زينب بنت جحش.. تزوجها النبي بأمر من الله.. وزهدت في الدنيا بعده ولزمت بيتها
تاريخ النشر: 19th, March 2024 GMT
أم المؤمنين زينب بنت جحش بن خزيمة الأسدية، أُمُّها أميمة بنت عبد المطلب عمَّة رسول الله. وُلِدَتْ -رضي الله عنها- في السنة الثالثة والثلاثين قبل الهجرة، أخوها عبد الله بن جحش أحد السابقين، وقائد سريَّة نخلة، وقد استشهد في غزوة أُحُد، ودُفن هو وخاله حمزة بن عبد المطلب عمُّ النبي في قبر واحد رضي الله عنهما.
زواجها من زيد بن حارثة
انطلق رسول الله ليخطب لزيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش -رضي الله عنها- فخطبها، فقالت: لستُ بناكحته. فقال رسول الله: "بَلْ فَانْكِحِيهِ". قالت: يا رسول الله، أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحدَّثان، أنزل الله تعالى قوله على رسوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، فقالت رضي الله عنها: رضيتَه لي يا رسول الله منكحًا؟ قال رسول الله: نعم. قالت: إذن لا أعصي رسول الله، قد أنكحته نفسي.
وبهذه الواقعة أراد النبي أن يُحطِّم الفوارق الطبقيَّة الموروثة في الجماعة المسلمة، فيردَّ الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد إلاَّ بالتقوى، وكان الموالي -وهم الرقيق المحرَّر– طبقة أدنى من طبقة السادة، ومن هؤلاء زيد بن حارثة، فأراد رسول الله أن يُحقِّق المساواة الكاملة بتزويجه من شريفة من بني هاشم، قريبة النبي زينب بنت جحش؛ ليُسقط تلك الفوارق الطبقيَّة بنفسه في أسرته، وكانت هذه الفوارق من العمق والعنف بحيث لا يحطِّمها إلاَّ فعل واقعيّ من رسول الله تتَّخذ منه الجماعة المسلمة أسوةً، وتسير البشريَّة كلها على هداه في هذا الطريق.
طلاقها من زيد وإسقاط التبني
لكن الحياة لم تَسِرْ على وجهها المطلوب بين زيد بن حارثة وبين السيدة زينب بنت جحش -رضي الله عنها- فجاء زيد للنبي يريد أن يُطلِّق زينب، لكن النبي ردَّه، وقال له: "اتَّقِ اللهَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ". فأنزل الله تعالى قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]، فالله تعالى قد أخبر نبيَّه أن زينب بنت جحش ستكون زوجةً من زوجاته، لكن النبي خاف المنافقين وأقوالهم؛ لأن زيدًا ابنٌ للنبي بالتبنِّي، لكن الله تعالى أخرج ما كان في صدر النبي؛ ليكون زواجه من السيدة زينب بنت جحش -رضي الله عنها- ذات حكمة تشريعية عظيمة، وهي إسقاط التبني، وأول من يُطبِّق هذه الحكمة هو النبي على مَنْ تبنَّاه؛ إذ كان زيد منسوبًا للنبي، فكان يُقال له: زيد بن محمد، ثم أُسقط التبني فنُسب لاسمه الحقيقي زيد بن حارثة.
زواجها من رسول الله
وبعد طلاق السيدة زينب من زيد بن حارثة ، وبعد انقضاء عِدَّتها، قال رسول الله لزيد بن حارثة: "اذْهَبْ وَاذْكُرْهَا عَلَيَّ". يقول زيد: فلمَّا قال ذلك عظمت في نفسي، فذهبتُ إليها، وجعلتُ ظهري إلى الباب، وقلتُ: يا زينب، بعث رسول الله يَذْكُرُك. فقالت: ما كنتُ لأحدث شيئًا حتى أؤامر ربي. فقامت إلى مسجد لها، فأنزل الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37]. فجاء رسول الله فدخل عليها بغير إذن.
وروي: أنه لما دخل بها، قال لها: ما اسمك؟ قالت: بَرَّة. فسماها رسول الله زينب. وروي: أنه لما تزوَّجها رسول الله تكلَّم في ذلك المنافقون، فقالوا: حرَّم محمد نساء الولد، وقد تزوَّج امرأة ابنه. فأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]. وقال أيضًا: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5].
ولمَّا نزل قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا...} [الأحزاب: 37] كانت زينب -رضي الله عنها- تفتخر على بقيَّة زوجات النبي، وتقول لهنَّ: زوجكنَّ آباؤكنَّ، وزوَّجني الله من فوق سبع سموات. وما أَوْلَمَ رسول الله على امرأةٍ من نسائه أكثر وأفضل ممَّا أولم على زينب، وقد أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه.
