لجريدة عمان:
2025-04-05@21:19:21 GMT

صراع القيم الصاعدة والقيم المتوارية

تاريخ النشر: 23rd, March 2024 GMT

حالة المجتمعات هي في حقيقتها صراع بين قيم صاعدة وقيم متوارية، وأتجنب هنا استخدام تعبير (قيم هابطة) لسببين؛ أولهما إدارة المعنى وما قد يصطبغ به المفهوم من دلالات سلبية، والثاني لأن القيم في حقيقتها لا تهبط وإنما (تتوارى)؛ أي يتقلص وجودها الاجتماعي في الاعتراف بها من قبل حيز أوسع من أفراد المجتمع؛ وبالتالي التوافق عليها كموجه وحاكم للسلوك الاجتماعي.

وتاريخ الاجتماع البشري في حقيقته يتمحور حول القيم؛ فالجماعة الاجتماعية التي تتوافق على قيم مركزية جامعة لسلوكها وتفاعلاتها وعملياتها الاجتماعية إنما تبدو أكثر قدرة على تأسيس تاريخها الاجتماعي وديمومته، وفي المقابل فكلما كان هناك صعود لقيم وتواري لقيم أخرى، يبدأ التوافق الاجتماعي حول القيم يضمحل وبالتالي تهدد العمليات الاجتماعية الأساسية واستقرار البناء الاجتماعي. هذا لا يعني بالطبع أن كل أشكال القيم هي صالحة لكل الأزمان والحقب التاريخية التي يعيشها مجتمع ما؛ ولكن تحقيق التوافق الاجتماعي حول القيم الرئيسية والثابتة هو العامل الحاسم لمركزية القيمة الاجتماعية في المجتمع. وأرى أن الوظيفة الأساسية للمشتغلين في حقول الاجتماع تنظريًا وبحثًا إنما هي في تتبع القيم الصاعدة والقيم المتوارية؛ كيف تنشأ؟ ومن أين تنشأ؟ وما هي العوامل الاجتماعية التي تساعد على انتشارها وشيوعها؟ وما دور القيادات الاجتماعية في الإقناع بها؟ وما مدى إمكانية وجود صراع بين قيمتين إحداهما صاعدة والأخرى متوارية والتبعات من المشكلات والظواهر الاجتماعية التي يمكن أن تنجم عن ذلك الصراع؟ هذا هو صلب الاشتغال الاجتماعي، فالقبض على الظاهرة أو المشكلة أو القضية الاجتماعية إنما يستدعي في المقام الأول مساءلة منظومة القيم وحيزها الاجتماعي الذي كون هذه الحالة، فالقيم يتم بناؤها اجتماعيا بدلا من تطويرها بشكل فردي - كما يقول عالم الاجتماع بيتر بيرغر -المجتمع في عُمان كحال أي مجتمع يعيش هذه الحقيقة الاجتماعية، ففي كل مرحلة من مراحله يشهد حالة من صعود قيم في مقابل تواري نسبي لقيم أخرى. والمراحل التي أتحدث عنها هي لا تقاس في حياة المجتمعات بالزمن وإنما بعدة محكات: الأحداث المفصلية - دور الدولة والسياسات - الصراعات الاجتماعية - درجة الانفتاح على المجتمعات الأخرى - درجة التعرض للتأثير الثقافية - الثقافة المهيمنة والثقافة المنكمشة. هذه المحكات تصنع طبيعة المراحل التي يمر فيها المجتمع. فإذا ركزت الدولة على إيجاد سياسات اقتصادية أو اجتماعية مستجدة كسياسات المشاركة والتخصيص في الخدمات العامة أو السياسات الضريبية أو وجود نظم جديدة للحماية الاجتماعية أو السياسات المتصلة بالتعليم والابتعاث ورفع مستويات المكانة الاجتماعية فإن من الممكن أن توجه هذه السياسات المجتمع لدخول مرحلة جديدة في تاريخه الاجتماعي، وكل مرحلة من المراحل تشكل بناء جديدًا للقيم الاجتماعية، ومن هنا تأتي أدوار المؤسسات الاجتماعية في محاولة (الضبط الاجتماعي) في مهمتها للإبقاء على القيم المقبولة اجتماعيًا، ومحاولة تحييد القيم التي قد تمس نسيج المجتمع أو اتفاقه العام، أو ديمومته الاجتماعية والتاريخية.

