وقّع الشاعر والصحفي الأردني حسين جلعاد أمس الاثنين مجموعته القصصية "عيون الغرقى" في المكتبة الوطنية بالعاصمة الأردنية عمّان، وربما ليست مصادفة أن يتضمن عنوان النص الأول "أسرار معلنة.. رجع أيلول"، مما يعني صدى الشهر التاسع سبتمبر/أيلول، بما يشير إلى تلك المرحلة الانتقالية بين الصيف والخريف، وفي معناه الأبعد ذلك التحول في الزمان والمكان والوعي.

هذه التحولات ليست سهلة، بل تعكس تخبط الشخصيات الحاضرة في المجموعة التي تروي القسوة في اكتشاف الواقع والتكيف معه أو مقاومته، وكذلك الألم في استيعاب ما يحدث من انتقالات وتبدلات.

وترسم القصص الأولى حكايات أطفال ومراهقين وشباب في مقتبل العمر، وهم يعيشون في المدينة التي تقترب في كثير من أوصافها من إربد، كما تتسم هذه الشخصيات برومانسيتها وجموحها وحماستها وتمردها.

يقول حسين في المجموعة "وكنت غافلا حينها عما يدور حولك وفوقك، كانت السماء عابسة، والإخوة في الغابات يقتتلون، وكان يمكن أيضا أن يصلك شواظ فتغادر العالم مبكرا، لكنك كنت غافلا عن كل ذلك تلهو بالأرض وتلتهم الأتربة والحصى الناعمة، من قال إذن إن الطفل لا يتذكر؟ وهو الذي يعي العالم منذ القبلة الأولى لرجل وامرأة يولمان لولد سيأتي ليحمل اسم السلالة ويقود القطيع".

قصص مرتبة موسيقيا

يتواصل السرد في هذا النص حول ذلك الطفل الذي يلهو ويطيّر طائرته الشراعية ويلتقط نداءات الحب الأولى ويعبث بالأشياء من حوله ببراءة، لكن الكاتب يكثف بعد ذلك التحول بالحديث عن انتقاله المبكر نحو الرجولة وأن العالم ليس هو الذي حفظه ذلك الطفل في الأناشيد الصباحية، ثمة مشهد أول حول ذلك العبور بما يكثفه من مشاعر الفقد والخسارات وصدمة مردها ذلك الزيف والبؤس لدى الكبار.

وفي قصة "الإسفلت والمطر" سيحدث ذاك العبور على نحو مختلف قليلا لكن يكرس الصورة الأساسية نفسها، حيث تعرّف الولد الصغير -الذي يعمل بائعا متجولا- حين تسلق سور الجامعة ورأى بعض الطلبة يغنون ويهتفون بمناسبة يوم الأرض، الكلمات التي سمعها لأول مرة "الأرض" و"الدم" و"الشهداء" أشعرته بالقشعريرة والخوف اللذين سيلازمانه وهو يهرب باتجاه بوابة الجامعة، فيما المظاهرات وراءه تصدح بالهتافات.

حفل توقيع مجموعة "عيون الغرقى" القصصية في المكتبة الوطنية بالعاصمة الأردنية عمّان (الجزيرة)

ويرى أستاذ الأدب والنقد العربي محمد عبيد الله أن المؤلف نظم فهرست القصص بمحاكاة أبجدية السلّم الموسيقي، ليوحي للقارئ بترابط القصص وبما بينها من صلات مهما بدا أنها مختلفة في ظاهرها، إلى جانب ما يوحي به السلّم من تصاعد وتنويع، ومن علاقة الكتابة بالموسيقى وبالشعر.

وأضاف عبيد الله أن "كل قصة هي درجة أو مرحلة من مراحل ذلك السلّم، أي أن هذا الاختيار يوجهنا لنقرأ القصص في هيئة سلّم سردي تقوم كل مفردة فيه بدور من الأدوار وتملأ فراغا زمنيا محددا، ومن جهة أخرى تعد هذه البادرة محاولة لخلق مناخ موحد يتجاوز القصص المتجاورة أو المتجمعة إلى صورة سردية أكثر وحدة وترابطا".

ويشير عبيد الله إلى أن مناخات القصص وأجواءها تعيدنا من خلال ذاكرة شخصياتها إلى أجواء تسعينيات القرن الماضي، النصف الأول من التسعينيات بوجه خاص، فكل ما فيها يعيدنا إلى ذلك المناخ المفخخ بالاحتمالات والتحولات، نهاية حقبة وبدء أخرى، ثمة خيوط سيرية (من السيرة الذاتية) تبرز فيها الأبعاد الذاتية والغنائية لهذه القصص، ولكنها نتف وخيوط متقطعة لا تتكامل ولا تتآزر لتكوين سيرة مكتملة أو وافية، وتستفيد من تقنيات القصة التي تميل إلى الاجتزاء وإلى الكثافة شأنها في هذا شأن السيرة الشعرية المتقطعة، إنها سيرة لأنها تحيل إلى الذات، ولكنها تنتقي ما يعنيها من تفاصيل وأحداث هامشية وخاصة، لكنها مؤثرة من منظور الشخصيات ومنظور المؤلف.

عوالم داخلية

في النصوص اللاحقة مثل "المساء يطير غربا" سنلحظ حدة العبور والتحول حيث تضيء أكثر صورة المثقف المكتئب والمحبط وكأنها تمثل حالة النضج التي وصل إليها ذاك الطفل، حيث يأتي في مقطع من القصة "بارع أنت في استشراف الأبعاد النفسية لطبيعة الوجوه البشرية، لا ترى من "جمالهم" إلا مقدار ما فعل الزمكان بعوالمهم الداخلية فهذبها وأكسبها بعدا إنسانيا، أو ربما حطمها فأكسبها مأساوية".

