صحيفة التغيير السودانية:
2025-03-31@23:07:59 GMT

محاربة الميليشيا بالميليشيات…!

تاريخ النشر: 16th, March 2024 GMT

محاربة الميليشيا بالميليشيات…!

فيصل محمد صالح

شهدت الحرب الدائرة في السودان تطوراً جديداً بتقدم قوات الجيش في منطقة أم درمان وسيطرتها على كامل منطقة شمال ووسط أم درمان، والتي تعرف باسم «أم درمان القديمة»، بينما بقيت سيطرة «قوات الدعم السريع» محصورة في منطقة جنوب أم درمان حتى خزان جبل أولياء. واستعادت قوات الجيش السيطرة على مباني الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، وهو نصر معنوي كبير، بجانب بعده العسكري، فقد ظلت الإذاعة والتلفزيون بكل محطاتها معطلة منذ اليوم الأول للحرب بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» على المبنى.

لكن لم تستطع هذه القوات تشغيل المحطات بسبب عدم وجود الكوادر الفنية، فظلت صامتة طوال 11 شهراً من الحرب.

أفضل ما في هذا الأمر، إن كان في الحرب إيجابيات، أن المعاينات الأولية توضح عدم تعرض المباني والاستوديوهات لأضرار كبيرة، وذلك لأن المعارك دارت خارجها بعد انسحاب «قوات الدعم السريع» منها، بما يعطي الأمل بأن أرشيفها لم يتعرض لأضرار أو تلف. وتشغل الإذاعة السودانية مكاناً مميزاً في ذاكرة السودانيين من كل أجيالهم، وهي تمثل سجلاً لتاريخ السودان المعاصر بمجالاته المتعددة، سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، إذ ظلت ولعقود طويلة، الجهاز الإعلامي الوحيد الذي يغطي كل السودان بمساحته الواسعة.

خلال الاحتفالات بانتصار الجيش، ظهرت مرة أخرى صور كتائب الحركة الإسلامية العسكرية، مع أناشيدهم وأهازيجهم وشعاراتهم المميزة تحت اسم «كتيبة البراء ابن مالك»، كما ظهرت صور قادتهم بالملابس العسكرية. أعادت هذه الصور والتسجيلات الأسئلة المطروحة منذ فترة حول دور كتائب الحركة الإسلامية في الحرب الدائرة الآن، منذ بدايتها، وعلاقاتها بدوائر صنع القرار السياسي، بخاصة مع التصريحات الأخيرة للأمين العام للحركة الإسلامية، علي كرتي، برفض أي هدنة مع «قوات الدعم السريع»، ثم تراجع قيادة الجيش عن اتفاقات المنامة، الأمر الذي من الواضح أنه حدث تحت ضغوط الحلفاء.

في نفس الأسبوع كان الفريق ياسر العطا، مساعد القائد العام للقوات المسلحة، يشهد تخريج قوات تابعة لحركتي العدل والمساواة – جبريل إبراهيم – وتحرير السودان جناح مصطفى طمبور، في مدينة القضارف، والإعلان أنها ستقاتل مع الجيش ضد «قوات الدعم السريع». وكانت «العدل والمساواة» قد فقدت معظم قواتها في دارفور بسبب انشقاق كبير وقع فيها، وحدث نفس الشيء لقوات طمبور، الذي لم يكن معروفاً قبل اندلاع الحرب. ومن الواضح أنه تم السماح لجبريل وطمبور بتجنيد مجموعات جديدة وضمها للحركتين ثم إلحاقها بمعسكرات تدريب بالقضارف.

هذه التجربة ليست جديدة، جربتها حكومات سابقة في مرات كثيرة وانتهت بكوارث، أكبرها على الإطلاق تجربة «قوات الدعم السريع» نفسها التي كونها الرئيس السابق عمر البشير لتساعده في حرب دارفور، ثم عدها قواته الخاصة التي تدين له بالولاء المطلق بعدما بدأ يفقد الثقة في ولاء بعض قيادات المؤتمر الوطني والجيش. تم إصدار قانون خاص لميليشيا «الدعم السريع» وأفردت لها ميزانية خاصة، وتم تدليل ضباطها وجنودها بالترقيات المفتوحة بلا مؤهلات والمرتبات العالية، مقارنة بالقوات المسلحة. وأهمل البشير وقادة القوات المسلحة، الجيش، بخاصة المشاة، وعدوا أن سلاح المشاة هو «قوات الدعم السريع»، ثم تم السماح لها بالأسلحة الثقيلة، وأعطيت الكثير من معسكرات ووحدات ومباني الجيش. وصارت «قوات الدعم السريع» هي القوة الباطشة لحكومة البشير، تقتل وتنهب وتغتصب وتحرق القرى، وتصفق لها الأقلام والحناجر، بل ووصل الأمر أن برر أمين عام سابق للحركة الإسلامية ما تقوم به من نهب ممتلكات المواطنين في دارفور، بأن ذلك نوع من الغنائم التي يحلها الإسلام.

