أيمن رشدي سويد: القرآن حُفظ كتابة وسماعا وهو أكثر كتب الدنيا ضبطا
تاريخ النشر: 26th, March 2024 GMT
واصل أستاذ علم التجويد والقراءات القرآنية الدكتور أيمن رشدي سويد في برنامج "الشريعة والحياة في رمضان" الحديث عن القرآن الكريم وفضله وجهود حفظه مكتوبا وتناقله مسموعا بشكل متواتر، وقراءاته المختلفة وكيف بدأت بالظهور.
وبعد أن تناول في الحلقة السابقة جمع الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه للقرآن وسبب قيامه بذلك، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، والكيفية التي تمت به، تناول الدكتور في هذه الحلقة جهود الخليفة عثمان بن عفان في نسخ هذا المصحف وتوزيعه.
حيث شكّل الخليفة عثمان لجنة ممن يعرفون الكتابة في قريش وكان رئيسها الصحابي الأنصاري زيد بن ثابت، ونسخوا عدة نسخ من المصحف، ثم أمر عثمان بإرسالها بعد تدقيقها إلى الأمصار الرئيسية، وهي مكة والكوفة والبصرة والشام والبحرين وأبقى بالمدينة نسختين، إحداهما التي استشهد وهو يقرأ فيها.
وحسب الدكتور أيمن رشدي، فقد قيل للمسلمين اعرضوا ما بين أيديكم من مصاحف على تلك النسخ الموثقة، فما وافق فأبقوه وما خالف فأحرقوه، وبتك الطريقة، صان الخليفة عثمان النص القرآني المكتوب من التبديل والتحريف والتغيير.
ولفت أستاذ علم التجويد والقراءات القرآنية إلى أنه بعد ذلك لجأ علماء -للحفاظ على النص القرآني من عوارض الزمن- إلى ما يمكن تسميته التصوير الكتابي، حيث قاموا بتصوير تلك المصاحف عن طريق الوصف الكتابي، وذلك عبر وصف ما في المصاحف مما هو مخالف لما اعتاده الناس من إملاء.
الحفظ السماعيوحول الحفظ السماعي للقرآن، أشار الدكتور إلى أن ذلك بدأ بسماع الصحابة لقراءة النبي في الصلوات الجهرية وأثناء تلاوته عليهم، كما كان يسمعه من بعضهم كعبد الله بن مسعود، ثم تولى الصحابة تعليمه للتابعين وعلمه التابعون لمن تبعهم، واستمر الأمر حتى وصل إلينا في هذا العصر.
وأشار إلى أن المنتشر في القراءة 4 روايات، أولها حفص عن عاصم وهي في أغلب العالم الإسلامي، وروايتا قالون وورش عن نافع، وهما منتشرتان في تونس وليبيا والجزائر والمغرب وموريتانيا ودول أفريقية، ثم رواية الدوري عن أبي عمرو البصري، وانتشرت في حضرموت باليمن ثم انتقلت إلى السودان.
وأوضح أن تلك الروايات الأربع هي الحية التي يقرأ بها عموم المسلمون الآن، في حين يقرأ بباقي القراءات العشرة أئمة القراءات في الأمصار المختلفة، لافتا إلى أنه لا يقل عدد قراء أي رواية منها في الجيل الواحد عن 100 قارئ.
وأثنى الدكتور أيمن على مصر من حيث انتشار القرآن بين أهلها وخدمتهم له، وقال إنها البلد الذي دخله القرآن منذ فتح الإسلامي ولم يخرج منه البتة، وهي في تقديره "عش القرآن ومركز القراءة ومرجع الأمة في قراءة القرآن"، مضيفا: "لا تجد قراءة في بلد إلا وتؤول نهاية الأمر إلى مصر".
وشدد أستاذ علم التجويد والقراءات القرآنية على أن القرآن حظي بالضبط والتدقيق بشكل لم يحظ به أي كتاب آخر في الدنيا، لافتا إلى أن ذلك الضبط استوعب كل شيء، ومن ذلك طريقة القراءة وأحكام الوقف والمد والتجويد.
