الأموال الساخنة أو «HOT MONEY» حتى وقت قريب كانت فى قفص الاتهام، وكانت «الشماعة» والسبب الرئيسى فى الأزمات التى ضربت الاقتصاد الوطنى، وتجرع مرارتها طوال السنوات القليلة الماضية فى ظل عدم توافر العملة الصعبة، و«شح» فى الدولار، لكن «بين غمضة عين وانتباهتها» مع تحرير سعر الصرف بالسوق المحلى، والتدفقات الدولارية، بدأ التغنى بالأموال الساخنة، بل فاق حدود العقل، وكأن الأزمة التى تعرض لها الاقتصاد لا علاقة لها بالأموال الساخنة.
الأزمة الاقتصادية التى شهدها الاقتصاد المصرى منذ جائحة كورونا، وما تبعها من أزمات متتالية ومتغيرات خارجية، منها ما هو صراعات وحروب، ومنها ما هو اقتصادى يتعلق بأسعار الفائدة الأمريكية، ورفعها لمعالجة أثار تريليونات الدولارات التى تم ضخها فى السوق الأمريكى أثناء جائحة كورونا، تسببت هذه التريليونات فى ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات كبيرة، وهو ما دفع الفيدرالى الأمريكى بعد تلاشى الجائحة إلى رفع الفائدة للسيطرة على غول التضخم، وإعادة الاستقرار للاقتصاد الأمريكي.
وقت هذه الأزمات كان سوق الدين المصرى من الأسواق الأكثر جاذبية فى أسعار الفائدة، ليكون «قبلة للهوت مونى» من كل المؤسسات العالمية التى راحت تبحث عن مكاسب سريعة، وسهلة من الاقتصاد الوطنى، والاستفادة من أسعار الفائدة العالية و«اللقطة» لهذه المؤسسات، وبالفعل تم ضخ مليارات الدولارات فى السوق المصرى، وراح مسئولى الحكومة «يتغنون» بجاذبية السوق المصرى، وسحره فى استقطاب كل هذه الأموال.
بمجرد رفع الفيدرالى الأمريكى لأسعار الفائدة وقتها، وفى «لمح البصر» هربت أموال هذه المؤسسات إلى سوق الدين الأمريكى، وسجلت عمليات التخارج أرقاما مرعبة، تجاوزت 20 مليار دولار، وبدأ مسئولى الحكومة الخروج بتصريحات تدعو للجنون، بأن الأزمة الاقتصادية فى السوق المحلى سببها «الأموال الساخنة» التى لا تبنى اقتصادا قويا.
أصبح «الهوت موني» «كخة» عند مسئولى الحكومة، وكان الخطأ الأكبر الاعتماد عليها، فى بناء الاقتصاد، وظل السوق المصرى يحيا معاناة ما بعدها بعد تخارج هذه الدولارات، والتى تسببت فى عدم توافر للعملة، إلى أن قامت الحكومة مؤخرا بتحرير سعر الصرف، واستقطاب استثمارات عربية وأجنبية، أدت إلى عودة الأموال الأجنبية فى سوق الدين مرة أخرى وبكثافة.
فى الأيام القليلة الماضية شهد سوق الدين واستثمارات أذون الخزانة تدفقات بمليارات الدولارات، وعاد الاعتماد مرة أخرى على «الهوت موني» فى مشهد مرعب، على اعتبار أن أى هزات اقتصادية ستقوم هذه المؤسسات بالهروب مرة أخرى، ووقتها تكون الكارثة والطامة الكبرى على الاقتصاد، لذلك على الحكومة العمل على تحويل كل هذه الأموال إلى استثمار أجنبى مباشر وحقيقى من خلال بناء مصانع وتوفير فرص عمل تصب فى مصلحة السوق المحلى، عبر المزيد من المحفزات لهذه الأموال.
