الجزيرة:
2025-02-27@09:08:23 GMT

الحسن ابن الهيثم.. مؤسس علم البصريات

تاريخ النشر: 25th, March 2024 GMT

الحسن ابن الهيثم.. مؤسس علم البصريات

أحد علماء العرب الثلاثة في أوائل القرن الـ11 الميلادي، إلى جانب ابن سينا (428هـ/ 1037م)، والبيروني (440هـ/ 1048م). ولد في البصرة ومات بالقاهرة، عرفته أوروبا باسم "الهَازِن"، وأعلت من قيمة بحوثه العلمية وأشادت بنظرياته ومناهجه. خلد كتابه "المناظر" اسمه عبر القرون، وظل المرجع المعتمد في الغرب حتى القرن الـ17، أطلق العلماء عليه ألقابا منها "أمير النور" و"أبو الفيزياء الحديثة" ومؤسس علم البصريات، و"رائد المنهج العلمي التجريبي".

المولد والنشأة

وُلد أبو عليّ الحسن بنُ الحسن بنُ الهَيْثَم، سنة 354هـ/965م على أرجح الأقوال، في مدينة البصرة جنوب العراق، في عهد الخلافة العباسية.

لم تكن حياته مستقرة، إذ فرّ من البصرة بعد ملاحقة أميرها له، وتوجه إلى بغداد، وعاش بها بضعة أشهر آمنا.

في خضم التصادم بين الفرق الدينية المذهبية في تلك الفترة، رحل إلى الشام وأقام في كَنَف أمير من أمرائها، كما ذكر ظهير الدين البيهقي، ابن فندمه، (ت: 565هـ) في كتابه "تتمة صوان الحكمة".

بعد ذلك انتقل أوائل القرن الـ11 إلى مصر في عهد الدولة الفاطمية، واستقر بها إلى آخر عمره، حسب ما ذكر ابن أبي أصيبعة، أحد مؤرخي تراجم العلماء.

قيل في وصفه إنه كان قصير القامة ضئيل الجسم، ونَال وجهه من شمس البصرة سُمرة داكنة، وقضى حياته أشبه بـ"درويش متصوف"، إذ يرى الباحثون أنه عاش في شظف العيش، مترفعا عن التكسب بالعلم.

ذكرته المصادر باسم "البَصريّ" و"شيخ البصرة" نسبة إلى مسقط رأسه، أو "المِصريّ" نسبة إلى بلد إقامته، وعرفه علماء أوروبا بـ"الهَازِن" ترجمة لاسمه العربي الحسن، ولقّبوه "بطليموس الثاني"، و"فيزيائي القرون الوسطى".

التكوين العلمي

لا يُعرف مَرجع يحيط بسنوات نشأته العلمية الأولى، لكنها تَزامنت مع وقت وصف بـ"العصر الذهبي" للعلم في الحضارة العربية الإسلامية.

تَهيّأت له أسباب تحصيل العلوم والإلمام بمختلف نواحي النشاط الثقافي، حتى وإن لم تكن في ذلك الوقت مدرسة نظامية. عاصر مجموعة من كبار العلماء في مرحلة أَعقَبت حركة الترجمة لأصول العلوم الإغريقية، التي شكّلت في كثير من الأحوال مصدرا للعلم وعلمائه القدماء، ومنطلق حركة الإبداع الفكري.

كان في مرحلة شبابه، شديد الملاحظة مُتلهّفا للعلم، واسع الاطلاع، نَهل من مختلف العلوم المتوفرة في عصره، كما كان خبيرا بعلم الطب، لكنه لم يباشره عملا، ولم يتدرب على فنونه.

أغنى معارفه في الشام، وهي يومئذ أكثر اهتماما بالعلم والعلماء، ووجد في مكتباتها سبيلا لكتب وافرة في جميع ألوان العلوم والمعرفة.

وفي مصر الفاطمية، كان يجلس إلى علمائها ويقرأ في مكتباتها، ويحضر مناظراتها العلمية في "دار العلم" التي أنشأها آنذاك الحاكم بأمر الله، كي تنافس "بيت الحكمة" الذي كان مركزا لبحوث الترجمة في بغداد.

