حكومة المحافظين البريطانية رمتنا بدائها وانسلت
تاريخ النشر: 20th, March 2024 GMT
ورد في قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية أن كلمة extremism، والتي يقابلها باللغة العربية مفردة التطرف، تستخدم لوصم من يُتهمون بحمل وجهات نظر دينية أو سياسية متشددة، وبشكل خاص من يلجأ منهم إلى إجراءات "متطرفة".
ولكن هل يمكن بالفعل الوصول إلى تعريف قطعي لهذا المصطلح؟ ثم، ما الذي يعتبر في هذا السياق موقفاً معتدلاً أو وسطاً؟
تزعم الحكومة البريطانية أن الوسط في الأمور هو "القيم البريطانية"، وأن من يشذ عن هذه القيم فهو المتطرف.
لو كانت المعايير هي الديمقراطية كنظام حكم، وحقوق الإنسان كمجموعة من الحقوق الأساسية التي لا يجوز التفريط فيها أو انتهاكها، بحسب ما ورد النص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فلا توجد لدينا مشكلة كبيرة، لأن هذه أمور من الممكن تعريفها.
أم أن المشكلة التي نحن بصددها هي مجرد تباين ذي طابع سياسي، وبالذات حول السياسة الخارجية التي تنتهجها الحكومة البريطانية؟
خلال ما لا يقل عن ربع قرن من وجودي داخل الرابطة الإسلامية في بريطانيا، أذكر أننا مررنا بفترات قصيرة من الوئام شهدت تعاوناً وثيقاً مع الحكومة البريطانية. وكان من أبرز أوجه التعاون حل أزمة مسجد فينزبري بارك في شمال مدينة لندن، والعمل على تحرير مراسل للبي بي سي كان محتجزاً في داخل قطاع غزة من قبل إحدى الجماعات المسلحة.
إلا أن الرابطة الإسلامية، مثلها مثل منظمات كثيرة من منظمات المجتمع المدني في بريطانيا، لم تتوافق في الرأي مع الحكومة البريطانية في العديد من الواقف الأخرى، ومن أهمها قضية غزو العراق والقضية الفلسطينية.
كانت الحكومة البريطانية كلما اشتدت معارضتنا لها تلجأ من حين لآخر إلى إغلاق أبوابها في وجوهنا، ولربما كان لها دور، من خلال ما تمارسه من نفوذ أو توجيه، في إقصائنا عن كثير من الميادين، وخاصة الإعلامية والأكاديمية.
والحقيقة هي أن رئيس الوزراء ريشي سوناك ووزير المجتمعات مايكل غوف يضللان الشعب البريطاني إذ يلوذان بمصطلح التطرف. والعجيب حقاً في الأمر هو أنهما راحا يتهمان معارضي حكومتهم بما يتهمها به المعارضون لها، فهي في نظر كثير من البريطانيين حكومة متطرفة.
ثم جاء الانقلاب على الديمقراطية والقمع العنيف الذي تعرضت له جماعة الإخوان المسلمين في مصر، فتوالت الضغوط على الحكومة البريطانية من قبل ممولي ورعاة الثورة المضادة، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، مما أسفر عنه إنتاج قائمة سوداء تحتوي على أسماء الأفراد والهيئات التي يُشك بأن لديهم علاقة، من قريب أو بعيد، بجماعة الإخوان المسلمين.
ثم في عام 2014 أقدم رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، تحت وطأة الضغوط السعودية والإماراتية، على تشكل هيئة للتحقيق في جماعة الإخوان المسلمين، لم تخرج في النهاية بشيء ذي بال، ولئن كانت النية أساساً هي إثبات أن جماعة الإخوان المسلمين ضالعة، بطريقة أو أخرى، في الإرهاب، وهي تهمة لم يتمكن القائمون على هيئة التحقيق إثباتها. وكل ما قالوه حينها إن جماعة الإخوان المسلمين توجد القابلية لدى منتسبيها للانزلاق نحو التطرف.
والآن يطل علينا مصطلح التطرف من جديد في محاولة من قبل الحكومة البريطانية الحالية لإسكات منتقدي الكيان الصهيوني، الذي ما لبث يشن حملة إبادة جماعية على أهل غزة منذ أكثر من خمسة شهور. وتارة أخرى، تفوح من هذه المحاولة رائحة الضغوط السعودية والإماراتية.