الحكمة من زواجها من النبي
رُوِيَ عن علي بن الحسين: أن النبي كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيدًا يطلِّق زينب، وأنه يتزوَّجها بتزويج الله إيَّاها، فلمَّا تشكَّى زيدٌ للنبي خُلُقَ زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله على جهة الأدب والوصيَّة: "اتَّقِ اللهَ فِي قَوْلِكَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ". وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوَّجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يُرِدْ أن يأمره بالطلاق لما علم أنه سيتزوَّجها، وخشي رسول الله أن يَلْحَقه قولٌ من الناس في أن يتزوَّج زينب بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من أن خشي الناس في شيء قد أباحه الله له، بأن قال: "أَمْسِكْ". مع علمه بأنه يطلِّق، وأعلمه أن الله أحقَّ بالخشية، أي في كل حال.
مكانتها وفضلها
كانت -رضي الله عنها- تحتلُّ من المكانة العالية عند رسول الله ما جعل أمَّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- تعترف بذلك، فكانت تقول عنها -رضي الله عنهما: كانت زينب هي التي تساميني من أزواج النبي، ولم أرَ امرأة قطُّ خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشدَّ ابتذالًا لنفسها في العمل الذي يُتصدَّق به، ويُتقرب به إلى الله، ما عدا سورة من حدَّة، كانت فيها، تُسرع منها الفيئة.
ووصفها رسول الله بأنها أوَّاهة، فقال لعمر بن الخطاب: "إِنَّ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَوَّاهَةٌ". فقال رجل: يا رسول الله، ما الأوَّاه؟ قال: "الْخَاشِعُ الْمُتَضَرِّعُ، {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 75]".
وقد اشتركت -رضي الله عنها- مع النبي في غزوة الطائف بعد حنين، وغزوة خيبر، ثم حجة الوداع، وبعد وفاة النبي ظلَّت السيدة زينب بنت جحش -رضي الله عنها- محافِظةً على عهد رسول الله ، لازمة بيتها؛ ففي حجة الوداع قال رسول الله لزوجاته: "هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورُ الحُصُرِ"، فكن كلهن يحججن إلاَّ زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة، وكانتا تقولان: والله لا تحرِّكنا دابَّة بعد أن سمعنا ذلك من النبي .
حياتها وزهدها بعد رسول الله
ظلَّت -رضي الله عنها- جوَّادة كريمة بعد رسول الله ، متمسِّكة بالزهد، وعدم التعلُّق بالدنيا ومتاعها، فيُذْكَر أنه لمَّا جاء العطاءُ عمرَ، بعث إلى أمِّ المؤمنين زينب بنت جحش -رضي الله عنها- بالذي لها، فلمَّا دخل عليها قالت: "غفر الله لعمر! لَغَيْرِي من أخواتي كان أقوى على قَسْم هذا منِّي". قالوا: هذا كله لكِ. قالت: "سبحان الله" واستترت دونه بثوب، وقالت: "صبُّوه واطرحوا عليه ثوبًا". فصبُّوه وطرحوا عليه ثوبًا، فقالت لبرزة بنت رافع: "أَدْخِلي يدكِ فاقبضي منه قبضة فاذهبي إلى آل فلان". وآل فلان من أيتامها وذوي رحمها، فقسّمته حتى بقيت منه بقيَّة: فقالت لها برزة: غفر الله لكِ! والله لقد كان لنا في هذا حظٌّ. قالت: "فلكم ما تحت الثوب". قالت: فرفعنا الثوب فوجدنا خمسة وثمانين درهمًا، ثم رفعت يديها، فقالت: "اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا". قالت: فماتت رضي الله عنها.
وفاتها
تُوُفِّيَتْ أمُّ المؤمنين زينب بنت جحش -رضي الله عنها- في خلافة عمر بن الخطاب في عام عشرين من الهجرة، وقيل: في عام واحد وعشرين من الهجرة، وهي ابنة ثلاث وخمسين سنة.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: قال رسول الله رضی الله عنها السیدة زینب الله تعالى قال له
إقرأ أيضاً:
فتاوى يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
• ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يختار لبعض الصلوات سورًا معينة يقرأها، فكان يقرأ بسورة السجدة والإنسان في فجر الجمعة، فنحب التعرف على هذه المواضع والسور التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخصها بالقراءة؟
نعم، وردت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما كان يقرأ به في الصلاة، ولم يكن ذلك على سبيل الاقتصار، وإنما كان عليه الصلاة والسلام يكثر من قراءته في بعض الصلوات، فقد أشار السائل أو ذكر ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام من أنه كان يقرأ بسورة السجدة والإنسان يوم الجمعة في الفجر، وورد أيضًا أنه كان يقرأ بالأعلى والغاشية في الأعياد، وقرأ بالزلزلة في المغرب، وقرأ بالمرسلات، وكانت من آخر ما سمع منه عليه الصلاة والسلام في المغرب.
