ما هو اختراع الإسطرلاب.. كشف أثرى يعود للقرون الوسطى بعلامات عربية وعبرية يكشف رحلة العلم من العرب عبر اليهود وصولا لأوروبا
تاريخ النشر: 16th, March 2024 GMT
في بعض الأحيان، يمكن للقليل من التكنولوجيا الحديثة أن تساعد في اكتشاف كنز قديم، حتى لو كانت هذه التكنولوجيا ليست أكثر من مجرد شاشة كمبيوتر وبحث بسيط على الويب، وهذا ما حدث لفيدريكا جيجانتي، المؤرخة بجامعة كامبريدج البريطانية، ووذلك عندما كانت تعد محاضرة عن الأشخاص الذين يجمعون الفن والتحف الإسلامية، وكان أحد هؤلاء الجامعين نبيلًا إيطاليًا من القرن السابع عشر من فيرونا يُدعى لودوفيكو موسكاردو.
وتتذكر جيغانتي قائلاً: "لقد بحثت ببساطة عن اسمه في Google، وفكرت في أنني سألصق صورته على برنامج PowerPoint"، وبالفعل البحث على جوجل أخرج صورة شخصية له، ولكن البحث استدعى أيضًا صورة لغرفة من متحف مؤسسة Miniscalchi-Erizzo في فيرونا، إيطاليا، حيث تم تعليق تلك الصورة، وشيء ما في هذه الصورة لفت انتباه جيغانتي، وتقول: "لقد لاحظت شيئًا في الزاوية يشبه الإسطرلاب بشكل ملحوظ"، ومن هنا بدأت رحلة البحث عن تفاصيل تلك الصرة باستخدام التكنولوجية وفق ما رصده تقرير صحيفة NPR الأمريكية.
الإسطرلاب يكشف عن أسراره
وكانت الصورة تتضمن الإسطرلاب، وهو عبارة عن خريطة ثنائية الأبعاد للكون، كانت رائجة منذ عدة مئات من السنين، ويتكون هذا من مجموعة من الأطباق النحاسية المستديرة، كل منها ليس بحجم بيتزا صغيرة، وتقول جيغانتي إن الأسطرلابات تشبه أقدم الهواتف الذكية في العالم، وتشير العلامات الموجودة على أسطرلاب فيرونا إلى الوقت الذي كان فيه العلماء المسلمون واليهود والمسيحيون يعتمدون على أعمال بعضهم البعض.
وتقول: "بعملية حسابية واحدة بسيطة، يمكنك معرفة الوقت، ويمكنك التنبؤ في أي وقت سيكون غروب الشمس أو شروق الشمس، كما أنه يتيح لك حساب المسافات وتحديد مواقع النجوم، والتي يمكن استخدامها بعد ذلك لصنع الأبراج، وبالمناسبة، فهي أيضًا السبب وراء تحرك ساعاتنا في الاتجاه الذي نسميه الآن "باتجاه عقارب الساعة" - بدلاً من عكس اتجاه عقارب الساعة.
لم تكن جيغانتي تعرف ذلك في ذلك الوقت، لكن النقوش الموجودة على هذا الإسطرلاب ستسمح لها برسم رحلتها عبر قارتين خلال العصور الوسطى، وسوف تكشف عن حقبة كان فيها المسلمون واليهود والمسيحيون يبنون على الإنجازات الفكرية لبعضهم البعض. ونشرت اكتشافها في مجلة نونسيوس، وتقول بيترا شميدل، مؤرخة العلوم في جامعة إرلانجن-نورمبرغ والتي لم تشارك في البحث: "إن الأسطرلاب هو مثال رائع يوضح أن المعرفة كانت في حالة حركة دائمة، بالفعل في عصور ما قبل الحداثة".
