لجريدة عمان:
2025-04-06@00:52:43 GMT

الأوقاف العمانية.. هوية وطنية مميزة

تاريخ النشر: 13th, March 2024 GMT

الأوقاف العمانية.. هوية وطنية مميزة

لكلّ مجتمع من المجتمعات البشرية هُوية تميزه عن المجتمعات الأخرى، تتشكل هذه الهوية عبر الزمن على أسس ومؤثرات عدة منها: عقيدته، وموروثه الثقافي والسياسي، وتأثير الجغرافيا والمناخ على حياته، ومستوى تفاعله الحضاري مع الآخر، تنصهر كل تلك المؤثرات لتصبح طابعًا خاصًا ومميزًا لكل مجتمع، فتنعكس على إنتاجه الحضاري في الجوانب الفكرية، والمادية والثقافية، والعمرانية وغيرها، فتظهر في مفرداته الثقافية، وأَعْلامه، ومعالمه، وعاداته، وعمرانه، ومأكله، وملبسه، وتعامله مع الآخر وفي غير ذلك مما يعكس الصورة العامة لذلك المجتمع.

يعد الوقف أحد المنجزات الحضارية التي تفننت المجتمعات المسلمة في ابتكار الجديد والمفيد فيها من حيث أبواب الوقف، والمال الموقوف وإدارته، وذلك وفقا للاحتياجات المختلفة والمتجددة لتلك المجتمعات عبر مرور الزمان واختلاف المكان، الأمر الذي أكسب الوقف تنوعا كبيرا، وثراء ظاهرا في طبيعته ومفرداته، نظرا لانعكاس هوية كل مجتمع من المجتمعات على جوانب الوقف فيها، وهو ما يمكن ملاحظته في الأوقاف العمانية التي عكست بشكل واضح هوية المجتمع العماني من حيث طبيعة النشاط الاقتصادي للمجتمع، وعاداته وتقاليده، واحتياجاته التي فرضتها طبيعة الحياة فيه.

تُعد النخلة والفلج من الرموز الحضارية التي تُعبّر بالضرورة عن الهوية الاقتصادية عموما، الزراعية خصوصا، في سلطنة عُمان عبر تاريخها الطويل، ففي كل القرى العمانية تقريبا توجد النخلة أو الفلج أو كلاهما، وشكلا العمود الفقري لاقتصاد الإنسان العماني لكونهما ركيزتين مهمتين للأمن الغذائي والمائي في البلاد، ولما يمثلانه من استدامة للعطاء؛ لذلك كان من الطبيعي جدا أن يشكلا عنصرا مهما في الوقف في عمان، حتى في مسندم.. البلد الذي تُعد فيه الأرض الزراعية شحيحة نظرا لطبيعة البلاد بين الجبل والبحر والوادي؛ كانت النخلة حاضرة في الوقف وعلامة مميزة جادت بها اليد العمانية في سبيل الخير. فكانت (النخلة، أو الجلبة، أو المال) إلى جانب (الأثر) من ماء الفلج دعامة الوقف، وعلامته المميزة في الأوقاف العمانية، ويعد وقف الإمام وراث بن كعب (ت: 192هـ/807م) لأمواله ونخله في وادي بني خروص - منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة مضت - علما بارزا لأوقاف النخل، كما أن وقف الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي (ت: 1091هـ/1680م)، لتسعة وعشرين أثرا من ماء فلج دارس - أحد أكبر الأفلاج العمانية وأهمهما- يعد علامة بارزة لأوقاف مياه الأفلاج، وبالنخلة والفلج أصبح (المال الأخضر) أكثر الأصول الموقوفة في عمان.

لم يقتصر تأثير الهوية العمانية على الأوقاف في جانب الأصول (النخلة والفلج)، فقد تعددت الجهات الموقوف لها والتي تعكس هوية المجتمع العماني، فالشواء الذي يعد ركنًا أصيلًا في احتفالات الأعياد في عمان والذي يتطلب تحضيره مادة (الخل) وحفرة (التنور)، كان حاضرا في الأوقاف العمانية ففي كثير من القرى العمانية وجدت أوقاف الخل، والتي تمثلت في وقف نخيل يصنع من تمرها الخل، إضافة إلى وجود أوان فخارية (الخروس) لحفظ الخل، كما وقفت أوقافا مخصصة لتجديد تلك الأواني حال تكسرها، أما حفر التنور فقد وقف لها أوقافا لصيانتها، وتجهيزها، وتوفير ما تحتاجه من الحطب، ويعد وقف المنفقة عائشة بنت محمد بن يوسف العبرية (ق12هـ/18م) بستان نخل مع ما يحتاجه من الماء لصناعة الخل بولاية الحمراء مثالا واحدا من عشرات الأمثلة لهذا النوع المميز من الأوقاف، كما أن أوقاف التنور حاضرة في كثير من حارات المدن العمانية التقليدية مثل نزوى والرستاق وبهلا وأدم وغيرها.