طالع كتابات العلماء السابقين خاصة علماء اليونان، وكرّس حياته لدراسة علومهم. وتعمق في استكشاف الكتب الفلسفية، خاصة أعمال أرسطو. وقال في ذلك "فلما تَبيّنت ذلك، أفرغت وسعي في طلب علوم الفلسفة، وهي ثلاثة علوم: رياضية وطبيعية وإلهية، فتعلقت من هذه الأمور الثلاثة بالأصول والمبادئ، التي مَلَكتُ بها فروعها".

الحياة المهنية

عمل ابن الهَيْثَم في مستهل حياته العملية كاتب حسابات في ديوان الزّمام (الحسابات) بإمارة البصرة، وكان ماهرا وحاذقا في عمله، تُطاوعه لغة الأرقام والمسائل الحسابية. كما امتلك معرفة واسعة في هندسة البناء، واشتغل بوضع تصميمات لبيوت أهل البصرة.

في الشّام، أخذ يكسب رزقه من أجر نسخ الكتب المترجمة للورّاقين، لما عُرِف به من حُسن الخَطّ ودقّة نظامه.

حين لم يستطع في مصر، تنفيذ فكرته الهندسية لمنع فيضان النيل السنوي، وَلّاه الحاكم بأمر الله الفاطمي، مهنة كاتب حسابات بديوان الرواتب. لكنه اضطر -على ما تقول بعض الروايات- أن يظهر خبالا في عقله، فَادّعَى الجنون حتى يجد لنفسه مخرجا من عمله، رغم الامتيازات التي كان يحملها منصبه.

وُضع قيد الإقامة الجبرية 10 سنوات، وجدها فرصة جيدة ليشغل نفسه بالتحصيل العلمي، إلى أن مات الحاكم، فعاد إلى ما كان عليه، وأقام بدار قرب الجامع الأزهر، مشتغلا بالتصنيف والتعليم.

امتهن نَسْخ المخطوطات القديمة، وما تزال إحداها وهي (تأويل بنو موسى لكتاب أبولونيوس "المخاريط") موجودة في أحد متاحف إسطنبول.

تمثال للحسن بن الهيثم في طهران (شترستوك) عالم موسوعي

لم يجد ابن الهَيْثَم -على ما ذكره المؤرخون- لذّة إلا في التفرغ للبحث والتأليف، واستجابة لهذا الشغف كان غزير الإنتاج، وتفوق في أكثر من حقل معرفي، ما جعله من أوائل العلماء الموسوعيين في زمنه.

من المرجح -حسب الدارسين-، أن يكون في المرحلة الأولى من حياته، قد اهتم بالشرح والتلخيص والتحصيل، واعتنى بمؤلفات ذات طابع علمي، متأثرا ببيئة ثقافية طغى فيها صراع المدارس الفكرية والكلامية، نسبة إلى الكلام في مسائل أصول الدين، وكثرة النقاش بشأن الفلسفة وبعض العلوم الأخرى.

أما في المرحلة الثانية، فكتب القسم الأكبر من مصنفاته في مصر. خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته، ظهر كتاب (المناظر)، أكمل أهم أعماله العلمية قيمة في علم الضوء، لذلك، خلص المؤرخون إلى أن كتابات ابن الهَيْثَم الشاب المُتّبِع، ليست هي ذاتها كتابات ابن الهَيْثَم العَالِم والفيلسوف.

يميل الدكتور عبد الحميد صبرة، محقق كتاب المناظر، إلى اعتماد فهرس سماه "قائمة النضج"، وهو يحتوي على 92 مصنفا، وجدها ابن أبي أصيبعة لابن الهيثم، إلى آخر سنة 429هـ/ 1038م، وأوردها في كتابه "أخبار العلماء بأخبار الحكماء". وتتوزع العناوين المدرجة في هذه القائمة، بين 88 مقالة في الأخلاق، و89 مقالة في آداب الكتاب، و90 كتابا في السياسة من 5 مقالات.

ونسب له، كتاب "السير من العرب" وله حوالي 100 عمل مَفقود، منها حوالي 55 عملا، كلها تُعنى حصرا بالرياضيات والفلك والبصريات، حسب الدكتور دونالد هيل، مؤلف كتاب "العلوم والهندسة في الحضارة الاسلامية".

