معرفة الحقيقة مفتاح العدالة الانتقالية
تاريخ النشر: 12th, March 2024 GMT
المعرفة في كل الأمور منطلق الاستنارة والتنوير، ومعرفة حقيقة الشيء جوهره، وحقيقة العدالة الانتقالية ومفهومها وماهيتها أنها: مصطلح قانوني سياسي حديث نسبياً وإن ظهر مضمونه أو جزء منه عقب النزاعات والحروب عبر التاريخ، إلا أنه كمصطلح حديث ارتبط ويرتبط بظهور الدولة الحديثة (دولة النظام والقانون والمواطنة المتساوية)، وهذا المصطلح لا يمكن أن يجد طريقه إلى التبلور إلا بتسليم كل فئات ومكونات المجتمع – وبالذات المكونات المشغولة والشاغلة بالصراعات المسلحة والمريضة على السلطة- بضرورة البحث الجاد عن قواسم مشتركة تقر بأن الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات والأسلوب الشرعي الوحيد للحكم، وتجريم الصراع المسلح على السلطة والاستيلاء عليها بالقوة المادية أو بالاحتيال أو الاستقواء بأي طرف خارجي يخل بالعقد الاجتماعي المنظم للعلاقة بين الشعب والسلطة التي يختارها، ويبين شكل الدولة وأركانها ونظام الحكم فيها وسلطاتها والعلاقة بين السلطات – فصل – تكامل، تفاصيل هذه العلاقة، وتؤمن إيماناً مطلقاً ومؤكد أن بناء الدولة والحفاظ عليها إنما يتحقق بالتداول السلمي للسلطة والرفض الواضح والبات للعنصرية والاستخدام السياسي للدين والمذهبية الدينية والفكرية والسياسية ورفض كل أشكال التمييز والتميز، وأهم خصائص هذه الدولة قيامها على حرية الاختيار والانتخابات الديمقراطية الحرة والنزيهة.
إن مصطلح العدالة الانتقالية المكون من شطرين (عدالة- انتقال) يبين الارتباط بين حالة الثورة أو النزاعات المسلحة أو الاضطرابات وما يترتب على ذلك من أحداث وممارسات وتجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان والانتقال إلى نظام سياسي أو آيديولوجي جديد، ولا بد أن تستقر الأوضاع للنظام السياسي الجديد المنتخب انتخابا ديمقراطيا حرا ونزيها، أي أن إصدار ما أسمي قانون العدالة الانتقالية وقانون الحصانة الذي مرره مجلس النواب في يناير عام 2012م، قبل استقرار الأوضاع بل وفي ظل أوضاع متوترة بين قوات تتبع أطراف سياسية عديدة أغلبها تتبع النظام الذي قامت ضده الثورة المزعومة كان عملا ارتجاليا وخطأً سياسياً وقانونيا واستراتيجيا لصدوره قبل فرز سلطة سياسية منتخبة انتخابا ديمقراطيا حقيقيا وليس بالتوافق بين أحزاب سياسية أثبتت الأحداث منذ ما أسمي ثورة الربيع أن وجودها الشعبي والمجتمعي متواضع جدا وأنها اعتمدت وتعتمد على الاستقواء بالمؤسسة العسكرية المختطفة أو بالمليشيات المتعددة، ولهذا كان القانونان المذكوران استجابة لرغبات الأطراف السياسية المتشابكة والمشغولة بترتيب الأوضاع السياسية بما يخدم مصالح زعاماتها وبقائها في السلطة أي أنها بشكل أو بآخر مع التوافق على تقاسم السلطة وضد التداول السلمي لها، وقد جرى تجاذب صياغة القانونين بما يسمح بطي صفحة الماضي خدمة للأحزاب التي حكمت أو شاركت في الحكم طوال الفترة الماضية ارتكبت خلالها أو شاركت في ارتكاب الكثير من الجرائم والممارسات التي كانت سببا في الثورة أو بالأصح (الحلم بالثورة)، وليس خدمة للمصلحة الوطنية العامة.