وورد أيضًا أنه كان يطيل في القراءة في مواضع معينة، وفي مواضع أخرى كان يختصر، كما قرأ في الوتر بالأعلى والكافرون، وبالإخلاص والمعوذتين في الركعات الثلاث، وهذا أيضًا مما ورد عنه عليه الصلاة والسلام، وورد عنه أيضًا أنه كان يقرأ في كثير من السنن، كركعتي الطواف، بسورتي الكافرون والإخلاص في الأولى والثانية.
فهذه بعض ما هو مبثوث في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما سمعه منه أصحابه - رضوان الله تعالى عليهم - ورفعوه إليه، ونقلوه إلينا مرفوعًا عنه عليه الصلاة والسلام، ولهذا، فإن المطلوب من المسلم أن يتأسى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن الأهم في الأمر هو ألا يحمل ذلك على جهة الوجوب، وألا يظن أن الحال يضيق إن لم يقرأ بما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الصلوات، فهذا لا قائل به من أهل العلم.
وإنما التأسي به عليه الصلاة والسلام أولى وأفضل، لكن على الإمام أيضًا أن يراعي أحوال المصلين وأحوال نفسه، فإن كان في شيء من المرض فلا يلزمه أن يطيل القراءة، أو أن يقرأ بما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيكلف نفسه ما فيه مشقة عليه، فليقرأ ما تيسر من القرآن.
لكن نجد أن بعض الناس يحرص في صلاة واحدة على الإطالة، وإذا عُوتب أو نُصح احتج بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في حين أنه لا يلتفت في باقي الصلوات إلى ما ورد عنه، ولم يتأس به عليه الصلاة والسلام، ولم يأخذ بمجمل ما ورد عنه، فقد كان عليه الصلاة والسلام يطيل أحيانًا، فيقرأ من الطوال أو من المئين، لكنه كان إذا رفع إليه أن أحدًا أطال الصلاة بالناس وشق عليهم، يرشدهم دائمًا إلى التخفيف والتيسير والتبشير.
فإذن، مما يؤخذ من هذا أن على الإمام أن يراعي أحوال المصلين خلفه، وأن ينظر في مجمل ما ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يفقه أن ذلك لم يكن على سبيل اللزوم، وأن ينوع أيضًا في اتباعه لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القراءة، والله تعالى أعلم.
• هل لا بد أن يُحَجَّ عن المتوفى سواء أوصى أم لم يوصِ؟ خاصة إذا أوصى وهو فقير لم يترك مالًا كافيًا؟
هذه المسألة لها صور عديدة، الصورة الأولى: أن يوصي، فإن أوصى، فيجب أن تُنفَّذ الوصية، ويكون تنفيذها من أصل التركة، لا من الثلث، إن كان لم يؤدِّ حجة الفريضة في حياته، الصورة الثانية: إن كان لم يوصِ، وهي التي يُسأل عنها، إن كان لم يوصِ، فله أحوال، الحالة الأولى: إن كان غنيًا موسرًا في حياته، فهذا يعني أن فريضة الحج قد لزمته، ولذلك اختلف أهل العلم: هل يجب على ورثته من بعده أن يحجوا عنه؟ فمنهم من قال بلزوم ذلك عليهم، وأن يحجوا عنه من أصل التركة قبل تقسيمها، استنادًا إلى الأدلة التي فيها أن دين الله أحق أن يُقضى، فالحجة من حقوق الله تبارك وتعالى على عباده المستطيعين، حين تتوفر شروط الحج، فإن كان قد قصّر، فيؤدى هذا الحق عن الميت، وهذا هو القول عند بعض أهل العلم.
الحالة الثانية: قيل إنه إن لم يوصِ، فقد قَدِمَ إلى الملك العدل الحكيم سبحانه وتعالى، ولا يلزم الورثة شيء، لأنه لم يوصِ، وقد ضيّع الفريضة، نسأل الله تبارك وتعالى السلامة، ولا ينفعه أن يؤدوا عنه، لأنه لم يؤدِ عن نفسه، ولم يوصِ بالحج، القول الأول فيه مزيد بر بميتهم، إن كان في حياته موسرًا ممن لزمه الحج، وتحققت عنده الاستطاعة، أما إن كان فقيرًا معدمًا، فهذا لا يلزمه الحج، لا في حياته ولا بعد وفاته، لأن الحج إنما يجب، كما قال ربنا تبارك وتعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا".
