لجريدة عمان:
2025-04-06@07:40:18 GMT

الاستثمار في الصناعات الإبداعية

تاريخ النشر: 23rd, March 2024 GMT

يخبرنا تقرير (تأثير الاستثمار في الاقتصاد الإبداعي العالمي)، الصادر عن (الإبداع، الثقافة ورأس المال)، أن الصناعات الإبداعية تعد (نقلة نوعية ستُحدث ثورة في مفهومنا للقيمة)؛ فهذه الصناعات تعمل على إعادة إنتاج المفاهيم وتقديم أشكال ثقافية جديدة وأنماط ومواد مواكبة للتطورات الحضارية للمجتمعات، وبالتالي قادرة على إحداث تغييرات وتحولات تتناسب مع المعطيات التقنية من ناحية، وتكتسب سمات المرونة والصمود من ناحية أخرى، وتتميَّز بقدرتها على الاستدامة من ناحية ثالثة.

إن الصناعات الإبداعية باعتبار قيمتها الثقافية والاقتصادية، تفتح اليوم آفاق (تشكيل الأسواق)؛ وذلك لما تتمتع به من استثمار في رؤوس الأموال البشرية والثقافية والتقنية، وما تُحدثه من أثر مباشر في (إيجاد تغير مادي في مجتمعاتنا ونُظمنا الإيكولوجية) « بتعبير التقرير»، لذلك فإن هذه الصناعات الأكثر ديناميكية وقدرة على إحداث الأثر الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، حيث تتكامل مع القطاعات التنموية محدثة تطورات إيجابية خاصة على المستوى الاقتصادي وبالتالي تحقيق الرفاه الاجتماعي الذي تسعى إليه المجتمعات.

فالتحولات التنموية التي يُحدثها الاستثمار في الصناعات الإبداعية، تتأسس وفق مجموعة من المعطيات تجعلها (قيمة) ديناميكية قادرة على الربط بين مجموعة من المتغيرات التي تجمع بين الإبداع والتفكير المبتكر، والتجريب، وإعادة التخييل، وإنشاء نماذج جديدة قابلة للتطبيق، وقادرة على إنشاء ممارسات جديدة ضمن الأُطر الثقافية الوطنية، والهُوية المجتمعية، إضافة إلى قدرتها على تحسين فرص التواصل والانفتاح على الثقافات الأخرى.

ولهذا فإن تأسيس بنية أساسية خصبة تنشأ ضمنها هذه التحولات، سيمثِّل أساسا قويا للاستثمار في الصناعات الإبداعية، وبالتالي تسخير الطاقات الإبداعية والتقنية وقيادة التصورات الداعمة للنماذج الفريدة لهذه الصناعات، التي تنبع من حضارة المجتمع وتراثه، وتحافظ على أصوله، وتنفتح على آفاق التطورات المتسارعة، والابتكارات العالمية ذات الجدوى الاقتصادية العالية. إن تهيئة البنية الأساسية المتطوِّرة والقادرة على التفاعل مع احتياجات المجتمع وأولوياته تُسهم بشكل مباشر في فتح فرص الاستثمار في تلك الصناعات وتيسِّر سُبل تحويل الأفكار الإبداعية إلى ابتكارات ومنتجات منافسة.

إن تأطير الصناعات الثقافية وفق معطيات الاقتصاد الإبداعي باعتباره أولوية استثمار، تقود التنمية المجتمعية، وتفتح فرص سوق الأعمال، خاصة على مستوى ريادة الأعمال والوظائف الإبداعية، إضافة إلى أن هذا التأطير يوفِّر إمكانات تأسيس الصناديق الاستثمارية وفق مزايا وفرص جاذبة ومحفِّزة، وبالتالي فإنها تدفع الشركات الإبداعية إلى المنافسة في التأثير الاجتماعي والاقتصادي، سواء عن طريق الأعمال الإبداعية والابتكارية المباشرة، أو عن طريق المنتجات الثقافية ذات القيمة الاقتصادية، أو عن طريق الخدمات المساندة المرتبطة بتلك الأعمال والمنتجات.

ولهذا فإن البنية الأساسية المحفزة والمطوِّرة للعمل الإبداعي، والتأطير الواضح للصناعات الثقافية الإبداعية يمثل الطريق نحو الاستثمار في تلك الصناعات، فهما أساس التطوير والتغيير الإيجابي الداعم، والذي يمكن أن يُحقِّق الوصول إلى رأس المال البشري، الذي يمثِّل جوهر هذه الصناعات من ناحية، ورأس المال الثقافي والحضاري، الذي يدعم عمليات الصناعة الإبداعية باعتباره المحتوى الرئيس الذي تقوم عليه من ناحية أخرى، إضافة إلى أهميتهما في توفير وظائف عالية الجودة، يمكن أن تضمن حياة كريمة للمبدعين، بل وتوفِّر فرص عمل متعددة أساسية ومساندة.

