سودانايل:
2025-04-03@07:54:37 GMT

العبـادة فـي الإسـلام

تاريخ النشر: 12th, March 2024 GMT

بسم الله الرحمن الرحيم
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
مقدمة: بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك ،أقدم هذه المقالة تذكيرا لنفسي والاخوة من قراء سودانايل وغيرهم ،بهذه المناسبة العظيمة ،سائلا الله ان يوفقنا الى صيام هذا الشهر وقيامه،وان يجعلنا من عتقائه ،وان يتقبل من الجميع الطاعة وصالح الاعمال .
مفهوم العبادة في الإسلام:
المعنى اللغوي: كلمة عبادة مشتقة من الفعل "عبد"، الذي يدل على الخضوع والتذلل، والاستكانة والطاعة .

يقال: "طريق معبد" أي: مذلل للسير، بكثرة الوطء عليه. ومنه أُخِذ معنى "العَبْدُ"، لذله لمولاه. يقال: "تَعَبَّد فلانٌ لفلان"، إذا تذلل له
المعنى الشرعي: إنَّ مجرد الخضوع -كما يرى ابن تيمية- لا يُسمَّى "عبادة" إلا إذا كان متضمناً معنى "الحب". فمن خضع لآخرَ مع غاية المحبة له فهو عابدٌ له. ومن خضع لآخرَ مع بغضه له، أو كونه مكره على ذلك، لا يكون عابدا له.ومن ثم فإنَّ العبادة المرادة في الشرع، هي: الخضوع التام، والطاعة المطلقة والاستسلام الكامل لله تعالى، باتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه مع غاية المحبة له سبحانه. وهذا هو معنى قوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) الفاتحة:5 .( العبودية ابن تيمية، ص"44).
ولا تتحقق العبادة الشرعية إلا بأمرين:
1 - الاستسلام التام لمنهج الله تعالى، والخضوع المطلق لكل ما أمر به ، والانتهاء عن كل ما نهى عنه. فمن رفض منهج الله، ولم يخضع لشرعه، فلا يُعَدّ عابداً لله، وإن أقر بالربوبية لله.
2- أن يكون هذا الخضوع صادراً ومقروناً بحب الله تعالى.
أهمية العبادة في الإسلام:
تكمن أهمية (عبادة الله) فما يأتي:
1- إنَّها وظيفة الإنسان الكبرى في الحياة؛ كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ،مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ،إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)(الذريات:56-58).
2- إنَّها أمر رباني ألزم الله تعالى به الناس جميعاً حين خلقهم ،وأخذ عليهم العهد والميثاق بالوفاء به . قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ،وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (يّـس:60-61).
3- إنَّها أمر فطري فطر اللهُ الناسَ عليه، و من خلالها يلجئون إليه تعالى وقت الشدة؛ فيجأرون إليه بالدعاء والتضرع خاشعين؛ لينجيهم من التهلكة، ويُسَلِّمهم مِن الخطر؛ كما قال تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) (لقمان:32).
4- إنَّ العبادة هي الهدف الأسمى والمقصد الأعلى الذي جاء به جميع الأنبياء، ودارت حوله دعواتهم .قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل:36).
شروط صحة العبادة:
كي تكون العبادة مقبولة عند الله تعالى لا بد من أن يتوفر فيها شرطان:
الأول- إخلاص العبادة لله تعالى. الثاني:- أن يُعبَد الله بما شَرَع.
الشرط الأول: إخلاص العبادة لله تعالى:الإخلاص شرط أساسي في قبول العمل، أيَّاً كان، عند الله تعالى. قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) البينة: 5.فعلى المسلم أن يخلص توجهه لله تعالى في كل عمل يقوم به.وأن يتجنب الرياء ،وقصد حظوظ الدنيا من الأعمال،وإلا فقدت العبادة شرط قبولها عند الله تعالى،.فمن زار مريضاً ليعوده إذا مرض،ومن عمل بالدرس ليقال إنَّه عالم أو لينال شهرة، فإنَّ عمله لن يقبل عند الله، لعدم توفر عنصر الإخلاص فيه.
ومرجع إخلاص العبادة لله، ومداره على نية العامل، لقوله  (إنَّما الأعمال بالنيات وإنَّما لكل امرئٍ ما نوى.فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ،أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.).
وحتى تكون العبادةَ خالصة لله تعالى،بعيدة عن كل ما يؤدي إلى الشِّرْك به سبحانه ،وحفاظاَ على التوحيد الخالص، نهى الإسلام عن بعض الأمور التي قد تعكر صفو التوحيد وتفسد الأعمال ،ومنها:
1ـ المبالغة في مدح النبي ، وإطرائه بما يخرجه عن مقام البشر، ووضعه في مقام يقرب من مقام الألوهية .وقد ورد عنه النهي عن ذلك حيث قال: (لا تُطْرُوني كما أَطْرَت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبدُ الله ورسوله) ويقول : (إنَّه لا يستغاث بي وإنَّما يستغاث بالله).
2ـ النهي عن أن تُتّخذ القبورُ مساجدَ، فقال : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعْبَد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد) . كما ورد المنع من تتبع آثار الأنبياء وتقديسها، مما لم يرد فيها نصٌّ شرعي، حتى تُمنَع كلُّ ذريعة للشرك والانحراف العَقَدي. وعليه فقد أمر عمر  بقطع الشجرة التي بايع الصحابة تحتها رسول الله .
3ـ منع الحلف إلاَّ بالله: قال: (من حَلَف بغير الله فقد كفر أو أشرك) .
4ـ منع الذبح والنذر إلاَّ لله: قال : (لعنَ اللهُ مَن ذَبَح لغير الله (.كما حَرّم أكلَ الطعامِ الذي ذكر اسم غير الله عند ذبْحِه: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِِ بِهِ)، (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُُصُبْ ) (المائدة:3).
الشرط الثاني : أن يُعبد الله بما شرع:
لصحة العبادة وقبولها عند الله لا بد أن تؤدى وفق المنهج الذي شرعه الله، من غير زيادة و لا نقصان، ووفق السنة المطهرة.وذلك لما ورد عنه  أنَّه قال:" صلوا كما رأيتموني أصلي" . وقال في الحج: (لتأخذوا عني مناسككم،فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ). .وذلك هو الإحسان في العبادة والتقرب إلى الله بما شرعه ـ جل وعلا ـ لا بما وضعه الناس، أو وضعه الإنسان لنفسه من طرائق في العبادة،إذ أنَّ ذلك كله من الشرك الذي حذر الله تعالى منه .قال الله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (الشورى:21) .
وقد حذر  من الابتداع في الدين؛ فقال: (وشر الأمور محدثاتها،وكل محدثة بدعة،وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) . . ويترتب على هذا ،أنَّ العبادات الشعائرية، توقيفية لابد أن تؤدى وفقاً لما حدده الشرع من أشكالها وكيفياتها وصورها ، ولا يعترض على شيءٍ منها. والعبادة المبتدعة مردودة و لا تقبل ، وفقاً لما ورد عن النبي : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، أي مردود على صاحبه ولا يُقْبل منه، مع تحمله لاثم الابتداع والتجرؤ على الله في تغيير ما شرعه.
خصائص العبادات في الإسلام:تتميز العبادة في الإسلام بخصائص تميزها عن العبادة في الديانات والملل الأخرى ومن تلك الخصائص ما يلي:
1ـ موافقتها للفطرة الإنسانية:إنَّ الإسلام دين الفطرة، كما سبق أن اشرنا ،ومن ثم تتميز قيمه وتعاليمه ،يموافقتها للفطرة ،وتجاوبها مع مطالب الكيان البشري ، ومراعاتها لأشواق الإنسان الروحية والوجدانية،كما تلبي حاجاته الجسدية المادية.
وتبرز سمة المراعاة للفطرة أوضح ما تكون في العبادة،إذ نجد أنَّ ما فرضه الإسلام من عبادات تلبي حاجة الإنسان الفطرية ،و لا نجد فيها ما يسبب للإنسان عنتاَ أو مشقة،أو ما لاتتحمله طاقته. ويدل على هذا التوافق والاتساق بين الممارسات العبادية في الإسلام وبين الفطرة الإنسانية ما يلي:
أ- الجمع،في العبادة بين مطالب الروح والوجدان وبين المطالب المادية، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:9-10) ،فقد جمع الله للمسلم بين الأمر بالصلاة والسعي إلى ذكر الله الذي هو من مطالب الوجدان، ثم طلب الرزق والكسب والانتشار في الأرض الذي هو من المطالب المادية التي بها قوام بدن الإنسان واستمرار حياته.
ب- الاعتدال في أداء العبادة ،فقد نهي الرسول عن التنطع والتشدد في العبادة والدين فقال :" هلك المتنطعون "قالها ثلاثاً" وقال :" إنَّ الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وابشروا، واستعينوا بالقدوة والروحة وشيء من الدلجة".وعن أنس ين مالك قال: " جاء ثلاثة رَهْطٍ إلى بيوت أزواج النبي  يسألون عن عبادته، فلما أخبروا، كأنهم تَقَالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله  إليهم ،فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطرُ، وأصلي وأرقدُ، وأتزوجُ النساء، فمن رَغِب عن سنتي فليس مني ).