والحقيقة هي أن رئيس الوزراء ريشي سوناك ووزير المجتمعات مايكل غوف يضللان الشعب البريطاني إذ يلوذان بمصطلح التطرف. والعجيب حقاً في الأمر هو أنهما راحا يتهمان معارضي حكومتهم بما يتهمها به المعارضون لها، فهي في نظر كثير من البريطانيين حكومة متطرفة.
بدلاً من الانشغال بتحسين أحوال البريطانيين، ومعالجة أسباب الفقر والتشرد وانعدام المساواة في المجتمع البريطاني، اختار هذان السياسيان تسخير إمكانيات الدولة لخدمة الكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين ويرتكب المذابح بحق أهلها.
لقد بات جلياً لدى الرأي العام البريطاني أن الحكومة الحالية شريك كامل للكيان الصهيوني الذي يرتكب جريمة الإبادة الجماعية ضد أهل غزة ويمارس القهر والتنكيل بحق أهل الضفة الغربية، مستخدماً قواته الأمنية المسلحة وعصابات مستوطنيه، وفي نفس الوقت يمارس الأبارتيد ضد أهل فلسطين الذين بقوا صابرين صامدين مرابطين في مناطق الثمانية والأربعين.
كما أنه ليس من المستبعد أن سوناك وغوف، في حملتهما الجديدة "ضد التطرف" إنما يقومان بذلك نيابة عن الأنظمة العربية المستبدة التي اشتركت في جريمة إحباط الربيع العربي، وقتل الديمقراطية، وسجنت آلاف العلماء والمفكرين ونشطاء حقوق الإنسان.
إن اتهام الرابطة الإسلامية في بريطانيا، بل وحتى جماعة الإخوان المسلمين، بالإخلال بمنظومة القيم البريطانية اتهام باطل. فجماعة الإخوان المسلمين هي الجماعة الأكثر اعتدالاً، فكراً وممارسة، والأكثر وسطية بين جميع مكونات الطيف الإسلامي الحركي المعاصر، ولقد شارك ممثلوها في انتخابات برلمانية وحققوا فوزاً مشهوداً في مصر وفي تونس، ولولا الانقلابات العسكرية والتدخلات الأجنبية التي أجهضت المسار الديمقراطي في كل بلدان الربيع العربي لحققت الجماعة المزيد من الانتصارات حيثما سمح بتنظيم انتخابات حرة ونزيهة في أي مكان داخل الوطن العربي.
إن الذي ينتهك القيم البريطانية فعلياً هما سوناك وغوف. إنهما من يقوض سمعة بريطانيا كبلد ديمقراطي، فهما يشنان الحرب على منتقديهم، ويسعيان إلى تقييد حريات الناس في التعبير والتجمع والتظاهر، وينتهكان حقوق المواطنين في مساءلة الحكومة حول سياستها الخارجية.
إن هذه الحرب التي تشن باسم مكافحة التطرف على واحدة من أكثر المنظمات اعتدالاً ضمن التيار الإسلامي في بريطانيا، ما هي إلا محاولة لنجدة إسرائيل ومن يواليها من أنظمة الاستبداد والفساد في العالم العربي.
ينبغي على سوناك وغوف أن ينشغلا بما كلفهما به الشعب البريطاني من السهر على راحته وأمنه، بدلاً من إعطاء الدروس للمسلمين حول ما ينبغي أن يكون عليه الإسلام الذي يعتنقونه أو يمارسونه. فالمسلمون يتعلمون دينهم من القرآن والسنة النبوية، وليس من سياسيين يدعمون المذابح التي يرتكبها الصهاينة ويغضون الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الدكتاتوريات الجاثمة على صدور الشعوب في البلاد العربية.
وإذا كانت الحكومة البريطانية مهتمة فعلاً ببناء إجماع وطني حول ما يسمى بالتطرف، فإنه ينبغي عليها الاستعانة بأهل العلم لا أدعيائه، وألا تسمع لما يقوله العنصريون واليمينيون المتطرفون الذين يقدمون أنفسهم لها على أنهم باحثون أو مستشارون أو خبراء.
