خبراء لـ"الرؤية": غياب "صغار المستثمرين" عن حضور الجمعيات العمومية للشركات المساهمة "يُهدر الحقوق"
تاريخ النشر: 16th, March 2024 GMT
◄ سلمان: صغار المستثمرين قادرون على تجميد قرارات "العمومية" وفق القانون
◄ الخصيبي: غياب الوعي الاستثماري وراء عزوف البعض عن حضور الجمعيات
◄ القمر: الكثير من المستثمرين لا يجيدون قراءة القوائم المالية للشركات
الرؤية- مريم البادية
مع بدء موسم انعقاد الجمعيات العمومية للشركات المدرجة في بورصة مسقط، والتي تشهد حاليًا ذروة انعقادها خلال مارس الجاري، يؤكد خبراء اقتصاديون أهمية حضور جميع المساهمين لهذه الاجتماعات، في ظل قلة الوعي بأهمية مثل هذه الجمعيات العمومية، خصوصًا لدى صغار المستثمرين، ضمانًا لحقوقهم التي كفلها لهم القانون,
وقال الخبراء في تصريحات لـ"الرؤية"- إن صغار المستثمرين يمكنهم تشكيل قوة تصويتية قادرة على محاسبة مجالس إدارة الشركات على المركز المالي وأصول الشركة ومستقبلها ومكافآت مجلس الإدارة والمطالبة بزيادة مستوى التوزيعات؛ سواء في صورة نقدية أو أسهم مجانية.
وأطلقت الهيئة العامة لسوق المال منذ عدة أسابيع حزمة توعوية لموسم انعقاد الجمعيات العامة السنوية، وذلك تحت وسم "حضورك يفرق" بهدف توعية المساهم بأهمية حضور الجمعية والتفاعل مع جدول أعمالها وممارسة حقه القانوني في التصويت على مقرراتها ومساءلة مجلس الإدارة ، وذلك عن طريق الاتصال المرئي من خلال منصة إدارة الجمعيات الإلكترونية والذي تشرف عليه شركة مسقط للمقاصة والإيداع، أو الحضور الشخصي في حالة انعقادها في مقر محدد.
منصة قانونية
ويقول مصطفى سلمان الرئيس التنفيذي لشركة المتحدة للاوراق المالية إن حضور الجمعيات العمومية يعد "ضروريًا جدًا" لكل المستثمرين؛ معللًا ذلك بأن الجمعية العمومية بمثابة المنصة الرئيسية القانونية التي توفر للمستثمرين فرصةَ لقاء ومراجعة أداء الادارة، وأن الإدارة مُلزمة قانونيًا بالإجابة عن كل الأسئلة التي تُطرح في هذه الاجتماعات. ويضيف سلمان أن أي مستثمر هو شريك كامل وقد دخل باستثمار، مهما كان صغيرًا؛ لكنه بالنسبة له مهم، وبالتالي فإنه من الواجب عليه أن يلتقي مع إدارة الشركة التي تدير الشركة التي يساهم في رأس مالها. ويوضح أنه من المحتمل ألا يتمكن كل مستثمر في التأثير على قرارات الجمعية العامة، لكنه على أقل تقدير يستطيع أن يأخذ قرارًا بأن يستمر في الاستثمار أو أن لا يستمر في الاستثمار، ويستطيع من خلال الاجتماع أن يُقيِّم إدارة الشركة وخططهم المستقبلية، ويسأل عن بعض الأمور غير الواضحة بالنسبة له في الميزانية، كما يحق له أن يسأل عن أعمال الشركة.
وتابع الرئيس التنفيذي للمتحدة للاوراق المالية أنه "إذا اعترض أو تساءل المستثمر عن بعض القرارات التي يتخذها مجلس الادارة بشكل غير مناسب لتوجهاته، فإن هذا سيساعده على اتخاذ قرار جدوى الاستثمار في هذه الشركة، وبالتالي يمكنه بيع استثماره والتخارج". ومضى سلمان قائلًا: "إن وجود الجمهور دائمًا يُسلِّط الضوء على أداء الإدارة ويجعل الإدارة عندما تأخذ قراراتها مستقبلًا، تكون حريصة على كل مستثمر، لما له من دور في التأثير على أداء الشركة". وأضاف أن القانون يعطي الحق للمساهمين المتحالفين بجمع 5% من الأصوات، لتجميد قرارات وإعادة دراستها عن طريق الهيئة العامة لسوق المال. وضرب سلمان مثالًا على ذلك بما شهدته شركة "عمان للاستثمار والتمويل"؛ حيث تم إيقاف قرار جوهري بالاندماج وتحويله من صغار المساهمين للمحكمة لدراسة أسباب الاعتراض.