وفي صلالة، الحاضرة التي تربط صحراء ظفار وجبلها بالبحر وما ورائه من عوالم، كان للمجتمع احتياجاته المتعددة التي انعكست بطبيعة الحال على الوقف، لاسيما احتياجات المسافرين على الطرق التي تربط السهل بالجبل والصحراء فكانت أن برزت ملامح نوع آخر من الأوقاف النابعة من الهوية العمانية، ألا وهو أوقاف (الزوايا)، والزاوية قبة صغيرة، تبنى لتظلل حوضا للماء بهدف حفظ نظافته، وتبريده ليكون مناسبا للشرب، تكون الزوايا عادة ملحقة الجوامع الكبيرة في الحارات، أو تبنى خارج المدينة على الطرق العامة التي تربط بين المدن والقرى. ترتبط الزاوية ببئر ماء، وبأوقاف أخرى لخدمتها (صيانة الزاوية، وحفر البئر، ونزف الماء، ولشراء الحبال والدلاء وما تحتاجه الزاوية من متطلبات)، كما أصبح طابعها العمراني المميز بالقبة؛ علامة بارزة لاسترشاد المسافر والمحتاج إلى مكانها، ويعد وقف الحَبُوبَة فاطمة (ق14هـ/20م) في المنطقة المعروفة اليوم بـ(الزاوية) في مدينة صلالة شاهدا مهما على هذا النوع من الأوقاف العمانية.

إن الأسس التي قامت عليها الأوقاف العمانية نابعة بلا شك من أركان الشعيرة التعبدية التي تعد موجها لجميع الأوقاف في البلاد الإسلامية، فلا تختلف عنها في جوهرها، إلا أن لها طابعها المميز الذي اكتسبته من تأثير هوية المجتمع العماني واحتياجاته عبر التاريخ، في طبيعة المال الموقوف، والجهات الموقوف لها.

د. خالد بن محمد الرحبي: باحث في التاريخ الحضاري العُماني عموما، والوقف على وجه الخصوص.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: التی ت

إقرأ أيضاً:

الهند تُقر تعديلات مثيرة للجدل تتعلق بالوقف الإسلامي.. هذه طبيعتها وتداعياتها

في خطوة أثارت جدلاً واسعًا في الهند، أقرّ البرلمان الهندي تعديلات مثيرة على قانون قديم يتعلق بإدارة ممتلكات الوقف الإسلامي، بعد مناقشات مطولة في مجلسي النواب والشيوخ. هذه التعديلات تأتي في وقت حساس وتستهدف بشكل رئيسي منح الحكومة الفيدرالية سلطات موسعة لإدارة ممتلكات الوقف، وهي أراضٍ وعقارات تم تخصيصها من قِبل المسلمين لأغراض دينية أو خيرية أو تعليمية.

التعديلات الجديدة.. سلطات موسعة للحكومة الفيدرالية

تُعتبر ممتلكات الوقف جزءًا هامًا من التراث الإسلامي في الهند، حيث يتم استخدامها في بناء المساجد والمدارس والمراكز المجتمعية، كما يتبرع العديد من المسلمين بتلك الممتلكات، في كثير من الأحيان، بشكل شفهي. وكانت هذه الممتلكات قد خضعت في الماضي لإدارة مجالس وقفية محلية يتم انتخابها من المسلمين أنفسهم.

مع ذلك، وبموجب التعديلات التي أُقرت أخيرًا، تم منح الحكومة الفيدرالية سلطات أكبر في إدارة هذه الممتلكات. من بين أبرز التعديلات المثيرة للجدل هو السماح لغير المسلمين بتولي مناصب رئيسية في مجالس الوقف، وهو إجراء لاقى رفضًا شديدًا من قبل قطاعات كبيرة من المجتمع الهندي، خصوصًا من جانب الأحزاب المعارضة وبعض الحلفاء التقليديين للحكومة.