فإن كان في حياته لم تكن عنده استطاعة، فارتفع تكليف الحج عنه، فهو معذور، وعلى هذا، فلا حاجة إلى أوليائه أن يأخذوا شيئًا من المال، لا سيما إن كان في الورثة قُصَّر، فهذا من باب أولى لا يجوز لهم، أما إن شاؤوا أن يتبرعوا، وكانوا بالغين راشدين من أموالهم أو من أنصبتهم، فلا حرج عليهم في ذلك، إن كان ذلك لا يؤثر على أدائهم لفريضة الحج، إن كانوا قد أدوا فريضة الحج، أو أنهم مستغنون عن تلك الأموال، فإنه يجوز لهم أن يتبرعوا له، أما من جهة اللزوم، فلا يلزمهم، هذه هي أغلب الصور فيما يظهر، والله تعالى أعلم.
• في قوله تعالى: " وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ"، يقول: ما الحكمة؟ ما الحكمة من إتيان "أو" مع أن الله تعالى يعلم عددهم بدقة؟
نعم، هذه أيضًا مسألة فيها كثير من المعاني، ولا بد من الطائفة التي ينبغي أن ينتبه إليها، وسيأتي بيان هذه المقدمة بعد قليل إن شاء الله تعالى، ذلك أن المفسرين قد اختلفوا في معنى "أو" هنا، فمنهم من قال بأن "أو" هي للإضراب، أي بمعنى: بل، فيكون معنى الآية الكريمة: "وأرسلناه إلى مئة ألف، بل يزيدون"، ومن المعاصرين من فسر هذا المعنى بأن من أرسل إليهم ابتداءً هم مائة ألف، ولكنهم لا شك يتكاثرون ويتناسلون، وهناك من يقبل عليهم داخلًا قابلًا لدعوة يونس عليه السلام، فيزيدون، وهذا قول كثير من المفسرين أن "بل" هنا للإضراب، فهي بمعنى أن "أو" هنا للإضراب، أي بمعنى: بل.
وقيل بأن "أو" هنا بمعنى الواو، بمعنى العطف: ويزيدون، وهذا معنى قريب أيضًا من المعنى المتقدم، أنهم مائة ألف، ولكنهم يزيدون، الآن، وجهان: الإضراب بمعنى بل، والعطف بالواو، أي بمعنى أن تأتي بمعنى الواو، هناك وجه ثالث، وهو أنها للتخيير، أي أن الناظر إليهم يخير، حينما ينظر إليهم، فإنه يتردد في عدتهم، فيمكن أن يقول بأنهم مائة ألف، أو أن يختار أنهم يزيدون عن مائة ألف، فيقولون بأن "أو" هنا على بابها أنها للتخيير، لكن بالنظر إلى الناظر إليهم، لا إلى إخبار الله تعالى عن عددهم، وهناك من يقول بأنها للشك.
أيضًا، على بابها أنها من المعاني الأصيلة، أو أن تكون للشك، أي أن الرأي إليهم يحذر عددهم، لا يمكن أن يصل إلى عدد يقطع به، وإنما يحذر أنهم مائة ألف، أو يحذر أنهم يزيدون عن مائة ألف، هذا ما قاله من قال بأنها بمعنى الشك، وقيل بأنها بمعنى الإباحة، والإباحة، أي أن الناظر إليهم أيضًا، بالنظر إلى الناظر إليهم، لا باعتبار المخبر الذي هو الرب سبحانه وتعالى، وإنما باعتبار النظر الناظر إليهم، فيباح له أن يقول بأنهم مائة ألف، ويباح له أن يقول بأنهم يزيدون عن مائة ألف.
هناك وجه سادس وهو: الإبهام، أن الله تبارك وتعالى أبهم عددهم، لا يريد أن يذكر عددهم بالدقة، فقال أنهم مائة ألف أو يزيدون عن مائة ألف، لكنهم قطعا لا ينقصون عن مائة ألف، هذا أيضًا للإبهام حتى لا يقال بأنه لا فائدة من الإبهام، لا، هناك فائدة من الإبهام، إذن هذه يعني ستة وجوه، أضاف بعضهم وجوهًا أخرى، لكن لسنا بحاجة إلى أن نختار من هذه الوجوه، والله تعالى أعلم.