الشمسُ والقمرُ
ويهنئه بالعيد فيقول:
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده
وعيد لكل من ضحى وعيدا
ولازالت الأعياد لبسك بعده
تسلم مخروقاً وتعطي مجددا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى
كما كنت فيهم أوحداً كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختها
وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
الشكوى والمنغصات
لا يخلو العيد في كثير من الأحيان من منغصات قد يتعرض لها الشاعر خاصة في نفسه أو أهله وقد عبر عن ذلك كثير من الشعراء في قصائد خلدها التاريخ، يكاد من يقرأها يشارك الشاعر معاناته ويلامس صوره وأحاسيسه، ولعل أشهر ما قيل في ذلك دالية المتنبي في وصف حاله بمصر والتي يقول في مطلعها:
عيـدٌ بأيّـةِ حـالٍ جِئْـتَ يا عيـدُ
بما مضـى أم بأمْـرٍ فيكَ تجديـدُ
أمّـا الأحِبـة فالبيـداءُ دونَـهــم
فليـت دونـك بيـداً دونهـم بيـدُ
وما شكوى الشاعر المعتمدُ بن عباد بعد زوال ملكه، وحبسه في (أغمات) بخافية على أي متصفح لكتب الأدب العربي، حين قال وهو يرى بناته جائعات حافيات في يوم العيد:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
وكان عيدك باللّذات معمورا
وكنت تحسب أن العيد مسعدةٌ
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً
في لبسهنّ رأيت الفقر مسطورا
معاشهنّ بعيد العــزّ ممتهنٌ
يغـزلن للناس لا يملكن قطميرا
أفطرت في العيد لا عادت إساءتُه
ولست يا عيدُ مني اليوم معذورا
وكنت تحسب أن الفطر مُبتَهَـجٌ
فعاد فطرك للأكبــاد تفطيرا
وقال الشاعر الأمير “أبو فراس الحمداني” وهو أسير ببلاد الروم وقد أتى عليه العيد:
يا عيد ما جئت بمحبوب
على معنى القلب مكروب
يا عيد قد عدت على ناظر
عن كل حسن فيك محجوب
يا وحشة الدار التي ربها
أصبح في أثواب مربوب
قد طلع العيد على أهلها
بوجه لا حسن ولا طيب
ما لي وللدهر وأحداثه
لقد رماني بالأعاجيب
ويبث الشاعر العراقي السيد مصطفى جمال الدين شكوى أيام صباه الأولي في قصيدة رائعة قال فيها:
العيدُ أقبلَ تُسْعِـدُ الأطفـالَ ما حملتْ يـداه
لُعَباً وأثوابـاً وأنغامـاً تَضِـجُّ بهــا الشِّفاه
وفتاكَ يبحثُ بينَ أسرابِ الطفولةِ عن (نِداه)
فيعـودُ في أهدابه دَمْعٌ، وفي شفتيـه (آه)
ويقول في قصيدة أخرى:
هـذا هـو العيـدُ أيـنَ الأهـلُ والفـرحُ
ضاقـتْ بهِ النَّفْسُ، أم أوْدَتْ به القُرَحُ؟!
وأيـنَ أحبابُنـا ضـاعـتْ مـلامحُـهـم
مَـنْ في البلاد بقي منهم، ومن نزحوا؟!
حال الأمة
لم تعرف الأمة في عهودها السابقة حالة الاستضعاف التي شهدتها في عصرنا الحاضر، لذلك كثر وصف الشعراء لمآسي الأمة وأحزانها خصوصًا كلما عاد العيد ومن ذلك قول الشاعر عمر بهاء الدين الأميري:
يمـرُّ علينا العيـدُ مُـرَّا مضرَّجـاً
بأكبادنا والقدسُ في الأسْـرِ تصـرخُ
عسى أنْ يعـودَ العيـدُ باللهِ عـزّةً
ونَصْـراً، ويُمْحى العارُ عنّا ويُنْسَـخُ
فيما يشكو الشاعر عمر أبو الريشة:
يا عيـدُ ما افْتَرَّ ثَغْرُ المجدِ يا عيد
فكيـف تلقاكَ بالبِشْـرِ الزغـاريـدُ؟
يا عيدُ كم في روابي القدسِ من كَبِدٍ
لها على الرَّفْـرَفِ العُلْـوِيِّ تَعْييــدُ؟
سينجلـي لَيْلُنا عـن فَجْـرِ مُعْتَرَكٍ
ونحـنُ في فمـه المشْبوبِ تَغْريـدُ
أما الشاعر الدكتور عبد الرحمن العشماوي فيقول في قصيدته (عندما يحزن العيد) راثياً حال الأمة الإسلامية بما يشاهده من معاناتها:
أقبلت يا عيد والأحزان نائمـة
على فراشي وطرف الشوق سهران
من أين نفرح يا عيد الجراح وفي
قلوبنا من صنوف الهمِّ ألـــوان؟
من أين نفرح والأحداث عاصفة
وللدُّمى مـقـل ترنـو وآذان؟

العيد والقضية الفلسطينية
ثم ينتقل العشماوي إلى الجرح الذي لم يندمل، والذي يؤرق الأمة الإسلامية ألا وهو جراحات مقدساتها العظيمة التي سلبها عدوّها لما نام عنها راعيها من المسلمين فقال:
من أين والمسجد الأقصى محطمة
آمالـه وفؤاد القـدس ولهـا؟
من أين نفرح يا عيد الجراح وفي
دروبنا جدر قامـت وكثبـان؟
وتتفاعل الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان مع أخواتها اللاجئات الفلسطينيات بين الخيام لتصور مأساتهن وما يعانينه من آلام التشرد واللجوء في يوم العيد فتقول:
أختاه، هذا العيد رفَّ سناه في روح الوجودْ
وأشاع في قلب الحياة بشاشة الفجر السعيدْ
وأراك ما بين الخيام قبعتِ تمثالاً شقيًّا
متهالكاً يطوي وراء جموده ألماً عتيًّا
يرنو إلى اللاشيء.. منسرحاً مع الأفق البعيدْ
أختاه، مالك إن نظرت إلى جموع العابرينْ
ولمحت أسراب الصبايا من بنات المترفينْ
من كل راقصة الخطى كادت بنشوتها تطيرُ
العيد يضحك في محيّاها ويلتمع السرورُ
أطرقتِ واجمة كأنك صورة الألم الدفينْ؟

مقالات مشابهة

  • أفضل وقت لتناول العشاء لعلاج مقاومة الأنسولين
  • العيد مناسبة يحتفي بها الشعراء في كل زمان ومكان
  • داليا عبدالرحيم تكتب: "‏حماس".. عن أي مقاومة تتحدثون
  • مقاطعة الإعلام الحربي كأداة مقاومة ضد آلة الدعاية العسكرية
  • ماك شرقاوي لـ"إكسترا نيوز": ترامب يواجه مقاومة شديدة من "الدولة العميقة"
  • دعوات واسعة لفعاليات شعبية حول العالم لوقف العدوان على غزة (شاهد)
  • اتحاد علماء المسلمين يدعو إلى الجهاد المسلّح ضد الاحتلال الإسرائيلي
  • مظاهرات حاشدة تشهدها المخيمات الفلسطينية في لبنان نصرة لغزة ورفضا لمجازر العدو
  • تشريح جثة حيوان عمره 130 ألف سنة
  • "قميص السعادة" على مسرح قصر ثقافة ديرب نجم