كتاب "الشكوك على بطليموس" للحسن بن الهيثم (الجزيرة)

بينما يرى سعيد الدمرداش في كتاب "الحسن بن الهيثم"، أن تصانيفه في الحدود المعروفة، توزع على أكثر من حقل معرفي، كان حظُّ المكتبات الغربية منها أكثر من حظ المكتبات العربية، وهي كالتالي:

في الهندسة ألف 58 تصنيفا، لكن لا يوجد في مكتبات العالم منها أكثر من 21 مخطوطا. وفي الحساب والجبر والمقابلة ما لا يقل عن 10 كتب، لا يوجد منها سوى نحو 3 كتب، منها كتاب "في حساب المعاملات"، توجد منه صورة فوتوغرافية بمعهد المخطوطات لجامعة الدول العربية. في حين ناهز ما ألفه في الطبيعة 24 تصنيفا بين كتاب ورسالة ومقالة، تناول فيها موضوعات الضوء ومسائله، لكن لم يُحفظ منها إلا 12 مصنفا توجد في أكثر من مكان. أما في الفلك فألف أكثر من 5 تصانيف، غير أن تراثه في هذا العلم بقي منه نحو 17 مقالة و24 تأليفا فقط. وألف في الطب كتابين لا يعرف لهما مكان في فهارس المخطوطات، الأول في "تقويم الصناعة الطبية" بلغت أجزاؤه نحو الثلاثين ذكر أسماءها ابن أبي أصيبعة نقلا عن مقالة ابن الهيثم نفسه، والثاني مقالة في "الرد على أبي الفرج عبد الله بن الطيب". هناك ما يناهز 40 كتابا في الفلسفة والمنطق وعلم النفس والأخلاق وفي الإلهيات واللغة.  رائد المنهج التجريبي

رسخ ابن الهيثم الطريقة العلمية أو المنهجية للبحث العلمي منذ القرن الـ11، والتي تعتبر في نظر الباحثين أكثر أهمية من مكتشفات "عالم البصريات" وآرائه الجديدة.

شكل نموذجه طفرة في عصره، إذ بدأ مشروعه العلمي بالشك في نظريات القدماء مثل مقالته في "الشكوك على إقليدس"، وكذلك نقد النظريات القائمة مثل فكرة "الأرض هي مركز الكون" لبطليموس، ثم انتهى إلى تأسيس العلم في كتابه "المناظر".

كتاب المناظر للحسن بن الهيثم ترجم للاتينية والعبرية والإسبانية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية (الجزيرة)

اتّسمت كتاباته عموما، بالمنهج القائم على النقد والمقارنة والتحليل، ثم الاستقراء والقياس، والاعتماد على المشاهدة، حتى عرف بأنه رائد المنهج التجريبي، الذي يعد من دعائم العلوم الحديثة.

أجرى أهم بحوثه في علم البصريات، واعتُبر مؤلَّفه "المناظر" المكون من 7 مقالات قفزة نوعية في الفيزياء النظرية.

كان وراء الجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية، وأثبت بطلان الفكرة التي كانت سائدة بأن العين هي مصدر الضوء، وأكد أنها مُستقبل الضوء، وعُدّ ذلك أحد الاكتشافات الثورية في العصور الوسطى.

كما توصل إلى أن الضوء يسير دائما بخط مستقيم، وحين يعبر ثقبا صغيرا، يشكل صورة مقلوبة على الجدار المقابل، وكان أول من قال إن الثقب كلما كان أصغر تبدو الصورة أوضح.

كما وضع نظرية جديدة للإبصار، واستخدمت المعلومات التي كونها في صنع أول كاميرا في التاريخ، وهي "الكاميرا الثقبية" أو "الحجرة المظلمة" التي فسر لأول مرة استخدامها في ملاحظة كسوف الشمس.

اكتشف في علم الضوء، 9 قوانين لما يسمى بـ"زوايا الانعطاف"، واستعمل الهندسة المستوية والمجسمة في تعيين نقطة الانعكاس التي شغلت عقول علماء أوروبا، وعرفت بمسألة "الهازن" وكانت تدرس في جامعات أوروبا.

