«الشراكة الاستراتيجية» من المصطلحات حديثة العهد فى حقل العلاقات الدولية التى ظهرت نهاية القرن العشرين، وهو مصطلح مستنبط من حقل الدراسات التنظيمية (الأعمال والإدارة)، وعلى الرغم من حداثته لا يمكن على وجه التحديد حصر أول تطبيق لمفهوم «الشراكة الاستراتيجية» على مستوى العلاقات الدولية، لكن الإرهاصات الأولى لذلك المفهوم كانت بين كل من البرازيل والصين اللتين أقامتا شراكتهما الاستراتيجية فى عام 1993.
و«الشراكة الاستراتيجية» مفهوم ومستوى تعاون مختلف عن مفهوم «التحالف» فهى أقل «رسمية» من «التحالف» لكنها أعمق، والتحولات الدولية منذ الحرب الباردة كانت أحد أبرز الأسباب فى تبنى الدول لنمط «الشراكات الاستراتيجية»، أيضاً هناك ثلاثة عوامل معاصرة أخرى هى: العولمة الاقتصادية، والتهديدات الأمنية غير الحكومية، والأسلحة النووية، تفسر قرار القوى العالمية الناشئة والقوى المتوسطة «بالابتعاد عن التحالفات الرسمية» وخروج الجهات الفاعلة الدولية، منذ نهاية الحرب الباردة، من نموذج التحالف وتبنت بدلاً من ذلك الشراكة كونها توفر أشكالاً أكثر مرونة من التعاون الدولى مما يمكن أن توفره أطر التحالفات.
إذن؛ جوهر الشراكة الاستراتيجية يكمن فى التعاون القائم على المساواة وتبادل المنافع بين الدول ذات الأهداف المشتركة، ورغم أن القضايا الأمنية تشكل أهمية مركزية للشراكات الاستراتيجية، فإن نطاق هذه الشراكات يمكن أن يكون واسعاً للغاية، بما فى ذلك التجارة والاقتصاد والتكنولوجيا وما إلى ذلك. ونظراً لأنها توفر مجالاً هائلاً للتفاعل فى مجالات متعددة، فقد أصبحت الشراكة الاستراتيجية واحدة من أكثر الأساليب المرغوبة لمشاركة الدول فى السياسة العالمية المعاصرة.
القاهرة منذ أيام قليلة استضافت قمة مصرية أوروبية رفيعة المستوى، انتهت إلى إعلان رفع العلاقات المصرية الأوروبية إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية» على مختلف الأصعدة: سياسياً، واقتصادياً، وتجارياً، وثقافياً. وهى قمة تاريخية ونقلة نوعية فى مسار العلاقات بلا شك. كان نتاجها الفورى والسريع دعماً أوروبياً ضخماً قيمته 7,4 مليارات يورو على مدى أربعة أعوام، فى مجالات مختلفة تشمل قروضاً ومساعدات واستثمارات، ويشتمل على مساعدات مالية قدرها خمسة مليارات يورو واستثمارات بقيمة 1,8 مليار يورو، ومنح قدرها 600 مليون يورو. والأهم تمويل طارئ قدره مليار يورو من ضمن المساعدات المالية سيصرف هذا العام.
سبق ذلك قمة مصرية برازيلية بمناسبة مرور 100 عام على العلاقات المصرية البرازيلية انتهت أيضاً بإعلان «الشراكة الاستراتيجية» بين كلتا الدولتين، والبرازيل دولة مركزية فى أمريكا اللاتينية ومهمة على الجانب التجارى والسياسى. كذلك كانت الزيارة التاريخية للرئيس الهندى إلى مصر فى يونيو 2023، وشهدت التوقيع على الإعلان المشترك لرفع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، والهند هى الأخرى دولة مركزية فى قارة آسيا وعملاق اقتصادى قادم بقوة.
فى السياسة كل سلوك له دلالة؛ والشراكات المصرية الاستراتيجية تعكس دلالات مهمة؛ فهى شراكات متعددة ومتنوعة توضح مدى توازن برنامج السياسة الخارجية المصرى، وكيف أن مصر ما بعد يونيو 2014 أقرت واتبعت برنامج عمل خارجياً قائماً على استقلال القرار السياسى المصرى والسيادى، وسياسة خارجية عقلانية رشيدة تعمل فى إطار تحقيق المصلحة الوطنية المصرية، على النحو الذى مكن مصر من استعادة مكانتها الدولية وريادتها الإقليمية، وعودة فاعلية الدور المصرى المحورى فى مختلف دوائر التحرك المختلفة.
