لجريدة عمان:
2025-04-06@14:25:45 GMT

الإسلام وأهل الكتاب.. النشأة الإبراهيمية

تاريخ النشر: 11th, March 2024 GMT

رمضانَ الجاري.. أعرض فيه خمسة مقالات عن العلاقة بين الإسلام وأهل الكتاب، كثيرون كتبوا حول هذه العلاقة، بيد أن كتاباتهم مستمدة من التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي، أو بالتحليل التأريخي وفقًا لرؤية أيديولوجية مركبة من حقول معرفية مختلفة، وقليل مَن انطلق مِن النص القرآني الخالص.

المقال.. يقرأ هذه العلاقة من القرآن وحده، فإن قلتَ: أليس أيضًا هذا اجتزاء معرفي؟ قلتُ: عملي هذا.

. ليس تكوين رؤية ناجزة عن الموضوع، وإنما هو محاولة فهم الوضع القائم زمن النبوة، وأزعم بأننا كنا نقرأ القرآن بمعتقداتنا لا بما نطق به القرآن، ولعل هذه القراءة تضعنا على سكة الوعي بالنص الديني.

وجد نبي الإسلام محمد بن عبدالله في بيئة بها أكثر من ديانة، وكان أكثرها تأثيرًا والأقرب للتوحيد -مع الحنفاء- اليهودية والنصرانية، فلم يعمل على القطيعة العقدية التامة معهما، كما فعل مع الوثنية، وإنما بنى على معطياتهما باعتبارهما رسالات أوحي لأنبيائها من عند الله.

اليهودية والنصرانية.. تقدمان نفسيهما بأنهما تنتسبان إلى النبي إبراهيم، ليس باعتباره مرسلًا من الله فحسب، وإنما أيضًا باعتباره أبًا دمويًا ينتسب إليه بنو إسرائيل بكونهم حاملي الرسالة الإلهية من بعده، والمتمثلة في التوراة والإنجيل.

ومن المهم أن أبيّن بأن هناك فرقًا بين النصرانية؛ وهي الجماعة المنتسبة لدين المسيح في جزيرة العرب وما جاورها، وتتبع غالبًا المذهب النسطوري، وقت تنزُّل الوحي، وهؤلاء انقرضوا بمرور الزمن، إما بدخولهم الإسلام، أو بتحولهم إلى مذاهب أخرى.

وبين المسيحية؛ وهي المذاهب التي حصلت فيها تحولات عقدية بيّنة في الدولة الرومانية لتنشأ منها الكاثوليكية والأرثوذكسية، وأخيرا البروتستنانية.

ومن نافلة القول: إن اليهود لا يعترفون بالإنجيل لعدم اعترافهم بنبوة عيسى بن مريم، والنصارى يعترفون بالتوراة باختلاف بين طوائفهم في قبول بعضها ورفض الآخر، كما أن مفهوم النبوة في اليهودية يختلف عنه في الإسلام، وقد اعتمدت هنا المفهوم القرآني.

معتقد أهل الكتاب.. احتكار النبوة في نسل إسحاق بن إبراهيم، ولا يعترفون بها في غيرهم، ومن إسحاق كان يعقوب المعروف بـ«إسرائيل»، وعُرِف أبناؤه بالأسباط وهم اثنا عشر سبطًا كوّنوا بني إسرائيل، ولكنهم كانوا يعترفون بأن للنبي إبراهيم ابنًا أكبر من إسحاق هو إسماعيل، ومن المفترض أن ينال هو «العهد النبوي» بعد أبيه، إلا أنهم أبعدوه لأن أُمَّه -كما يعتقدون- أَمَة.

هذا معتقد يقوم على أساس عرقي بحت، اصطفاهم بأن يكونوا «شعب الله المختار»، وقد عالج القرآن هذا المعتقد بتقرير الآتي:

- اعتماد إبراهيم «إمامًا للناس»، بما يتجاوز الأبوة النَسَبية والاحتكار الديني والديانة المنغلقة بالشعب الإسرائيلي، الحاصل في اليهودية: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) البقرة:124 .

- تجريد العهد النبوي من الارتباط النَسَبي الذي اعتقده أهل الكتاب، فهو ليس حكرًا على نسل محدد، فعندما يفسد هذا النسل فليس لهم عند الله عهد: (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة:124 . فـ(اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) الأنعام:124 .