وبلغ الرسول أنَّ عبدالله بن عمرو قال: والله لأصومَنّ النهار، ولأقومَنّ الليلَ ما عشت، قال : (فلا تفعلْ، صُمْ وأفْطِر، وقُمْ ونَمْ ، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وأن لزَوْرك عليك حقا..)
من هذه النصوص ،يتضح لنا جمعُ الإسلام بين الجوانب المختلفة للحاجات الإنسانية، ومكونات الشخصية البشرية، بتوازن وتناغم وتمازج بحيث لا يطغى جانب على آخر، وبدون إفراط أو تفريط.
2ـ التيسير، ورفع الحرج:
خاصية التيسير ورفع الحرج عن الأمة، من خصائص كل تعاليم الشريعة الإسلامية، وخاصة في جوانب العبادة منها، وذلك أنَّ من مزايا رسالة الإسلام أنَّها عامة لكل البشر، وصالحة لكل الأزمنة والأمكنة، ولذلك فمن الطبيعي أن تمتاز بهذه الخاصية؛ لتتلاءم مع الزمان والمكان وتتواءم مع حاجات الناس.
وتظهر خاصية التيسير في العبادات عموماً، لا سيما تلك التي تُؤَدّى في أزمان معينة وبكيفيات وهيئات مرسومة من الشرع، (كالطهارة المشروطة لأداء العبادة، وكالصلاة والصوم والحج ...) ،والتي قد يعترضُ أداءها، على أكمل وجه في بعض الأحيان، حرجٌ لظروف وأعذار طارئة، فشرع الإسلام أداءَها بما يتناسب مع ظروف كل إنسان ومراعاة لأعذاره. ومن أمثلة ذلك: أنَّه شرع التيمم بدل الوضوء والغسل ،عند تعذر استعمال الماء لمرض وغيره.وشرع قصرَ وجمعَ الصلاة في السفر؛ لما في السفر من مشقةٍ تقتضي التيسير، كما أجاز للمريض أن يصلي قاعداً أو على جنب، أو مستلقياً على ظهره، حسب استطاعته.ورخص للمسافر والمريض أن يفطرا، على أن يقضيا عِدّةً من أيامٍ أُخَر.وكذلك رخص للمجاهدين بالفطر؛ ليَقْوَوْا على لقاء العدو. وهذه أمثلة ولها نظائر كثيرة في شرع الله ..وأمر بالتخفيف بالناس في الصلاة الجماعية مراعاة لظروف الناس، فقال: (إذا صلى أحدكم للناس، فَلْيُخَفِّف فإنَّ منهم الضعيفَ والسقيمَ والكبير، وإذا صلى أحدُكم لنفسه، فلْيُطوِّل ما شاء) . ولما أطال معاذ  بالناس في الصلاة، قال له: (أفَتّانٌ أنت).
ولما رأي ، حبلاً ممدوداً بين عمودين في المسجد، فقال: (ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبلٌ لزينبَ تصلي، فإذا فَتَرَت تعلقت به. فقال : حُلُّوه، لِيُصَلِّ أحدُكم نَشَاطَهُ، فإذا فَتَر فليرقد)، ذلك لأن كل تشدد وتكلف في العبادات مآله إلى نتائج سيئة، منها: بُغْض العبادة واستثقالها، ثم أخيراً، الانقطاع عنها، والرسول  يقول: (عليكم بما تُطِيقون من الأعمال، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلّوا) .
وزيادة على ذلك رغب الإسلام في الأخذ بالرخص ،دفعاً للمشقة والعنت، ، فقال  (إنَّ الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) .
3ـ استمرار العبادة ولزومها لجميع الخلق:
العبادة بمفهومها الشامل الذي يتضمن الشعائر والمعاملات،وكل ما يطاع الله به،لازمة لجميع الخلق، ولا تسقط عن أحد منهم، حتى الأنبياء والرسل ،ينبغي أن يقوموا بها، كلٌّ على حسب استطاعته. و لا يُعْفَى أحدٌ منها أو تخفف عنه، إلا لوجود أعذار مقبولة شرعاً ، كعذر السفر، والمرض ... وهكذا.
وقد زعم قومٌ من المبتَدِعة أنهم غير مطالبين بالتكاليف الشرعية من عبادات وغيرها.وأنَّهم وصلوا إلى درجة عالية من الصلة بالله،حتى أسقط عنهم التكاليف الشرعية. وأنَّهم من الخَواصّ، الذين أدركوا المقصود الأساسي من التشريع، ولذا لا حاجة لهم للعبادات ولا بقية التكاليف، وسموا أنفسهم بـ(أصحاب الحقيقة)، وسموا بقية المسلمين بـ(أصحاب الشريعة) الذين هم فقط مُطالَبون بالتكاليف الشرعية. واحتج هؤلاء المبتدعة بقوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99) ،فهم حسب زعمهم، قد عبدوا الله حتى أتاهم اليقين، وليس بعد اليقين شيء، فسقط عنهم التكليف، وأُحِلّت لهم المعاصي. ويرد على هؤلاء، بأنَّ معنى الآية الصحيح هو: اعبد ربك حتى يأتيك الموت. وتقسيم المكلفين إلى أصحاب حقيقة وأصحاب شريعة تقسيم بدعي مرفوض. فالشريعة في الإسلام هي الحقيقة، وكما نحن مطالبون بالصلة القلبية بالله والخشية منه والإنابة إليه، فإننا مطالبون كذلك بجميع التكاليف الشرعية من عبادات وغيرها، بصورها وأشكالها مع مضامينها وحقائقها .
4-شمول العبادة:
العبادة في الإسلام ليست محصورة في شعائر معينة، وشرائع محددة، بل هي عامة وشاملة لكل الأحكام والتكاليف الشرعية. وتتضمن كل ما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأفعال الظاهرية والباطنية،سواء كانت شعائر أو معاملات أو أخلاق .يقول ابن تيمية رحمه الله: (العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله) .
فالعبادة في الإسلام لا تقتصر فقط على أداء بعض الشعائر كالصلاة والصوم والحج والاستغفار والدعاء مثلاً، رغم أهمية هذه الشعائر، إلا أنَّها ليست هي كل العبادة، بل هي جزء منها، وإن كانت جزءاً مهماً جداً.
وما اصطلح عليه الفقهاء من تقسيم التكاليف الشرعية إلى عبادات ومعاملات ،واطلاق اسم (المعاملات) على التكاليف الشرعية، التي تُنَظِّمُ حياةَ البشر، وتسميتهم للشعائر الأخرى (كالصلاة والصوم والحج والزكاة ...وغيرها) باسم (العبادات)، لا يعني أنَّ القسم الأول مغايرٌ للقسم الثاني وغير داخل في معنى العبادة. وأنَّ الدين كلَّه داخلٌ في معنى العبادة، وإنما قصارى ما في هذا الأمر أن هذا التقسيم هو تقسيم علمي اصطلاحي فني في كتب الفقه، أراد الفقهاء من خلاله التمييز بين نوعين من التكاليف الشرعية.فالعبادة تشمل النوعين ،والمسلم مطالب بالالتزام بأمر الله في كليهما وعليه القيام بهما والحرص علي أدائهما،وفقا لما شرع الله سبحانه وأمر، وأن يؤديهما في اخلاص نية وصدق توجه ،وأن يبتغي في كل ذلك مرضاة الله تعالى.
فكل نيةٍ حسنة ينويها المسلم، وكل حركة يتحركها، أوكلمة ينطقها، تُحتَسب له عبادة ويُثاب عليها، إذا أراد بها وجه الله.ولن تتحقق العبودية التامة لله تعالى، بأداء بعض الشعائر التعبدية كالصلاة والصوم والحج والزكاة، فقط، مع تعطيل شرع الله وترك أوامره ونواهيه في بقية شئون الحياة.
يقول : (الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأوضعها إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبة من الإيمان)، فما بين هذين الحدين: أعلى شعب الإيمان وأدناها، تدخل جميع الأعمال الصالحة، لتُكَوِّن الإيمانَ الكاملَ والعبودية التامة لله تعالى، ويحدث التكاملُ في حياة المسلمِ، المستسلم لمنهج الله.وتصبح حياته كلها لله تعالى ،قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162).
ويتمثل شمول العبادة في جوانب عدة نشير إلى بعض منها:
1ـ التحاكم لشرع الله.
العبادة الحقيقية هي الخضوع التام والاحتكام الكامل لشرع الله ونظامه، في جميع الشئون الحياتية؛ سواءً تلك المتعلقة بالفرد في حياته الخاصة أو العامة، أو المتعلقة بالمجتمع أو الدولة، ومن ذلك (شئون السياسة والحكم ومناهج التربية والقيم الاجتماعية والاقتصادية وغيرها..) ويترتب على ذلك ما يلي:
• إنَّ رَفْضَ التحاكم إلى شرع الله إنما هو خروج عن حقيقة الألوهية، وتمردٍ على حقيقة الربوبية. وليس لمخلوق أن يعطي نفسه الحق في أن يقنن للبشر أوضاعاً وشرائع معارضة لمنهج الله تعالى ونظامه وقانونه.
• أن لا يتخذ الإنسان له مناهج وأنظمة حسبَ ما يملي عليه هواهُ ومزاجه وعقلُه ويَتَّبِعُها مع مضادتها ومخالفتها لمنهج الله. إنَّ من يفعل ذلك يكون -كما عبر القرآن-متخذاً الهوى إلهاً من دون الله. وقد حذرنا الله من ذلك قائلاً: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (الجاثـية:23).
• أن لا يخضع الإنسان لله في نواحٍ حياتية، ويرفض شرعه في نواحٍ أخرى؛ كأن يخضع لله في جانب الشرائع التعبدية المحضة كالصوم والصلاة والزكاة والحج.. مثلاً، ويرفض أوامر الله في بقية شئون الحياة، ويتلقى أنظمة الحياة وقوانينها من عند غير الله، سواءً مما يضعه له عقلُه أو عقول الآخرين من البشر، ولذا قال الله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:85).
2 ـ طلب العلم:
إنَّ السعي لنيل العلم وبذل الجهد لطلبه،عبادة يثاب عليها طالب العلم كما يثاب على صومه وصلاته،إذا ابتغى بعلمه مرضات الله تعالى؛ ولذا جاءت توجيهات النبي ، توضح فضل العلم ومقدار ما لطالبه من ثواب وأجر ،وتحث على طلبه، فيقول : (من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع) ، وجعل العلم من الأعمال التي يستمر ثوابها وأجرها بعد موت المرء،يقول : (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنْتَفَع به، أو ولدٍ صالح يدعو له) . ويقول : (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة) .