رحلة صيفية إلى فيرونا والعودة للعهد الأندلسي
وبالعودة إلى جهاز الكمبيوتر الخاص بها، تعقبت جيغانتي صورًا أخرى لهذا الجسم. وتقول: "وعندها شعرت بالحماس الشديد لأنه كان جسمًا رائعًا حقًا، حيث كانت مغطاة بالنقوش العربية، واستنتجت أنه من المحتمل أن يكون أندلسيًا، مما يعني أنه تم إنشاء الإسطرلاب في جنوب إسبانيا خلال العصور الوسطى"، وبينما كانت جيغانتي تدقق في صور هذا الإسطرلاب، أدركت أنه لكي تفهمه بشكل أكبر - للإجابة على سؤال حول كيف انتهى إسطرلاب من إسبانيا في القرن الحادي عشر إلى متحف في فيرونا في القرن السابع عشر - كان عليها ببساطة رؤيته عن قرب، لذلك شقت طريقها إلى فيرونا في يوليو الماضي.
وقد كانت رحلة لا تُنسى، فأثناء وجوده هناك، ذهب جيغانتي لسماع الأوبرا في الساحة الخارجية وتناول الكثير من الآيس كريم اللذيذ، ولكن أفضل ما في الأمر هو الإسطرلاب الذي كان ينتظرها في المتحف، وتقول: "لقد تبين أن الأمر أكثر بكثير مما كنت أتمناه وتوقعته، فأولاً، رأت مؤشرات على أنها نشأت في القرن الحادي عشر، وهو الوقت الذي كانت فيه إسبانيا تحت الحكم الإسلامي وكانت أحد مراكز البحث العلمي والبحث الفلكي في العالم"، وتوضح جيغانتي أن "الأسطرلاب كان أداة شائعة إلى حد ما بين العلماء إلى جانب استخدامه في المجتمع، وربما في المساجد من قبل المؤذنين لحساب وقت الصلاة".
ولتشغيل الإسطرلاب، عليك أن تعرف خط العرض الذي تتواجد فيه. لذلك عندما فحصت جيغانتي صفيحة نحاسية إضافية تمت إضافتها إلى هذا الإسطرلاب في وقت لاحق ورأت أن لها خطي عرض جنوبيين أكثر، أخبرتها أن القطعة قد هاجرت، وتقول: "إذا كان علي أن أخمن، فهم على الأرجح مغاربة، وهذا يعني أن شخصًا ما في مرحلة معينة من حياة القطعة إما كان بحاجة للسفر إلى شمال إفريقيا أو العيش هناك".
ومضة من البصيرة ونقوش عبرية
وكانت الغرفة التي كان جيغانتي تفحص فيها الإسطرلاب تحتوي على نوافذ كبيرة، تدفق ضوء الشمس، وأضاء النحاس، وتقول: "فجأة، عندما قمت بتحريكه، لاحظت بعض الخدوش التي بدت وكأنها علامات مقصودة حقًا، وعندها فقط أدركت أن هذه الخدوش كانت في الواقع عبارة عن حروف لم تكن عربية أصلا، بل كانت عبرية"، وتوضح جيغانتي، أن هذه التوقيعات والترجمات كانت مكتوبة ربما بواسطة ثلاثة يهود مختلفين من مالكي الأسطرلاب، فهو دليل على أن القطعة انتقلت من أيدي المسلمين إلى أيدي اليهود – وأن المجموعتين كانتا تعيشان وتعملان جنبًا إلى جنب.
وتضيف: "إنها تكشف الطريقة التي استمر بها المجتمع اليهودي في استخدام هذا الشيء، على الرغم من أنه من الواضح أنه غرض إسلامي مخصص للمسلمين لخدمة شخص كان عليه أن يصلي خمس مرات في اليوم"، وتشير العلامات الإضافية إلى أن الإسطرلاب وقع على الأرجح في أيدي متحدث لاتيني أو إيطالي، ووجد طريقه إلى حيازة لودوفيكو موسكاردو، والذي أصبح في النهاية جزءًا من مجموعة المتحف في فيرونا، وتقول جيغانتي: "يمكننا قراءة كل هذا من الجسم نفسه، إنها شهادة على فترة من الوجود المشترك بين المسلمين واليهود والمسيحيين الذين استمروا في البناء على معرفة بعضهم البعض وتقدمهم".
اكتشاف جيجانتي أمر مثير
مارغريت جايدا، مؤرخة العلوم في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا والتي لم تشارك في الدراسة، تشيد باكتشاف جيجانتي، وتقول: "إنه أمر مثير حقًا، لأنه يوجد عدد قليل جدًا من الأسطرلابات التي تحتوي في الواقع على مثل هذا الدليل الواضح على التفاعل بين الثقافات، كما أن القدرة على ربط أحد الأسطرلاب بمكان وزمان معينين يمثل تحديًا حقيقيًا أيضًا، ولذا فإن وحقيقة أن فيديريكا كانت قادرة على القيام بذلك هي أيضًا جديرة بالملاحظة حقًا".