• ياسادة....كل الأمانى أن تستفيد الحكومة من درس «الهوت موني» السابق، والذى ضرب الاقتصاد فى مقتل، وتتجنب تكرار السيناريو، خاصة أن الأموال الساخنة هى تدفقات مالية يتم ضخها فى السوق للاستفادة من الوضع الاقتصاد سواء معدلات أسعار فائدة أو تخفيض عملة محلية.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: خارج المقصورة الاقتصاد الوطني جائحة كورونا الأموال الساخنة سوق الدین فى السوق
إقرأ أيضاً:
الملكة المتوجة
ستظل الديموقراطية هي الملكة المتوجة بالنسبة لكل الدول، ويكفى أنها أجدر مكتشفات الإنسانية بالتصديق والولاء، وهى سلوك ومنهاج من شأنه أن ينظم شؤون الحياة كلها، إنها الديموقراطية الأساس الحى لكل نهضة وكل استقلال، وهي صنو للحرية التى يراها المرء أفضل الطرق وأذكاها، ذلك أن الهدوء الذى يقره الخوف ليس إلا تربصا وليس نظاما، والاستقامة التى يولدها الإكراه ليست فضيلة وإنما هى كبت بكل معنى الكلمة. أما الحرية الحقيقية فتختلف كلية عن هذا السياق، فهي وسيلة الكمال المطلق معنويا وماديا.
تعد الديموقراطية فى تبلورها الأخير هى المعتصم الأوحد لحقوق الإنسان. وهنا نتساءل: من هم أعداء الديمقراطية الآن فى عصر قد يبدو فيه للبعض أن مصطلح الاستعمار القديم قد اختفى؟ غير أنه على أرض الواقع لم يختف، وإنما يظل قائما بكل هيلمانه وطغيانه، وبكل مؤامراته ومناوراته. كل ما هنالك أنه كسا مخالبه بالحرير. أما المخالب فلا تزال فى مكانها تنهش وتتبر كل ما طالته تتبيرا. والنموذج قائم أمامنا يتجسد في المشاركة الكاملة القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، وهو ما يشكل أكبر برهان ساطع على أن الاستعمار لم يختف.
تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية قائمة الدول التي تعد العدو الحقيقى للديموقراطية، ويتجلى ذلك بوضوح فى تعاملها مع الدول العربية والإسلامية. يؤكد ذلك عشقها لذاتها إلى الحد الذى يتوارى معه الحق. فهى تؤثر مصالحها على مصالح الشعوب، ولهذا مضت تتصدر القائمة التى تمارس لعبة الإجهاز والقضاء على الديموقراطية. والمثال على ذلك ظهر فى الدور الطليعى الذى قامت به فى صرف قادة ثورة 23 يوليو عن الديموقراطية. وجرى ذلك عندما حاولت إقناعهم بأن أى نظام ديموقراطى صحيح سيطيح بهم وبالثورة معا. ولم تبخل علينا يومئذٍ بعرض فيلم ( يحيا زاباتا)، الذى انتهت فيه حياة الزعيم الحريص على الديموقراطية بالإعدام رميا بالرصاص. كانت هذه محاولة منها من أجل تضليل جماهير الشعب أيضا وصولا لإقناعهم بأن تطبيق الديموقراطية لن يكون فى صالحهم.
قد يتراءى للبعض أن السبب فى تنحية الديموقراطية قسرا عن دول فى المنطقة تتصدرها الدول العربية إنما يعود إلى أن الشعوب العربية ما زال يعوزها الوعى الكافى الذى يؤهلها لاستيعاب الديموقراطية السياسية، وفهمها على حقيقتها. وأنه ومن أجل ذلك وحده يعمد الحكام إلى تنحيتها وإبعادها خشية منهم على مصالح دولهم. غير أن هذه الرؤية تتجاوز سوء الظن إلى البهتان، ذلك أن الشعوب العربية تتمتع بوعي عظيم. ولو رجعنا إلى ثورات وحركات الاستقلال التى خاضت معاركها بعد الحرب العالمية الأولى والثانية لتبين لنا عقم هذا الرأى. ولا أدل على ذلك من أن الشعوب العربية قد مرت بتجربتها مع الديموقراطية قبل أن تبدأ الانقلابات والثورات فى العهد الأخير فكانت تجربة جد ناجحة. ولا أظن أن تنحية الشعوب فى منطقة الشرق الأوسط عن المشاركة فى شئون الحكم مشاركة كاملة وصادقة وفعالة يمكن أن يفيد الشعوب العربية بل على العكس سوف يشكل ضررا بالغا عليهم.