وإذا كان طلب العلم ونشره عبادة يثاب عليها المرء، فإنَّ كتم العلم معصية يعاقب عليها، فيقول  (من سُئِل عن علم ثم كتمه، أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ مِنْ نار) . وبناء على هذه الأدلة الكثيرة، ذهب علماؤنا الكرام إلى أنَّ طلب العلم مقدم على نوافل العبادات.
وليس العلم قاصر على ما يعرف بعلوم الشريعة او ما يصطلح على تسميته بالفقه،كما يفهم البعض خطأً ،بل كل علم نافع للانسان يتعلق بنواحي حياته ،فهو علم ينبغي ان يتعلمه بعض المسلمين كفرض كفاية اذا قام به البعض سقط عن الباقين: فما يعرف بالعلوم التطبيقية او التجربيبة ،هي من العلوم التي ينبغي ان يتخصص فيها بعض المسلمين ويتعلموها ،ووفقا لهذا سعى المسلمون خلال التاريخ الى التعلم من الاخرين ،وابدعوا في الرياضيات والكيمياء والفيزياء والعلوم الطبية والفلك والجغرافيا الى غير ذلك من العلوم التي برز فيها علماء، و قامت على ضوئها الحضارة الاسلامية.
3ـ العمل وكسب الرزق:
جعل الإسلام العمل وكسب الرزق عبادة وقربى إلى الله تعالى، وأمر الله بطلب الرزق، والسعي في الأرض، فقال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:10)
وفي السنة: أن النبي  مرَّ على رجل فرأى أصحابُ رسول الله من جَلَدِه ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله! فقال : "إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيل الشيطان" . وقال عن فضل العمل في الزراعة: "ما من مسلم غرس غرسا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة" . وقال  في فضل المتاجرة، والصدق فيها: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء"، وقال: "ما أكل أحدٌ طعاما قط خيراً مِن أنْ يأكل من عمل يده، وإنَّ نبي الله داود عليه السلام، كان يأكل من عمل يده" . ويُعَد العملُ عبادة بشروطٍ، هي:
أـ أن يكون العمل مشروعاً في الإسلام، لأنَّ الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
ب ـ حضور النية الصادقة في العمل، حيث يعمل المسلم نزولا على أمر الله تعالى لنا بعمارة الأرض، مع شرف القصد كإعفاف النفس والسعي على الأولاد... الخ...
ج ـ إحسان العمل وإتقانه، لقوله : "إنَّ الله كتب الإحسان على كل شيء،فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة،وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته،فليرح ذبيحته" .
د ـ التزام أحكام الشرع في العمل، فلا غش ولا كذب ولا خيانة، ولا ظلم.
ﻫ ـ أن لا يكون أداء العمل،على حساب الواجبات الشرعية الأخرى فيؤدي إلى تضييعها أو فواتها، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون:9) وقال: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور:37) .
4ـ الجهاد:
الجهاد مشتق من جهد ،ويراد به بذل الجهد والطاقةكأن يبذل الإنسان جهده وطاقته ويتحمل المشاق في سبيل الوصول إلى هدف معين،والجهاد العبادي هو الجهاد في سبيل الله تعالى. وتتعدد وسائله وطرائقه ،فقد يكون الجهاد بالكلمة والبيان:كما ورد في قوله تعالى:( فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ) الفرقان:52،اشارة الى القرآن. وفي قوله " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"‏.‏ وقد يكون بالمال والنفس كما في قوله تعالى:( انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) التوبة:41.
و الجهاد في سبيل الله من أجَلِّ وأعظم العبادات، وقد بين الله ثواب المجاهدين، وأنَّ كل ما يصيبهم من ألم وتعب ومشقة، لهم فيه أجر من الله عظيم، فيقول: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (التوبة:120-121). ويقول : (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة، خير من الدنيا وما عليها، والرَّوْحة يَرُوحُها العبد في سبيل الله تعالى أو الغَدْوة، خير من الدنيا وما عليها) .
ويعد الجهاد من أفضل الأعمال بعد الإيمان؛ فلقد سئل النبي : أيَّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور" . ويقول : "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو، مات على شعبة من النفاق" .
وهنا لا بد من الاشارة الى مصطلح الجهاد وما ارتبط به من سوء فهم ،وتصويره بان المراد به مقاتلة غير المسلمين و القضاء عليهم باعتبارهم كفارا. كما ذهب الى ذلك بعض المستشرقين والمتحاملين عليى الاسلام ،واتهامه بأنه انتشر بالسيف الى غير ذلك من الشبهات التي ليس هذا مجال الرد عليها ودحضها. واذا رجعنا الى كلمة الجهاد وجذرها اللغوي نجد ان الكلم مشتقة من " جهد" ،ولها عدة معاني مترادفة من بينها: الجهد ، الوسع ، الطاقة ( فى الرأى والنفس ) والمجهود ، والمشقة ، والقدر من الاحتمال ، أما الجهاد بمعنى المجاهدة والقتال فى سبيل الله ومحاربة الأعداء وصد الهجوم عن أمة الإسلام، فهو آخر ما يرد من معاني لهذا الجذر. وكلها مترادفات تستخدم فى اللغة العربية، وفي الحياة بكافة مجالاتها. ،ومن ثم استخدمت كلمة الجهاد مرتبطة بالقرآن ،كما في قوله تعالى: (فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا )، إشارة إلى جهاد الدعوة والحُجة وذلك ببذل الوسع والطاقة في مدافعة الباطل الاعتقادي والفكري بهذا القرآن ، وذلك بابلاغ آياته والاحتجاج ببراهينه وبأحكامه وعقائده ،وما فيه من زواجر ،وهذا النوع من الجهاد سابق ومقدم على جهاد السلاح والسنان( القتال)، وذلك - كما قال ابن القيم -: «لعظيم منفعته، وشدة مؤنته، وكثرة أعدائه»، ولأنه لولا قوة الحجة، لما أفادت حجة القوة، ولما أدت شرعة الجهاد مقاصدها من الهداية والإصلاح، ودخول الناس في دين الله أفوجاً، "
.والجهاد بمعنى القتال لم يشرع في الاسلام، إلا إذا كان لضرورة معينة واهداف محددة من اهمها :الدفاع عن النفس الذي هو حق مشروع لمن اعتُدِيَّ عليه أو ظُلِمَ أن يدفع عن نفسه العدوان، ويرفع الظلم الذي يقع عليه.وقد كفلت كل القوانين البشرية والأديان السماوية والوضعية هذا الحق. كما شرعت الحرب لرد الظلم ورفع الاضطهاد عن المستضعفين، ومن لا قدرة لهم و لا حيلة على رد العدوان. ،كما شرعت الحرب في الإسلام للرد على نقض المعاهدات ونكث العهود،من قبل الآخرين. ، و قد يشرع القتال لدرء من أراد فتنة المسلمين عن دينهم، والسعي بالفساد بينهم، وتهديد سلامة المجتمع والدولة الإسلامية، الى غير ذلك من الاهداف المشروعة .كما يجري الجهاد، وفقاً لضوابط مشددة،من بينها : حماية غير المقاتلين من النساء والصبيان والعجزة والشيوخ وغيرهم ممن يطلق عليهم المدنيين،وعدم التعرض لرجال الدين الذين انقطعوا للعبادة ولم يشاركوا في الحرب ،فهؤلاء جميعاً يأمر الإسلام بحمايتهم وتوفير الأمن لهم. ومن ضوابط الحرب في الأسلام، عدم استخدام الأسلحة الفتاكة: أو ما يعرف بأسلحة الدمار الشامل مثل: الأسلحة الكيماوية، والأسلحة الجرثومية، أو القنابل النووية، أو القنابل الحارقة ،التي تؤدي إلى هدم الدور وحرق الأراضي وتدمير المباني،وقتل الحيوانات.فهذا كله من الإفساد في الأرض الذي نهى عنه الله سبحانه وتعالى، الى غير ذلك من الضوابط والاداب والتعاليم التي وضعها الاسلام للحرب، كي يخفف من آثار ها السالبة،ومما تسببه للناس من مآسي ،اذا ما اضطر المسلمون إلى خوضها ،مما يمكن أن نسميه "آداب القتال" أو قانون الحرب، او اخلاقياتها،ويدخل في ذلك كيفية التعامل مع الاسرى التي فصلها الشرع الاسلامي,
6ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين . يقول : "والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" . ويقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" . ويقول أبو بكر الصديق :يا أيها الناس إنَّكم تقرؤون هذه الآية، وتؤولونها على خلاف تأويلها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) (المائدة:105) وإنِّي سمعت رسول الله  يقول: "إنَّ الناس إذا رأوا ظالماً فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ" .
بل إنَّ من شروط الخيرية لهذه الأمة أن تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران:110 . ويقول عمر : "من سرّه أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها" .