أسباب خطأ القراءوحول الأخطاء التي يقع بها بعض القراء، ذكر الدكتور أيمن أن من أسبابها عدم الإتقان والتأثر باللهجة إن كان القارئ عربيا أو اللغة إن كان غير عربي، وكذلك إلف الخطأ واعتياده، مضيفا أن معالجة ذلك عبر الرجوع إلى ما دونه الأمة في كتبهم من أحكام التجويد والالتزام بما يتوافق عليه جمهور قراء العصر.
وحول تسمية القراءات بأسماء علماء متأخرين، أوضح الدكتور أن ذلك بسبب انشغال المسلمين في العصور الأولى بالفتوحات، وأن هذه النسبة هي نسبة ملازمة لا نسبة اختراع، فدور أئمة القراءات كان النقل الدقيق لها وتعليمها للناس.
وفي هذا السياق، لفت الدكتور سويد إلى أن الإمام نافع قرأ على 70 من التابعين وقرأ عليه قالون مدة 20 سنة، ثم أجلسه الإمام نافع للإقراء في حياته.
ويرى أستاذ علم التجويد والقراءات القرآنية أن الحد الأدنى المقبول في القراءة من عموم الناس أن تكون حروفه سليمة وخالية من اللحن الجلي، أما دقائق الأحكام فهي أكمل لقراءة المسلم العادي، وتلزم أئمة المساجد ومعلمي القرآن.
وأثنى الدكتور أيمن على المسابقات التي تجرى لحفظة القرآن، حيث يرى أنها دفعت أبناء المسلمين إلى الإقبال على القرآن الكريم وتعلمه، لافتا إلى أنه لمس أثرها في اتساع دائرة إتقان الحفظ والتلاوة بين المسلمين في العالم.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: رمضان 1445 هـ حريات الدکتور أیمن إلى أن
إقرأ أيضاً:
المرحوم الدكتور زكي مصطفي: العالم واللغو
(أدين للدكتور زكي مصطفي، شقيق الدفعة كامل مصطفى، بالاجتهادات التي أخاطر بها في موضوع الماركسية والإسلام. وأدين في هذا لكتابه "القانون العام في السودان: في سيرة مادة العدل والقسط والوجدان السليم" (1971).The Common Law in the Sudan: An Account of the 'justice, Equity, and Good Conscience' Provision
وكتبت أنعيه لمأثرته رحمه الله
توفي في ديسمبر 2003 الدكتور زكي مصطفي عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم والنائب العام الأسبق. ولم يكن زكي قانونياً فحسب، بل كان مفكراً قانونياً من الطراز الأول. ولم أجد له مثيلاً في غلبة الفكر عنده على محض الممارسة سوي المرحوم الدكتور نتالي أولاكوين والدكتور أكولدا ماتير وعبد الرحمن الخليفة (في طوره الباكر). وقد قطع عليه انقلاب مايو في طوره اليساري الباكر حبل تفكيره نتيجة تطهيره من الجامعة ضمن آخرين بغير جريرة سوي الظن برجعيتهم. وهذه الخرق العظيم لحقوق الإنسان ظل عالقاً برقبة الشيوعيين. وقد نفوا مراراً وطويلاً أنهم كانوا من ورائه. وربما كان إنكارهم هذا حقاً. فقد كانت مايو سراديب تنضح بما فيها. فأنا أشهد بالله أن الشيوعيين لم يصنعوا التقرير الختامي المنشور للجنة إصلاح جامعة الخرطوم (1970) على انهم كانوا عصبة لجان ذلك الإصلاح. فقد أملى المرحوم محي الدين صابر التقرير النهائي من رأسه وكراسه معاً. وهذه عادة فيه. وما زلت احتفظ بأوراق اعتراضاتنا الشيوعية على ذلك التقرير لمفارقته لتوصيات اللجان. وتحمل الشيوعيون وزر التقرير وبالذات ما ورد عن تحويل الكليات الي مدارس. وعليه ربما لم يأمر الشيوعيون بتطهير زيد أو عبيد غير انهم لم يدافعوا صراحة عن حق العمل. بل أداروا له ظهرهم مطالبين بحق الشورى قبل أن تقدم مايو علي خطوة في خطر التطهير في مجال عملهم. وفهم الناس أنهم لا يمانعون في فصل الناس متي شاوروهم في الأمر.