عزوف المستثمرين
من جهته، يقول أسعد الخصيبي الخبير في الأسهم وأسواق المال، إن عزوف الكثير من المستثمرين عن حضور اجتماعات الجمعيات العمومية يعود لأسباب كثيرة؛ منها: أن بعضهم يمتلكون أسهمًا قليلة جدًا، إلى جانب غياب الوعي الاستثماري بين المستثمرين؛ حيث إن التثقيف الاستثماري للمستثمر مهم جدًا، كما إن حضور عدد كبير من صغار المساهمين للجمعيات قد يُغيِّر الكفة في حالة عدم اتفاقهم على بنود الجمعية. وأوضح أن ذلك حدث في إحدى الجمعيات العامة بعدم قبول المساهمين على بعض البنود المطروحة. وحول عدم الاستفادة من قرارات اجتماعات هذه الجمعيات، يؤكد الخصيبي أن أغلب الأسهم تمتلكها إما جهات حكومية أو كبار المستثمرين، في حين أن نسبة قليلة من الأسهم يمتلكها عدد كبير من المستثمرين، مشيرًا إلى أن الموافقة على قرارات الجمعيات يُؤخذ بالنسبة المئوية وليس بالعدد.
فيما يقول أحمد جاسم القمر المُتخصص في الاستثمار، إن الشركة تتأسس من خلال مجموعة من المستثمرين الذين يضخون لها الأموال، فكل مستثمر يأخذ الأسهم حسب الأموال التي وضعها، ثم بعد ذلك يعين هؤلاء المستثمرين مجلس إدارة وهو المسؤول عن إدارة الشركة بالنيابة عن المساهمين، لذا بنهاية كل سنة مالية تكون هناك دعوة لجمعية عمومية، وفي هذا الاجتماع يتم تقديم شرح مفصل لكل المساهمين عن أداء الشركة، لذا فإن هؤلاء المساهمين يجب أن يحضرون لهذه الاجتماعات لمعرفة نتائج الشركة ومساءلة مجلس الإدارة الذين انتخبهم أعضاء الجمعية العامة، ومن ثم محاسبتهم. ويؤكد أن هذا أهم دور يجب أن يقوم به المساهمون. غير أنه استدرك بالقول إن هذا الأمر يندُر في الكثير من الاجتماعات، مضيفًا: "ندخل في اجتماعات لجمعيات عمومية كثيرة منها شركات كبيرة ونجد الحضور قليل جدًا، وعادة ما نتفهم غياب المساهمين في اجتماعات الشركات الرابحة، ولكن لا يمكن تفهُّم غيابهم في اجتماعات الشركات الخاسرة". وتساءل: "لماذا لا يشاركون لمعرفة أين تذهب أموالهم؟".
ويعزو الخبير في أسواق المال السبب في ذلك إلى عدم معرفة المستثمرين بحقوقهم، مشيرًا إلى أن أغلبية صغار المساهمين ليس لديهم الوعي الكافي بحقوقهم كمساهمين في الشركات، كما إن بعضهم لا يجيد قراءة البيانات المالية للشركات المتعلقة بالأصول والقيمة الدفترية والعائد على السهم ومستويات الأرباح التاريخية وهيكل التمويل وآجال الاستحقاق وحجم التدفقات النقدية وفي المقابل يتجاهل قطاع كبير من مجالس إدارات الشركات الكشف عن الخطط التوسعية وتفاصيل المكافآت الممنوحة للرئيس وأعضاء المجلس والمخالفات من الجهات الرقابية (إن وجدت) لتنعقد العمومية في دقائق وتجري الأمور كما هو معتاد بالإعلان عن بنود الجمعية وإقرار التوزيعات سريعا.
وأشار أحمد جاسم القمر إلى أن صغار المساهمين يكتفون بالاجابات المقتضبة في الجمعيات العمومية من قبل مجالس الإدارات فإذا سأل أحدهم المسؤول عن مشروع يجيب عنه بحديث مقتضب ويكتفي المساهم بالاجابة دون ان يستفسر عن مواعيد التسليم والجاهزية وحجم السيولة وترسية المشروع وهيكل التمويل وآلية السداد والتأثير على البيانات المالية، مضيفا أنه من هنا تتزايد أهمية التوعية، من خلال توعية صغار المستثمرين بكيفية قراءة البيانات المالية، وبأن يتقدم المساهم بثقة مستخدما حقه في محاسبة مجالس إدارات الشركات اذا كان هناك ما يستدعي ذلك.
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الصلح خير.. لكن بأي ثمن؟!
صالح بن سعيد الحمداني
لطالما سمعنا عبارة "الصلح خير"، وهي بلا شك دعوة نبيلة تحمل في جوهرها قيم التسامح والتعايش. لكن في كثير من الأحيان، يتم إساءة استخدامها بطريقة تُفضي إلى ضياع الحقوق بدلاً من تحقيق العدالة. يُصبح الصلح، الذي يفترض أن يكون وسيلة لإنهاء النزاعات، أداة تُستخدم للضغط على المظلوم للتنازل عن حقه، بينما يُفلت الظالم من المحاسبة، بل وربما يخرج وكأنه لم يرتكب أي خطأ.
الصلح بين التوازن والانحياز عند وقوع خلاف بين طرفين، سواء كان ذلك بين أفراد أو جماعات، يُسارع المجتمع إلى دفع الطرفين للمصالحة. لكن المُشكلة تكمن في أنَّ هذا الضغط لا يكون متساويًا على الطرفين، بل يتركز غالبًا على الطرف الأضعف أو المظلوم، في حين يتم التساهل مع الطرف القوي أو الظالم.