7ـ الامتناع عن المنكر:
قد يمتنع الإنسان عن معصية معينة، ليس نزولاً على أمر الله بتركها، وإنَّما يمتنع عنها لسبب آخر، كأن يمتنع إنسان عن شرب الخمر لأنَّها تُضِر بصحته، ، أو يترك آخر الزنى خوفاً من الأمراض الجنسية، وليس استجابة لأمر الله بتحريمه، فهؤلاء يسعون لحماية أنفسهم من الأمراض وحفظ صحتهم فحسب، فينالون ما يبتغون،ولكن ليس لهم من الأجر شيء. ولكن مَن ترك هذه المعاصي استجابة لأمر الله، فلا شك أنَّه يُؤجَر على هذا الترك لها،لاستجابته لأمر الله وطاعته له بترك المعاصي التي تشتهيها النفس وتدعو إليها الغرائز، فضلاً عن حفظه لصحته، وحماية نفسه من الأمراض، فينال بذلك خيري الدنيا والآخرة.
8ـ العبادة في مجال العلاقات والأعمال الاجتماعية:
الأعمال الاجتماعية النافعة كلها عبادة لله، إذا صحت فيها النيةُ ، وجانبها الرياءُ وطلبُ السُّمْعة الزائفة أو المكاسب الدنيوية، وكان أداؤها خالصا لوجه الله تعالى.
وباستعراض بعض أحاديث النبي ،يتضح لنا مدى سعة مفهوم العبادة في الإسلام وشمولها لكثير من الأنشطة الاجتماعية والحياتية،فاصلاح ذات البين عبادة:يقول : (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة) .وعيادة المريض عبادة: يقول  (من عاد مريضا أو زار أخاَ له في الله، ناداه مناد: أن طِبْتَ وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً) .وإماطة الأذى عن الطريق عبادة: يقول : "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخَّرَه، فشكر الله له، فغفر له" .
وهكذا يتسع مجال العبادات ليشمل كثيراً من المناشط الاجتماعية: يقول : "على كل مسلم صدقة، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: فيعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا: فإن لم يفعل، قال: فليأمر بالخير أو قال: بالمعروف، قال: فإن لم يفعل؟ قال: فليمسك عن الشر فإنه له صدقة"
ويقول : "كل سلامى من الناس عليه صدقة،كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته، فيحمله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة" .
أثر العبادة في حياة المسلم:
للعبادة آثار كثيرة يتمثل بعضها في علاقة الإنسان بربه ،وبعضها في علاقته بنفسه ،وبعضها في علاقته بالمجتمع من حوله:
أثر العبادة في علاقة الإنسان بربه:من أثر العبادة ،أنَّها تقربِ المسلمِ من ربه، فيحظى بتوفيق الله ورعايته وحفظه وحمايته الكاملة، قال فيما يرويه عن ربه: "وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّهُ؛ فإذا أحببتُهُ، كنتُ سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإنْ سألَنِي أعطيته، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه" .كما يتحقق للمسلم- بأداء العبادات الخالصة التامة، مع الاستسلام فيها لله، والتسليم بحكمته فيها، - كمال العبودية لله تعالى، ويتحقق بناء على ذلك كمالُ التحرر للإنسان من كل ما سوى الله، فيصبح المسلمُ الحق هو (الحُرُّ) الحقيقي في الحياة؛ حيث يتعالى على قيود الدنيا ومطامعها.
أثر العبادة في تزكية الفرد : تؤدي العبادات إلى تزكية النفس وترقيتها وتطهيرها ليتحقق لها الكمال الإنساني؛ يقول : "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجْتَنَبَ الكبائر" . وبالصلاة تتحقق الاستقامة الأخلاقية: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (،العنكبوت:45. وينتج عن الصوم التقوى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) يقول الرسول  :"من لم يدع قول الزور والعمل به ،فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". ، وفي الحج فوائد تربوية كثيرة منها: تطهير الإنسان من الذنوب، فقد ورد عنه : (من حج لله، فلم يَرْفُث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) . وفي الزكاة والصدقات غرسٌ لخلق الكرم والإيثار، وتعالٍ عن الشح والأثرة، وتزكية للنفس وتطهير: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة:103) .. وهكذا بقية العبادات..
شمول العبادة في الإسلام لكل كيان الإنسان وحركاته، يجعل الحياة بكل مظاهرها في نظر المسلم ذات قيمة عظيمة؛ حيث يصبح عابدا لله في كل حركاته وسكناته، وينظر المسلم للحياة نظرة المتفائل؛ فله في كل حركة أجر، وفي كل فكرة ثواب، وفي كل نظرة حَسَنةٌ، فتصطبغ حياته بالخيرية في كل جوانبها، فيرتاح ضميره، ولا يضجر قلبه، بخلاف أولئك البعيدين عن منهج الله الذين يشعرون بالفراغ والقلق والضيق نتاج هذا البعد، فيهربون من كل ذلك إما إلى سُكْرٍ ومخدرات أو ينهون حياتهم بالانتحار؛ لأن حياتهم فقدت قيمتها ،ولم يعد لوجودهم معنى.
أثر العبادة في المجتمع : صلاة الجماعة في المسجد وصلاة الجمعة والأعياد، تعمق قيمة الانتماء الجماعي والتآلف والمحبة بين المسلمين، وقد قال : (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئبُ القاصيةَ) ، والأحاديث في أهمية الجماعة كثيرة.ومن خلال الصلوات الجماعية يتعلم المسلم مجموعة آداب اجتماعية؛ منها:
1-احترامه لنفسه، واحترامه لغيره، وتقديم الكبير في العلم والسن، وعدم التقدم على الآخرين إلا برضاً منهم، ويبرز هذا في قوله  "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم"، وذكر منهم: "وإمام قوم ،وهم له كارهون" وورد: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا وَلاَ يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلاَ يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِه" .
2-تعلمنا العبادات (قيمة الزمن)، وهي قيمة حضارية، لها دورٌ كبير في بناء الأمم، فكل صلاة لها وقت معلوم: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء:103) ،والحج كذلك له مواقيت معلومة: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (البقرة:189) ، وكذا بقية العبادات الشرعية المتوقف قبولها على أدائها في وقت محدد، فإنها تُعَوِّد المسلمَ مراعاة الوقت والمحافظة عليه بدقة متناهية، وينعكس هذا بدوره على جميع أعماله وحركاته الحياتية. وهو من أهم ما تحتاجه أمتنا اليوم. بل إنَّ الإسلام يحثنا على مسابقة الزمن واستباق الأوقات في تحصيل الخير، وهو بُعْدٌ حضاري مهم يبارك في حياة المسلم وحياة أمته كلها، قال الله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة:148) ، ويقول : "اللهم بارك لأمتي في بكورها" . وقد ورد عنه ، الحث على التبكير لصلاة الجمع.
3-أداء العبادة بمفهومها الصحيح الشامل الذي أراده الله يحقق العزة والتمكين والاستخلاف في الأرض. قال الله تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55) .
4-واخيرا فإن العبادة في الاسلام لها ارتباط وثيق بسلوك االمسلم في خاصة نفسه ومع الاخرين ،والمتأمل في آيات القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية يجد تأكيداً على هذا الارتباط ، ولكن واقع المسلمين عموماً وبين السودانيين خاصة ، يشهد انفصامًا بين العبادات وبين السلوك والتعامل اليومي مع الآخرين،لاسيما بعد الحرب الدائرة الان،اذ ان السودانيين لم يعودوا يحتمل بعضهم بعضا،كما يظهر من خلال نشاط الجميع من خلال وسائل الميديا الاجتماعية،اذ نجد البذاءة في الالفاظ وسوء الادب في العبارات ،وسوء الظن بالاخر الذي قد لا يعرف. ونأمل ان يكون في رمضان وقفة مع النفس ومراجعة لاساليب الخطاب مع الآخرين ،وان نقترب من تعاليم ديننا الحنيف ، وأن يظهر أثر العبادة في سلوكنا. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"،والصوم ينبغي ان يقود الى التقوى ، وانه لا رفث ولا فسوق في الحج ،وان الزكاة تزكية للنفس من الشح والبخل وتزكية للاموال . والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، هو الآخَرُ يقي المجتمعَ من العقائدِ الفاسدة، والطِّباع المُعوجَّة، والسلوكيات المُنحرفة ،فلا يكفي أن تؤدي العبادات لكي يكون المرء مسلمًا حقًّا، وإذا لم ينعكس أثر هذه العبادات على تعامل المرء مع من حوله، فلا خير في هذه العبادة ولا ثمرة لها.
وفي الختام نسال الله ان يوفقنا لصيام هذا الشهر الفضيل ،وان يتقبل منا جميعا الصيام والقيام ،وان يعتق رقابنا ورقاب والدينا ومن نحب من النار، وان يتقبل منا الطاعات،وان يرفع عن بلادنا الكروب والمحن ،ويقينا وبلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
أ.د. احمد محمد احمد الجلي


