الكاريكاتير يواجه السردية الإسرائيلية.. مبدعو المهجر في قلب صراع الرواية
تاريخ النشر: 13th, March 2024 GMT
يواكب الكاريكاتير انتشار وسائل الاتصال الاجتماعي، وتطور أساليب النشر الإلكتروني، مستفيدا منها بعد أن كان حبيسا للصحف الورقية.
وما يزال هذا الفن يلعب الدور الذي وجد من أجله في تقديم رسالة ساخرة ولاذعة وناقدة سواء للسلطة، أو لمجمل الظواهر الاجتماعية أو حتى مقاومة العدو المحتل والتحريض على الكفاح ضده وانتقاد جرائمه.
ويرى فنان الكاريكاتير المغترب بالولايات المتحدة عبد الناصر الحوراني -في حديث للجزيرة نت- أن "طوفان الأقصى" كان بمثابة الصدمة الايجابية التي أحدثت ليس فرزا سياسيا وحسب بل فرزا ثقافيا وحضاريا بين من يتمسكون بمبادئ وثوابت أمتهم ومن يتخلون عنها، مؤكدا أن غزة ستبقى هوية عصرنا حتى الأبد.
وعن الرسالة التي يوجهها المبدع العربي في المهجر والدور الذي يلعبه هناك، يضيف مدير تحرير ومؤسس موقع السكة الإخباري الصادر بولاية تكساس الأميركية "قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول كان العمل موجها للجاليات العربية ومحاولا معالجة مشاكلها ونضالها ضد التمييز والعنصرية والإسلاموفبيا التي رسّختها آلة الإعلام المعادية".
ويتابع: ما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول كانت أعمالنا الفنية تتخذ اتجاها محليا في الدفاع عن قضايا الجاليات العربية في أميركا، أما الآن فبات أي كلام خارج عن ما يحدث في غزة ترفا.
ويرى الحوراني -المولود بمخيم الوحدات بالأردن- أن نشاط المثقفين العرب ونشطاء الجاليات العربية والإسلامية ووجود مواقع التواصل لعبت دورا في إيصال السردية الفلسطينية إلى الجماهير الغربية والأميركية التي بات مشاركة في الفعاليات ضد العدوان على غزة.
ويلفت أن "مواقع التواصل منبر من لا صوت لهم في الإعلام الغربي الذي تبنى منذ اللحظة الأولى الرواية الصهيونية، وحدث أن استطلاعات الرأي في أميركا باتت تميل لصالح الفلسطينيين وهو تحول لم نكن نحلم به في ظل هيمنة الصهاينة على منابر الإعلام في الولايات المتحدة".
ويشير إلى أن الفضل في هذا التحول يعود للمقاومة التي أعادت القضية إلى الخبر الرئيس في كل محطات الأنباء، وكان للفن دور مركزي في إيصال السردية الفلسطينية التي تم تغيبها منذ النكبة.
أما عن أعماله الكاريكاتيرية، يقول "لي وجهة نظر في هذا الموضوع: إن كنا نريد أن يتعاطف معنا الغرب وأن يتفاعل مع رسومات الكاريكاتير فيجب أن نجعل المتلقي الغربي في صلب قضايانا وأن يشم رائحة الظلم الذي تعانيه شعوبنا".
ويتابع "نحن لم نحمل فلسطين للعالم بل حشرنا كل العالم في فلسطين قضيتنا، فالفلسطينية قضية كل أحرار الأرض وعلى العالم أن يصبح جزءا من رسالتك العادلة".
ويرى الحوراني أن بوسع فن الكاريكاتير أن يكون في المعركة جنبا إلى جنب مع المقاومين والمظلومين بمعركتهم في فلسطين وغزة.
ويضيف أن دور الفنان لا ينحصر، ويجب ألا يكون فيما تروجه السلطة (مطلق السلطة) ولا الخطاب السائد بل يجب أن يكون دوما في صف القضايا العادلة اجتماعيا أو القضايا الوطنية، وإلا فإنه سيفقد مكانه ورسالته.
وحول الأدوار التي يلعبها المبدعون العرب في المهجر، يرى الحوراني أنهم وإن نأوا بأجسادهم بعيدا عن البلاد العربية فإنهم يحملون قضاياهم والتي بالضرورة قضايا أمتهم.
ويضيف أن القمع الذي قد يكون أحد مبررات خروج المبدع العربي من بلاده فإن صورة القمع تلاحقه مع كل صورة تتناقلها الفضائيات للقمع بهذا الشارع العربي أو ذاك.
مبدعون في المهجرويلفت الحوراني -الذي عمل في معظم الصحف الأردنية الأسبوعية- أن الفنان العربي تظل روحه معلقة ببلاده بل تزداد حساسيته للأوضاع فيها حتى أكثر من إقامته ووجوده فيها.