واحدة من القيم الصاعدة في المجتمع هي «التمحور حول الشهرة»، وتداعيات هذه القيمة ليست فقط في سيطرة مجموعة من الفاعلين على مواقع التواصل الاجتماعي على حيز اهتمامات ورأي المجتمع فحسب، وإنما في تشكيل معان جديدة للقيمة الاجتماعية، قد يستمع بعض فئات المجتمع لهذا الفاعل ويتبنى وجهة نظره والمعلومات التي يوردها أكثر من الاستماع للمؤسسات الرسمية؛ وبالتالي تتوجه بوصلة الثقة من المؤسسات إلى الفعل الفردي، وقد تكون الشهرة في ذاتها (طموحًا اجتماعيًا) يبتغى بكافة الوسائل، وقد تقوض الأنماط التقليدية لصنع المكانة الاجتماعية بما في ذلك التعليم الجيد والشهادات العليا في مقابل الطرق اليسيرة لصنعها بالوصول إلى (الشهرة) أو لنقل (الفاعلية) لضبط المصطلح. وقد يغدو الظهور الاجتماعي المبني على أسس الحكمة، والموقع العلمي، والإنجاز العام لا معنى له في مقابل السبل والوسائل المستجدة للوصول إلى (الشهرة). وهنا لنوضح أمرًا مهمًا وهو في أننا لسنا ضد فكرة وجود فئة تلقت القبول الاجتماعي من خلال المنصات الاجتماعية واستطاعت أن توجد لها حيزًا من الانتشار والتأثير، وإنما لابد من التوقف حول فكرة (التمحور حول الشهرة)؛ والتي قد توجه اهتمام الكثير من الناشئة تحديدًا نحو هذا المسلك. وهذه القيمة لا يمكن اليوم كبحها، ولكن في تقديرنا يمكن إعادة توجيهها، فالمؤسسات الاجتماعية مطالبة اليوم بإبراز منجز العلم والمساهمة الاجتماعية الحقيقية، والمساهمين في حقول الإبداع والفكر والثقافة، وتسويق المبتكرات وروادها، وتعزيز فعل العلماء والمفكرين في المجتمع، وتوسيع المساحات والمنابر الاجتماعية التي تحتضنهم وتسوقهم وتعلي قيمتهم الاجتماعية. ومن ثم فإن المجتمع بإرثه، وأنماط وتجربته يستطيع التمييز والاختيار بين من يضع على رأس وجاهة الرأي والحكمة.

هذا نموذج لقيم صاعدة قد تتصارع مع قيم بدأت تتوارى، وتقوض عمل الكثير من المؤسسات الاجتماعية، ويمكن أن نسوق تداعيات هذا المثال على قيم صاعدة أخرى كتوسع النزعات الاستهلاكية المدفوع بالميل نحو المطابقة الاجتماعية، وتجزئة المهام التربوية وتفويضها، وتراجع دور الحكمة الاجتماعية في حل الخلافات البينية والاجتماعية. مثل هذا القيم مركزية لظهور ظواهر أو مشكلات أو قضايا اجتماعية لعدة أسباب أهمها: أن المجتمعات تحتاج إلى حيز زمني معقول لقبول القيم الجديدة، وأن التوافق الاجتماعي حول ظهور أو تواري قيمة ما من الصعب هندسته اجتماعيًا، وثالثًا أن الاختلاف على القيمة الاجتماعية قد يظهر في أصغر الوحدات الاجتماعية (الأسرة). ومن هنا فإننا ندعو المشتغلين في حقل العلوم الاجتماعية إلى التفكير الأفقي في القيم وفي مرجعيتها وتحولاتها، وأسباب نشوء بعضها وتواري أخرى، ليشكل كل ذلك مدخلًا لفهم حركة المجتمع وظواهره. ففي قناعتنا أن الانشغال بتجزئة الظواهر والمشكلات وتحييدها دون مرجعياتها القيمية قد يكون عملا جيدا في حينه، لكنه لا يثمر بالضرورة فهمًا موسعًا لحيز الحركة الاجتماعية.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية في سلطنة عمان