ahmedm.algali@gmail.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر قال الله تعالى الى غیر ذلک من فی قوله تعالى فی سبیل الله الله ورسوله فی العبادة قال تعالى طلب العلم رسول الله لله تعالى فی الأرض غیر الله أمر الله شرع الله عند الله على ذلک وإن کان من خلال الله فی على هذا لله فی فإن لم التی ت ه الله د الله ورد عن

إقرأ أيضاً:

عيد الفطر في مصر طقسًا دينيًا لا يشبه سواه بالعالم العربي والإسلامي.. صور

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

يُطلُّ عيد الفطر كنسمةٍ باردةٍ بعد عناء الصيام، وكقطرةِ ندى تتهادى على خدودِ الفجر، يُعلن انتهاء شهرِ الرحمة والمغفرة، ليُشعل في القلوب شموعَ البهجة، ويكسو الوجوه بنورِ الرضا والسرور، وما إن يهلُّ هلالُ العيد حتى تتراقص الأرواح فرحًا، وتصدحُ المساجدُ بالتكبيرات التي تملأُ الآفاق بخشوعٍ يفيضُ من القلوب، فترتجفُ النفوسُ بين رهبةٍ من عظمة المولى وسعادةٍ بغفرانه، وفي شوارع مصر، تفيض الحياةُ بحُلّةٍ جديدةٍ من البهجة، حيث تتعانقُ الأيادي، وتتلألأ العيونُ بدموعِ الامتنان، وتمتلئ البيوتُ بأصواتِ الضحكات، وتنتشر رائحةُ الكعك التي تعبقُ في الأرجاء، وكأنها ترسمُ بسحرها لوحةً من الدفء والمحبة، كما يرتدي الصغارُ ثيابَ العيد الزاهية، تتراقصُ أقدامُهم على ألحانِ السعادة، ويجوبون الشوارع بوجوهٍ مشرقةٍ كأنها قِطَعٌ من نورِ الفجر.

وفي الساحات، تمتدُّ موائدُ الخير، يتزاور الأحباب، وتُغدَقُ الأيدي بصدقاتٍ تضيءُ دروبَ الفقراء، فيتجلّى المعنى الحقيقي للعيد كعرسٍ للمحبة والتكافل، وتتهادى المراكبُ على نيل القاهرة مزدانةً بالأنوار، تُعانقها أمواجُ الفرح، وكأن النيلَ نفسه يبتسمُ في حضرةِ البهجة، هنا العيدُ في مصر، حيث يمتزجُ عبقُ التراثِ بفرحة القلوب، فتولدُ ذكرياتٌ تُحفرُ في الوجدان، شاهدةً على فرحةٍ تُشبه النور، لا تنطفئُ أبدًا مها مر الزمان واختلفت العصور.

عيد الفطر في مصر.. طقس ديني وشعبي مميز عن الدول العربية والإسلامية

تتزين شوارع مصر مع اقتراب هلال شوالببهجةٍ خاصة، تفوح منها رائحة الفرح، وتنبض قلوب المصريين بانتظار لحظات العيد التي تأتي كنسمةٍ عذبةٍ بعد شهرٍ من الصيام والعبادة، فالعيد في مصريُعد طقسًا دينيًا وشعبيًا أيضُا، واحتفالًا يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، حيث يختلط عبق التراث بوهج الحداثة، ليشكل مشهدًا فريدًا لا يشبه أي بلدٍ آخر.

ففي الأيام الأخيرة من رمضان، تشهد الأسواق المصرية زحامًا غير مسبوق، فالكل يسارع لشراء ملابس العيد الجديدة، التي تُعد واحدة من أبرز طقوس الاحتفال، خاصةً للأطفال الذين ينتظرون بفارغ الصبر ارتداء ثيابهم الزاهية صباح يوم العيد، وفي المطابخ تتحول الأمهات إلى فناناتٍ في صنع "كك العيد"، ذلك الطقس المتوارث منذ العصر الفاطمي، حيث تمتلئ البيوت برائحة الكحك المحشو بالتمر والمكسرات، إلى جانب البسكويت والغُريبة والبيتيفور، ولا تخلو الشوارع من أصوات بائعي الحلوى والمخبوزات، الذين يرددون العبارات الترحيبية بالعيد وكأنها أنغام تُدخل البهجة إلى القلوب، أما المساجد، فتتهيأ لاستقبال المصلين فجر يوم العيد، حيث تُنظف الساحات، وتُفرش السجادات، وتُجهز مكبرات الصوت التي تصدح بالتكبيرات، فتشعر وكأن مصر بأكملها تتحول إلى ساحة عبادة واحدة تمتد من شمالها إلى جنوبها.

ويبدأ يوم عيد الفطر المبارك في مصر بصلاة الفجر، يعقبها خروج العائلات إلى الساحات والمساجد لأداء صلاة العيد، حيث تصطف الصفوف، وتتردد تكبيرات العيد بأصوات تتداخل فيها الفرحة والسكينة، وبعد الصلاة، تبدأ التهاني الحارة والمصافحات بين الناس، حيث تتجلى روح المحبة والتآخي، وبعد العودة إلى المنازل، يجتمع أفراد العائلة حول مائدة الإفطار التي يغلب عليها طابع مصري خالص، حيث يكون كعك العيد هو الملك المتوج إلى جانب الشاي بالحليب أو القهوة، يليها انطلاق الأطفال للحصول على "العيدية"، تلك العادة التي تُبهج القلوب، حيث يمنح الكبار النقود للصغار ليشعروا بفرحة العيد ويشتروا ما يحلو لهم.

أما الحدائق والمتنزهات، فتكون الوجهة الأولى للعائلات، حيث تمتزج ضحكات الأطفال مع أصوات الباعة المتجولين الذين يعرضون البالونات والحلوى، وعلى ضفاف نهر النيل، تتهادى المراكب النيلية محملة بالعائلات والشباب، الذين يفضلون قضاء يوم العيد وسط الطبيعة الساحرةـ فالعيد في مصر يمتاز بطابعه الشعبي والاجتماعي، حيث تتحول الشوارع إلى ساحات احتفال مفتوحة، تعج بالحركة والبهجة، وعلى عكس بعض الدول التي يقتصر فيها العيد على التجمعات العائلية والمناسبات الرسمية، فإن الاحتفال في مصر يتخذ طابعًا جماهيريًا، حيث يشارك الجميع، حتى الغرباء، في أجواء الفرحة.

كما أن "كحك العيد" يُعد طقسًا مميزًا في مصر بشكلٍ خاص، إذ نادرًا ما تجد بلدًا عربيًا يحتفل بهذه الحلوى بنفس الشغف والاهتمام الذي يبديه المصريون، ولا يقتصر الاحتفال على المدن فقط، بل تمتد أجواء العيد إلى القرى، حيث تتسم بالبساطة والدفء العائلي، فتقام التجمعات الكبيرة، وتُذبح الأضاحي أحيانًا كتعبير عن الكرم والاحتفال.

أما في الدول الخليجية، فغالبًا ما يكون الاحتفال داخل البيوت أو في المولات الكبرى، بينما في المغرب العربي، تأخذ الأعياد طابعًا أكثر هدوءًا وتركيزًا على العادات الأسرية، أما في تركيا وإندونيسيا، فتبرز العادات الدينية مثل زيارة المقابر وتوزيع الصدقات، لكنها لا تحمل الطابع الشعبي الصاخب كما هو الحال في مصر.

