إعداد: فرانس24 تابِع | طاهر هاني إعلان اقرأ المزيد

منذ أن تم تداول اسمها على أنها قد تغني في افتتاح أولمبياد باريس 2024، تحولت مغنية موسيقى الراب آية ناكامورا إلى كابوس لليمين المتطرف الفرنسي، لا سيما أنصار حزب "الاسترداد" التابع لإيريك زمور الذين لم يكفوا عن مهاجمتها وانتقادها.

القصة بدأت عندما نشرت الصحافة الفرنسية خبر اللقاء الذي جرى بين الرئيس إيمانويل ماكرون وهذه المغنية الفرنسية من أصول مالية وإمكانية مشاركتها في مراسيم افتتاح الألعاب الأولمبية بأداء أغنية للفنانة الفرنسية الراحلة إديت بياف.

لكن لم يؤكد أي طرف الخبر.

ومنذ نشر هذا الخبر، لم يمر يوم واحد بدون أن تتعرض آية ناكامورا إلى هجمات وانتقادات عنصرية من قبل أنصار أحزاب اليمين المتطرف. فخلال مهرجان انتخابي نظمه حزب "الاسترداد" في باريس نهاية الأسبوع الماضي لتوعية الفرنسيين حول أهمية الانتخابات الأوروبية، رفع المشاركون في هذا التجمع لافتة كتب عليها "لا توجد وسيلة يا آية. نحن في باريس ليس في سوق باماكو".

اقرأ أيضابوب ديلان ملاحق قضائيا في فرنسا بسبب تصريحات "مهينة" ضد الكروات

عبارة "لا توجد وسيلة" استقاها المشاركون في المهرجان الانتخابي لإيريك زمور من أغنية "جاجا"، التي كتبتها المغنية الفرنسية ولاقت رواجا كبيرا إذ استمع إليها أكثر من 950 مليون شخص في العالم. وأغنية "جاجا" تروي قصة رجل يحاول أن يكسب من جديد محبة وعشق حبيبته بعد انفصالهما.

"هل أدين لكم بشيء؟ طبعا لا"

فيما أضافت ماريون ماريشال لوبان في حوار مع قناة "بي إف إم تي في"، والتي ستقود غمار الانتخابات الأوروبية باسم حزب إيريك زمور: "هذه المغنية سواء كنا نحبها أو لا، يجب ألا تغني باللغة الفرنسية ولا تمثل اللغة الفرنسية". وأضافت في خطوة لانتقاد موسيقى "الراب" التي تغني بها آية ناكامورا: "ثقافة الفرنسيين في ميدان الموسيقى هي ثقافة سمفونية".

فيما تساءلت: "هل المغنية آية ناكامورا تمثل الثقافة والأناقة الفرنسية؟"، مجيبة في الوقت نفسه على سؤالها "يبدو أن 63 بالمئة من الفرنسيين المستطلعين أجابوا بلا. لهذا أقول بأن اختيار هذه المغنية لتمثيل فرنسا خلال أولمبياد باريس 2024 هو قرار سياسي محض. هدفه إظهار فرنسا على أنها بلد الهجرة والتعددية الثقافية وليس ذلك البلد الأبدي والتاريخي والمحافظ".

وردت المغنية على هذه الهجمات التي وصفت من قبل العديد بـ "العنصرية"، حيث كتبت على مواقع التواصل الاجتماعي: "يمكنكم أن تكونوا عنصريين لكن لا تستطيعون أن تكونوا صم. الشيء الذي يزعجكم هو أن أتحول إلى قضية دولة رقم واحد في النقاشات. هل أدين لكم بشيء؟ طبعا لا".

وتلقت مغنية الراب الدعم والتأييد من شخصيات سياسية وفنية. أولها جاء من أميلي أوديا كاستيرا، وزيرة الرياضة الفرنسية والمشرفة على أولمبياد باريس 2024 حيث كتبت على حسابها على "إكس": "عزيزتي آية ناكامورا، لا تأبهي بالعالم كله، نحن معك".