ثم كبرت «قوات الدعم السريع»، وكبرت طموحات قائدها، وقرر أن يلعب أوراقه لصالحه وليس لصالح أي طرف آخر، وهنا بدا النزاع بينه وبين قيادات الحركة الإسلامية وقيادات الجيش. إنه الدرس القديم في التاريخ، أن تربي غولاً لتخيف به الخصوم، لكنه سرعان ما يكبر ويستخدم قوته لصالحه، فيبدأ بالانقضاض عليك أنت أيضاً.

وها هي قيادة القوات المسلحة الحالية تعيد نفس اللعبة، وبنفس شروطها القديمة، تضم كتائب الحركة الإسلامية والحركات المسلحة ليقاتلوا تحت صفوفها، مع قدر من الاستقلالية التنظيمية، على أساس أنه وبعد انتصار الجيش سيسلم هؤلاء سلاحهم، ويتركون الحكم لمن تقرره قيادة الجيش، ويعودون لبيوتهم مواطنين صالحين… طيبين!

الحقيقة أنه ما داموا شركاء في الحرب، ليسوا كأفراد تطوعوا للقتال في الجيش وإنما كأجسام ومؤسسات، فهم شركاء، الآن، وفي المستقبل، في القرار السياسي، بل وأكثر من ذلك، ربما يقررون الانفراد بالقرار السياسي والإطاحة بقيادة الجيش، ففي النفس أشياء من حتى، قديمة وحديثة.

هذه دروس التاريخ المطروحة في المكتبات وعلى الأرصفة لمن يريد أن يقرأ ويفهم.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

الوسومفيصل محمد صالح

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: فيصل محمد صالح قوات الدعم السریع الحرکة الإسلامیة أم درمان

إقرأ أيضاً:

السودان بعد استعادة الخرطوم.. تحديات استقرار البلاد وسط استمرار التوترات والفصائل المسلحة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

فى تطور كبير يشهده السودان، أعلن الجيش السودانى أنه قد تمكن من السيطرة الكاملة على العاصمة الخرطوم بعد أكثر من أسبوع من المعارك العنيفة التى شهدت تقدمًا لافتًا للقوات المسلحة فى عدة مناطق استراتيجية.

هذا الإعلان جاء بعد استعادة القصر الرئاسى من قبضة قوات الدعم السريع فى هجوم واسع شنته قوات الجيش على مواقع المليشيات فى قلب الخرطوم.

وفى بيان صادر، أكد المتحدث باسم الجيش السوداني، العميد نبيل عبدالله، أن القوات المسلحة قد "تمكنت من تطهير آخر جيوب لشراذم ميليشيا آل دقلو الإرهابية" فى محلية الخرطوم، فهذا التصريح الذى أطلقه جاء بعد أيام من المواجهات الدامية التى دارت فى عدة مناطق داخل العاصمة، لتضع بذلك نهاية تقريبية لأحد أطول فصول النزاع العسكرى فى تاريخ البلاد.

وأعلن قائد الجيش السوداني، عبدالفتاح البرهان، من داخل القصر الجمهورى أن الخرطوم تحررت من قبضة (قوات الدعم السريع)، وأن الأمر انتهى، فيما شوهدت أرتال من مشاة قوات الدعم السريع، وهى تتجه خارج الخرطوم عبر جسر جبل أولياء فى اتجاه ولاية النيل الأبيض.

وحط البرهان بطائرته الخاصة داخل مطار الخرطوم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب مع قوات الدعم السريع فى أبريل (نيسان) ٢٠٢٣، وقال البرهان وهو يتجول داخل القصر الجمهوري: الخرطوم حرة والأمر انتهى.

وفسَّر مراقبون هذا الانسحاب المفاجئ لقوات الدعم السريع، بسبب عدم قدرتهم على الحفاظ على المواقع التى يسيطرون عليها، والصمود طويلًا أمام الهجوم الكبير الذى شنه الجيش، ما دفعها للانسحاب بدلًا من الدخول فى معارك خاسرة.

يعود الصراع بين الجيش السودانى وقوات الدعم السريع إلى أبريل ٢٠٢٣، عندما اندلعت اشتباكات بين الطرفين نتيجة لخلافات عميقة بشأن الترتيبات السياسية والأمنية فى البلاد.

وعلى الرغم من أن قوات الدعم السريع كانت قد تزايدت قوتها ونفوذها فى السنوات الأخيرة، إلا أن الخلافات على القيادة والتأثير بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان قائد الجيش، ومحمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي" قائد قوات الدعم السريع، كانت الشرارة التى أشعلت الحرب.

ومنذ بداية الصراع، شهدت الخرطوم وعدد من المدن السودانية الأخرى معارك عنيفة تسببت فى سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى، كما أسفرت عن نزوح أعداد كبيرة من المدنيين إلى مناطق أكثر أمانًا داخل السودان أو عبر الحدود إلى الدول المجاورة مثل مصر وتشاد.

ومع مرور الوقت، بدأ الجيش السودانى فى تغيير استراتيجيته العسكرية فى مواجهة قوات الدعم السريع، حيث تكثف الجيش من عملياته العسكرية بشكل منظم، مستفيدًا من قواته البرية والجوية، وأطلق هجمات متزامنة على عدة مواقع فى العاصمة السودانية.