إن عبارة (طي صفحة الماضي) استخدمت وما تزال تستخدم بصورة خادعة توحي بأنها عنوان للتسامح مع أنها عنوان للبلاهة السياسية أو أن هدف من استخدمها ويستخدمها تغييب الحقيقة لإهدار الدماء التي سفكت والحقوق التي أهدرت والهروب من المسؤولية التي تتكشف بمعرفة الحقيقة الخطوة الأولى لقيام السلطة الجديدة المنتخبة بواجباتها استكمال خطوات الوصول لتحقيق العدالة الانتقالية ومن ثم طي صفحة الماضي، وأهم هذه الخطوات تشكيل لجنة عليا للتحقيق وتنسيق كل الجهود الوطنية والدولية الداعمة وليس المتدخلة لحماية وكلاء الدول المتدخلة، ومن أهم واجبات اللجنة إجراء تحقيق جاد وشفاف مع كل من تورطوا أو اشتبه في تورطهم بارتكاب جرائم ماسة بحقوق الإنسان خلال وجودهم في السلطة التي قامت الثورة ضدهم أو تسببوا في أحداث دامية أو استخدموا القوة غير المشروعة في قمع المتظاهرين أو منع التعبير عن الرأي بشتى الوسائل القانونية والدستورية وحتى وصول الضحايا إلى حقوقهم وإنصافهم سواء بناءً على محاكمة عادلة أو من خلال تصالح مُرضي يقوم على جبر الضرر والتسامح، ودور الدولة محوري وأساسي في تغطية أي عجز مادي أو معنوي يقتضيه التعويض وجبر الضرر وإتمام المصالحة والحاجة إلى إمكانيات الدولة المادية أو المعنوية إما نتيجة عدم قدرة مرتكبي الجرائم والتجاوزات أو لعدم الوصول إلى معرفة الجناة، لأن مسؤولية الدولة عن تحقيق الأمن والاستقرار وحماية الأموال والحقوق والحريات مسؤولية وظيفية مفترضة، وفقاً لقاعدة: (إن أي سلطة يتبعها مسؤولية، ومن يتولى منصباً فهو مسؤول مدنياً وجنائياً عن أي تقصير في أداء واجباته الدستورية والقانونية).
وما الدنيا سوى قلبي إذا لم * أجده لم أجد وطناً ببالي
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
???? عبد الرحيم دقلو .. لسان الجاهل مفتاح حتفه!
* من تابعوا فصول الكوميديا السوداء التي صاحبت مخاطبات المتمرد المجرم الجاهل العنصري الحقود عبد الرحيم دقلو لقادة الإدارات الأهلية في بعض مناطق ولاية جنوب دارفور أيقنوا من أربعة أمور لا جدال عليها.
* أولها أن دقلو الأكبر (أو الأهطل على الأصح) بات يعتبر نفسه القائد الأول والأوحد لمليشيات الجنجويد، بدليل أنه لم يأت على سيرة أخيه سوى مرة وحيدة وعلى عجل.. علاوةً على إفراطه في توزيع التعليمات والحوافز والتهديدات على حد السواء، حيث أوعد القادة الهاربين بالمحاكمة والقتل، مثلما أوعد قادة الإدارات الأهلية الذين لا يشاركون في حشد واستنفار المقاتلين بالويل والثبور وعظائم الأمور، كما حاول إغراء مقاتليه بالمال كي يكفوا عن الهروب ويعاودوا القتال.
* وعيد (أب كيعان السجمان) تجاوز القادة والأعيان وتجار السلاح والوقود والجنود المعردين من القتال، ليصل إلى جمهورية مصر الشقيقة، بخطاب تهريجي مضحك، تعمد فيه الحط من قدر قادة جهاز المخابرات المصري والسخرية منهم واتهام الحكومة المصرية بقصف قواته بالطيران ودعم الجيش السوداني.
* ثاني الحقائق التي أثبتتها مخاطبات أب كيعان أنه ظهر خائراً شارد الذهن زائغ العينين مهتزاً ومرعوباً من توالي الهزائم وتفشي الهروب وتراجع عمليات الحشد والاستنفار للمرتزقة والمقاتلين، عقب الهزائم المريرة التي تعرضت لها قواته في ولايات النيلين الأزرق والأبيض وسنار والجزيرة والخرطوم وأجزاء واسعة من ولاية شمال كردفان، ومن تفشي حالات الهروب وسط ما تبقى من شراذم مليشياته المجرمة، بعد أن استحرَّ فيها القتل واضطرت إلى الهروب من الولايات المذكورة، وخلَّفت وراءها كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر والعتاد الحربي وأجهزة التشويش والاتصال، وفقدت العاصمة وكل المواقع الاستراتيجية التي كانت تباهي بسيطرتها عليها، مثل القصر الجمهوري والمصفاة ومطار الخرطوم ومقر قيادة جهاز المخابرات العامة والإذاعة والتلفزيون وغيرها.
* ثالث حقيقة أثبتتها الخطابات الكوميدية الموغلة في الركاكة والعبط أن القائد الجديد للمليشيا اعترف ضمنياً بفقدان السيطرة على القوات المنقسمة ما بين قتيلٍ وجريحٍ وأسيرٍ ومِعرّدٍ يطلب النجاة لنفسه ويأبى القتال، بدليل أنه اجتهد في بذل الوعيد والوعود لمن تبقى منهم لحثهم على معاودة القتال والكف عن الهروب من الخدمة، إما بالحديث عن صرف المرتبات المتأخرة خلال 72 ساعة، أو بتهديد من لا يعودون إلى القتال بالقتل!
* رابع الحقائق المُرَّة التي أوضحتها خطابات (أب كيعان) أنه اعترف ضمنياً بفشل مشروع الحكومة الموازية وإخفاق الإدارات المدنية في توفير أبسط الخدمات للمواطنين الموجودين في مناطق انتشار المليشيا، وأقرَّ بأنها فشلت في توفير الأمن للمواطنين، بدليل أنه وجَّه شرطته بالقبض على عشرين ألف شفشافي، وأعلن التزامه بتوفير مائة عربة للشرطة.
* وإذا علمنا أن حالة الانفلات الأمني التي اعترف بها دقلو الأهطل حدثت في مدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور ومعقل معاقل المليشيات ومستقر قيادتها ومركز ثقلها فلنا أن نتخيل ما يحدث من حالات انفلاتٍ وفوضى عارمة في بقية مناطق حواضن المليشيا المجرمة من قتلٍ ونهب وترويع للآمنين وافتقارٍ تام لأبسط مقومات العيش الكريم للمواطنين.
* في المجمل شكلت خطابات القائد الحقيقي للمليشيا (عبد الرحيم دقلو) أن أحلامه المتعلقة بالسيطرة على البلاد والاستيلاء على الحكم دالت إلى مغيب، وأن جيشه العرمرم الذي أشعل الحرب في 15 أبريل مزهواً بقوته، ومتيقناً من قدرته على سحق الجيش الوطني واختطاف البلاد لم يعد موجوداً في الميدان، وأنه تحول إلى شراذم متفرقة من عصابات إجرامية لا هدف لها ولا غاية ولا رابط، بدليل أن دقلو الأهطل اضطرّ إلى استخدام خطاب الكراهية والعنصرية المتفشي بين قواته سعياً إلى جمعها مجدداً وحضنا على معاودة القتال.. بعد أن قُتل منها من قُتل وهرب منها من هرب!
* بالطبع لم يجد دقلو الأكبر بُدَّاً من عدم التطرق للهزائم المجلجلة التي تعرضت لها قواته في الشهور الماضية، مكتفياً بالحديث عن (التموضع)، وهو اسم الدلع الجديد للهروب من ساحات القتال وتعريد الأشاوذ من أكبر وأهم مدن السودان، وكان من تمام غفلته وغبائه وتواضع قدراته العقلية والعسكرية أنه اعترف ضمنياً بأنهم بدأوا الحرب في 15 أبريل، عندما ذكر أنهم أخطأوا في شنها على الجيش في الخرطوم، وكان عليهم أن يشنوها في ولايتي الشمالية ونهر النيل!
* قدَّم القائد الجديد للمليشيات باعترافه القسري الناتج عن غباءٍ مطبق واهتزاز نفسي عميق هديةً لا تقدر بثمن للجيش، مبرئاً إياه من تهمة ابتدار الحرب، مثلما برأ (الفلول) من التهمة التي ظل يدمغهم بها منذ بداية المعركة، وأثبت صحة مقولة (تحدث حتى أراك)، فظهر مهموماً مهزوزاً متوتراً وموتوراً، ليعلن فشل مشروع السيطرة على السودان وانكسار المليشيا المجرمة، واندحار وتلاشي أوهام دولة آل دقلو إلى الأبد!
* صدق من قال: بذات فمه يفتضح الكذوب.. ولسان الجاهل مفتاح حتفه!
مزمل أبو القاسم د. مزمل أبو القاسم