سياسيون وفنانون يعبرون عن دعمهم لآية ناكامورا

فيما أضاف النائب من حزب فرنسا الأبية أنطوان ليومنت على منصة "إكس" أيضا: "بعض المنحرفين العنصريين يختبؤون وراء لافتاتهم. يزعمون بأنهم يحبون بلدهم لكن في نفس الوقت يريدون إقصاء المغنية الفرنسية الأكثر انتشارا ورواجا في العالم منذ زمن الفنانة إديت بياف". وتابع: "لا يمكن أبدا أن نكون عنصريين ووطنيين في نفس الوقت في فرنسا. الدعم لآية ناكامورا".

اقرأ أيضاتقرير يكشف انتشار العنصرية في فرنسا بين كافة طبقات المجتمع

وتابعت النائبة في نفس الحزب ساندرين روسو "العنصرية التي طالت آية ناكامورا أمر غير لائق. إنها من بين المغنيات المشهورات في فرنسا وخارجها. إنها ملكة. مشاركتها المحتملة في افتتاح أولمبياد باريس 2024 ستعطي صورة أخرى لفرنسا. صورة متفتحة ومتسامحة وليس صورة الأقدام الصغيرة. نحن متشوقون للألعاب الأولمبية بباريس".

شخصيات سياسية أخرى مثل جاك لانغ، وزير الثقافة سابقا في عهد الرئيس فرانسوا ميتران ورئيس معهد العالم العربي حاليا يدعم فكرة مشاركة آية ناكامورا في مراسم افتتاح الألعاب الأولمبية في شهر يونيو/تموز المقبل. وصرح في حوار صحفي: "لماذا لا تشارك آية في هذا الحفل العالمي؟ لديها صوت قوي ومشهورة على المستوى العالمي أكثر من الفنانة الراحلة إديت بياف. طبعا زمنها ولى لكن سيكون من الجيد أن نستمع من جديد إلى إحدى أغنياتها".

وإضافة إلى رجال السياسة، تفاعل الكثير من المغنين لا سيما في ميدان "الراب" مع الهجمة العنصرية التي تعرضت إليها آية ناكامورا.

وكتب مغني "الراب" كلاش كريمينال" (اسمه الحقيقي هو أمير كازيامينا) الذي ينحدر من جمهورية الكونغو الديمقراطية: "لهذا السبب نحن متأخرون. تنتقدون أكبر مغنية فرنسية بحجج تافهة. اليوم سندعمها لكي تغني. لسنا في باماكو أيها الكلاب".

وزيرة الثقافة رشيدة داتي تساند آية ناكامورا

وأضافت الفنانة الفرنسية من أصول تونسية وجدان شايب بهذا الخصوص: "نحن في 2024 وما زلنا نعاني من هذه المشاكل. لقد تحولت العنصرية إلى شيء عادي في بلادنا. تشعرون بالغيرة والإحباط لأن فنانة موهوبة تشارك في مراسم افتتاح الألعاب الأولمبية بباريس. أخفوا وغطوا وجوهكم بشكل جيد لأنكم لا تستحقون شيء. اللعنة عليكم".

كما أعلنت وزيرة الثقافة رشيدة داتي دعمها للمغنية آية ناكامورا، وقالت بأن "مهاجمة أي شخص بسبب هيئته أو لونه قد يشكل جريمة" يعاقب عليها القانون.

هذا، وتركزت غالبية الانتقادات والهجمات التي طالت آية ناكامورا على طريقة استخدامها للغة الفرنسية، وتحريفها لبعض الكلمات، إضافة إلى استعمال كلمات معروفة فقط من قبل سكان الضواحي والأحياء الشعبية.

لكن بالنسبة لبوريس فيدال، رئيس مهرجان "ربيع بورج" للمسرح، "لو حرمنا اللغة الفرنسية من التأثيرات الخارجية والكلمات الأجنبية لما كان هناك الفنان جورج براسانس أو الشاعر والكاتب بودلير". وأضاف في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية: "من المدهش أن ينتقد عنصريون مغنية بسبب أصولها أو لون بشرتها رغم أن الألعاب الأولمبية تتجاوز جميع الحدود".