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الاجتماعیة التی الاجتماعیة فی

إقرأ أيضاً:

بعد واقعة رشق طفلة قطار المنوفية.. الأوقاف تطلق حملة لتصحيح السلوكيات الاجتماعية

كتب- محمود مصطفى أبوطالب:

أطلقت وزارة الأوقاف حملة توعوية موسعة بعنوان "صحح مفاهيمك"، تحت رعاية الدكتور أسامة الأزهري ، تهدف إلى تصحيح بعض المفاهيم والسلوكيات الخاطئة المنتشرة في المجتمع.

وتعتمد الحملة على عرض مواقف حياتية متكررة من خلال صور معبرة ومقاطع فيديو وأشكال إعلامية مختلفة؛ ما يسهم في إيصال الرسالة.

وتتناول الحملة عدة قضايا اجتماعية مهمة منها: رشق القطارات بالحجارة، والغش، والتنمر، والتشدد والتطرف الديني، وأهمية التعاون بين أفراد المجتمع، وتجنب الشجار، ومكافحة الرشوة، وتعزيز روح التعاون الأسري أسوة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وإعادة بناء الأمان الأسري والدفء العائلي بعيدًا عن الانشغال المفرط بالأجهزة الإلكترونية.

كما تشمل الحملة التوعية بخطورة الغيبة والنميمة، وأهمية تشجيع الأطفال بأسلوب تربوي، والحث على النظافة، والعمل ونبذ الكسل، وتأكيد حرمة الغش سواء في الامتحانات أو في المكاييل والموازين، إضافة إلى التوعية بمخاطر التدخين والإدمان، وأهمية احترام إشارات المرور وقواعده حفاظًا على الأرواح والممتلكات.

وتأتي هذه الحملة ضمن جهود وزارة الأوقاف المستمرة في بناء الإنسان وتصحيح المفاهيم المغلوطة، بما يعزز من قيم التعاون والمحبة والانضباط في المجتمع.

اقرأ أيضًا:

ارتفاع حرارة ورمال وأتربة خلال ساعات.. الأرصاد تكشف التفاصيل

https://www.masrawy.com/news/news_egypt/details/2025/4/5/2765495

الرسوم الأمريكية الجديدة.. خبير دولي يكشف لمصراوي نتائج قرارات ترامب

https://www.masrawy.com/news/news_egypt/details/2025/4/5/2765496

لمعرفة حالة الطقس الآن اضغط هنا

لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا

وزارة الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري رشق القطارات بالحجارة التنمر التشدد والتطرف الديني واقعة رشق طفلة قطار المنوفية

تابع صفحتنا على أخبار جوجل

تابع صفحتنا على فيسبوك

تابع صفحتنا على يوتيوب

فيديو قد يعجبك:

الأخبار المتعلقة حدث في 8ساعات| اكتشافات جديدة بمعبد الرامسيوم بالأقصر.. والأرصاد تكشف موعد أخبار وزير الأوقاف والمفتي و 3 محافظين يفتتحون مسجد النور بالجيزة أخبار بث مباشر.. شعائر صلاة الجمعة من مسجد النور بالجيزة أخبار "الأوقاف" تدين اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي للمسجد الأقصى المبارك أخبار