والنتيجة؟ تصالح زائف لا يُعيد الحقوق ولا يُحقق العدل، بل يكرس الظلم ويشجع على تكراره.
في مثل هذه الحالات، يصبح "الصلح" وسيلة لإسكات المظلوم بدلاً من منحه حقه. يتم تجاهل مبدأ أساسي في العدالة، وهو أن الصلح لا يجب أن يكون بديلاً عن رد الحقوق. لا يُمكننا أن نضع الظالم والمظلوم في كفتي ميزان متساويتين ونطالب الطرفين بالتسامح بنفس القدر، بينما أحدهما هو الجاني والآخر هو الضحية.
"المخاجلة" و"المعانقة": أدوات لدفن الحقائق من أكثر الممارسات الشائعة في مجتمعاتنا هي محاولة حل النزاعات عن طريق "المخاجلة" أو "المعانقة". تأتي شخصيات اجتماعية أو وجهاء لحل النزاع، فيُطلب من المظلوم التنازل عن حقه "حفاظًا على العلاقات" أو "لأجل المصلحة العامة"، بينما يُطلب من الظالم تقديم اعتذار شكلي لا يلزمه بشيء فعلي.
هذا النوع من الحلول ليس سوى مُسكن مُؤقت يُخفي الجرح دون أن يعالجه. بل قد يُفاقم المشكلة لأنَّه يرسل رسالة واضحة إلى الجميع يمكنك أن تظلم الآخرين، فحتى لو تم كشف ظلمك، فإن أقصى ما ستواجهه هو جلسة صلح وانتهى الأمر!
الصلح الحقيقي رد الحقوق أولًا، الصلح ليس عملية عشوائية يتم فيها تجاوز الحقوق من أجل السلام الظاهري. الصلح الحقيقي يجب أن يقوم على مبادئ واضحة، أهمها في المقام الأول إقرار الظالم بظلمه لا يمكن أن يكون هناك صلح حقيقي دون اعتراف صريح من الجاني بخطئه.
ومن ثم يلي ذلك رد الحقوق إلى أصحابها، إذ لا يمكن اعتبار النزاع منتهيًا قبل أن يحصل المظلوم على حقه كاملًا، وبعد هذه الخطوة يأتي ضمان عدم تكرار الظلم، إذ يجب أن تتضمن أي مصالحة آليات لمنع تكرار الظلم، سواء من خلال تعويض مناسب أو عقوبة رادعة.
إذا لم تتحقق هذه الشروط، فإن "الصلح" لا يكون سوى خدعة تهدف إلى تهدئة الأمور على السطح، بينما يظل الجمر مشتعلًا تحت الرماد.
لماذا يجب أن نرفض الصلح الزائف؟
هناك عدة أسباب تجعلنا نعيد النظر في مفهوم "الصلح" عندما يكون على حساب العدالة ومن ببن هذه الأسباب إعطاء الشرعية للظلم عندما يتم الضغط على المظلوم ليتنازل عن حقه، فإننا نكرس فكرة أن الظلم يمكن أن يمر بلا عقاب.
وهذا يساهم في إضعاف المجتمع عندما يرى الناس أن الحقوق تُهدر باسم الصلح، فإنهم يفقدون الثقة في العدالة، مما يؤدي إلى تفاقم الشعور بالإحباط واليأس.
وأيضا هذا يجعل تكرار المظالم عندما لا يُحاسب الظالم، فإنه يشعر بأنه يستطيع تكرار فعلته دون عواقب، مما يؤدي إلى تفشي الظلم في المجتمع.
لكن ماذا لو جعلنا العدل أولًا، ثم الصلح؟
إذا كنَّا نريد أن يكون الصلح فعلًا وسيلة لإنهاء النزاعات بطريقة عادلة، فيجب أن يكون العدل مُقدمًا على المصالحة، لا يمكن أن نطلب من المظلوم الصفح قبل أن يُنصف، ولا يمكن أن نقبل بمساواة الظالم بالمظلوم بدعوى تحقيق السلام.
يجب أن نتذكر دائمًا أن السلام الحقيقي لا يأتي من دفن المشاكل تحت السجاد، بل من مُعالجتها بإنصاف، الصلح ليس مجرد اتفاق شكلي ينهي النزاع، بل هو آلية لإعادة التوازن إلى العلاقات الإنسانية، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا بُني على أسس العدل والإنصاف.
الصلح خير عندما يكون مبنيًا على رد الحقوق وتحقيق العدالة، لكنه يصبح ظلمًا آخر إذا استُخدم لإجبار المظلوم على التنازل عن حقه تحت الضغط المجتمعي. علينا أن نُعيد تعريف مفهوم الصلح في مجتمعاتنا، بحيث لا يكون وسيلة لتغطية الظلم، بل أداة لإنهاء النزاعات بطريقة تحفظ كرامة الجميع وتضمن تحقيق العدالة للجميع.