لا ريب أن الحكومة البريطانية تفتقر إلى النصح السديد، ولا ريب كذلك أن بعض المتنفذين فيها إنما يسعون لخدمة مصالحهم الذاتية، وخدمة مصالح أصدقائهم الأجانب في تل أبيب وفي بعض العواصم العربية، على حساب المصلحة العامة للأمة البريطانية.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه التطرف بريطانيا سوناك بريطانيا التطرف المحافظين سوناك مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة صحافة سياسة صحافة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة جماعة الإخوان المسلمین الحکومة البریطانیة فی بریطانیا
إقرأ أيضاً:
صفحات مجهولة من حياة المستكشف البريطاني هوارد كارتر
القاهرة "د.ب.أ": على الرغم من مرور 86 عاماً على وفاته، ومرور 103 أعوام على تحقيقه للاكتشاف الأثري الأكبر والأهم في التاريخ، فإن الغموض لا يزال يحيط بشخصية البريطاني هوارد كارتر، مكتشف مقبرة وكنوز الفرعون الذهبي الملك توت عنخ آمون، حيث يبقى كارتر - الذي عاش ما بين عامي 1874 و1939- المستكشف الأكثر جدلا في أوساط الآثاريين وعلماء المصريات، بمصر والعالم أجمع، وذلك نتيجة للكثير من الظروف التي عاشها، وما صاحب كشفه العظيم عن قبر وكنوز الملك توت عنخ من أسرار لم يكشف الكثير منها حتى اليوم.
وكما يقول الباحث والمؤرخ المصري، فرنسيس أمين - الذي يحتفظ بالكثير من الأرشيف المصوّر لكارتر وما كتب عنه من مؤلفات عربية وأجنبية على مدار العقود الماضية - فإنه يبدو أن الرجل عشق حياة الغموض، وكان يحرص على أن يحيط حياته ببعضٍ من ذلك الغموض الذي استمر ملازما له حتى موته.
وكما تدلنا المصادر التاريخية، فإن هوارد كارتر، لم يكتفي بما اكتسبه من شهرة بعثوره على أعظم الإكتشافات الأثرية في جبانة طيبة القديمة غربي مدينة الأقصر التاريخية بصعيد مصر، في الرابع من نوفمبر عام 1922 - عند اكتشافه لمقبرة وكنوز الفرعون الذهبي الملك توت عنخ آمون - فراح ينسج الكثير من الخيوط من حوله لقصص لا تنتهي، ليظل باقيا في ذاكرة الناس ومثار حديثهم خلال حياته وبعد موته عن عمر ناهز الـ 66 عاما، قضى منها قرابة 44 عاما في وسط الآثار المصرية القديمة، إما رساماً أو ترجماناً أو مستكشفاً لكنوزها.
ويؤكد فرنسيس أمين، لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، أن كارتر كان يعشق الغموض، وكان يستقى حكاياته من كتب المفاجآت، ولذلك فقد جذبه السحر والغموض الذي يحيط بعملية البحث عن قبر الإسكندر الأكبر، على مر الزمان، فراح يعلن لأحد أصدقائه، بأنه يعلم موقع قبر الإسكندر الأكبر، لكن ذلك سيظل سراً لن يخبر به أحدا، وأنه سيحتفظ بذلك السر لنفسه حتى يُحٌمَلَ إلى قبره.
ووفقا لـ "أمين"، فإنه حتى في ظهوره أمام الكاميرات، كان كارتر يحرص على الظهور بطريقة تمثيلية مثيرة للأنظار، ويقف ويسير بكثير من الكبرياء، وذلك كما يظهر في الكثير من صوره.
الغموض - أيضا - أحاط بحب هوارد كارتر لإبنة اللورد هربرت إيرل كارنارفون، ممول مشروع الكشف عن مقبرة وكنوز توت عنخ آمون، ولم يعرف بعد سبب القطيعة التي حدثت بين الرجلين هوارد وهربرت قبيل وفاتهما، وهل القطيعة جاءت بعد أن اكتشف هربرت أن هوارد يعشق ابنته.
ويذهب فرنسيس أمين ، إلى القول بأنه ربما كان هوارد كارتر، يشعر بالنقص بالنظر إلى من عمل معهم من مستكشفين كانوا أصغر منه بعقود، نتيجة إلمام هؤلاء المستكشفين وبينهم تيودور ديفيز، بعلوم المصريات، وطرق الوصول للمقابر والكنوز الفرعونية آنذاك، وأن الرجل ربما كان يعاني من مشكلات أخرى جراء ولعه بالظهور في صورة عالم آثار كبير.