تبعات إقرار القانون والاعتراضات السياسية

تم تمرير مشروع القانون في البرلمان بعد موافقة مجلس النواب عليه في اليوم السابق، حيث أُعيد عرضه في مجلس الشيوخ وسط اعتراضات شديدة من الأحزاب السياسية المعارضة. هذه التعديلات لاقت رفضًا واسعًا من القوى السياسية الإسلامية، ومنظمات المجتمع المدني التي اعتبرت أنها تُمثل تدخلًا حكوميًا في شؤون المسلمين الدينية والاجتماعية.

وأدت التعديلات إلى استقالات داخل أحد الأحزاب المتحالفة مع الحكومة، وهي مؤشر على التأثير الكبير لهذه التغييرات على التحالفات السياسية في الهند. هذه الاستقالات تعكس حجم الانقسام الذي أحدثه إقرار هذا القانون في الساحة السياسية الهندية.

تزايد الرقابة الحكومية على ممتلكات الوقف

من بين أبرز النقاط التي أثارت القلق، هو التشديد على ضرورة تقديم مجالس الوقف مستندات قانونية رسمية لإثبات ملكيتها للممتلكات التي تديرها، وإلا فقد يتم تحويل ملكيتها إلى الحكومة. ووفقًا للتعديلات، سيتعين على مجالس الوقف، خلال عمليات المسح العقاري، أن تقدم وثائق قانونية معتمدة من السلطات الحكومية لإثبات ملكية الأراضي المخصصة للوقف. وفي حال عدم تقديم هذه الوثائق، سيكون من الممكن أن يتم الاستحواذ على هذه الممتلكات لصالح الحكومة.

كما يشمل القانون الجديد إمكانية استرداد الأراضي التي كانت قد خصصت في وقت سابق للوقف، ولكنها لا تزال مملوكة للدولة. ويُوسع القانون من صلاحيات الحكومة الفيدرالية في عمليات تسجيل وتدقيق ممتلكات الوقف، مما قد يؤدي إلى مزيد من التدخل الحكومي في إدارة هذه الممتلكات.

ردود فعل متباينة في المجتمع الهندي

هذه التعديلات أثارت ردود فعل متباينة في المجتمع الهندي، حيث اعتبر الكثيرون أن هذه الخطوات هي محاولة لتقليص الدور الديني والاجتماعي للوقف الإسلامي، الذي يعتبر جزءًا من البنية التحتية للمجتمعات الإسلامية في الهند. في المقابل، يرى البعض أن هذه التعديلات ضرورية لضمان الشفافية وضبط إدارة الممتلكات الوقفية، والتي كانت في الماضي تحت إدارة مجالس محلية قد تكون عرضة للمشاكل الإدارية.

إقرار هذه التعديلات يعد خطوة مهمة في مسار تطور إدارة الممتلكات الوقفية في الهند، لكنها في الوقت ذاته تثير العديد من الأسئلة حول تأثيرها على حقوق المسلمين في إدارة شؤونهم الدينية والاجتماعية. وفي حين يرى البعض أن التعديلات ضرورية من أجل تحسين الشفافية والتنظيم، فإن آخرين يعتبرونها تدخلًا حكوميًا غير مبرر في الشؤون الإسلامية، قد يؤدي إلى تشديد الرقابة على الممتلكات الوقفية واستهداف بعض حقوق المسلمين التاريخية في البلاد.




عدد المسلمين في الهند

تُعتبر الهند من أكبر الدول ذات الأغلبية غير المسلمة في العالم، ولكنها تضم أيضًا أكبر عدد من المسلمين في العالم بعد إندونيسيا. وفقًا للتعداد السكاني الأخير في الهند (2021)، يُقدر عدد المسلمين في الهند بحوالي 200 مليون نسمة، أي ما يعادل تقريبًا 14.2% من إجمالي سكان الهند. ويجعل هذا العدد المسلمين أكبر أقلية دينية في الهند، حيث يُمثلون نسبة كبيرة من السكان في ولايات معينة مثل أوتار براديش وبيهار وكيرالا والبنجاب.

التحديات التي يواجهها المسلمون في الهند:

يشهد المسلمون في الهند تمييزًا اجتماعيًا وسياسيًا متزايدًا في ظل تزايد اليمين الهندوسي في السياسة. منظمات مثل حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم، والذي يتبنى أجندة هندوسية قوية، قد تتبنى سياسات قد تؤدي إلى تهميش المسلمين وتعميق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بينهم وبين الأغلبية الهندوسية.