- رغم أن القرآن جرّد «الأبوة الإبراهيمية» من العنصرية النَسَبية التي اعتقدها بنو إسرائيل، إلا أنه -باعترافهم بأن إسماعيل هو الابن الأكبر للنبي إبراهيم وأب للعرب- أكد على هذه الأبوة للعرب أيضًا: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل) الحج:78 .

- إبراهيم.. لم ينزل فلسطين وحدها، وإنما نزل كذلك مكة، وله فيها مقام: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) آل عمران:96-97 .

- نزّه القرآن إبراهيم من الطائفية الدينية، فهو ليس يهوديًا ولا نصرانيًا، واستبدل بذلك الإسلام الحنفي: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) آل عمران:65-67 .

وكل أنبياء بني إسرائيل من سلالته هم مسلمون: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) البقرة:132 . سيتحول الإسلام لدى المسلمين كذلك إلى «طائفة دينية»، لكن ليس هنا محل الحديث عن ذلك.

- كسر القرآن احتكار أهل الكتاب النبوةَ، فالنبوة.. بدأت من النبي نوح السابق على إبراهيم، ثم وجد أنبياء من بعد نوح وقبل إبراهيم، وهناك أنبياء عرب كصالح وشعيب وهود، بل هناك أنبياء لم يقصصهم الله، وبالتالي؛ محمد نبي يوحى إليه كأنبياء بني إسرائيل: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورا، وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) النساء:163-163 .

- بتجريد إبراهيم من اليهودية والنصرانية، وتقرير أن التوراة والإنجيل أنزلتا بعده، وأن الإسلام هو دين الأنبياء؛ لأنه دين إبراهيم، فإن أولى الناس به مَن اتّبعه، ومَن اتّبع الإسلام الحنفي «ملة إبراهيم» كالنبي محمد وأتباعه: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) آل عمران:67 .

- مع ذكر القرآن تفضيل بني إسرائيل على العالمين؛ لأن النبوة تسلسلت فيهم، إلا أنه نفى عنهم كونهم «شعب الله المختار»، فهم.. منهم المحسن والظالم كغيرهم من البشر: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّا مِنَ الصَّالِحِينَ، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) الصافات:112-113 ، ولذلك؛ أنكر الله عليهم اتكالهم على «التفضيل النَسَبي»، فما هم إلا بشر كغيرهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) المائدة:18 .

وخلاصة «النشأة الإبراهيمية» التي تربط بين الإسلام وأهل الكتاب، ظهرت بوضوح في كون إبراهيم أبًا أعلى للنبي محمد، وأنه كان حنيفًا مسلمًا، ولم يعترف القرآن بالتوراة والإنجيل مرجعًا لمعرفة النبي إبراهيم للمحاجة فيه، بل اعتبر من يقرر حقيقة إبراهيم هو الوحي الذي يأتي إلى الأنبياء؛ ومنهم النبي محمد.

وقد اقتصر القرآن في قصة إبراهيم لتأكيد هذه العلاقة على وجوده في مكة لرفع قواعد البيت، والتي رفعها هو وابنه إسماعيل، ولم يذكر القرآن صراحة بأن الذبيح هو إسحاق، فتخلخل الطرح التوراتي بهذا الشأن، واختلف المسلمون فيمن هو الذبيح بين إسماعيل وإسحاق، بل غلب التصور لديهم بأنه إسماعيل: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ... وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّا مِنَ الصَّالِحِينَ) الصافات:102-112 . ولم يحكِ القرآن عن وجود إبراهيم في فلسطين، لتترسخ صورته في مكة التي بها بيت الله، وجعله أساس التوحيد.

وهكذا.. لم ينفِ القرآن علاقة بني إسرائيل بالنبي إبراهيم، فهم أهل الكتاب؛ التوراة والإنجيل، لكنه نقل محوريته منهم إلى «العرب الأميين»، ولذلك؛ وصف النبي إبراهيم بأنه «أُمَّة»: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) النحل:120 ، لتصح نسبة النبي محمد إليه، ويلزم بني إسرائيل اتباعه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) الأعراف:157، وستتحول «الأمية» التي يلمز بها أهلُ الكتاب العربَ: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) آل عمران:75 ، إلى منقبة لهم: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) الجمعة:2 .