سنجد في قصة "الخريف والشبابيك القديمة" حالات أكثر حدة وعمقا لهذا المثقف، كما ستنتقل شخصية "عدنان" من المدينة التي شهدت صباه إلى تلك المدينة التي تقترب أوصافها من عمّان التي "تخذلها بالضجيج والأقنعة المستعارة" بوحشتها وبراعاتها على تخريب الناس والعلاقات بينهم، وسيحاصرها الحنين من جهة وتهمين عليها نزعة تأملية تشاؤمية من جهة أخرى.

تتلخص حالة العبور من الطفولة والرومانسية والبراءة والجموح إلى النضج وعالم الكبار، ومن الريف وإربد إلى العاصمة عمّان، ومن الطالب في بداياته إلى المثقف بما يمتلك من تصورات ومقولات ناجزة، بما يكتبه جلعاد في القصة نفسها: في الزمان الجميل كان عدنان أيوب يرى أن الطيور هي الإنسان عاشقا، وفي ما بعد أصبح الطيران يعني له أكثر من ذلك، إنه الخلاص العظيم، لكنه في الآونة الأخيرة صار يتجنب الأماكن العالية ليس لأنه عال بما يكفي، وإنما خوفا من أن يرمي نفسه في أي لحظة.

المصدر: الجزيرة

إقرأ أيضاً:

نائب: الحفاظ على الأمن والبناء والوعي رسائل مهمة بكلمة الرئيس السيسي

قال النائب إبراهيم الديب، عضو مجلس النواب، إن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى، خلال الاحتفال بالذكرى الـ 73 لعيد الشرطة، أكدت للجميع تضحيات رجال الشرطة عبر التاريخ فى حفظ الأمن والاستقرار ومقدرات الوطن، وأن الدولة المصرية لم ولن تنسى هذه التضحيات العظيمة، وأن الجميع يقدر هذه التضحيات الكبيرة فى سبيل الحفاظ على الوطن وحماية مقدراته، ونشر الأمن فى ربوع الجمهورية. 

وأوضح الديب، أن الرئيس تطرق فى حديثه للعديد من النقاط الجوهرية، بداية من التضحيات العظيمة لرجال الشرطة المصرية والقوات المسلحة البواسل فى الحفاظ على مؤسسات الدولة، وأن مصر لن تنسى شهداءها، وأن مصر تمتلك جيشا قويا وجهاز شرطة على أعلى مستوى ، ولكنها تنتهج سياسة القوى الرشيدة، وكانت وستظل دوما راية وداعية للسلام، وأن الصراع فى المنطقة لن ينتهى سوى من خلال التفاوض والجلوس على مائدة المفاوضات، وبدا ذلك بتكليل جهودها فى قرار وقف إطلاق النار فى قطاع غزة خلال الأيام القليلة الماضية. 

وأشار النائب إبراهيم الديب، إلى أن الرئيس تطرق فى كلمته ايضا، إلى أن الحفاظ على مقدرات الوطن فى الوقت الحالى يتطلب تضافر الجهود، وذلك من خلال الوعى، وعدم الانسياق خلف مؤامرات الغرض منها هدم مؤسسات الدولة وتشويه كل انجاز على ارض الواقع، وان المواطن شريك أساسى فى الحفاظ على الوطن والأمن القومى المصري، خاصة وأن المؤامرات تُحاك دوما ضد الدول ولم ولن تتوقف، ولكن الوعى سيظل أهم سلاح للتصدي لهذه المحاولات البائسة. 

وأكد النائب إبراهيم الديب، أن كلمة الرئيس السيسي، بمثابة رسائل طمأنة للمصريين خاصة فى ظل ما تشهده المنطقة من توتر وصراع، وذلك من خلال امتلاك جيش قوي وجهاز شرطة قادر على دحر الجريمة والقضاء على البؤر الإرهابية، ومؤسسات قوية قادرة على استكمال بناء الجمهورية الجديدة، والتصدي لأية محاولات قد يكون الغرض منها النيل من السيادة المصرية.

مقالات مشابهة

  • رسائل طوفان الأقصى تتجاوز الزمان والمكان
  • خالد الجندي: رحلة الإسراء والمعراج كانت خارجة عن نطاق الزمان والمكان المعروفين للبشر
  • رواية الوجع والجرأة للفلسطيني إياد شماسنة والوعي التاريخي
  • أطفال غزة في عيون الإمام الطيب.. شيخ الأزهر يكشف سرا عند استشهادهم
  • إجراء القرعة العاشرة على الأراضي التي تم توفيق أوضاعها بمنطقة الأمل بالعبور
  • إجراء القرعة العاشرة على الأراضي التي تم توفيق أوضاعها بمنطقة الأمل بالعبور الجديدة
  • صورة تحمل أكثر من دلالة.. فوزي لقجع يزور الأسطورة أحمد فرس ويُقبل رأس اللاعب الذي رفع الكأس الأفريقية الوحيدة للمغرب
  • نائب: الحفاظ على الأمن والبناء والوعي رسائل مهمة بكلمة الرئيس السيسي
  • إعلام إسرائيلي: رئيس جهاز الشاباك قد يقدم استقالته قريبًا
  • "عايز تمشي" تتصدر المشهد الفني.. نجاح جديد لحسين الجسمي بتوقيع محمد عاطف