جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-05@21:11:16 GMT

ما تقولهُ الأصوات

تاريخ النشر: 16th, March 2024 GMT

ما تقولهُ الأصوات

 

د. صالح الفهدي

 

أرسلَ لي أحد الإخوة رسالة صوتية لأوَّلِ مرَّة، وليس بيني وبينه سابقُ معرفةٍ، بيدَ أَنني قرأتُ بعضَ سِماتِ المُرسل من خلالِ صوته، فاتَّضحت لي بعض معالم شخصيتهِ من نبراتِ صوته، وتضاعيفه، فرددتُ مُثنياً على خصالٍ فيهِ لا أعرفها عنه سوى ما بدا لي من صوته، فردَّ عليَّ الرجلُ الفاضلُ الذي أحالَ لي الرسالة بأَنَّ ما قُلتُ في صاحب الرسالة إنَّما يُعبِّرُ بالفعلِ عن ما يمتلكهُ الرجل في شخصيته من خصالٍ ومحامدَ وشمائل.

تذكَّرتُ أبيات الشاعر الأعمى بشَّار بن بُرد:

يا قَومِ أَذني لِبَعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ

وَالأُذنُ تَعشَقُ قَبلَ العَينِ أَحيانا

قالوا بِمَن لا تَرى تَهذي فَقُلتُ لَهُم

الأُذنُ كَالعَينِ تُؤتي القَلبَ ما كانا

هُنا أتوقَّفُ عند الصوت لأفردَ فيه مقالًا لأننا قليلًا ما نعتني بالصوت، ولأنَّ الصوتَ يعكسُ شخصية الإِنسان، وما يحملهُ من سِماتٍ شخصيَّة؛ فالصَّوتُ يُعرِّفكَ على الواثقِ أو المُتهوِّر، المطمئِّنِ أو الخائف، الآمن أو القَلِق، العفيف أو الوقح، صاحب الحجَّةِ أو معدَمها، النشيط أو الخامل، المتفائل أو اليائس.

وفي أثر الصوتِ على الإنسان فقد أخبرني أحد القُضاة بأنَّه كلَّما سمعَ أحد مقدِّمي البرامج في إذاعة مُعيَّنة -وهو لا يعرفه ولم ير حتى صورته- فإِنَّه يبادرُ إلى إِغلاق المذياع فورًا لأنَّ نفسه تنفرُ من صاحب الصوت، فقلتُ له: لقد صدقتَ فصاحبُ الصوت به صفاتٌ غير حميدة، ليست منعكسةً على صوتهِ فحسب بل وعلى حدَّة نظراتهِ، ولذاعةِ كلامه!!

لقد ضمَّنَ لقمان وصاياهُ إلى ابنه مستوى الصَّوت فقال له على لسانِ ربِّ العالمين: "وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير" (لقمان: 19)؛ أي اخفض من صوتك حين تتحدَّث إلى النَّاس، وشبَّه ارتفاع الصوت كنهيق الحمار!

إنَّ نفوسنا تطيبُ إلى صاحب الصوتِ الهادئ، الرَّزين، المتحدثِ بثقةٍ، دون نشازٍ في صوتهِ، كما أنها تبغض صاحب الصَّوتَ المرتفع الذي يمزِّق الآذان فتكرهُ سماعه، وتبغضُ الإنصات إليه وإن كان محتواه هادفًا!

لقد عَنيَ الله سبحانه وتعالى بأثرِ الصَّوتِ على نفوس الوالدين فقال سبحانه: "إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" (الإسراء: 23)؛ إذ إنّ رفع الصوتِ يؤذي الوالدين، ويجرحُ مشاعرهما، ويصيبهما بالكَمدِ والامتعاض.

يقول الشاعر الأمريكي روبرت فروست: "هناك أصوات تُضفي معاني أكثر على الكلمات"، وكدلالةٍ على ذلك فقد يقولُ الكلمات نفسها أشخاصٌ مختلفون لكنك تشعر بالرَّاحة حين تسمعها من بعضهم وتنفرُ من البعض الآخر! ولربما هذا ما يفرقُ بين قصيدةٍ يكتبها شاعرٌ، ويؤدِّيها فنَّانٌ بصوته الشجيِّ فيضفي إليها معاني ذات أثرٍ وعمقٍ وأحاسيس.

وفي الحقيقة فإِننا لا نكترثُ كثيرًا في تعليم أُسس الصوتِ عند الحديث أكان ذلك في البيوت أو المدارس والصوتُ هو واسطةُ الإنسان إلى الآخر، ووسيلة إيصال فكرتهِ، ورسالته، ومعانيه، فذات مرَّة قابلتُ إنسانًا بسيطًا في السُّوق فقال لي: يعجبني كلامك، قُلتُ ما الذي فيه يعجبك؟ فلم يعرف كيف يُعبِّر، فاستعان بيده ليلوِّح بها كالموجات المرتفعة والمنخفضة قائلا: كلامك يرتفع وينزل هكذا، فوصلني معنى ما يريدُ قوله.