حين قطعنا حبل تفكير المرحوم زكي في 1969 كان مشغولاً بأمرين. كان عميداً للقانون في قيادة مشروع قوانين السودان (1961) الذي هدف لتجميع السوابق بتمويل من مؤسسة فورد. وقد تم علي يد المشروع توثيق كل القضايا التي نظرتها المحاكم قبل 1956. أما الأمر الثاني الذي لم يكتب لزكي أن ينشغل به حقاً بسبب التطهير فهو تطوير فكرته المركزية التي درسها في رسالة الدكتوراة ونشرها في كتاب في 1971. فقد تساءل زكي في كتابه لماذا لم يأذن الاستعمار الإنجليزي للشريعة أن تكون مصدراً من مصادر القانون السوداني. وأستغرب زكي ذلك لأن الإنجليز لم يجعلوا قانونهم قانوناً للسودان، بل وجهوا القضاة للاستعانة بما يرونه من القوانين طالما لم تصادم العدالة والسوية وإملاءات الوجدان السليم. وقال زكي لو ان الإنجليز أحسنوا النية بالشريعة لوجدوها أهلاً للمعاني العدلية المذكورة. وقد صدر زكي في فكرته هذه من خلفية إخوانية. ولكنه شكمها بلجام العلم فساغت. وستنفلت قضية الشريعة والقانون في السودان من أعنة زكي الأكاديمية الشديدة لتصبح محض حلقمة سياسية دارجة ما تزال ضوضاؤها معنا.
ولعله من سخرية القدر أن يسترد زكي بعد 15 عاماً القانون الموروث عن الإنجليز الذي خرج لمراجعته وتغييره في دعوته التي أجملناها أعلاه. فقد أصبح في 1973 نائباً عاماً مكلفاً بإعادة ترتيب البيت القانوني على هدي من القانون الموروث عن الاستعمار. فقد اضطرب القانون كما هو معروف علي عهد نميري. وأشفق زكي كمهني مطبوع على فكرة القانون نفسها من جراء هذا الاضطراب. وكان أكثر القوانين استفزازاً هو القانون المدني لعام 1971 الذي نجح القوميون العرب في فرضه على البلد بليل. وقد وجد فيه زكي إساءة بالغة للمهنية السودانية. فتحول من فكرته الإسلامية التي أراد بها هز ساكن القانون الموروث عن الاستعمار الي الدفاع عن إرث ذلك القانون. ففي مقالة بليغة في مجلة القانون الأفريقي لعام 1973 جرّد زكي علي القانون المدني حملة فكرية عارمة. فقد ساء زكي أن لجنة وضع القانون المدني تكونت من 12 قانونياً مصرياً و3 قضاة سودانيين لنقل القانون المصري بضبانته قانوناً للسودان. وعدد أوجه قصور القانون الموضوعية بغير شفقة. واستغرب كيف نسمي استيراد القوانين العربية تحرراً من الاستعمار بينما هي في أصلها بنت الاستعمار الفرنسي. وأحتج زكي أن القانون المدني أراد ان يلقي في عرض البحر بخبرة سودانية عمرها سبعين عاماً واستحداث قانون لم يتهيأ له المهنيون وكليات القانون ولا المتقاضون.
لم اقصد في هذه السيرة القول أن زكي لم يثبت على شيء. فعدم ثباته على شيء هو نفسه ميزة. فقد أملت عليه مهنيته العالية أن "خليك مع الزمن" بما يشبه الإسعاف حتى لا تسود الفوضى في حقل حرج كالقانون بفضل النَقَلة ضعاف الرأي. رحم الله زكي مصطفي فهو من عباد ربه العلماء.
ibrahima@missouri.edu