اقرأ أيضاالعنصرية: حب يخاف من الأسود؟

آية ناكامورا (اسمها الحقيقي هو آنا دانياكو) مغنية فرنسية ولدت في العاصمة المالية باماكو في العام 1995. تنحدر من عائلة تعشق الموسيقى. ظهرت على الساحة الغنائية الفرنسية للمرة الأولى في 2016 بأغنية عنوانها "السلوك".

"جاجا" أغنية استمع إليها 950 مليون شخص حول العالم

بدأت بكتابة أغاني تبثها على مواقع التواصل الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، أغنية "أشعر بالوجع" تم سماعها أكثر من ثلاثة ملايين مرة. وعندما لاحظت النجاح الذي حققته، قررت بشكل لا رجعة فيه العمل في ميدان الفن والغناء.

تعيش آية ناكامورا في بلدة "أولني سو بوا" بالضاحية الباريسية برفقة ابنتها الوحيدة.

في 2017، أصدرت ألبوما جديدا بعنوان "جريدة حميمية"، حصلت على إثرها على الأسطوانة الذهبية.

وتبقى أغنيتها "جاجا" التي تروي قصة رجل يحاول أن يكسب من جديد محبة وعشق حبيبته بعد أن انفصلا، من بين الأغاني التي لقت رواجا عالميا حيث تم الاستماع إليها من قبل أكثر من 950 مليون شخص عبر العالم. نجاح فتح لها باب العالمية والنجومية إلى درجة أنها أصبحت المغنية الفرنكوفونية الأكثر مبيعا في العالم.

المصدر: فرانس24

كلمات دلالية: الحرب بين حماس وإسرائيل الحرب في أوكرانيا الانتخابات الرئاسية الأمريكية ريبورتاج أولمبياد باريس موسيقى الراب إديت بياف اليمين المتطرف إديت بياف العنصرية رشيدة داتي فرنسا أولمبياد باريس التمييز العنصري غناء إيريك زمور اليمين المتطرف للمزيد الألعاب الأولمبية العنصرية إديت بياف الحرب بين حماس وإسرائيل غزة شهر رمضان الإمارات العربية المتحدة السعودية الجزائر مصر المغرب السعودية تونس العراق الأردن لبنان تركيا الألعاب الأولمبیة أولمبیاد باریس الفرنسیة من فی فرنسا أکثر من من قبل

إقرأ أيضاً:

فضيحة الدرونز التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة

في ليلة 17 يوليو/تموز 2014، كانت عائلة شحيبر التي تنحدر من غزة على موعد مع حادث أليم ومُعتاد في فلسطين المحتلة، حيث قصف جيش الاحتلال منزلهم. أما الهدف الإستراتيجي، فتمثل في قتل عدة أطفال: أفنان (8 سنوات)، ووسيم (9 سنوات)، وجهاد (10 سنوات)، الذين استُشهِدوا وهم يُطعِمون الحَمام على سطح المنزل، فيما تسبب القصف في استشهاد طفلين آخرين.

بعد القصف مباشرة، بدأت منظمتان حقوقيتان هما "الميزان" الفلسطينية و"بتسيليم" الإسرائيلية في البحث عن السبب الحقيقي وراء الاستهداف، لكنها خلصت إلى عدم وجود أي هدف عسكري في منزل شحيبر حسب ما أكدته الأمم المتحدة نفسها بعد ذلك في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2015.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2كيف جندت إسرائيل باحثين من "إم آي تي" لصالح جيشها؟list 2 of 2القنابل الخمس التي تستخدمها إسرائيل في إبادة غزةend of list

هناك سؤال ثانٍ كان يؤرق المحققين المستقلين حيال السلاح الذي استُخدِم في القصف، وما أثار الاهتمام في أثناء تنقيب المحققين هو أسطوانة سوداء حملت نقوشا مسحها الانفجار جزئيا وعليها كُتب "أوروفارد ـ باريس ـ فرنسا".