لقد نشأ مجتمعنا على خلقِ خفضِ الصوتِ أمام الكبير لأنَّ علوَّ الصوت يخلُّ بأدب المتكلم، ويشي بقلة احترامه لمن يتكلَّمُ إليه، ويأتي في مقدِّمة من يحتَّم عدم رفع الصوت أمامهم الوالدين، والعلماء، والمعلمين، وأصحاب الإحسان والأدب، وهذا خُلقٌ حضَّ عليه الخالق سبحانه وتعالى في نصحه للمؤمنين: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ" (الحجرات: 2).

أقول إنَّ لدينا إشكالية تتعلَّقُ بالصوتِ في مجتمعنا؛ فالذين يتناقشون ترتفعُ أصواتهم دون أن يدركوا أن ارتفاع الصوت يعني ضعف الحجَّة، وليس قوَّتها، وأن صواب الأمر هو في إعلاء مستوى الكلمات التي تقوى بها الحجَّة، وليس في الأصوات العالية، فالعربة الفارغة تحدث ضجيجًا عاليًا، أم العربة المُمتلئة فلا تحدث صخبًا وهي تسير.

إنَّ العناية بمستوى الصوت أمرٌ أساسيُّ لشخصية الإِنسان وعلاقاته يقول الكاتب معاذ الشحمة:"إنَّ الصوت شيءٌ فريدٌ أكثرُ من البصمة، إنه يكشف عن شخصيتك ومزاجك واتجاهاتك ومشاعرك، في كل مرة تفتح فيها فمك لتتحدث، فإنك تعرض نفسك وأفكارك وبضاعتك وخدماتك".

صوت الابن يؤثِّر على مشاعر والديه، وصوت الطالب يؤثِّر على أحاسيس معلميه، وصوت الخطيبِ يؤثِّرُ على مستمعيه، وصوت المحاور يؤثر على محاوره، وصوت المسؤول يؤثرُ على موظفه والعكس من هؤلاء صحيح، لهذا فاعتناءُ كلُّ فردٍ بصوته مهم؛ فبصوتكَ قد تقنعُ الناس إن كان هادئًا ورزينًا، وقد تنفِّرهم منك إن كان مزعجًا وصاخبًا ووقحًا، وبصوتكَ إن كان لطيفًا ورفيقًا تجذبُ قلوب الناس، وتبعدهم عنك إن كان صوتكَ غليظًا وقاسيًا، يقول الحق سبحانه وتعالى موصيًا نبيَّه الأكرم: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (النحل: 125).

إنَّ تأثير الصوت على الناس أكبر من تأثير الكلمات، فنسبته 38% بينما نسبة الكلمات 7% ولهذا قد يؤثِّرُ خطيبٌ كلامه متواضعٌ على الناس بسبب صوته ولا يؤثر فيهم خطيبٌ يُلقي خطبةً عصماء!!

الشاهد أنَّ: القوة ليست في إعلاء الصوت وإنَّما في الحجَّة، والتأثيرُ ليس في الزمجرة والغلظة وإنَّما في منطقِ القول، والإِقناعُ ليس في رفع نبرة الصوتِ وإنما في الهدوءِ والفكرة.

يقول أحد المفكرين: "ما يقوله الإنسان من كلام جيد يقوله بصوتٍ لا يموت أبدًا"، فأحيوا أنفسكم بأصواتكم، وانتبهوا لها فهي تقول للآخرين الكثير عنكم.

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

من المضايف إلى المكاتب الإنتخابية: كيف تحولت العشائر إلى أدوات سياسية؟

بغداد اليوم - بغداد

في تحول لافت شهدته الدورات الانتخابية الأخيرة أصبحت العديد من المضايف في مختلف المناطق تتحول إلى مكاتب انتخابية تحت رعاية ما يُعرف بـ "المشيخة الجدد"، في خطوة تهدف إلى كسب أصوات العشائر، لجأت بعض الأحزاب إلى ترشيح أفراد من العشائر المؤثرة أو أبناء الشيوخ أنفسهم، مما يعكس تحالفات سياسية تعتمد بشكل أساسي على دعم الزعامات العشائرية. 

هذه الظاهرة تثير تساؤلات حول تأثير النفوذ العشائري على العملية السياسية، وتثير الجدل حول مدى تأثير هذه التكتلات في توجيه النتائج الانتخابية لصالح أطراف معينة.

المحلل السياسي عدنان التميمي أوضح ، اليوم السبت (5 نيسان 2025)، أن بعض المضايف تحولت إلى مكاتب انتخابية تحت رعاية "المشيخة الجدد"، مشيرًا إلى أن الأحزاب تستخدم أفراد العشائر أو أبناء الشيوخ لكسب أصوات العشيرة ودعمهم السياسي، مما يعزز تكتلات سياسية معينة.