وحول رسالة الفنان في المهجر يؤكد "نحن أبناء القضية، وكل فن لا يحمل قضية مجرد هواية لا شأن لها ولا قيمة، وكمثقفين عرب فقد لمحنا هنا في الولايات المتحدة أنه للمرة الأولى يمكن للفلسطيني تحقيق الانتصار على العدو".
والحوراني من مواليد 1965، درس في مدارس وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وحاصل على درجة بكالوريوس فنون جميلة من الولايات المتحدة، وعضو نقابة الصحفيين الأردنيين، ومؤسس موقع السكة الإخباري الصادر بولاية تكساس ومدير التحرير فيه ورسام كاريكاتير بعدد من النشرات العالمية.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: رمضان حريات فی المهجر
إقرأ أيضاً:
يوسا وأسئلة الرواية
فـي إحدى مقابلاته الصحفـية، التي أجريت معه بُعيد صدور أعماله الروائية الكاملة فـي سلسلة «لا بلياد» الشهيرة، اعتبر الكاتب البيروفـي ماريو بارجاس يوسا، (الذي غيبه الموت قبل أيام)، أن الأمر بالنسبة إليه يساوي جائزة نوبل للآداب، وبخاصة أنه جاء وهو على قيد الحياة، (مثل قلّة قليلة من كتّاب العالم).
فكما هو معروف عن هذه السلسلة التي تصدرها «دار غاليمار»، أنها لا تنشر أعمال أي كاتب إلا بعد رحيله بعقود، معللة ذلك بـ«حكم الزمن»، بمعنى أن الزمن لا بدّ أن يقول كلمته ليبقي الكاتب الحقيقي، وليبعد الكاتب الذي لا يستحق البقاء والتذكر إلى دهاليز النسيان. ناهيك عن أن طباعة هذه السلسلة تكون عادة على الورق التي تطبع عليها الأناجيل والتوراة، وكأنها ترغب فـي ذلك أن تزيد من «هيبة» الكتاب والكاتب.
كلام يوسا عن دخوله هذه السلسلة لم يأت من فراغ، بل له أهمية خاصة جدًا، إذ إنه حافظ دائمًا على علاقة وثيقة بالأدب الفرنسي الذي اكتشفه عبر الترجمات فـي طفولته. وكان فـي السابعة عشرة من عمره، حين أصبح قادرا، بفضل الدورات اللغوية التي تلقاها فـي المركز الثقافـي الفرنسي فـي ليما، على قراءة الأدب الفرنسي بلغته المباشرة.
لكنه فـي باريس الستينيات، فـي عصر الفوران الفكري، تابع عن كثب أسئلته، من الوجودية -(حيث لم يُخف يوما أنه بدأ حياته الفكرية متأثرًا بسارتر، قبل أن يبتعد عنه بعد عقود إلى الأبد)- إلى البنيوية، بما فـي ذلك الرواية الجديدة التي لم تكن تربطه بها أي صلة (ربما باستثناء كلود سيمون وناتالي ساروت)؛ ففـي باريس أدرك حقًا مهنته ككاتب من خلال إكمال روايته «المدينة والكلاب» ومن ثم عمله على كتابة «البيت الأخضر» استنادًا إلى ذكريات المراهقة.
ولكن ما هي الرواية؟ ماذا تعني كتابة الرواية بالنسبة إلى ماريو بارجاس يوسا؟ لا يمكننا أن نفهم فعلا أي شيء عن عمله الأدبي، إن لم نسأل أنفسنا هذا السؤال الأساسي منذ البداية.
فبالنسبة إلى يوسا، ليست الكتابة عملاً عاديًا، أو تحويلاً للعقل، بل هي التزام كامل من جانب الكائن، بجسده، وعواطفه، وأفكاره، ومن المهم أن نلاحظ أنه منذ البداية اتخذ من فلوبير مثالاً له، على الأقل فـيما يتصل بأسلوب عمله. إذ كان الأمر بالنسبة إلى فلوبير بمثابة نوع من الزهد الذي يتطلب، قبل كتابة الرواية، تحضيرات طويلة، وتدوين ملاحظات، والتحقق من الموقع، وصولا إلى أصغر تفاصيل الأماكن التي من المفترض أن تتطور فـيها الحبكة. فكتابة رواية تتطلب عدة سيناريوهات، عدة نسخ يتم تقليصها فـي النهاية إلى نسخة واحدة، تم تقليمها إلى حدّ كبير، وإخضاعها للاختبار الشفهي لـ«الفم» الذي سيخرج منه العمل النهائي.