سر ارتباط الكحك بعيد الفطر عند المصريين.. عادة فرعونية بلمسة إسلامية

لا يكتمل عيد الفطر في مصر دون رائحة الكحك والبسكويت التي تعبق في البيوت والأسواق، وكأنها إعلان رسمي عن قدوم العيد، فهي جزء من الهوية الثقافية للمصريين ولها امتداد لتاريخ طويل يعود إلى آلاف السنين، وليست مجرد تقليد موسمي، فما سر هذا الارتباط العريق بين عيد الفطر وصناعة الكحك، وكيف انتقلت هذه العادة إلى المصريين في العصور الإسلامية

يعود تاريخ الكحك إلى العصر الفرعوني، حيث كان المصريون القدماء يعدون "كحك القمح" في المناسبات الدينية، وخاصة في أعيادهم الكبرى، وقد كشفت النقوش على جدران معابد الدولة الحديثة (حوالي ١٥٠٠ ق.م) عن صور لصناعة الكحك بأشكال مختلفة، وكان يُقدم كقرابين للآلهة داخل المعابد، كما عثر علماء الآثار على قوالب حجرية منقوشة برسوم مختلفة، كانت تستخدم لصناعة كعكات محشوة بالعسل والمكسرات، تشبه تمامًا الكحك الذي نعرفه اليوم.

ورغم أن الكعك ظل موجودًا في مصر عبر العصور، إلا أن العصر الفاطمي (٩٦٩ - ١١٧١ م) كان نقطة التحول الحقيقية في ارتباطه بعيد الفطر، وقد اشتهر الفاطميون بحبهم للاحتفالات الباذخة، وكانوا يعتبرون المناسبات الدينية فرصة لتعزيز التواصل بين الدولة والشعب، وكان الخليفة الفاطمي يخصص “دار الفطرة” (وهي مخبز حكومي ضخم) لإنتاج كميات هائلة من الكعك، تُوزع على الفقراء والموظفين، وكان يُزين في ذلك العصر بنقوش مميزة، تحمل عبارات مثل "كل واشكر"، وكان يُقدم مع العيدية للأطفال والضيوف،كما انتشرت القوالب المزخرفة لصناعته في كل بيت، وتحولت عملية تحضيره إلى مناسبة اجتماعية تجتمع فيها العائلات لإعداده قبل العيد.

ومع دخول العصر المملوكي (١٢٥٠ - ١٥١٧ م)، بدأ المصريون في إدخال أنواع جديدة من الحلوى إلى موائد العيد، حيث اشتهرت الغريبة والبسكويت المُحلى، وكان الأمراء المماليك يقدمون هذه الحلويات في ولائم العيد الفاخرة، أما في العصر العثماني (١٥١٧ - ١٨٠٥ م)، فقد أضيفت بعض النكهات الشرقية مثل ماء الورد والفانيليا إلى وصفات الكحك والبسكويت.

ولم تفقد صناعة الكحك مكانتها رغم تغير الزمن، بل أصبحت أكثر انتشارًا مع تطور المخابز والمحال التجارية، ولا تزال الكثير من العائلات المصرية تحافظ على عادة تحضيره منزليًا قبل العيد، حيث تتجمع السيدات لصناعته، في جو يملؤه الفرح والحنين إلى التقاليد القديمة، كما أصبح شراء الكحك الجاهز من المخابز الكبيرة خيارًا مريحًا للكثيرين، خاصة مع توفر أنواع مختلفة تناسب جميع الأذواق.

ويمكن أن تفسير هذا الارتباط القوي بين الكحك والعيد بعدة عوامل منها، الطابع الاجتماعي حيث أن تحضيره يخلق جوًا عائليًا خاصًا، ويعزز روح المشاركة بين أفراد الأسرة، وهو رمز للفرح والمكافأة بعد شهر كامل من الصيام والعبادة، ليأتي العيد ليكون يوم الفرح والتكريم، وقد توارث المصريون هذا التقليد، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من هويتهم وثقافتهم.

عيد الفطر في مصر.. رحلة في عراقة الطقوس والتجدد في الاحتفالات

لا تنتهي أجواء الفرح بانتهاء رمضان، بل تمتد إلى عيد الفطر المبارك، الذي يعد واحدًا من أجمل المناسبات الدينية والاجتماعية في مصر. فهو موسم للبهجة واللمة العائلية والتقاليد الموروثة، وتبدأ مظاهر العيد مع غروب شمس آخر يوم من رمضان، حيث تعلن “دار الإفتاء المصرية” رؤية الهلال، فتنطلق الزغاريد في البيوت، وتبدأ الاستعدادات لاستقبال العيد بأجمل صورة.

وتبدأ احتفالات العيد في صباح اليوم الأول بـ “صلاة العيد”، وهي من أهم مظاهر الفرحة الجماعية، حيث تمتلىء المساجد والساحات الكبرى بالمصلين، ويتوافد الرجال والنساء والأطفال بملابس العيد الجديدة، مكبرين ومهللين بصوت يملأ الأجواء سعادةً وروحانيةً، وفي بعض المناطق، تُقام الصلوات في الساحات المفتوحة، مثل ميدان الحسين، وجامع الأزهر، وساحة مسجد عمرو بن العاص، بينما في القرى تُخصص أماكن في الأراضي الواسعة أو الملاعب، وبعد الصلاة، يبدأ الجميع في تبادل التهاني والعناق، وتوزيع الحلوى على الأطفال.

ولا يمر العيد في مصر دون “كحك العيد”، الذي أصبح رمزًا ثابتًا للفرحة، فمع الساعات الأولى من الصباح، يبدأ المصريون بتقديم الكعك والبسكويت والغُريبة مع الشاي أو القهوة، في عادة توارثوها منذ العصر الفاطمي، سواء كان الكعك منزلي الصنع أو جاهزًا من المخابز، فهو جزء أساسي من العيد، يربط الأجيال الجديدة بتراث الماضي.

ولعل من أجمل تقاليد العيد في مصر "العيدية"، حيث يُعطي الكبار الصغار نقودًا جديدة تعبيرًا عن الفرح والمباركة، وينتظر الأطفال العيد بفارغ الصبر للحصول على أوراق نقدية لامعة، والتي يستخدمونها لشراء الألعاب أو الحلوى، كما يتبادل الكبار العيديات أحيانًا، كنوع من المجاملة والمودة.

ويُعتبر العيد فرصة مثالية لصلة الأرحام، حيث يحرص المصريون على زيارة الآباء والأجداد والأقارب، وقضاء أوقات دافئة مع العائلة، كما تمتلئ الموائد بأشهى الأطباق، وتُقام الولائم التي تجمع الأحباب بعد شهر من الصيام والعبادة، وبعد الزيارات العائلية، يخرج المصريون إلى المتنزهات والحدائق العامة والملاهي للاستمتاع بأجواء العيد، ومن أشهر أماكن التجمعات، حديقة الأزهر وحديقة الحيوان بالجيزة، حيث تتجمع الأسر لقضاء يوم ممتع، كما يزدحم كورنيش النيل بالعائلات والأطفال، حيث يستمتعون بجولات نيلية في المراكب، وكذلك الملاهي والمتنزهات الترفيهية مثل دريم بارك وحديقة الفسطاط،ويميل المصريون بعد شهر من الصيام، إلى تناول أطعمة غنية بالسعرات في العي، فيفضل البعض الفسيخ والرنجة، بينما يذهب آخرون إلى اللحوم المشوية والمحشي، وفي المساء، تعود العائلات إلى الحلوى مثل الكعك والبسكويت والآيس كريم.

ويتميز العيد بطابع أكثر بساطة وألفة في القرى المصرية، حيث تبدأ الاحتفالات منذ ليلة العيد بالتكبيرات من المآذن، ثم بعد صلاة الفجر، ثم توزع اللحوم على الفقراء والجيران، فيما يتجمع الأهالي في "الدوار" أو ساحات القرية لتبادل التهاني، وسط أجواء مبهجة، وتتنوع مظاهر الاحتفال في المدن الكبرى، حيث تُنظم الحفلات الغنائية والعروض المسرحية، خاصةً في دار الأوبرا المصرية والمسارح العامة، كما تعرض السينمات أحدث الأفلام، مما يجعل العيد فرصة للترفيه والانطلاق بعد شهر من العبادة والصيام.

الصيام وعيد الفطر.. رحلة روحية بدأت في السنة الثانية للهجرة

الصيام هو ركن من أركان الإسلام الخمسة، وقد فُرض على المسلمين لأول مرة في السنة الثانية من الهجرة، أي بعد هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، وكان بمثابة اختبار إيماني جديد للمسلمين، حيث لم يكن الصيام معروفًا لديهم بالشكل الذي جاء به الإسلام، بل كان يُمارَس بشكلٍ جزئي عند بعض القبائل، وأيضًا عند بعض أهل الكتاب.

وقد جاءت فرضية الصيام عبر آياتٍ من سورة البقرة، حيث قال الله تعالى: *"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"* (البقرة: 183)، وكان الصيام في بدايته يُخير المسلم بين أن يصوم أو يطعم مسكينًا، لكن بعد ذلك أصبح الصيام فرضًا على كل قادر، باستثناء أصحاب الأعذار الشرعية، ومع انقضاء شهر رمضان من تلك السنة، شهد المسلمون أول عيد فطر في حياتهم، وهو أول عيد رسمي في الإسلام، حيث شرّعه الله ليكون يوم فرح وسعادة بعد شهر من الصيام والقيام.

ويذكر أنه كان أول عيد فطر يحتفل به المسلمون في الأول من شوال، للسنة الثانية من الهجرة، قد جاء في وقت كانت فيه المدينة المنورة تشهد تغيرات كبيرة، فقد بدأ المجتمع الإسلامي يتشكل، وكانت هناك تحديات داخلية وخارجية، خاصة مع تصاعد الصراع مع قريش، ورغم هذه التحديات، كان يوم العيد يومًا للفرح، حيث اجتمع المسلمون وأدوا صلاة العيد للمرة الأولى، فكانت لحظة استثنائية تبعث الأمل في قلوبهم، وتؤكد لهم أن الإسلام لا يقتصر على العبادة والصبر، بل يشمل أيضًا الفرح والاحتفال المشروع، وفي ذلك اليوم، أمر النبي ﷺ المسلمين بإخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، تطهيرًا للصائمين وتعويضًا عن أي تقصير في الصيام، وأوصى بالتكبير والتهليل، ونشر السعادة بين الناس.

وقد خرج الرجال والنساء والأطفال إلى المصلى، مرددين تكبيرات العيد، مرتدين أفضل ما لديهم من ثياب، وقد بدت على وجوههم السعادة بأول عيد يمر عليهم وهم أمةٌ موحدة، لها طقوسها وشعائرها الخاصة، وصلاة عيد الفطر هي سنة مؤكدة عن النبي ﷺ، تقام بعد شروق الشمس بوقت قصير، ووقتها يمتد إلى قبيل الظهر، وتُؤدى الصلاة في العراء أو في المساجد الكبيرة، وتجمع المصلين في صفوف متراصة تعبيرًا عن وحدة المسلمين وتآخيهم.

وتتكون صلاة العيد من ركعتين، يُكبِّر الإمام في الركعة الأولى سبع تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات بعد تكبيرة القيام، وبعد الفراغ من الصلاة، يخطب الإمام خطبتين يُذكِّر فيهما المسلمين بأهمية العيد، وزكاة الفطر، وصلة الرحم، ويحثهم على نشر المودة والفرح بين الناس.

وقد حثَّ النبي ﷺ المسلمين على إظهار الفرح والبهجة في العيد، وجعل ذلك من مظاهر الدين الإسلامي، فقد قال ﷺ: "لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِندَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِندَ لِقَاءِ رَبِّهِ"، كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "قدِمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، ولهم يومانِ يلعبونَ فيهما، فقال: ما هذانِ اليومانِ؟ قالوا: كنا نلعبُ فيهما في الجاهليةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: إنَّ اللهَ قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يومَ الأضحى، ويومَ الفطرِ"، مما يؤكد أن العيدين في الإسلام مناسبتان شرعهما الله ليكونا يومي فرح وسعادة، بديلين عن أعياد الجاهلية.

وكان النبي ﷺ يُظهر البهجة بنفسه، فقد ورد أن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ وعندي جاريتانِ تغنيانِ بغناءِ بُعاثٍ، فاضطجع على الفراشِ وحوَّل وجهَه، فدخل أبو بكرٍ فانتهرني، وقال: مزمارُ الشيطانِ عندَ النبيِّ ﷺ؟ فقال النبيُّ ﷺ: دَعْهُما يا أبا بكرٍ، فإنها أيامُ عيدٍ"، مما يشير بوضوح إلى أن العيد يوم للفرح المشروع، وأن الترفيه المباح، خاصة للأطفال، من السنن التي دعا إليها الإسلام.

قصة دخول الإسلام إلى مصر على يد عمرو بن العاص

دخل الإسلام مصر عام 641م، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب عام 20 هـ، على يد القائد عمرو بن العاص، الذي قاد جيش المسلمين لفتح البلاد بعد فتح الشام، وكانت مصر آنذاك تحت حكم الدولة البيزنطية، وكان أهلها من الأقباط، الذين يعانون من الاضطهاد الديني على يد الرومان، إذ كانوا يفرضون مذهبهم الديني بالقوة، ويضطهدون أصحاب المذاهب المخالفة، وعلى رأسهم الأقباط الأرثوذكس.

وعندما وصل عمرو بن العاص بجيشه إلى مشارف مصر، واجه مقاومة من الحاميات البيزنطية في عدة مواقع، أبرزها حصن بابليون في منطقة الفسطاط، ولكن القتال لم يكن عنيفًا جدًا من جانب الأقباط، إذ رأوا في المسلمين قوةً محررةً من الاضطهاد الروماني لهم، وبالفعل عندما فتح عمرو بن العاص حصن بابليون بعد حصار طويل، تفاوض مع البطريرك بنيامين الأول، الذي كان مختبئًا بسبب اضطهاد الرومان، وعرض عليه حماية الأقباط وحرية ممارسة شعائرهم الدينية.

ولم يكن استقبال الأقباط لعمرو بن العاص موحدًا، فقد انقسموا بين مرحبٍ ومتوجس، فكانت الفئة الأولى وهي الأغلبية، يرون في المسلمين محررين لهم من اضطهاد الرومان، الذين فرضوا عليهم الضرائب الباهظة وحاربوا مذهبهم الديني، ففضلوا العيش تحت حكم المسلمين، خاصةً بعد أن قدم عمرو لهم الأمان وحرية العبادة، أما الفئة الثانية، التي كانت مقربة من السلطة البيزنطية، فقد خافت من التغيير، لكن مع مرور الوقت، أدركوا أن الحكم الإسلامي أكثر تسامحًا مقارنةً بالرومان.

وقد أصدر عمرو بن العاص عهدًا بالأمان لأهل مصر، يضمن لهم ممارسة شعائرهم الدينية بحرية مقابل دفع الجزية، وهو أمر كان أخف وطأة عليهم من الاضطهاد الذي تعرضوا له من الرومان، كما حافظ المسلمون على الكنائس والأديرة ولم يجبروا الأقباط على الدخول في الإسلام، بل تركوهم أحرارًا في دينهم، ولم يكن دخول الأقباط إلى الإسلام فوريًا أو قسريًا، بل جاء تدريجيًا وعلى مراحل طويلة، ففي البداية ظل الأقباط محافظين على ديانتهم، لكن مع مرور العقود، بدأ الكثيرون منهم يعتنقون الإسلام لعدة أسباب، منها، التخفيف من الأعباء المالية، حيث كان غير المسلمين يدفعون الجزية، بينما كان المسلمون يدفعون الزكاة، التي كانت في بعض الأحيان أقل من الجزية، فاختار البعض الدخول في الإسلام لتخفيف الأعباء المادية، وكذلك الاندماج في المجتمع الجديد، فمع انتشار الإسلام كلغة وثقافة في مصر، وجد الكثير من الأقباط أن اعتناق الإسلام يمنحهم فرصًا أفضل في المجتمع، سواء من حيث الوظائف أو المكانة الاجتماعية، كما اعتنق بعضهم الإسلام عن قناعة دينية، متأثرين بمبادئه وتعاليمه التي تدعو إلى التوحيد والعدل والمساواة، ومع مرور الزمن، بدأ الزواج بين المسلمين والأقباط يؤدي إلى تحول بعض الأسر إلى الإسلام تدريجيًا.

وقبل دخول الإسلام، كانت اللغة القبطية هي السائدة بين المصريين، وهي اللغة التي تطورت من اللغة المصرية القديمة، ولكن مع الفتح الإسلامي، بدأ التأثير العربي يتزايد تدريجيًا، ومرت مصر بعدة مراحل لغوية، ففي البداية، استمر الأقباط في التحدث باللغة القبطية، بينما كان المسلمون يتحدثون العربية، ومع اختلاط السكان في الأسواق والمساجد والإدارات الحكومية، بدأت العربية تنتشر تدريجيًا، ثم جاء تعريب الدواوين (الإدارات الحكومية) في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان (أواخر القرن السابع الميلادي)، فأصبحت اللغة العربية هي لغة الدولة الرسمية، ما دفع الناس إلى تعلمها للاندماج في الحياة السياسية والاقتصادية، وبحلول القرن العاشر الميلادي، بدأت اللغة القبطية تتراجع، خاصةً مع اعتناق أعداد كبيرة من المصريين للإسلام، ومع تعريب الحياة العامة، أصبحت العربية هي اللغة الأساسية، بينما بقيت القبطية تُستخدم في الكنائس فقط.

ومع انتشار الإسلام في مصر، بدأت التركيبة الديموغرافية تتغير تدريجيًا، ففي القرون الأولى بعد الفتح، ظل الأقباط يشكلون الأغلبية السكانية، لكن مع مرور الوقت، وبسبب العوامل التي ذكرناها سابقًا، بدأ عدد المسلمين في الزيادة حتى أصبحوا الأغلبية في مصر بحلول العصر المملوكي، ومع ذلك، بقي للأقباط دور بارز في المجتمع المصري، واستمروا في ممارسة عقيدتهم بحرية في ظل الحكم الإسلامي حتى يومنا هذا.