ولعل ما قدمته عُمان منذ النهضة الحديثة من دعم للتنمية الثقافية وتعزيز للمبدعين وتمكين للصناعات الإبداعية، سواء من خلال البنية الأساسية والتشريعات والسياسات الداعمة، أو من خلال إشراك المبدعين ودعم تطلعاتهم وقدراتهم، أو تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة المتخصصة في المجالات الإبداعية، وغير ذلك، جعل البيئة الإبداعية مهيئة للمزيد من العطاءات والإنجازات، التي قادتنا اليوم إلى الكثير من المعطيات الأساسية التي حفَّزت التطلعات وأطلقت الأهداف الطموحة نحو المزيد من العمل في مجال استثمار مواد التراث والثقافة في صناعات أكثر إبداعا وأكثر تنافسية.

ولهذا جاء الإعلان عن المشروعات الإنمائية والاستثمارية في الصناعات الثقافية الإبداعية في ختام (حلقات العمل التطويرية للصناعات الثقافية الإبداعية)، الذي نظمته وزارة الثقافة والرياضة والشباب بالتعاون مع البرنامج الوطني للاستثمار وتنمية الصادرات (نزدهر)، ليمثِّل نقلة أساسية في تصورات الاستثمار في الثقافة بشكل عام، فهذا التعاون مؤشر مهم لفهم المجتمع لأهمية الثقافة في الاقتصاد الوطني، وقدرتها التنموية في رفد سوق الأعمال، وتحسين دخل الأفراد، وبالتالي تنمية المدن الحديثة وتفعيل حِراكها الاجتماعي الإيجابي، وتحقيق رفاه المجتمع.

فقد تم إطلاق مجموعة من المشروعات التنموية قُدِرت قيمتها بـ (15.4) مليون ريال، كما تم الإعلان عن ثماني فرص استثمارية بقيمة 19 مليون ريال، وعشرين مبادرة تمكينية –كما جاء في التغطيات الصحفية –، الأمر الذي يكشف الطموح الذي تأسست عليه تلك المشروعات والفرص، والإمكانات التي يمكن أن تُحدثها في سبيل تحقيق الأهداف الوطنية التي قام عليها (البرنامج التطويري للاستثمار في قطاع الصناعات الإبداعية والثقافية) الذي ترأسه وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، والذي سيشكِّل دفعا حقيقيا للاستثمار في هذا القطاع الفاعل.

كما أن تفاعل (235) مشاركة ومشاركا في حلقات العمل هذه، من المعنيين بالثقافة والإبداع، إضافة إلى المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي بمجالاته المتعددة، ورواد الأعمال والمتخصصين، وبيوت الخبرة، يكشف آفاق الشراكة والتفاعل الإيجابي بين القطاعين الثقافي والاقتصادي، وهو الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الاستثمار في الصناعات الثقافية الإبداعية، فلكي يتأسَّس هذا القطاع التنموي لابد أن تكون هناك شراكة حقيقية ونقاش جاد، وهذا ما أثبتته تلك الحلقات، التي قدَّمت كشفا حقيقيا عن الفرص الاستثمارية التي يمكن أن يوفِّرها قطاع الثقافة، والتي يمكن أن تكون رافدا اقتصاديا ذات قيمة مضافة عالية في المستقبل.

ولأن القطاع الثقافي يتمثَّل في مجالات متعددة ومتنوِّعة، فإن تحديد الأولويات الوطنية التي يمكن الانطلاق منها نراها مهمة جدا، وهذا ما انشغلت به تلك الحلقات، ولعل تركيزها على (تكنولوجيا الإبداع، والتراث، وصناعة الأفلام، والتصميم والأزياء)، يُعد من الأولويات التي يمكنها أن تقود قاطرة نمو الصناعات الإبداعية، وتُسهم في تمكين القوة الناعمة العمانية ودورها في جذب الاستثمار خاصة الأجنبي، وبالتالي قدرتها على تفعيل دور الشراكة المجتمعية، وتعظيم فعل المواطنة؛ فتأسيس هذه المنظومة من الصناعات الإبداعية يُسهم في تفعيل ما يُعرف بـ(المجتمعات النابضة بالحياة)، والتي تشتهر بالبنية الإبداعية المعزِّزة للتنمية الاقتصادية والمشجِّعة للمشاركة المدنية المجتمعية، وتسهم في بناء المرونة لدى أفراد المجتمع في التفاعل والتقبُّل، إضافة إلى مساهمتهم الإيجابية في دعم الحِراك الثقافي الإبداعي، ودعم استدامة الثقافة الإبداعية باعتبارها مصدرا أساسيا من مصادر تنمية المدن وتعزيز دخل الأفراد ونموهم الاقتصادي، خاصة وأن المشروعات التي أُعلن عنها تتوزَّع بين المحافظات والمدن، بما يضمن تلك الشراكة والحِراك.

تمثِّل الصناعات الثقافية الإبداعية أحد أهم الأنشطة الاقتصادية في المجتمعات الحديثة، إذ ترتكز على (الانفتاح والتجريب والتنوُّع، والشمول والابتكار)، ولهذا فإن تأسيس هذه المشروعات الاقتصادية الإبداعية يمكِّن المجتمع من الممارسات الداعمة لتوجهاته الوطنية، والقادرة على فتح سُبل جديدة وواسعة لفرص العمل والاستثمار، بما يضمن للمبدعين وروَّاد الأعمال تطوير مجالات عملهم، بما يعزِّز جودة منتجاتهم وإبداعاتهم من ناحية، ويضمن قدرتهم على المنافسة محليا وإقليميا من ناحية أخرى.

إن إطلاق مشروعات الاستثمار في الصناعات الإبداعية الثقافية يعزِّز آفاق التعاون المشترك بين القطاعات، ويفتح سبلا جديدة للمبدعين والمثقفين ويدفع إلى تطوير الخدمات والأدوات الثقافية في كافة المجالات، ويدعم ازدهار الصناعات والخدمات المساندة، إضافة إلى دورها في تنمية المجتمعات ودعم المشاركة والمواطنة الإيجابية الفاعلة.

إنه حِراك تنموي يقود إلى استثمار الطاقات الإبداعية لدى أفراد المجتمع، ويُسهم في تحقيق الرفاه المجتمعي الذي تسعى إليه الرؤية الوطنية «عُمان 2040».

عائشة الدرمكية باحثة متخصصة في مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی الصناعات الإبداعیة الاستثمار فی الصناعات الثقافیة الإبداعیة الصناعات الثقافیة هذه الصناعات إضافة إلى التی یمکن من ناحیة یمکن أن سهم فی التی ی

إقرأ أيضاً:

في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على ايقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"

استأثرت إيقاعات « الأيام الثقافية المغربية »، مساء أمس الجمعة، بأجواء ساحة سان ميشيل الشهيرة في قلب العاصمة الفرنسية، إحدى أبرز الوجهات السياحية في باريس، إيذانا بانطلاق أسبوع حافل بالاحتفالات التي أدخلت البهجة على آلاف الزوار، الذين توافدوا منذ اليوم الأول لاكتشاف « زاوية مغربية » نابضة بالحياة في قلب الحي اللاتيني العريق.

وبمبادرة من القنصلية العامة للمملكة في باريس، وبشراكة مع بلدية الدائرة السادسة، تزينت ساحة سان ميشيل بألوان العلم المغربي، لتتحول، إلى غاية 13 أبريل، إلى فضاء مفتوح يعكس تنوع الثقافة المغربية وغنى تراثها العريق، من خلال قرية مؤقتة تنبض بأجواء الأسواق التقليدية، وتفوح منها روائح التوابل، وتزخر بالمصنوعات الحرفية والمأكولات المغربية الأصيلة.

وقد أشرفت سفيرة المغرب في فرنسا، سميرة سيطايل، على إعطاء الانطلاقة الرسمية لهذا الحدث، بحضور القنصل العام للمملكة في باريس، ندى البقالي الحسني، ورئيس بلدية الدائرة السادسة، جان بيير لوكوك، وذلك وسط أجواء احتفالية وطنية زينتها الأنغام الحماسية والأهازيج التي رددها الحضور بحماس، والذي غلب عليه أفراد الجالية المغربية.

وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، عبرت سيطايل عن فخرها الكبير بهذه المبادرة، قائلة: « أنا فخورة للغاية بتواجدي هنا. الأجواء رائعة في قلب الحي اللاتيني، بساحة سان ميشيل، حيث اجتمع الآلاف من المغاربة للاحتفاء بهويتهم، مغربيتهم، تنوعهم، والعلاقة المتميزة بين المغرب وفرنسا ».