إعلان

هَلَّ هِلاَلُهُ

المزيد زووم شيرين تتفوق في استفتاء مصراوي كأفضل إعلان في رمضان 2025 زووم منافسة قوية بين كارولين عزمي وياسمينا العبد على الأفضل في رمضان 2025 زووم أول منشور لـ الفنان نضال الشافعي بعد وفاة زوجته نصائح طبية يمنع تلف الخلايا.. خضار سحري يقي من أمراض القلب والسكري نصائح طبية صحتك في طبق.. نوع طعام يفعل المعجزات بقلبك ورئتيك والكبد

إعلان

أخبار

بعد واقعة رشق طفلة قطار المنوفية.. "الأوقاف" تطلق حملة لتصحيح السلوكيات الاجتماعية

أخبار رياضة لايف ستايل فنون وثقافة سيارات إسلاميات

© 2021 جميع الحقوق محفوظة لدى

إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك عاجل| الرسوم الأمريكية الجديدة.. خبير دولي يكشف لمصراوي نتائج قرارات ترامب 27

القاهرة - مصر

27 14 الرطوبة: 17% الرياح: شمال شرق المزيد أخبار أخبار الرئيسية أخبار مصر أخبار العرب والعالم حوادث المحافظات أخبار التعليم مقالات فيديوهات إخبارية أخبار BBC وظائف اقتصاد أسعار الذهب أخبار التعليم فيديوهات تعليمية رمضانك مصراوي رياضة رياضة الرئيسية مواعيد ونتائج المباريات رياضة محلية كرة نسائية مصراوي ستوري رياضة عربية وعالمية فانتازي لايف ستايل لايف ستايل الرئيسية علاقات الموضة و الجمال مطبخ مصراوي نصائح طبية الحمل والأمومة الرجل سفر وسياحة أخبار البنوك فنون وثقافة فنون الرئيسية فيديوهات فنية موسيقى مسرح وتليفزيون سينما زووم أجنبي حكايات الناس ملفات Cross Media مؤشر مصراوي منوعات عقارات فيديوهات صور وفيديوهات الرئيسية مصراوي TV صور وألبومات فيديوهات إخبارية صور وفيديوهات سيارات صور وفيديوهات فنية صور وفيديوهات رياضية صور وفيديوهات منوعات صور وفيديوهات إسلامية صور وفيديوهات وصفات سيارات سيارات رئيسية أخبار السيارات ألبوم صور فيديوهات سيارات سباقات نصائح علوم وتكنولوجيا تبرعات إسلاميات إسلاميات رئيسية ليطمئن قلبك فتاوى مقالات السيرة النبوية القرآن الكريم أخرى قصص وعبر فيديوهات إسلامية مواقيت الصلاة أرشيف مصراوي إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك خدمة الإشعارات تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي لاحقا اشترك

مقالات مشابهة

  • مفتي الجمهورية: كفالة اليتيم من أسمى القيم الإنسانية وأقربها إلى الله
  • بعد واقعة رشق طفلة قطار المنوفية.. الأوقاف تطلق حملة لتصحيح السلوكيات الاجتماعية
  • نضج المساهمة الاجتماعية للمؤسسات
  • أحمد يعقوب: الحزمة الاجتماعية الحالية من أضخم الحزم التي أقرتها الدولة لدعم المواطنين
  • السيد القائد: تجاهل الشعوب العربية لما يجري في فلسطين انقلاب على كل القيم
  • المجلس الوطني للخدمة الاجتماعية زار الراعي
  • لقاء بين وزير الصحة ووزيرة الشؤون الاجتماعية لجمهورية ليبيا
  • 14 أبريل.. "تربية قناة السويس" تطلق مؤتمرها الطلابي الثامن لتعزيز القدرات والقيم بعصر التكنولوجيا
  • خلال زيارة نيافة الأنبا يوسف.. وزيرة الخارجية البوليفية تشيد بالخدمات التي تقدمها الكنيسة القبطية
  • تهديدات ترامب لجامعة هارفارد تتزايد.. هل تخسر الجامعة معركة القيم؟