ووفقا لجيدا، فإن الأسطرلاب مثل هذا مهم لأنه يكشف عن لحظة كانت فيها التفاعلات بين المسلمين واليهود والمسيحيين في كثير من الأحيان بناءة، ومحددة من خلال تبادل الأفكار والعلوم، ويقول جايدا: "تذكرنا هذه الأشياء بأن لدينا تراثًا ثقافيًا علميًا مشتركًا وقويًا جدًا، لسبب واحد، ولسبب آخر: تم تحديد التفاعلات بين اليهود والمسيحيين والمسلمين من خلال احترام التقاليد الفكرية لبعضهم البعض وسلطة تلك التقاليد".
الاكتشاف يبدد اٍسطورة "العلم ولد بأوروبا بمعزل عن العالم"
وبحسب حديث جايدا للصحيفة الأمريكية، فقد ساعد الأسطرلاب في تبديد الأسطورة القائلة بأن العلم الحديث ولد في أوروبا بمعزل عن العالم الخارجي، ويوضح جيدا أن مساهمات العالم الإسلامي في مجال علم الفلك هائلة، وأيضًا علماء الفلك اليهود الذين عملوا خلال هذا الوقت، ثم تُرجمت العديد من هذه النصوص إلى اللاتينية، مما أدى في النهاية إلى كوبرنيكوس والثورة العلمية".
يوافق جيجانت، وتقول إن الإسطرلاب هو اختراع يوناني، لكن العالم الإسلامي هو الذي أتقنه وحوّله إلى هذه الأشياء غير العادية، وتسمح لنا الأسطرلابات بالنظر بعمق في هذه العوالم والأزمنة المختلفة، بينما نقشر طبقاتها العديدة من التاريخ والسفر والذاكرة، وتقول جيغانتي: "كلما نظرت إلى شيء واحد، كلما رأيت أشياء أكثر في بعض الأحيان، ويمكنك قراءة الكثير من الأشياء إذا كنت تعرف أين تبحث".
المصدر: صدى البلد
إقرأ أيضاً:
ملاحون عرب لم تسمعوا بهم
بقلم: كمال فتاح حيدر ..
مازلت ارى ان مقرراتنا المدرسية المخصصة لمادة التاريخ لم تكن موفقة في التعامل مع الملاحين العرب الذين كانوا روادا في الملاحة الساحلية والفلكية. ربما سمعتم بالربان شهاب الدين احمد بن ماجد، وسمعتم عن المهري وعن جاسم القطامي، لكنكم لم تسمعوا ولم تقرأوا عن الملاحين الذين انطلقوا من السواحل العمانية وتوجهوا نحو مرافئ الأندلس، ثم شقوا عباب بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) حتى وطأت أقدامهم أرض أمريكا قبل كولومبس بكثير. فإن كنتم لا تدرون يتعين عليكم ان تقرأوا كتاب: (العُمانيون اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولمبوس) للكاتب محمد الجويلي، وهو من إصدارات عام 2009. بإمكانكم الحصول عليه مجاناً بصيغة PDF. .
يعتقد الكثيرون اننا نمزح عندما نقول ان الملاحين العرب اكتشفوا امريكا قبل كولومبس، ولا يعلمون ان هذه الحقائق التاريخية اثيرت حولها التساؤلات داخل الولايات المتحدة نفسها، وذلك بمناسبة مرور خمسمائة سنة على مزاعم كولومبس، الذي لم يكن باستطاعته عبور المحيط الأطلسي لولا خرائط الملاحين العرب المكدسة في خزانة قرطبة، ثم عثر عليها الأسبان هناك بعد سقوط الأندلس سنة 1492. وهناك من ذهب إلى أبعد من ذلك بالقول أنّ الملاحين العرب رسموا خرائط السواحل الأمريكية المطلة على المحيط الهادي قبل رحلة كولمبس بسنوات. .