أفاد منه عالم الفلك الألماني يوهانس كبلر في علم البصريات، وسبق "فيتيلو" البولندي في وضع أساس هذا العلم، مثلما سبق إسحاق نيوتن في القول بسرعة الضوء الذي ظهر بعده بـ700 عام، واقترب من الاكتشاف النظري للعدسات المكبرة التي صنعت في إيطاليا بعد ذلك بـ3 قرون، وفق "مييرهوف".

تنسب إليه أول محاولة لدراسة فيزيائية فلكية تفصيلية للأثر الظاهر في ضوء القمر، في رسالة "الأثر الظاهر في وجه القمر"، وهي نسخة خطية تقع في 9 أوراق (كل ورقة بها صفحتان) تحتفظ بها بلدية الإسكندرية.

ابن الهيثم تنسب إليه أول محاولة لدراسة فيزيائية فلكية تفصيلية للأثر الظاهر في ضوء القمر (غيتي)

كما تناول بحوثا تجريبية، في موضوعات محددة، منها الكرة الحارقة أو المرايا الحارقة بكل أشكالها، أو تكوين الظلال، وكتب عن الهالة، وقوس قزح.

وكان للمصطلحات والتصاميم التي ابتكرها الفضل في صنع الوسائل البصرية الحديثة، مثل التلسكوب والكاميرا الرقمية والعدسات المكبرة، وحتى النظارات الطبية.

وكان أيضا، أول من شرح تركيب العين، وبيّن أجزاءها وسماها بالأسماء المتداولة اليوم، ومنها الشبكية والقرنية والسائل المائي والسائل الزجاجي.

مؤلفاته المناظر. المختصر في علم هندسة إقليدس. مقالة في تربيع الدائرة. فصل في أصول المساحة وذكرها بالبراهين. في صورة الكسوف. في تقويم الصناعة الطبية. في منافع الأعضاء. في أصناف الحميات. في النبض الكبير. المهذب في الكحالة (أي في طب العيون). المختار في الأغذية. في السياسة. في إثبات النبوءات وإيضاح فساد رأي الذين يعتقدون بطلانها. في الفرق بين النبي والمتنبي. ابن الهيثم أحد علماء العرب الثلاثة أوائل القرن الـ11 الميلادي ويعد واضع نظرية الإبصار (الجزيرة) عمدة المؤلفات

يعتبر "المناظر" من أهم الكتب التي ظهرت خلال القرن الـ11 الميلادي، وهو المصنف الذي خلد ذكر ابن الهيثم، ألّفه بين عامي 1011 و1021، أثناء إقامته في مصر، ورتبه في 7 مقالات.

في القرن الـ13، كتب "روجر بيكون" تعليقا على "المناظر" سماه "الرؤى"، وفي القرن الـ14، كتب كمال الدين الفارسي نسخة منقحة للكتاب سماها "كتاب تنقيح المناظر".

وقد ترجم كتاب (المناظر) إلى اللاتينية والعبرية والإسبانية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية، مرات كثيرة.

في عام 979هـ/ 1572م، ترجمه "فردريك رسنر" ترجمة كاملة إلى اللاتينية ونشره في سويسرا بعنوان "كنز البصريات"، وزوّد الطبعة برسم يوضح فيه مختلف أجزاء العين.

وترجمه الإيطالي "جيراردي كيرمونا" إلى اللاتينية، لكن لم يطبع منه سوى مقالة واحدة في لشبونة، ولا تزال مكتبة الفاتيكان تحتفظ بنسخة من هذه الترجمة.

كما توجد في مكتبة آيا صوفيا بإسطنبول نسخة كاملة من الكتاب برقم (2448)، تتألف من حوالي 678 ورقة.

وحقق (المناظر) مصطفى نظيف بك، وعلق عليه في جزأين عامي 1939- 1942، كما حققه الدكتور عبد الحميد صبرة، ونشره بالكويت عام 1983م.

الوفاة

توفي ابن الهيثم في القاهرة، في حدود عام 430هـ/ 1039م، كما يقول القفطي، عن عمر ناهز 76 عاما على الأرجح، وليس معروفا مكان رفاته.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: رمضان 1445 هـ حريات ابن الهیثم أکثر من فی کتاب فی مصر فی علم

إقرأ أيضاً:

السرديّةُ الصهيونية ودحضُها في كتاب عِـرقٌ متوهّم لشلومو زَند

شلومو زند باحث وأكاديمي ومؤرّخ متميّز في خلفيته وتكوينه كما في إنتاجاته وطروحاته، لذلك فصوته مُقدّر مسموع؛ هو يهوديّ أوّلا، وهذا أمر مهمّ ومركزي في علاقته بكل ما سيأتي من عناصر التّميّز.