وعلى جانب الآخر؛ توضح تلك الشراكات الكيفية التى يرانا بها العالم، ومدى الأهمية الاستراتيجية لدولة مصرية مستقرة من كل الجوانب فى خضم إقليم مضطرب، بل يمكن القول مشتعلًا، سواء فى غزة شرقاً، أو السودان جنوباً، وليبيا غرباً، أو على مستوى التوترات المتصاعدة فى البحر الأحمر. وهى شراكات تعكس مدى محورية ومركزية الدولة المصرية للعالم أجمع فى إطار الحفاظ على السلم والأمن الإقليمى والدولى، ومسارات التجارة العالمية. هى مصر كانت وستبقى ركيزة الأمن القومى العربى والإقليمى، والدور المصرى ريادى لا يمكن تجاوزه أو تجاهله.
لذلك؛ عزيزى القارئ، لا تفكر أو تحلل بذهنية الإخوانى المتربص الذى يرى الأمور من زاوية واحدة تخدم أهدافاً ضيقة، بل بعقلية المصرى الوطنى الذى يتمنى الخير لوطنه.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: وليد عتلم شراكات استراتيجية البرازيل والصين الشراکة الاستراتیجیة
إقرأ أيضاً:
رانيا المشاط تبحث تطورات تنفيذ الاستراتيجية القُطرية
التقت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، خالد شريف، المدير التنفيذي لمصر وجيبوتي بمجموعة البنك الأفريقي للتنمية؛ حيث شهد اللقاء بحث تطورات تنفيذ الاستراتيجية القطرية مع البنك حتى عام 2026، واستعدادات انعقاد الاجتماعات السنوية للبنك المقررة في مايو المقبل والتي ستشهد انتخاب الرئيس الجديد للبنك، وكذلك مناقشة تأثير التطورات الاقتصادية العالمية على الدور الذي تقوم به بنوك التنمية متعددة الأطراف في دعم التنمية بالدول النامية والناشئة.
وخلال اللقاء أكدت، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، على العلاقات القوية بين جمهورية مصر العربية والبنك الأفريقي للتنمية، على مدار العقود الماضية، موضحةً أنه من خلال الاستراتيجية القُطرية التي يجري تنفيذها مع البنك حتى عام 2026 يتم العمل على العديد من المحاور لتعزيز القدرة التنافسية للبلاد لدعم النمو القوي الذي يقوده القطاع الخاص وخلق فرص العمل، وبناء المرونة من أجل تحقيق الأمن الغذائي والمائي وكفاءة استخدام الطاقة.
وتطرقت إلى تنوع مجالات التعاون مع البنك الأفريقي للتنمية، والتي يأتي على رأسها قيادة البنك لمحور المياه بالمنصة الوطنية لبرنامج "نُوفّي" من أجل حشد التمويلات من شركاء التنمية متعددي الأطراف والثنائيين لتنفيذ مشروعات المياه بما يعزز جهود التخفيف والتكيف مع التغيرات المناخية، فضلًا عن الدور الحيوي الذي يقوم به البنك في تمويل القطاع الخاص المحلي والأجنبي.
وذكرت «المشاط»، أن مصر تعد ثاني أكبر دولة من حيث عدد الأسهم وحقوق التصويت بين الدول الإقليمية في البنك، حيث تأتي بعد نيجيريا في هذا المجال، كما أنها تحتل المرتبة الثالثة بين جميع الدول الأعضاء بعد الولايات المتحدة و نيجيريا، مما يتيح لها تأثيرًا كبيرًا في اتخاذ قرارات البنك الاستراتيجية.
وكان مجلس النواب، وافق في أكتوبر الماضي، على قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 374 لسنة 2024 بشأن الموافقة على "اكتتاب جمهورية مصر العربية في بنك التنمية الإفريقي بعدد 19917 سهما بقيمة 17.04 مليون دولار، بما يرسخ مكانة مصر لدى البنك التي تمتد لأكثر من 60 عامًا منذ تدشينه، باعتبار مصر من الدول المؤسسة لهذا البنك، وثاني أكبر دولة إقليمية مساهمة في رأسماله.
وشهد اللقاء مناقشة حول الانتخابات المقبلة لرئاسة بنك التنمية الأفريقي، واستعراض قائمة المرشحين لهذا المنصب وترتيبات الاجتماعات السنوية لمجموعة بنك التنمية الأفريقي المزمع انعقادها في الفترة من 26 إلى 30 مايو 2025 في أبيدجان، بكوت ديفوار.
وأكدت «المشاط»، أهمية تعزيز التعاون بين مصر وبنك التنمية الأفريقي بما يخدم التنمية الاقتصادية المستدامة في المنطقة الإفريقية ويدعم استقرارها المالي والاقتصادي.
وتضمن الاجتماع مناقشة التطورات الحالية على الساحة العالمية ودراسة أثرها على العمل التنموي عامة وعمل مجموعة بنك التنمية الأفريقي خاصة، بالإضافة إلى صياغة سيناريوهات التعامل معها بما يسعى لحماية أهداف مصر الوطنية والإقليمية وتعزيز دورها الإقليمي في القارة.