في السنوات الأخيرة، تصاعدت حوادث العنف الطائفي ضد المسلمين، خاصة بعد توترات مثل أعمال الشغب في "دلهي" 2020، حيث أُفيد بتورط أفراد من جماعات هندوسية متطرفة في الاعتداءات ضد المسلمين.

التمييز الاقتصادي والاجتماعي:

غالبًا ما يعاني المسلمون في الهند من الفقر والبطالة، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن نسبة الفقر بين المسلمين في الهند أعلى من غيرهم من الطوائف الدينية. كما يواجهون تحديات في الحصول على التعليم الجيد والرعاية الصحية، مما يساهم في تعزيز التهميش الاجتماعي.

تشير بعض الدراسات أيضًا إلى أن المسلمين في الهند يعانون من انخفاض مستويات تمثيلهم في القطاعين العام والخاص، ولا سيما في المناصب الحكومية العليا.

القوانين والسياسات المتحيزة:

هناك قلق متزايد بين المسلمين في الهند من بعض السياسات والقوانين التي يعتبرونها تمييزية. على سبيل المثال، قانون تعديل المواطنة (CAA) الذي أقرته الحكومة الهندية في 2019 والذي يسمح بتقديم الجنسية للأشخاص من ديانات غير المسلمين من ثلاث دول مجاورة (بنغلاديش وباكستان وأفغانستان) ولكن مع استثناء المسلمين. وقد اعتبر هذا القانون من قبل العديد من المسلمين وجماعات حقوق الإنسان بمثابة تمييز ديني.

بالإضافة إلى ذلك، يتمسك العديد من المسلمين بتقليد الزواج الإسلامي والشريعة في قضايا الطلاق والميراث، لكن بعض المحاكم الهندية لا تعترف ببعض جوانب هذه القوانين التقليدية، مما يسبب مشاكل قانونية للمسلمين.

التعليم والتوظيف:

يعاني المسلمون في الهند من انخفاض في معدلات التعليم مقارنة بالأغلبية الهندوسية. ويرتبط هذا غالبًا بالفقر والعزلة الاجتماعية التي تعيش فيها العديد من الأسر المسلمة. كما أن فرص التوظيف في القطاع العام محدودة بسبب التمييز على أساس الدين.

رغم وجود عدد من المبادرات الحكومية لتحسين التعليم في المناطق المسلمة، إلا أن التحديات ما زالت قائمة، خاصة في المناطق الريفية.

التهديدات الدينية والعنف الطائفي:

على مر السنين، تعرض المسلمون في الهند لعدة موجات من العنف الطائفي من قبل جماعات متطرفة هندوسية. العديد من المسلمين يشعرون بالتهديد من تصاعد اليمين الهندوسي، الذي يسعى إلى فرض هوية هندوسية على البلاد وتقليص حرية الدين للمسلمين.

في السنوات الأخيرة، ازدادت الهجمات على المساجد والأماكن المقدسة للمسلمين، كما شهدت بعض المناطق ازديادًا في الهجمات على المسلمين بسبب التوترات حول موضوعات مثل "الذبح" و"اللحوم الحلال".

على الرغم من أن المسلمين في الهند يشكلون جزءًا كبيرًا من السكان، إلا أنهم يواجهون تحديات كبيرة تتعلق بالتمييز الديني، والفقر، والتعليم، والمشاركة السياسية. في ظل هذه التحديات، يستمر المسلمون في الهند في محاولات للدفاع عن حقوقهم والتصدي للسياسات التي يعتبرونها مجحفة، مع السعي لضمان مكانتهم المتساوية في المجتمع الهندي.




مقالات مشابهة

  • صورة مميزة لمطار الرياض قديما
  • البرلمان الهندي يقر قانوناً يمنح الحكومة سيطرة على ممتلكات الوقف الإسلامي
  • وزير الإسكان يصدر حزمة توجيهات لمسئولي هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة
  • الهند تُقر تعديلات مثيرة للجدل تتعلق بالوقف الإسلامي.. هذه طبيعتها وتداعياتها
  • وزير الإسكان يتابع ملفات العمل بـ"المجتمعات العمرانية الجديدة".. ويصدر حزمة من التوجيهات
  • الوقف الإسلامي.. تعديلات قانونية تفجر انقساماً سياسياً في الهند
  • زيارات العيد .. إرث اجتماعي راسخ في الثقافة العمانية
  • كرة اليد العمانية بين الواقع والطموح !
  • تحقيقات موسعة فى واقعة انهيار عقار الجمرك بالإسكندرية.. بعد مصرع أم وأبنائها
  • هل يفتقر العراق الى رموز وطنية؟