تؤكد الدلائل التاريخية أنّ الخليج العربي هو الحاضنة الأولى لكل الفنون البحرية في العالم. حيث اقتحم السومريون البحر منذ أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وكانت لهم الريادة في ترويضه وتطويعه. وكان عرب الخليج يسكنون المنطقة التي أطلق عليها السومريون تسمية (مجان)، ولهم الدور الفاعل في دفع الملاحة البحرية وصولا إلى أرقى درجات تطورها، ويعود لهم الفضل أيضاً في إقامة علاقات منتظمة مع شعوب بعيدة لا يصلهم بها إلاّ البحر. .
يقول المسعودي في كتابه مروج الذهب: (إنّ رجلاً من أهل الأندلس يُقال له خشخاش، وكان من فتيان قرطبة، جمع جماعةً من شبابها، وركب بهم مراكب أبحرت بهم في المحيط الأطلنطي، فغاب فيه ثم انثنى بغنائم واسعة، وخبَرُه مشهور عند أهل الأندلس)، كانت رحلة خشخاش بن الأسود من ميناء (ولبة) الأندلسية سنة 889 تقريبا، وقد أكد هذا الأمر الدكتور يوسف مروة، وأضاف: ذكر المؤرخ أبو بكر بن عمر القوطية: (أنه في عهد الخليفة هشام الثاني في الأندلس قام ابن فروخ، وهو بحّار عربي آخر من غرناطة، بالإبحار من مدينة قادس الأندلسية عام 999 إلى المحيط الأطلسي، ونزل في جزيرة غاندو (وهي من جزر الكناري الكبرى اليوم)، زائرا الملك غواناريجا، ثم اتجه غرباً، حيث رأى جزيرتين الأولى كابراريا، والثانية بويتانان ثم رجع إلى الأندلس في مايو عام 999). .
وهناك كلامٌ كثير في هذا الموضوع المهم، ولكن يبقى السؤال: متى يعترف الغرب بأفضال العرب عليهم ؟ الجواب: عندما يقدّر العرب أفضالهم على العالم، ويعيدوا بقوّةٍ ما فقدوه بسبب خمولهم وبعدهم عن العلم والاكتشافات. .
من المؤكد ان معظم العرب لا يعلمون شيئا عن الغارة البحرية التي شنتها السفن الليبية عام 1803 ضد السفينة الحربية الأمريكية يو إس إس فيلادلفيا (USS Philadelphia)، حتى وقعت في قبضة الدولة الحاكمة في طرابلس، وكانت تلك الغارة واحدة من سلسلة عمليات تضمنت حصارا بحريا فرضه العرب على السفن الأمريكية. وكان حاكم طرابلس (يوسف القرمانلي) هو الذي يبسط نفوذه على مسطحات البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. .
فأرسل الأمريكيون سفينتهم الحربية (فيلادلفيا) بقيادة الأميرال وليام بينبردج William Bainbridge لدك حصون القلاع الليبية، لكنها وقعت في الأسر مع طاقمها الذين يزيد تعدادهم على 300، وشكلت الحادثة صدمة لدى الكونغرس، وحصل يوسف باشا على سفينة من الطراز الأول، وأسر عددا كبيرا بينهم قباطنة بارزون، وهو ما استدعى اعطاء الاوامر باسترجاعها أو على الأقل حرقها في أسوء الحالات، وهذا ما حدث بعد أسابيع اذ تمكنت فرقة امريكية من حرقها خفية واعتبر حرقها لدى الأمريكيين عملا بطوليا وألهم مخيلة الشعراء والرسامين. .
كتب الكابتن وليام بينبردج وهو في الأسر إلى وزير البحرية الأمريكية يقول:
(تقهرني الظروف وتجبرني على الكتابة إليكم عن أسوأ خبر رأيته في حياتي وأنه لمن المؤلم أن أقول أن هذا الخبر هو فقدان البارجة فيلادلفيا التي كانت تحت قيادتي، وكم أتمنى أن يغفر لنا الجميع هذه الكارثة التي لا يمكن وصفها). .
هذا غيض من فيض، وبالتالي يتعين على الأكاديميات العربية تخصيص مقررات دراسية تسلط الأضواء على النشاطات الملاحية الرائدة. .