خميس العدوي كاتب عماني مهتم بقضايا الفكر والتاريخ ومؤلف كتاب «السياسة بالدين»

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: النبی إبراهیم بنی إسرائیل أهل الکتاب آل عمران

إقرأ أيضاً:

كيفية العلاج بالقرآن؟.. إليك هذا الدواء الحقيقي للضيق والاكتئاب

كثير من الناس يعانون من الضيق والاكتئاب، ويبحثون عن العلاج في أماكن متعددة، والواقع أن العلاج الحقيقي موجود في القرآن الكريم، إذ يقول الله- تعالى-: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82].

ليه ربنا وجه كلامه في القرآن للرجال وليس للنساء؟.. دينا أبو الخير تجيبحكم جعل القرآن الكريم أو الأذان نغمات للهاتف المحمول.. الإفتاء توضحالعلاج بالقرآن

قال الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، في تصريح سابق، إن "القرآن هو الحياة الحقيقية، فمن اتصل به؛ شعر بالنور في قلبه، ومن ابتعد عنه؛ عانى من القلق والاضطراب".

ودعا مفتي الجمهورية، إلى ضرورة التدبر في آيات القرآن، وعدم الاكتفاء بمجرد التلاوة، موضحًا أن تدبُّر القرآن يعني أن يسأل الإنسان نفسه: ماذا يريد الله- تبارك وتعالى- منا في هذه الآية؟، وكيف يمكن توظيفها في حياتنا؟، وكيف نعيش معاني الرحمة والصبر والتقوى التي يدعونا إليها القرآن الكريم؟.

وأشار المفتي، إلى أهمية تحويل آيات القرآن إلى أفعال عملية وواقع تطبيقي في الحياة اليومية، مؤكدًا أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان خلقه القرآن، كما ورد في حديث السيدة عائشة- رضي الله عنها- عندما قالت: "كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ"، مما يوضح أن القرآن ليس مجرد نظرية؛ بل دستورا عمليا ينبغي اتباعه.

تدبر آيات القرآن

أوضح مفتي الجمهورية، أنَّ العاقل هو من يجعل القرآن منهجًا لحياته، ويحرص على تدبره، بدلًا من القراءة السريعة دون تفكُّر، مستشهدًا بقول الله- تعالى-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24].

وشدَّد مفتي الجمهورية، على أهمية ربط الأبناء بالقرآن الكريم منذ الصغر، ليصبح جزءًا رئيسيًّا من حياتهم؛ مما يسهم في تنشئة جيل يحمل في قلبه نور القرآن وروحه.

ودعا الجميع إلى استثمار أوقاتهم في قراءة القرآن وتدبره، موضحًا أن ذلك من أعظم أبواب الرضوان وحسن الإيمان.

وختم مفتي الجمهورية حديثه، داعيًا المسلمين إلى أن يكون لهم وقت ثابت مع القرآن يوميًّا، ولو لبضع دقائق، لإحياء القلوب وتوطيد العلاقة مع كتاب الله، معتبرًا أن ذلك يعكس توقيرًا واحترامًا لكلام الله- عز وجل-.

مقالات مشابهة

  • الفرق بين ترتيب النزول وترتيب المصحف
  • بمشاركة 350 دار نشر .. اربيل تحتضن معرض الكتاب الدولي بنسخته الـ17
  • حكم قراءة سورة الفاتحة وأول سورة البقرة بعد ختم القرآن
  • كيفية العلاج بالقرآن؟.. إليك هذا الدواء الحقيقي للضيق والاكتئاب
  • حكم عمل ختمة قرآن ووهب ثوابها للميت.. الإفتاء توضح
  • حكم جعل القرآن الكريم أو الأذان نغمات للهاتف المحمول.. الإفتاء توضح
  • هل تأخير إخراج الزكاة يبطل ثواب صيام رمضان؟.. الإفتاء تجيب
  • يوم اليتيم .. لماذا حرّم الإسلام التبني وأجاز كفالة اليتيم؟
  • علاج كل الهموم.. وصفة إيمانية من طاه إيطالي اعتنق الإسلام
  • لماذا نقرأ سورة الكهف يوم الجمعة؟ اعرف الأسباب .. وأفضل وقت لتلاوتها