مراقبة الله وحفظ اللسان في رمضان
تاريخ النشر: 23rd, March 2024 GMT
إبراهيم سليم
أخبار ذات صلةفي رمضان يكون اللسان أولى بالحفظ؛ لأنه قد يذهب بثواب الصيام، فلا يجني الصائم إلا الجوع والعطش، وعلى كل مسلم أن يدرك أهمية الكلمة وأثرها في علاقة المسلم مع الله عز وجل، وعلى الصائمين والصائمات المحافظة على سلامة الصيام من الغيبة والنميمة، وغيرها من زلات اللسان، على المسلم الصائم أن ينتقي أطايب الكلام.
يقول الله جل جلاله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، «سورة النور: الآية 24». وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من مخاطر عدم حفظ اللسان، وجاء في الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم»، (متفق عليه).
ويجب على الصائم أن يستشعر في رمضان أنه مراقب من الله عز وجل، فلا يتكلم إلا بخير، ويحفظ لسانه عن الخوض في الباطل، قال تعالى: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، «سورة ق: الآية 18».
وفي الحديث: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا»، (سنن الترمذي: الآية 2407).
وقد يمتد اللسان إلى توجيه الاتهام والطعن في الآخرين، وهو من قبيل البهتان المنهي عنه، قال سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً)، «سورة الأحزاب: الآية 58».
ولقد حذرنا سيدنا ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من مخاطر اللسان إذا انفلت من رقابة صاحبه، وسأل معاذ -رضي الله عنه- النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم»، (سنن الترمذي، 2616).
وعن ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر»، (المعجم الكبير للطبراني، 13413).
فلنحفظ ألسنتنا من الغيبة والنميمة، والتكلم في ما لا يعنينا، ولنكن معرضين عن اللغو، فقد وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)، «سورة المؤمنون: الآية 3».
إني صائم
قال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، «سورة البقرة: الآية 183)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك...»، (صحيح البخاري، 1904)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، (صحيح البخاري، 1903). إذاً، فإن حفظ اللسان من الخوض في أحوال الناس وأعراضهم والبعد عن الغيبة والنميمة، وعن الفحش في القول، هو من التقوى، وشرع الله تعالى الصيام ليكتسب المؤمن صفة التقوى، ويرقى بها.
ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سوء الخلق، وأمر بالصبر على المسيئين، وحث الصائم على تذكير نفسه بأنه صائم، وأن أي فعل من سباب أو فحش قد يفوت عليه ثمار صيامه، ففي الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم».
وأشار إلى فئة من الناس ربما فعلوا هذه العبادة من غير تدبر لها، ولا طلب لمقاصدها، فتراهم صائمين عن الطعام والشراب، وهي أمور مباحة في غير وقت الصوم، ولكنهم لا يتورعون عن الأمور المحرمة كالغيبة والنميمة والسباب والغضب وقول الزور وشهادة الزور، فينبغي للمسلم أن يبتعد عن سيئ الأخلاق، ويتحلى بأحسنها ليبلغ ما أراده الله تعالى من الصيام والوصول إلى التقوى.
أسباب الصلاح
يقول الله تعالى في كتابه العزيز حكاية على لسان نبيه سليمان: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ). والصَّلاح هو: سُلُوكُ طريقِ الهُدَى، وهو مقام عظيم ونعمة كبرى يمنُّ الله بها على من امتثل أوامره، واجتنب نواهيه في كل شؤون حياته، مقتدياً بسمت الصالحين وهديهم، داعياً الله تعالى أن يجعله منهم، وأن يُلحقه بهم، كما دعا نبي الله إبراهيم فقال: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، وقال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)، وكما دعا نبي الله يوسف فقال: (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
فالصلاح مقام عظيم، وله أثره الطيب على الفرد والمجتمع، وأن صلاح الآباء سبب في حفظ الأولاد ونشأتهم على الخير، فيسعد بهم وطنهم ومجتمعهم.
وللصلاح ثمرات كثيرة، وفوائد جليلة، منها: أن الصلاح يُدخل المرء في حماية الله وولايته، وحفظه وعنايته، يقول سبحانه: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)، وبالصلاح يُنعم الله على العبد بطيب الحياة في الدنيا، وحسن الجزاء في الآخرة، قال سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقال أيضاً: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، كما أن صلاح الإنسان أمان لأولاده في الدنيا، وسبب في حفظهم وإكرامهم من بعده، قال الله: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ). ومن أسباب صلاح الأبناء: دعاء الوالِدَيْنِ لهم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ». وقد روي: أن رجلاً جاء إلى عبدالله بن المبارك، رحمه الله، فشكا إليه بعض ولده، فقال: هل دعوت عليه؟ قال: نعم. قال: أنت أفسدته».