ولد في النّمسا من أبوين بولنديين نجيا من المحرقة النازية، وعاش معهما زمن الصّبا في معسكر النّاجين، وفيما بعد، ومن منطلق فكري، رفضا بشدّة أن يستفيدا من التّعويض الذي خصّصته ألمانيا لليهود النّاجين، وقد انتقل معهما إلى يافا عام 1948م حين احتلت، رغم أنّهما كانا معاديان للإمبريالية وبخلفية ماركسية، وفي هذا تعارض واضح بين النّظر والممارسة ! ومن مدرسة يافا طرد، ولم يعد إلى الدّراسة إلا بعد اجتيازه فترة الخدمة العسكرية الإجبارية.انتسب مبكّرا لحركة مناوئة للصهيونية.

ومن جامعة تل أبيب انتقل إلى جامعة باريس للتّعمّق في تخصّصه بعد أن رفض منحة من الحزب الشيوعي الإسرائيلي للالتحاق ببولونيا لدراسة السّينما، وما هي سوى إلا سنوات قليلة حتى غدا أستاذا بباريس بعد حصوله على الدّكتوراه. هو ناشط ومنفتح على المثقفين الفلسطينيين وهمومهم الحقوقية والقومية والهوّيّاتية. كان صديقا للشّاعر محمود درويش، وقد أثمرت هذه الصّداقة قصيدة "جندي يحلم بالزّنبقة البيضاء"، وفيها يصوّر درويش حيرة شلومو "بين البقاء في إسرائيل وبين مغادرتها" وما يستتبع هذه الحيرة من مواقف.

هو اليوم مؤرّخ مشهور في كبريات الجامعات العالمية، وكتبه مطلوبة لدى كلّ مثقفي العالم، ومن أشهرها: اختراع الشّعب اليهودي، وكيف لم أعد يهوديا، واختراع أرض إسرائيل، وعرق متوهّم: تاريخ موجز لكراهية اليهود، وهو آخر إنتاجاته؛ إذ صدر بالعبرية عام 2020م، ثمّ نُقل إلى العربية عام 2024م بترجمة احترافية تعاون عليها كلّ من يحيى عبد الله وأميرة عمارة، ونشرتها دار مدارات التي تجتهد في الحفاظ على سمعة بنتها بهدوء. الكتاب يقع في 181 صفحة من القطع المتوسّطة، وهو في أصله مجموعة من المقالات المحرّرة ذات نسق ومنهجية أصيلين يليقان بمؤرّخ بقيمة شلومو الأكاديمية وتميّزه العلمي.

"معاداة السامية" مصطلح استحدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في ذروة التصنيف البيولوجي على أساس العرق، وهي في نظر الكاتب "لا تعبّر عن جفوة معرفية حاسمة في تاريخ العداء لليهود، وإنما على مرحلة مهمة جديدة فيها"، وعلى هذا الأساس الكاتب يفضّل استعمال تعبير"كراهية اليهود" عوضا عن "معاداة السّامية"في البداية يعترف شلومو، في ديباجة كتابه المعنونة بـ"ملحوظات حول الكتابة الذّاتية"، بـ"أنّ استرجاع التّاريخ لا يمكن أن يكون إجراء موضوعيا"، لأنّ "كلّ كاتب للتاريخ مقيّد بروح العصر وبطبيعة المكان اللذين يحيا فيهما، وإذا كان منصفا فإنّه يتوجّب عليه أن يكتشف بقدر المستطاع الشحنات الذاتية التي تُرجّحُ موقفه من التّاريخ وتصوغه"، ومن ثمّ "فإنّ كلّ محاولة للتّظاهر بالتّجرّد من شأنها أن تكون نفاقا". ومن جملة أهم تحيّزاته التي لا يمكنه التّجرّد منها "عشقه اللغة العبرية" فبها فقط "يستطيع التّدقيق في أمور دون أن يندم"، كما أكّد، وبها "يحلم، ويفكّر، ويكتب". وبهذا يكون شلومو قد دشّن الاستهلال الصّحيح في منهجية بحثه.

وفي هذه الملحوظات، التي سجّلها في سبع صفحات يوضّح أموار كثيرة جديرة بالتّوقف عندها لأنّها أساسية في فهم تفاصيل الكتاب، يمكن تلخيصها في بضعة نقاط:

ـ نفور الكاتب من جور الأغلبية التي تفرض قوانينها على أقلية صغيرة ومهددة؛ وقد عاش اليهود ـ كما يشير ـ أنواعا شتى من "التغريب" و"الآخرية" ، ومن ثمّ "اضطروا لأن يعوا دائما وضعهم الخاص"؛

ـ الذصرانية هي التي صاغت تاريخيا طبيعة الأقلية اليهودية وسلوكها؛ فاليهودية ـ على هذا الأساس ـ "نتاج النظرة المؤسسة والمعادية من جانب الحضارة النّصرانية"؛

ـ العيش وسط جيران معادون دينيا، كما حدث في التجربة اليهودية، أنتج هويّة مغلقة وجامدة ومتوجّسة ومتعنّتة ومتحصّنة عقديا، رفضت استيعاب مستجدات الثقافة وإغواءاتها، وصدّت كل من حاول التّقرّب؛

ـ العداء تجاه اليهود لم يكن متماثلا في كلّ العصور، وشدّة النّفور اختلفت حسب الأماكن؛ ففي الحضارة الإسلامية وُجد تعاليا وليس كرها، سواء في التّشريع أو على مستوى الحياة اليومية؛

ـ "معاداة السامية" مصطلح استحدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في ذروة التصنيف البيولوجي على أساس العرق، وهي في نظر الكاتب "لا تعبّر عن جفوة معرفية حاسمة في تاريخ العداء لليهود، وإنما على مرحلة مهمة جديدة فيها"، وعلى هذا الأساس الكاتب يفضّل استعمال تعبير"كراهية اليهود" عوضا عن "معاداة السّامية"؛

ـ ليست كراهية اليهود ـ أو رُهاب الأجانب بشكل عام ـ مرضا، رغم أنّ هذا الأخير متأصّل في السلوك الإنساني، وإنّما حالة، قد تزداد قوّتها حسب السّياقات الإيديولوجية وباقي الملابسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛

يختم شلومو "ملحوظاته" الدّقيقة بالسؤالين المهمين التاليين: "إلى أي مدى كانت الصهيونية، التي نشأت ردّ فعل على محنة الكراهية العصرية لليهود، مرآة لها؟" بمعنى من المعاني: "بأيّ قدر ورثت، عبر عمليّة دياليكتيكية معقدة، ركيزة أيديولوجية ميّزت مضطهدي اليهود منذ الأزل؟" وبسبب ذلك ـ وهذا هو السؤال التساؤل الثاني ـ إلى أيّ مدى ـ أيضا ـ ليست إسرائيل دولة ديمقراطية عصرية، وهل يمكن اعتبارها دولة إثنوـ دينية، وحتى إثنوـ بيولوجية؟

في آخر ورقة من الكتاب يسجّل الباحث ملحوظة يقول فيها بأنّه "لم يتعرّض لكراهية اليهود في الحضارة الإسلامية إلا قليلا بسبب قلّة الخبرة في هذا المجال". وهو اعتراف وتواضع يرفع من قيمته العلمية، طبعا إذا أحسنّا الظّن به، ولم نستخدم معه "منهجية الشّكّ"، لأنّنا على يقين بأنّ أية مقارنة يمكن أن يضعها بين حضور اليهود هنا وحضورهم هناك، كانت ستزيد من تسويد صورة الحضارة الغربية ـ التي ينتسب إليها ـ أثناء تعامل مع "الآخر" اليهودي. ألم يعترف هو نفسه بأن "الشحنات الذاتية التي ترجح موقف المؤرّخ من التاريخ وتصوغه" لا يمكنها أن تختفي بشكلّ تام مهما اقترب من "الموضوعية" ! وإذا احتفظنا بحسن ظنّنا فنرى ضرورة أن يخرج على النّاس بجزء ثان لكتابه يعالج هذا الذي قال عنه بأنّه "قليل الخبرة فيه".

يضمّ الكتاب أربعَ عشْرةَ مقالة تحت العناوين التالية: كبح التّهوّد ـ "شعب عرق" مشتّت أم جماعات دينية؟ ـ بداية العلاقات اليهودية ـ النّصرانية في أوربا ـ غرباء في الإنسانية: من إراسموس إلى فولتير ـ ثورة، انعتاق، وقومية ـ اليهود بين الرأسمالية والاشتراكية ـ تصنيف عرقي، دمقرطة وهجرة ـ قضيّة درايفوس وولادة الصّهيونية ـ إبادة "شعب العرق" اليهودي ـ انبعاث "شعب العرق" اليهودي ـ من هو اليهودي؟ من بصمات الأصابع حتى الحمض النووي ـ حرب 1967 ـ هل انحسرت الكراهية التقليدية لليهود؟ ـ معاداة الصهيونية؛ هل هي معاداة جديدة للسامية؟

وهذه العناوين المركّزة والقاصدة، بما تحمله من قضايا وإشكاليات، كافية لإقناع القارئ بأنّه أمام كتاب يحمل طروحات جديدة تستحق الانتباه وتستحقّ الدّعاية والتّرويج بين المهتمّين، طبعا بعد تفكيكها وتمحيصها.

يعترف الكاتب بأنّه ينتمي "لشعب يضطهد شعبا آخر"، وهذا ـ ربّما ـ هو ما جعله قلقا بين أن يبقى في "إسرائيل" أو يغادرها إلى مكان آخر، ثم يعترف أيضا بنسبية فهمه لظاهرة كراهية اليهود والأسباب التي أدّت إلى بقائها طيلة فترة طويلة جدا من الزّمن، مادام أنّ "تفكيك الذّرّة أسهل من تفكيك الأهواء" كما أشار بحق ألبرت أيشتاين..

صدّر شلومو كل مقالة من هذه المقالات بعبارة أو فقرة اختارها بعناية جعلها مفتاحا لما يودّ أن يحرّر القول فيها خلال الصّفحات الموالية؛ فنجده يستدعي نُكتة ييديشية من القرن الماضي، وريمون أرون؛ عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي، وأحد النّقّاد اللاذعين للمجتمع الغربي وسلوكه خلال الحرب الباردة، والحاخام شمعون بن لاكيش، الذي كان يعتبر المتهوّد أحبّ إلى الرّب من أولئك الذين وقفوا على جبل سيناء لاعتبارات روحانية يذكرها، ورينان، وكافكا، والأب جريكور، وميشيل فوكو الذي انتبه إلى أنّ الشّق الأعظم من الاشتراكيين، قبل قضية درايفوس، كانوا عنصريين في أساسهم، وجان جيريدو، وإيميل زولا المدافع الأوّل عن درايفوس، وجورج أورويل، وقد ألمح إلى أنّ اليهود الصهاينة يبدون له في المجمل معادين للسامية بصورة عكسية! ورافائيل فالك، صاحب المحاضرة الشهيرة "الصهيونية وبيولوجية اليهود"، وموشيه ديّان وقد أعلن وهو منتشي بالانتصار عشية 7 يونيو 67 "أنّنا عدنا إلى أقدس أماكننا، عدنا كيلا نفترق عنها أبدا"، دون أن ينسى هتلر، إذ استدعى مقولة له يشير فيها إلى أنّ "اليهود شعب ذو سمات عرقية خاصة". وقد ختم هذه المختارات ـ كما بدأها ـ بنكتة يهودية تقول بأنّ "المعادي للسّامية اليوم هو شخص يكرهُه اليهود".