وأضافت أن هذا الحدث يبرز التراث الغني الذي يشكل جزءا من الهوية المغربية، من فن الزليج، إلى صناعة الزرابي، والفضيات، وكل تلك الحرف العريقة التي تختزل عبق التاريخ المغربي.

من جهتها، أكدت البقالي الحسني أن هذه الأيام الثقافية، المنظمة على مدى أسبوع بشراكة مع بلدية الدائرة السادسة، تمثل مناسبة لتعريف الزوار بثقافة المغرب وغنى موروثه الثقافي الوطني، في مكان يعد من بين أبرز المعالم السياحية في العاصمة الفرنسية.

وكشفت القنصل أن عددا من الجمعيات المغربية جاءت خصيصا من المغرب للمشاركة في هذه المبادرة، التي تعبر أيضا عن تلاحم أفراد الجالية المغربية بفرنسا، مؤكدة أن « هذه الجالية متمسكة بهويتها المغربية وأصولها ».

بدوره، عبر رئيس بلدية الدائرة السادسة، جان بيير لوكوك، عن سعادته الغامرة باستضافة « هذه القرية المغربية الجميلة في ساحة سان ميشيل، التي ترمز إلى الصداقة بين فرنسا والمغرب، وهي علاقة قديمة ومتجددة تشهد حاليا دينامية جديدة ».

وأشاد بالإقبال الكبير على المعرض في يومه الأول، مدعوما بأجواء الربيع المشمسة، معتبرا أن هذه التظاهرة تمثل « نجاحا حقيقيا » من شأنه أن يلهم العديد من الفرنسيين لزيارة المغرب، ويمنح المغاربة المقيمين بباريس لحظة استعادة لجزء من جذورهم، في قلب المدينة.

وأضاف قائلا إن السنة المقبلة ستشهد افتتاح « المركز الثقافي المغربي في باريس » غير بعيد عن الساحة التي تحتضن هذا الحدث، على مستوى جادة سان ميشيل.

يذكر أن « الأيام الثقافية المغربية » كانت قد أدرجت ضمن قائمة « الأنشطة التي لا ينبغي تفويتها » في باريس ومنطقة إيل-دو-فرانس، وفقا لما أورده دليل المدينة « Sortiraparis.com ».

وأضاف المصدر: « هذا الحدث يعدنا بتجربة سفر فريدة من خلال أروقة متنوعة تبرز ثقافة المغرب بكل تفاصيلها »، في إشارة إلى بلد « متعدد الوجوه »، حيث « تسطع ثقافته عبر العالم بفضل تقاليده الزاهية، وأسلوب حياته، وتنوع مأكولاته ».

واختتم الموقع بالقول: « في ساحة سان ميشيل، على بعد خطوات من ضفاف السين، ستتحول أروقة هذه القرية المغربية إلى سفراء المملكة. من المطبخ التقليدي، إلى الصناعة التقليدية، مرورا بالأنشطة الثقافية.. برنامج غني يلهم الأرواح التواقة للسفر، ويغري بالتخطيط لعطلة مشمسة قادمة! ».

مقالات مشابهة

  • مختصون لـ"الرؤية": "محكمة الاستثمار والتجارة" نقلة نوعية في المنظومة القضائية العُمانية تساهم في جذب رؤوس الأموال
  • وزير الاستثمار ومحافظ الإسكندرية يعقدان لقاءً موسعًا مع أعضاء الغرفة التجارية.. صور
  • وزير الاستثمار يبحث مع الغرفة التجارية بالإسكندرية اجراءات دعم مناخ الأعمال
  • حنان شومان: الأيتام جزء أصيل من نسيج المجتمع المصري ولا يمكن تهميشهم
  • وزير الثقافة والفنون يدعم الصناعات الثقافية كمحرك للثروة والإبداع
  • الصناعات الثقافية الإبداعية في الأردن .. خطوات متسارعة نحو تحقيق تنمية اقتصادية بمنظور اجتماعي
  • في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على ايقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"
  • خلال زيارة نيافة الأنبا يوسف.. وزيرة الخارجية البوليفية تشيد بالخدمات التي تقدمها الكنيسة القبطية
  • «الرافد» تستعرض إنجازات الشارقة الثقافية
  • اقتصاديون: الإمارات توفر مقومات تأسيس الشركات واستقطاب رواد الأعمال