خاصة وأن كارتر – بحسب فرنسيس أمين - لم يكن حاصلا على قسط وافر من التعليم، كما كان يخطئ في كتابة أسماء من كان يعمل معهم، وأنه من المؤكد أن ما قام به من أعمال نشر علمي لبعض مكتشفاته الأثرية قد قام به بمساعدة أشخاص آخرين ظلوا مجهولين حتى اليوم.
وربما كان ذلك هو سبب عدم إعلانه عما اكتشفه من آبار وآثار رومانية في الصحراء الشرقية لمصر، فنسبت تلك الإكتشافات لغيره من المستكشفين.
وقد ترك كارتر الأثريين في حيرة، حين عثر على تمثال ذهبي نادر للإله آمون، دون أن يعلن أين وجده.. وبعد فترة من الترقب لدى الأثريين أعلن لهم أنه وجده فى محيط أسوار معبد الكرنك، وهو قول لم يقنع الأثريين، ليظل ذلك التمثال الذهبي للإله آمون، هو أحد الأمور الغامضة بالنسبة لمن تتبعوا مسيرة حياة هوارد كارتر.
لكن أكثر الأمور غموضا وإثارة هو أن صاحب أعظم كشف أثري شهده العالم فى القرن العشرين، وحتى اليوم، لم يحظ بأي تكريم، ولم يمنح أي ألقاب من قبل الحكومتين البريطانية أو المصرية.
وبحسب الكثير من المؤلفات والشهادات، فإنه بالرغم من كل الغموض الذي لازال يحيط بشخصية هوارد كارتر حتى اليوم، فإن الفضل يرجع إليه في نقل آثار توت عنخ آمون، إلى المتحف المصري بالقاهرة في حالة جيدة من الحفظ.
كما كان صاحب العديد من الإكتشافات الأثرية الأخرى، بجانب اكتشافه لمقبرة وكنوز الملك توت عنخ آمون، فهو من اكتشف المقبرة المعرفة باسم "حدوة الحصان" قرب الدير البحري في غرب مدينة الأقصر، والخاصة بـ "منتو حتب منحبت" وفيها عثر على تمثاله الشهير الموجود ضمن مقتنيات المتحف المصري بالقاهرة.
وبرغم أن هوارد كارتر لم يكن دارسا لعلوم المصريات، ولم يكن عالم آثار بالمعنى الدقيق للكلمة، فإنه عمل منذ العشرين من عمره وسط معابد ومقابر وآثار مصر القديمة، حيث عمل رساما فى مقابر بني حسن بمحافظة المنيا، وآثار منطقة الدير البحري في الأقصر، ورسم الكتابات الهيروغليفية والطيور والنباتات والحيوانات التي تزين مقابر الفراعنة.
والمدهش أن هوارد كارتر كان نجاراً، وكان حداداً، فصنع الأبواب التي تُزين مقابر ملوك الفراعنة في وادي الملوك، وكان كهربائيا، فقام بتوصيل خطوط الكهرباء للمقابر داخل مواسير لا تزال موجود في بعض مقابر وادي الملوك حتى اليوم، وذلك خلال عمله ككبير لمفتشي الآثار في مدينة الأقصر عاصمة طيبة القديمة.
وحين ترك العمل بالآثار، عمل ترجمانا للسياح آنذاك، وحرص على إقامة علاقات ببعض العائلات ذات النفوذ في مصر، مثل عائلة الأمير لطف الله، وعائلة مكرم عبيد، وعائلة بطرس غالى، حيث كان يتقرب لأفراد تلك العائلات بهدف مساعدته في إنهاء المشكلات التي كانت تنشب بينه وبين الحكومة بمصر.
وقد تعرض "كارتر" ورفيقه اللورد هربرت كارنارفون، لاتهامات ببيع كنز ذهبي عثرا عليه في مقبرة الأميرات في جبل القرنة، لمتحف المتروبوليتان، كما اتهم كارتر منفردا ببيع التمثال الذهبي للإله آمون، والذي قال بأنه عثر عليه قرب أسوان ، وهكذا عاش الرجل غامضا، ومحاطا بكثير الإتهامات طوال حياته وحتى وفاته عام 1939.