يطرح الكتاب أسئلة كثيرة، ولكنّ أهمهما هي: هل اليهود عرق خالص؟ وما الأسس التي انبنت عليها كراهية اليهود، خاصة في أوربا؟ وهل يمكن اعتبار معاداة الصهيونيّة ومناهضة سلوك إسرائيل تجاه الفلسطينيين كراهية لليهود ومعاداة للساميّة؟

ينطلق سلومو بشجاعة الرّائد، وهو يحمل معه عدّته المنهجية التي يُلحّ على "موضوعيتها" دون ـ كما سبق الذّكر ـ أن يدّعي خلوّها من تحيّزات قد تكون غاية في الخفاء متشعّبة الاختلاط ـ في حدّها الأدنى ـ باللّغة، انطلق وهو يعي أن الطّريق الذي يسلكه والنّتائج التي سيخلص إليها ستجلب عليه استنكارا وغضبا من قبل جهات كثيرة في "إسرائيل" ومؤسسات صهيونية ويهودية متنفّذة في العالم،  لينبش في أصول كراهية الأوربيين لليهود، سواء على المستوى المؤسسات الرسمية؛ من كنيسة، وأنظمة ملكية وإقطاعية، وجمهورية لاحقا، وكذا على مستوى المفكّرين والمثقّفين وأهل الرّأي من مختلف الخلفيات والاتجاهات، ناهيك بالمستوى الشّعبي، وقد أرجع الكاتب أسباب هذه الكراهية ـ كما يلخّص القولَ مترجم الكتاب ـ "إلى أسباب عقدية، تتعلّق بإيمان الأوربيين النّصارى بأنّ اليهود هم قتلة يسوع النّاصري، وأسباب تتعلّق بطبيعة الشّخصية اليهودية ذاتها"؛ فهي شخصية مستغلّة للآخر غير اليهودي، متعالية عليه.

ويبقى أهم ما يمنح الكتاب قيمته تفنيده لبعض ما وسمه المفكّر الفرنسي روجيه غارودي بـ"الأساطير المؤسسة للصّهيونية"، مثل: "نفي اليهود من فلسطين على يد الرومان"، و"نقاء العرق اليهودي"، وتفريقه الحدّي بين ثُلاثيّة كره اليهود ومعاداة الصهيونية ومناهضة الممارسات الوحشية لإسرائيل ضد الفلسطينيين وانتهاجها نظام فصل عنصري شبيه بالذي كان سائدا في جنوب إفريقيا، ثمّ تأكيده أن كراهية اليهود في أوربا انحسر بشكل كبير لتعوّضه كراهية الإسلام والمسلمين. وسبب هذا "التعويض" واضح لديه؛ "فمن الصّعب ـ كما يقول ـ إنكار حقيقة أنّ كارهي الإسلام من الأوربيين يرونَ في دولة إسرائيل حصنا متقدّما للعالم"اليهودي المسيحي" الذي يقف بكلّ قوّة في مواجهة المدّ الإسلامي".

يختم الكاتب مقالاته بما يشبه جلدا للذّات، ولو بصيغة مخفّفة، فيعترف بأنّه ينتمي "لشعب يضطهد شعبا آخر"، وهذا ـ ربّما ـ هو ما جعله قلقا بين أن يبقى في "إسرائيل" أو يغادرها إلى مكان آخر، ثم يعترف أيضا بنسبية فهمه لظاهرة كراهية اليهود والأسباب التي أدّت إلى بقائها طيلة فترة طويلة جدا من الزّمن، مادام أنّ "تفكيك الذّرّة أسهل من تفكيك الأهواء" كما أشار بحق ألبرت أيشتاين.

*كاتب من المغرب

مقالات مشابهة

  • المكتب الوطني الألماني للسياحة يدعو المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي لاكتشاف المرافق السياحية الفريدة والمدهشة للبلاد
  • بعد القبض على مؤسس FBC الأجنبي.. حقيقة الاستيلاء على مليارات الجنيهات من المواطنين| الداخلية توضح
  • طرح البروم التشويقي لمسلسل معاوية
  • تعرف على أغنى 10 أشخاص في العالم
  • المغرب يرسل 272 إماماً وواعظاً لتأطير الجالية في رمضان ومسؤولة بمؤسسة الحسن الثاني تكشف لـRue20 شروط الإنتقاء
  • «بيت الحكمة» يحتفي بإنجازات ابن الهيثم في «إكسبوجر»
  • القومي للمرأة يشارك في مؤتمر Science, she says
  • ابو الحسن: آن الاوان أن نرفع شعار لبنان أولاً وينعم وطننا بالإزدهار
  • السرديّةُ الصهيونية ودحضُها في كتاب عِـرقٌ متوهّم لشلومو زَند
  • رجل المال والأعمال علي محمد الحسن “أبرسِّي”