عيد الفطر في مصر عبر العصور.. منذ الفتح الإسلامي حتى اليوم

عيد الفطر في مصر هو مناسبة دينية واجتماعية وثقافية وطقس شعبي يتجدد في كل عصر، فيحمل في طياته مظاهر الفرح والتقاليد الفريدة التي تعكس روح المصريين، ومنذ دخول الإسلام إلى مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، تطورت احتفالات العيد عبر العصور، حيث كان لكل فترة تاريخية طابعها الخاص، ومظاهرها المميزة التي شكلت الموروث الشعبي والرسمي لهذا اليوم المبارك، فرغم مرور القرون، بقي عيد الفطر في مصر مناسبةً تمزج بين الروحانية والفرح، حيث حافظ المصريون على طقوسه الدينية، وأضافوا إليه لمساتهم الخاصة، ليبقى يومًا ينتظره الجميع بكل حب وسعادة، فهو يوم الفرح بعد الصيام، ويوم اللمة العائلية والبهجة التي تملأ القلوب والشوارع.

عيد الفطر في الخلافة الراشدة (فتح مصر سنة ٢٠ هـ / ٦٤١ م)

دخل الإسلام مصر على يد القائد عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وكان المصريون آنذاك حديثي العهد بالإسلام، لذا كانت احتفالاتهم بالعيد بسيطة وقريبة من روح الصحابة والتابعين.

وشملت مظاهر الاحتفال في هذه الفترة، إقامة صلاة العيد في الساحات المفتوحة، خاصة في فسطاط مصر، وهي العاصمة الأولى للإسلام في البلاد، وكذلك التكبير والتهليل بعد صلاة الفجر وحتى أداء الصلاة، وإخراج زكاة الفطر للفقراء والمحتاجين، وهو ما عزز روح التكافل الاجتماعي بين المسلمين الجدد، وتبادل التهاني بين المسلمين وارتداء الملابس النظيفة والجديدة، وإقامة ولائم للفقراء والمساكين، حيث كان عمرو بن العاص يحرص على توزيع الطعام بنفسه.

عيد الفطر في العصر الأموي (٤١ - ١٣٢ هـ / ٦٦١ - ٧٥٠ م)

مع تولي الأمويين حكم مصر، بدأت الاحتفالات تأخذ طابعًا أكثر تنظيمًا، حيث حرص الولاة على إبراز العيد كمناسبة رسمية، ومن أبرز مظاهر العيد في العصر الأموي، إقامة صلاة العيد في الساحات الكبرى، مثل جامع عمرو بن العاص، وإعلان العيد رسميًا من دار الإمارة، حيث يجتمع الناس أمام مقر الحاكم لسماع التهنئة الرسمية، وارتداء الملابس الجديدة، وقدوكانت الأسواق تمتلئ بثياب العيد المخصصة للأطفال والكبار، وكذلك إقامة الأسواق الموسمية،حيث تباع الحلوى والفواكه والسلع النادرة، وإقامة حلقات الإنشاد الديني والطرب العربي، حيث بدأ بعض المصريين في إدخال عناصر احتفالية جديدة إلى العيد.

عيد الفطر في العصر العباسي (١٣٢ - ٣٥٨ هـ / ٧٥٠ - ٩٦٩ م)

شهد العصر العباسي اهتمامًا بالمظاهر الرسمية في العيد، حيث كانت الدولة العباسية تولي اهتمامًا خاصًا بالمناسبات الدينية، ومن مظاهر الاحتفال في العصر العباسي، إقامة مواكب رسمية للولاة بعد صلاة العيد، حيث يخرج الحاكم على رأس موكب من الفرسان والعلماء، وإقامة أسواق العيد، حيث تباع الحلويات الخاصة مثل المعجنات المحشوة بالعسل والتمر، وإقامة ولائم ضخمة في قصور الولاة، تُدعى إليها شخصيات بارزة من التجار والعلماء، وكذلك الاهتمام بتوزيع الصدقات، وكانت الدولة توزع أموالًا للفقراء، إضافة إلى زكاة الفطر.

عيد الفطر في العصر الفاطمي (٣٥٨ - ٥٦٧ هـ / ٩٦٩ - ١١٧١ م)

الفاطميون هم الأكثر تأثيرًا في تشكيل تقاليد العيد في مصر، حيث تحولت المناسبة إلى احتفال شعبي ضخم، وابتكروا تقاليد لا تزال قائمة حتى اليوم، ومن مظاهر الاحتفال في العصر الفاطمي، موكب العيد الرسمي حيث كان الخليفة الفاطمي يخرج بموكب ضخم إلى المصلى، تحيط به الأعلام والجنود، وكذلك صناعة كعك العيد، حيث كانت الدولة توزع آلاف المعجنات المحشوة بالسكر والمكسرات، وإقامة مهرجانات العيد في الشوارع، والتي كانت تشمل العروض الفنية، والحكواتي، والمهرجين، وتوزيع ملابس العيد، حيث كانت الدولة تصرف كسوة جديدة للفقراء في هذه المناسبة.

عيد الفطر في العصر الأيوبي (٥٦٧ - ٦٤٨ هـ / ١١٧١ - ١٢٥٠ م)

بعد انتهاء الحكم الفاطمي، حرص “صلاح الدين الأيوبي” على إضفاء طابع ديني وروحاني أكثر على العيد، ومن مظاهر الاحتفال في العصر الأيوبي، الاهتمام بالخطبة الدينية في العيد، حيث كان العلماء يلقون خطبًا تحث الناس على التقوى والشكر، وإقامة موائد الرحمن في القلاع،حيث تُقدم الأطعمة للمحتاجين، مع الاحتفاظ بعادة كعك العيد، لكنها أصبحت تصنع في المنازل أكثر من القصور.

عيد الفطر في العصر المملوكي (٦٤٨ - ٩٢٣ هـ / ١٢٥٠ - ١٥١٧ م)

قد حولوا المماليك العيد إلى مناسبة استعراضية ضخمة، حيث تميزت احتفالاتهم بالبذخ، ومن مظاهر الاحتفال في العصر المملوكي، إقامة سباقات الخيول في ساحات القاهرة،حيث يتبارى الفرسان في عروض قتالية، وإقامة ولائم كبرى للفقراء، وكانت تشمل اللحوم والخضروات والحلوياتـ وكان أبرز تلك المظاهر هو خروج السلطان في موكب فاخر، ترافقه الطبول والموسيقى العسكرية.

عيد الفطر في العصر العثماني (٩٢٣ - ١٢١٣ هـ / ١٥١٧ - ١٧٩٨ م)

لم يضيف العثمانيون الكثير إلى احتفالات العيد، لكنها ظلت قائمة بطابع رسمي تقليدي، ومن مظاهر الاحتفال في العصر العثماني، هو حضور الوالي صلاة العيد، ثم استقبال المهنئين في القلعة، واستمرار تقاليد كعك العيد وزيارة الأضرحة، وكذلك ظهور فرق المولوية الصوفية، التي كانت تؤدي عروض الذكر في المساجد.

عيد الفطر في العصر الحديث (١٨٠٥ - حتى اليوم)

مع تطور العصر، دخلت وسائل جديدة في الاحتفال بالعيد، خاصة مع دخول التكنولوجيا ووسائل الإعلام، ومن مظاهر الاحتفال في العصر الحديث، إذاعة تكبيرات العيد عبر مكبرات الصوت، وإعلان رؤية الهلال رسميًا، وانتشار عادة "العيدية"، حيث يمنح الكبار للأطفال نقودًا للاحتفال، وخروج العائلات إلى الحدائق والمتنزهات، وتحضير الأطعمة التقليدية مثل الفسيخ والكعك، وظهور وسائل الإعلام في الاحتفالات، حيث تبث الإذاعة والتلفزيون برامج ترفيهية خاصة بالعيد.

مقالات مشابهة

  • علي جمعة: كثرة التعلق بالدنيا تُنسي الآخرة كما هو حال الكفار
  • علامات قبول الطاعة بعد رمضان.. 5 أمارات ترقبها في نفسك
  • بعد رمضان والعيد نخشى العودة للذنوب ماذا نفعل؟.. علي جمعة يجيب
  • علامات قبول العبادات وكيفية الاستمرار على الطاعة بعد رمضان
  • لمن قل إيمانه وتكاسل عن العبادة بعد رمضان.. 14 كلمة تجعلك نشيطا
  • عيد الفطر في مصر طقسًا دينيًا لا يشبه سواه بالعالم العربي والإسلامي.. صور
  • كيف نعالج الكسل في العبادة بعد رمضان؟.. علي جمعة يجيب
  • الدفاعات الجوية تسقط طائرة أمريكية في أجواء محافظة مأرب
  • إسقاط طائرة أمريكية في أجواء محافظة مأرب
  • ديوان حاكم رأس الخيمة ينعى الشيخة حصة بنت حميد الشامسي