وتمكنت القوات المسلحة من استعادة القصر الرئاسى بشكل تدريجي، وسط تقارير عن معارك عنيفة فى أحياء مختلفة من الخرطوم.

وركز الجيش السودانى فى عملياته على القضاء على جيوب المليشيا وتفكيك شبكاتها العسكرية فى مناطق استراتيجية، وهو ما ساهم فى إحراز تقدم كبير نحو السيطرة الكاملة على المدينة.

وبينما كان الجيش يحقق تقدمًا ملحوظًا فى العاصمة، كانت قوات الدعم السريع تحاول مقاومة التقدم من خلال شن هجمات مضادة باستخدام أساليب غير تقليدية.

على الرغم من الانتصار العسكرى الذى حققه الجيش السودانى فى السيطرة على الخرطوم، فإن الوضع الإنسانى فى العاصمة يبدو مأساويًا للغاية.

فقد تسبب الصراع فى تدمير العديد من المنشآت المدنية، بما فى ذلك المنازل والمستشفيات والمدارس، كما ارتفعت أعداد القتلى والجرحى بشكل كبير نتيجة للقتال العنيف، وتعرضت الخرطوم لشلل تام فى الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء.

فى ظل هذه الظروف، يعيش المدنيون فى العاصمة السودانية حالة من القلق والترقب، حيث أن الاشتباكات لا تزال مستمرة فى بعض الأحياء، وسط تقارير عن مئات من المدنيين العالقين بين طرفى النزاع. 

علاوة على ذلك، فإن الأزمة الغذائية والإنسانية قد تفاقمت بسبب نقص الإمدادات الطبية والغذائية، مما يهدد حياة الآلاف من المواطنين.

وتستمر الأوضاع فى السودان فى جذب انتباه المجتمع الدولي، الذى أعرب عن قلقه العميق إزاء التصعيد العسكرى والأزمة الإنسانية فى البلاد، فقد أصدرت الأمم المتحدة تحذيرات من أن النزاع قد يتحول إلى أزمة إقليمية إذا استمر العنف فى الانتشار، حيث أن السودان يشترك فى حدود مع عدة دول تعانى من أوضاع أمنية غير مستقرة مثل تشاد وجنوب السودان.

وقد طالب العديد من الدول الغربية ومنظمات الإغاثة الدولية بضرورة وقف القتال فوريًا وتحقيق تسوية سياسية من خلال حوار بين الأطراف المتنازعة.

كما سعت بعض الدول العربية الكبرى إلى التدخل على الساحة الدبلوماسية لتهدئة الأوضاع، لكن الوضع يظل معقدًا للغاية بسبب استمرار التوترات بين الفصائل المختلفة فى السودان.

ورغم إعلان الجيش السودانى عن استعادة السيطرة على الخرطوم، فإن المستقبل السياسى للبلاد لا يزال غامضًا، حيث يتساءل العديد من المراقبين عما إذا كان الجيش قادرًا على بسط الاستقرار فى البلاد بعد هذه الحرب الطويلة، خاصة فى ظل وجود الكثير من الميليشيات المسلحة الأخرى التى قد لا تلتزم بالسلام.

إن التحدى الأكبر أمام السودان الآن هو كيف يتم بناء توافق سياسى بين القوى المختلفة، بما فى ذلك الجيش وقوات الدعم السريع، والحركات المسلحة الأخرى التى قد تكون لها مطالبها الخاصة.

بالإضافة إلى ذلك، يتعين على الحكومة السودانية المقبلة أن تتعامل مع التحديات الاقتصادية الهائلة وإعادة بناء المؤسسات الحكومية والإصلاحات السياسية التى تمثل مطلبًا شعبيًا كبيرًا فى البلاد.

ويرى مراقبون بأن الوضع فى السودان يدخل مرحلة حاسمة، حيث يتطلب الأمر جهودًا دولية وإقليمية مكثفة لضمان استقرار البلاد وتخفيف معاناة شعبها.

مقالات مشابهة

  • نائب رئيس حزب الأمة القومي إبراهيم الأمين: هناك فرق بين القوات المسلحة والحركة الإسلامية
  • الجيش السوداني يتقدم في الفاشر والدعم السريع يقصف المدينة
  • السودان بعد استعادة الخرطوم.. تحديات استقرار البلاد وسط استمرار التوترات والفصائل المسلحة
  • الجيش خاض أربع معارك رئيسية كانت سببا في انهيار الميليشيا في وسط السودان
  • البرهان: لا مصالحة مع "الدعم السريع".. وحميدتي: الحرب لم تنته بعد
  • السودان نحو التحرير.. الجيش يبسط السيطرة وأمريكا تعلن دعمها
  • كيف جهّزت قوات الدعم السريع للحرب قبل اندلاعها؟
  • السودان: مطالبة بإنقاذ طالبة من الإعدام لاتهامها كذباً بالتعاون مع الدعم السريع
  • قائد قوات درع السودان للجزيرة نت: نحتفل بالنصر والحسم يقترب بدارفور
  • أين اتجهت قوات الدعم السريع بعد الخروج من الخرطوم؟