بسبب هذا الاكتشاف رفعت أسرة شحيبر دعوى في فرنسا ضد شركة "إكسيليا"، بسبب تواطؤها المحتمل في جريمة حرب اقترفتها إسرائيل في عملية "الجرف الصامد". تقول هذه الأسطوانة الكثير عن الدعم العسكري والتقني الفرنسي لصالح جيش الاحتلال، وأحدث فصل فيه ما كشف عنه موقع "ديسكلوز" في تحقيق يورط فرنسا في جرائم إسرائيل في حق أهل غزة أثناء حرب الإبادة الدائرة حاليا.

إعلان رمادية فرنسية

قبل انطلاق الحرب على غزة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرنسا رسميا وإعلاميا أيضا تصرح بالدعم الكامل لجيش الاحتلال للرد على ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن إسرائيل حولت هذا الزخم الغربي من التعاطف إلى الإقدام على جرائم حرب يصعب إخفاؤها.

بدأ التوجس يجد طريقه إلى أروقة الداعمين الغربيين، خصوصا مع ارتفاع الأصوات الرافضة للإبادة في الرأي العام الغربي، ومحاولاته الضغط على صناع القرار لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.

في فرنسا، سبق أن وجَّه 115 برلمانيا في أبريل/نيسان من عام 2024 رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبين إياه بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، لأن أي تحرك عكس ذلك يعني ضلوع باريس في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.

قبل ذلك بأيام، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال، وصوَّتت 28 دولة لصالح هذا القرار، فيما اعترضت 6 دول على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، أما فرنسا فوجدت لنفسها مكانا مريحا في المنطقة الرمادية التي جلست فيها 13 دولة من الممتنعين عن التصويت.

يتسق موقف فرنسا من هذا القرار الأممي مع موقفها العام حيال حرب غزة، وملف تزويد إسرائيل بالأسلحة، أو ببعض القطع التي تستعملها تل أبيب في صناعة أسلحتها التي توجهها في الغالب نحو الفلسطينيين العُزّل.

منذ بداية الحرب على غزة، سلكت فرنسا مسلكا يرقص على جميع الحبال، فهي لم تعلن قطع أي تعامل عسكري مع دولة الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه نزلت بهذا التعاون إلى أقل درجة ممكنة، بحيث تحافظ على خيط رفيع يربطها بتل أبيب، مع بذل كل الجهد المطلوب للمحافظة على هذا الخيط من الانقطاع.

موضوعيا، لا تُمثِّل تجارة الأسلحة بين فرنسا وإسرائيل إلا 0.2% فقط من 27 مليار يورو من صادرات باريس إلى دول العالم التي يمكنها استعمالها عسكريا أو في مجالات تقنية أخرى وتكون غالبا مجرد قطع غيار، حسب تصريح سيباستيان ليكورنو، وزير القوات المسلحة الفرنسي.

إعلان

لا تمانع فرنسا من تبادل المساعدة مع الإسرائيليين فيما يخص بيع الأسلحة، لكن المساعدة تخضع لحسابات أخرى أفصحت عنها مصادر لصحيفة "لوموند" أثناء التحقيق الذي نشرته الجريدة الفرنسية عام 2021 حول برنامج "بيغاسوس" للتجسُّس، حيث يقول المصدر: "نحن قريبون من الإسرائيليين بمسافة تسمح لنا أن نعرف ماذا يفعلون، لكن في الوقت ذاته، لدى فرنسا رغبة واضحة في عدم مساعدة إسرائيل في أي عمليات تقوم بها في غزة، لذلك لا نريد أخذ أي مجازفة في إرسال بعض الأسلحة التي قد تُستعمل في ذلك".

أسلحة فرنسا.. للدفاع فقط

في تقرير لها في 28 أبريل/نيسان الماضي، أفادت صحيفة "لوموند" أن فرنسا حتى قبيل الحرب الأخيرة على غزة كانت تزود إسرائيل بقطع ضرورية لصنع القذائف المدفعية، لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت باريس وقف العقود الخاصة بهذه القطع.

وتشير تقارير البرلمان الفرنسي الصادرة عام 2023 إلى أن فرنسا أرسلت إلى إسرائيل عددا من المعدات الخاصة بتدريع السيارات والمراقبة عبر الأقمار الصناعية.

بعيدا عن المعلومات التي جاءت في وسائل الإعلام الفرنسية، ثمَّة أخبار أخرى أكثر لفتًا للأنظار، منها التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع "ديسكلوز" الفرنسي في مارس/آذار 2024، وقال إن باريس سمحت في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة (ما يغلّف الطلقة)، انطلقت من مرسيليا عبر شركة "أورولينكس" الفرنسية المتخصصة في صناعة المُعدات العسكرية.

يشير التحقيق إلى أن حجم الشحنة وصل إلى 800 كيلوغرام من الذخائر أُرسِلَت إلى شركة "آي إم آي سيستمز" الإسرائيلية، المُزوِّد الحصري للجيش الإسرائيلي لهذا النوع من الذخائر، ويتعارض هذا التمويل المباشر مع تأكيد باريس عبر قياداتها السياسية أن الأسلحة والمعدات الدفاعية فقط هي ما تصل إلى تل أبيب.

إعلان فضيحة المُسيَّرات

مع جولة خفيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للعالقين في غزة، نجد أن صوت الخلفية المشترك بين الفيديوهات يغلب عليه ضجيج الطائرات المُسيَّرة، أو ما ُسميه أهل غزة بـ "الزنّانات".

شكَّلت حرب غزة فرصة لإسرائيل لتفعيل الكتيبة 166 التي تحمل اسم "سرب الطيور النارية"، بحسب ما نشر موقع "إسرائيل ديفِنس"، والهدف من هذه الطائرات هو مراقبة غزة، ثم تنفيذ الضربات. وضمن هذا السرب هناك الطائرة "هيرميس 900" التي يصل طولها إلى نحو 15 مترا، وهي قادرة على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة، وعلى ارتفاع 9000 متر.

لا يحتاج الضباط الذين يوجِّهون هذه الطائرات إلا إلى غرفة تحكم تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمليات، ثم تنفيذ الضربات مستفيدين من الدقة الكبيرة التي توفرها هذه الطائرات الحديثة، حيث بإمكانها مثلا الإجهاز على سائق سيارة على بُعد 5 أو 10 أمتار دون إصابة أي راكب آخر في السيارة نفسها، رغم أن الاستعمال الإسرائيلي لهذه الأسلحة لا يهتم كثيرا بالقتلى المدنيين.

في تحقيق جديد حول صفقات السلاح بين فرنسا وإسرائيل، نشر موقع التحقيقات الفرنسي "ديسكلوز" وثائق تُثبت تورط شركة "تاليس" الفرنسية، التي تمتلك الدولة 26% من أسهمها، في تسليم إسرائيل مجموعة معدات إلكترونية تساعد في جمع قطع طائرة "هيرميس 900″، من بينها قطعة "TSC 4000 IFF"، وهي تساعد هذه المُسيَّرات على تجنُّب الصواريخ والمُسيَّرات "الصديقة" التي قد تعترض طريقها، حتى لا تسقط الصواريخ الموجهة نحو الفلسطينيين على الإسرائيليين أنفسهم.

يشير التحقيق إلى أن 8 قطع من هذه الأجهزة أُرسِلَت فعلا إلى إسرائيل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2024، أي بعد أشهر من انطلاق العمليات الإسرائيلية في غزة.

ويسلط التحقيق الضوء على إشكالية مراقبة العقود السرية التي تعقدها الجهات العليا الفرنسية مع بعض الدول ومن بينها إسرائيل، وذلك رغم خروج وزير الدفاع الفرنسي يوم 20 فبراير/شباط 2024 أمام البرلمان مؤكدا أن جميع القطع التي تُرسَل إلى إسرائيل عبارة عن معدات يُتأكَّد من نوع الآليات التي تُستَعمل فيها.

إعلان

يعود هذا التعاقد السري بين فرنسا وإسرائيل إلى 2 مارس/آذار 2023، حين اشترت شركة "إيلبيت سيستيمز" الإسرائيلية المصنعة لطائرات "هيرميس 900" ثماني قطع إلكترونية بمبلغ 55 ألف يورو للقطعة الواحدة من جهات فرنسية (440 ألف يورو إجمالا). وصل الطلب بعد أسابيع من انطلاق الرد الناري على هجمات 7 أكتوبر، في الوقت الذي كانت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن النيران الإسرائيلية غالبا ما تطول النساء والأطفال الرضع.

طائرة هيرميس 900 الإسرائيلية المسيّرة (غيتي)

ورغم ذلك، يقول موقع "ديسكلوز" إن وزارة الدفاع الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي وقَّعت عليها بعدم بيع أسلحة لجهات تستهدف المدنيين، بل واصلت دعم تحركات حكومة نتنياهو في تدمير قطاع غزة.

كانت فرنسا قد واجهت في وقت سابق دعوة من 11 منظمة حقوقية تتزعمها منظمة العفو الدولية "أمنستي" بسبب إرسالها أسلحة إلى تل أبيب، مع العلم أن الأخيرة لا تجرب أسلحتها ولا الأسلحة التي تحصل عليها من حلفائها إلا في مواجهة الفلسطينيين.

سكوربيون

تجمع فرنسا وإسرائيل علاقة تسليح وتكنولوجيا وطيدة، ويكشف تحقيق مهم لموقع "أوريان 21" عن العلاقة بين جيش الاحتلال وجهاز الدفاع الفرنسي، وعن الغموض الكبير الذي يكتنف هذه العلاقة، التي تشهد تعاونا بين الفرنسيين والإسرائيليين على حروب المستقبل التي سيكون أبطالها الروبوتات والطائرات المُسيَّرة.

تمتاز العلاقات بين فرنسا وإسرائيل بنوع من الودية، وإن كانت قد تعكرت في الفترة الأخيرة، بيد أن الأمر ليس بذلك الوضوح أو الشفافية فيما يتعلق بالجانب العسكري، لأن العلاقة تتأرجح بين الود والمنافسة، بل تصل أحيانا إلى الاختراق. لا يحب الفرنسيون الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون في مجال الصناعات العسكرية، فهم يكسرون الأثمان بهدف الاستيلاء على أسواق السلاح.

وليس هذا فحسب، بل أصبح جيش الاحتلال منذ سنوات يتوجه إلى أهم الأسواق التقليدية التي كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية المطلقة فيها لينافسها هناك، وهي سوق أفريقيا.

إعلان

منذ اتفاق أوسلو، استثمرت إسرائيل كثيرا في القارة السمراء، خصوصا في مجال حماية الأنظمة القائمة. وفي السياق نفسه، حافظ الإسرائيليون رغم ذلك على نوع من التعاون مع الفرنسيين كما حدث في الكاميرون، حيث دعموا الجيش الكاميروني للقتال ضد جماعة "بوكو حرام"، وأقدم مرتزقة إسرائيليون على تأطير كتيبة التدخل السريع، التي تعمل تحت قيادة الرئاسة مباشرة، وجهز الإسرائيليون كتيبة التدخل السريع ببنادق كانت حتى الأمس القريب لا تأتي إلا من الصناعة الفرنسية.

تجاوز تأثير السلاح الإسرائيلي رعايا فرنسا السابقين من الأفارقة إلى فرنسا نفسها. وصحيح أن جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه الغاشم على غزة قد استعان بكل مَن له إبرة يمكنها أن تغطي حاجتها العسكرية لإبادة غزة وسكانها، إلا أن الإسرائيليين في الظروف العادية يؤثّرون بالفعل في مجال التسليح والدفاع الفرنسي، مع أن العكس ليس صحيحا بالضرورة.

ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت فرنسا هي التي تبيع الأسلحة لجيش الاحتلال، أما اليوم، فأضحت تل أبيب تبيع لباريس، إذ استوردت فرنسا أنظمة المراقبة الإلكترونية والمُسيَّرات، وحتى الجنود الآليين. ولا يُخفي الفرنسيون انبهارهم بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالقليل من البحث، يمكننا الوصول إلى بعض نتائج هذا التعاون الخفي، أما الفاكهة المسمومة الأكثر نضجا هي "برنامج سكوربيون".

لا يعلم الفرنسيون الكثير عن برنامج خفي يسمى "تآزر الاتصال المعزز بتعدد الاستخدامات وتثمين المعلومات"، المعروف اختصارا بـ"سكوربيون"، وهو برنامج "ذكي" سيدخل في قلب إستراتيجية القوات البرية الفرنسية للعقدين المقبلين.

أهم نقطة في برنامج "سكوربيون" هي تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة، تسمح للجنود المختلفين والأدوات العسكرية المنتشرة، وبالخصوص المُسيَّرات والروبوتات، بالاتصال في وقت واحد لاستباق أي ردود فعل يقوم بها العدو المفترض.

إعلان

لذا، سيتمكن الجندي الفرنسي من الحصول على جميع هذه المعلومات عبر مواقع "جي بي إس" خاصة بالبرنامج، الذي عملت عليه شركة "إلبيت" الإسرائيلية، من أجل حرب "بدون ضوضاء"، وبحيث يُتيح هذا النظام الاستباقي لفرنسا أن تتجنَّب مقتل العديد من جنودها عبر قراءة التحركات الاستباقية لعدوها.

عمل جيش الاحتلال على تطوير تقنياته عبر تجريبها في غزة وفوق جثث أهلها، ولذلك تمكن من التقدم في نقاط ثلاث: أولها محو أصوات محركات المُسيَّرات، وثانيها تصغير حجمها وتطويرها بحيث يماثل حجمها حجم الحشرات، وأخيرا القضاء على أي آثار رقمية لها مع تحديد إشارات العدو.

كل هذا وأكثر يوجد في برنامج "سكوربيون" الذي لا تقتصر أهميته في الصناعة الفرنسية على الاستخدام، بل تتجاوزه إلى التصدير، حيث أبدت بعض الدول، ومنها دول عربية، حماسها الشديد للحصول عليه، وهو برنامج وصل بالطبع، قبل كل هؤلاء المشترين، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وبذلك يبدو الموقف "المحايد" الذي تحاول القيادة السياسية في فرنسا اتخاذه من حرب الإبادة الحالية، موقفا لا تعضده مواقف الجانب العسكري، الذي بات بصورة أو بأخرى جزءا من هذه الحرب، وجزءا من آلة القتل التي تحرق وتدمر يوميا كل ما تطاله دون رادع.

مقالات مشابهة

  • أستاذ علوم سياسية: المشاورات الفرنسية الأمريكية غير فعّالة والضغط على إسرائيل ما زال محدودًا
  • أبو دياب: المشاورات الفرنسية الأميركية غير فعّالة والضغط على إسرائيل محدود
  • فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • فضيحة الدرونز التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • توجه السلطات الفرنسية لمنع الحجاب يقض مضجع الرياضيات المسلمات
  • هجمات سيبرانية تستهدف صناديق تقاعد في أستراليا وسرقة 2.6 ترليون دولار
  • الصين تكشف عن هجمات سيبرانية أمريكية تستهدف دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2025
  • محكمة التمييز الفرنسية تلغي الحجز على ممتلكات رياض سلامة
  • الحكومة الفرنسية: أوروبا ستفرض ضريبة على الخدمات الرقمية الأمريكية
  • فيدان في باريس.. محطة جديدة في مسار العلاقات التركية الفرنسية المتوترة