إلى هذا المستوى من المتطلبات كان يرتقي يوسا بممارساته الكتابية. فمفهومه للأدب يتطلب منه أن يستثمر نفسه بالكامل من خلال عمل طويل و«ضميري». وكما هو الحال مع فلوبير، فهو لا ينتظر الإلهام ليأتي إليه: بل يذهب للبحث عنه، بمزاجه الناري وإحساسه «بالباروكية»، فـي قتال وثيق مع العمل أثناء تطوره. ولكن بينما كان فلوبير يعمل فـي منزله، جالسًا إلى طاولته المستديرة فـي مكتبه، كان يوسا يواصل فـي كثير من الأحيان كتابة نفس الرواية فـي أماكن مختلفة، وأحيانًا فـي بلدان مختلفة. لا يزعجه هذا التنقل الجغرافـي. أينما كان، لديه مكانه: إنها الرواية التي يكتبها، والترحال الذي يعيشه فـي أماكن أخرى لا يمكن إلا أن يثري عمله بجوانب وحكايات جديدة.
تشبه قراءة يوسا دخول نوع من غابات الكتابة فـي الأمازون، زاخرة بكل معنى الكلمة، حيث يتشابك الزمان والمكان فـي شبكة معقدة، أشبه بمتاهة خيط أريان (كما فـي الأسطورة اليونانية) الذي يشكل أسلوب الكاتب. بالنسبة إليه، الرواية هي المكان الذي يتم فـيه التعبير عن كل الاحتمالات، وربما حتى المستحيل. انطلاقًا من الواقع، أو من واقع مفترض، يستطيع الكاتب أن يطلق العنان لخياله، وأن يلعب على العديد من المؤامرات ويكسر الأنواع، وأن يضاعف وجهات النظر والمنظورات، كما علمه قراءة فوكنر، ولكن بحرية أكبر، حرية شبه كاملة.
إذا كان هناك سحر فـي الرواية، فهو فـي قدرتها على التوفـيق بين السرديات والأوصاف والحوارات فـي الكتاب نفسه، لتكون صورة للحياة فـي جوانبها المتعددة، وهذا بالضبط ما يطبقه يوسا فـي كتبه؛ يستمع إلى «شياطينه»، ويستغل الفروق الدقيقة ويستكشف مسارات جديدة، وكل ذلك يحمله أسلوب متوهج هو العلامة التجارية للكاتب. شخصياته هي كائنات من لحم ودم؛ نحن هنا فـي المادة الإنسانية والاجتماعية لعالم لديه خبرة ملموسة فـيه بفضل مهنته السابقة كصحفـي.
ومع ذلك، سيكون من التقييد وحتى الخطأ أن نقول إن رواياته «واقعية»، ورغم أنها تستحضر بالفعل مواقف أو ذكريات حقيقية، فإن المؤلف يعيد اختراعها من خلال الخيال ويعيد بناء واقع آخر، الذي وعلى الرغم من أنه معقول وحيّ، إلا أنه خيال. قد يكون «كذبة» بطريقة ما، إلا أنه يصبح مكانًا للحقيقة التي تكشف، من خلال كثافتها الأدبية، عن الطبيعة الحقيقية للواقع، طبيعة دكتاتورية أودريا، على سبيل المثال، فـي محادثة فـي الكاتدرائية.
تتمتع أعمال يوسا بجاذبية كونية. تُرجم إلى عدة لغات بعد صدور كتاب «المدينة والكلاب». لا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك. طبيعته تقوده إلى العالمية. ولنتذكر أنه قضى طفولته فـي بوليفـيا وشمال بيرو، وأن الكتب التي قرأها فـي منزل أجداده وأعمامه كانت تُترجم عمومًا من الفرنسية. وعندما كبر، عاش فـي عدة بلدان يتحدث لغاتها بطلاقة، وبدافع من الفضول الفكري الذي لا يشبع، أصبح مهتمًا فـي وقت مبكر جدًا بالكتاب الأوروبيين والأمريكيين العظماء. ومن خلال هذه الرحلة إلى ثقافات أخرى، فـي نوع من الغرابة الفكرية التي تعود إلى الوراء لتسليط الضوء على أصوله الخاصة، نراه يعيد اختراع رؤيته لوطنه الأصلي وسوف يكتشف حقاً، كما كتب هو نفسه، أمريكا اللاتينية ويبدأ فـي الشعور بأنه أمريكي لاتيني.
تدور أحداث معظم كتبه فـي هذه المادة الوفـيرة الموجودة فـي أمريكا الجنوبية، ومن هنا على وجه التحديد تستمد هذه الكتب عالميتها. ولكن لا أحد يستطيع أن يقول ذلك بشكل أفضل من فارغاس يوسا: «علمتني فرنسا أن العالمية، وهي سمة مميزة للثقافة الفرنسية منذ العصور الوسطى، بعيدة كل البعد عن كونها حصرية لتجذير الكاتب فـي المشاكل الاجتماعية والتاريخية لعالمه الخاص، فـي لغته وتقاليده، بل على العكس من ذلك، فقد تعززت بها، وشحنت بالواقع».