وقال التميمي لـ"بغداد اليوم"، إن "الدورات الانتخابية الأخيرة كشفت أن من أهم عوامل بقاء القوى السياسية في المشهد الانتخابي والحفاظ على مكتسباتها هي اعتماد كل الوسائل المتاحة لكسب الأصوات، والحفاظ على وجودها داخل مجلس النواب، وبالتالي في الحكومة".

وأضاف أن "البُعد العشائري له تأثير كبير، وهو يمثل عاملاً مهماً في كسب الأصوات. لذا، لجأت القوى السياسية، خاصة الكبيرة منها، إلى ما يسمى بـ'المشيخة الجدد'، وهم شخصيات بدأت تظهر بشكل لافت، مستفيدة من المال السياسي وتأثيرها على المناطق الفقيرة والعشوائيات لتوجيه الناخبين نحو مرشحيهم وتكريس سيطرة سياسية محددة".

وأشار التميمي إلى أن "المشيخة الجدد هم في الغالب أشخاص عاديون يدعون المشيخة دون أي دلائل واضحة على ذلك، ويكثُر وجودهم في بعض المحافظات. هؤلاء استغلوا حاجة الأحزاب السياسية للأصوات وتوجهاتهم نحو الكسب المالي، وهو ما يفسر تحوّل البعض منهم إلى أطراف فاعلة، يتلقون أموالاً ضخمة مقابل أصواتهم في الانتخابات".

وأوضح أن "هذه العملية تعد بمثابة سمسرة سياسية ذات عوائد مالية كبيرة، فضلاً عن أنها تمنحهم نفوذًا متزايدًا في مناطقهم نتيجة قربهم من الأحزاب التي تمتلك أدواتها وسلطتها داخل مؤسسات الدولة. الأمر الذي يخلق مصلحة مشتركة".

وأكد أن "العديد من المضايف تحولت إلى مكاتب انتخابية خلال الدورات الانتخابية الأخيرة، تحت رعاية هؤلاء 'المشيخة الجدد'. مشيرًا إلى أن بعض الأحزاب لجأت إلى ترشيح أفراد من العشائر المؤثرة أو حتى أبناء الشيوخ أنفسهم، من أجل كسب أصوات العشيرة وتوجيه الدعم السياسي لهم، وهو ما يخلق مبررات لتأييد هذا التكتل السياسي".

وختم التميمي بالقول إن "القوى السياسية لا تتحرج في استخدام أي خطوة أو أداة من أجل كسب الأصوات، لأن الهدف النهائي هو الحصول على أكبر عدد من الأصوات في الصندوق الانتخابي، بعيدًا عن البرامج أو الرؤى الحقيقية التي من المفترض أن تضع حلولًا لملفات الأمن والاقتصاد والخدمات".

وتشكل العشيرة في العراق عقداً اجتماعياً ذا وظيفتين، اقتصادية ونفسية والعشيرة هي في أساسها الأول بنية بيولوجية تقوم على رابطة الدم والنسَب، وتعيد هذه الوظيفة إنتاج نفسها بشكل أحكام وأعراف وتقاليد وسلوكيات قائمة على التجانس العصبوي ضد العناصر الخارجية. 

وشكّلت النزاعات العشائرية في العراق إحدى أهم المشكلات التي واجهت حكام البلاد على مدى تاريخ الدولة العراقية، ما شجع الحكومات المتعاقبة، على ضم العشائر إلى العملية السياسية وإشراكها في القرار السياسي، وسُمح لها في ما بعد بالتسلح والمشاركة في الأحزاب والسلطة وامتلاك النفوذ السياسي.


مقالات مشابهة

  • نصائح مهمة للراغبين في شراء الذهب
  • من يقول كفى للإجرام الإسرائيلي؟
  • تكتب عن أحوال الأسرى المأساوية ومدى وحشية هؤلاء الجنجويد.. القحاطي يجيك ناطي يقول (..)
  • من المضايف إلى المكاتب الإنتخابية.. كيف تحولت العشائر إلى أدوات سياسية؟
  • من المضايف إلى المكاتب الإنتخابية: كيف تحولت العشائر إلى أدوات سياسية؟
  • 3 اصوات تصدرها السيارة تحذرك من مشاكل خطيرة.. اكتشف بنفسك
  • دقلو يقول أنهم بدأوا الحرب في المكان الخطأ
  • بهذه الكلمات.. فتحي عبدالوهاب ينعى زوجة نضال الشافعي
  • فتحي عبد الوهاب ينعى زوجة نضال الشافعي بهذه الكلمات
  • خلل في تحديث iOS 18.4 يعيد تطبيقات آيفون المحذوفة