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: رمضان صيام رمضان الصيام شهر رمضان صلى الله علیه وسلم رضی الله عنه الله تعالى رسول الله
إقرأ أيضاً:
حكم من فاتته صلاة الجمعة بسبب النوم.. الإفتاء توضح
أكدت دار الإفتاء المصرية، أن من فاتته صلاة الجمعة بسبب النوم من غير تهاونٍ ولا تقصيرٍ لا يكون آثمًا شرعًا، ويلزمه قضاؤها ظهرًا اتفاقًا.
وأكدت دار الإفتاء، في فتوى عبر موقعها الإلكتروني، "على المسلم أن يحتاطَ لأمر صلاة الجمعة ويحرص على حضورها، وأن يأخذَ بما يعينه على أدائها من الأساليب والأسباب؛ كالنوم باكرًا وعدم السهر بلا فائدة، أو كأن يعهد إلى أحدٍ أن يوقظَه، أو أن يضبط ساعته أو منبه هاتفه لإيقاظه ونحو ذلك من الوسائل التي تعين المرء على أداء صلاة الجمعة في وقتها؛ قيامًا بالفرض، وتحصيلًا للأجر وعظيم الفضل".
صلاة الجمعة اليوم .. خطيب المسجد الحرام : هذا العمل أفضل ما تستأنف به البر بعد رمضان
حكم ترك صلاة الجمعة تكاسلًا أو بدون عذر.. رأي الشرع
حكم صلاة الجمعة لمن أدرك الإمام في التشهد.. دار الإفتاء توضح
حكم اصطحاب الأطفال غير البالغين إلى المسجد لصلاة الجمعة
وأضافت الإفتاء أن صلاة الجمعة شعيرة من شعائر الإسلام، أوجب الشرع السعي إليها والاجتماع فيها والاحتشاد لها؛ توخِّيًا لمعنى الترابط والائتلاف بين المسلمين؛ قال الإمام التقي السبكي في "فتاويه" (1/ 174، ط. دار المعارف): [والمقصود بالجمعة: اجتماعُ المؤمنين كلِّهم، وموعظتُهم، وأكملُ وجوه ذلك: أن يكون في مكانٍ واحدٍ؛ لتجتمع كلمتهم، وتحصل الألفة بينهم] اهـ.
وتابعت "لذلك افترضها الله تعالى جماعةً؛ بحيث لا تصح مِن المكلَّف وحدَه مُنفرِدًا؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 9-10].".
وأوضحت أن الآيتين السابقتين تدلان على وجوب شهودها وحضورها على كلِّ مَنْ لزمه فرضُها، من وجوه:
الأول: أنهما وردتا بصيغة الجمع؛ خطابًا وأمرًا بالسعي؛ فالتكليف فيهما جماعي، وأحكامهما متعلقة بالمجموع.
الثاني: أن النداء للصلاة مقصودُه الدعاء إلى مكان الاجتماع إليها؛ كما جزم به الإمام الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب" (30/ 542، ط. دار إحياء التراث العربي).
الثالث: أن "ذكر الله" المأمور بالسعي إليه: هو الصلاة والخطبة بإجماع العلماء؛ كما نقله الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (2/ 60، ط. دار الكتب العلمية).
الرابع: أنَّ مقصود السعي هو: حضور الجمعة؛ كما في "تفسير الإمام الرازي" (30/ 541-542)، والأمر به: يقتضي الوجوب؛ ولذلك أجمع العلماء على أن حضور الجمعة وشهودها واجب على مَن تلزمه، ولو كان أداؤها في البيوت كافيًا لما كان لإيجاب السعي معنى.
قال الإمام ابن جُزَيّ في "التسهيل لعلوم التنزيل" (2/ 374، ط. دار الأرقم): [حضور الجمعة واجب؛ لحمل الأمر الذي في الآية على الوجوب باتفاق] اهـ.
وهو ما دلت عليه السنة النبوية المشرفة؛ فعن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «رَوَاحُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» رواه النسائي في "سننه".
وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةٌ: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» رواه أبو داود في "سننه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
التحذير من ترك صلاة الجمعة ممَّن وجبت عليهكما شدَّد الشرع الشريف على مَنْ تخلَّف عن أدائها ممَّن وجبت عليه، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيُّ أَوْ مَمْلُوكٌ، فَمَنِ اسْتَغْنَى بِلَهْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ، وَاللَّهُ غَنِيُّ حُمَيْدٌ» رواه الدارقطني والبيهقي في "سننيهما".
وروى الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» وروى أبو داود في "سننه" عن أبي الجعد الضمري رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ».