صفحة بيضاء ناصعة أخرى سطّرها العمانيون، تضامنًا مع أشقائهم الفلسطينيين، وذلك بمقاطعتهم لمنتجات الشركات الداعمة للكيان الصهيوني، ممّا أدى إلى انخفاض مبيعاتها في السوق العماني، وظهور علامات تجارية استهلاكية بديلة، مصدرها دول عربية وإسلامية.
وإذا كانت المقاطعة في السابق أخذت طابعًا عاطفيًّا سرعان ما يزول، إلا أنّها استمرت في عُمان بالقوة نفسها، التي بدأت بعد أحداث السابع من أكتوبر الماضي، فثبت العمانيون في موقفهم، وهو ما لاحظه موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، الذي نشر تحقيقًا عن الموضوع، تحت عنوان «مقاطعة كبيرة في سلطنة عُمان للعلامات التجارية الغربية وسلاسل المطاعم الداعمة لإسرائيل» في مستهل شهر مارس الحالي، أوضح فيه ازدياد الغضب الشعبي ضد السياسة الغربية الداعمة لاستمرار الحرب في غزة، وأنّ سكان سلطنة عُمان ينضمون عفويًّا بشكل كبير لحملة مقاطعة شركات أعلنت دعمها لإسرائيل، وسط ارتفاع نسبة العداء لدعم الولايات المتحدة للحرب الإسرائيلية على القطاع.
يرى الموقع البريطاني أنه كدليل على التحول الكبير في السوق العماني، فإنه في جميع أنحاء مسقط، وتحديدًا في المحال التجارية ومحطات الوقود، يقترن الغياب الملحوظ للعلامات التجارية الأمريكية الشهيرة، مع عرض المشروبات والوجبات الخفيفة البديلة غير الغربية، وأنه مجرد حقيقة أنّ العلامة التجارية هي أمريكية فهو سبب كاف للعديد من العمانيين لمقاطعتها بسبب الغضب من الدعم الأمريكي لإسرائيل في حربها ضد غزة.
ويشير تقرير «ميدل إيست آي» إلى أنه «في محاولة للنأي بنفسها عن ماكدونالدز في إسرائيل، حيث قامت فروعها هناك بتوزيع الطعام مجانًا على جنود الجيش الإسرائيلي، فقد أعربت ماكدونالدز في سلطنة عُمان عن «تضامنها الثابت مع شعب غزة من خلال التبرع بمبلغ 100 ألف دولار أمريكي لجهود الإغاثة، في أعقاب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني».
وإذا كان تقرير الموقع البريطاني قد اعتمد في تحقيقه على العاصمة مسقط فقط، فإنّ بقية المناطق العمانية قد اتخذت خطوات المقاطعة نفسها، في تعبير شعبي شامل عن المساندة العمانية لأهل غزة، ووقوف العُمانيين ضد التأييد الأمريكي للجرائم الإسرائيلية ضد الأبرياء، حيث قدمت الولايات المتحدة مساعدات عسكرية لإسرائيل بمليارات الدولارات، منذ بدء الحرب على قطاع غزة بعد عملية طوفان الأقصى للمقاومة الفلسطينية، كما استخدمت حقّ النقض (الفيتو) ضد ثلاثة قرارات لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار، بما يعني المشاركة الأمريكية الرسمية في إبادة الآلاف من أهل غزة وإصابة الآلاف مثلهم، في حين يواجه مئات الآلاف الآن المجاعة، نتيجة الحصار الإسرائيلي الشامل على القطاع.
لاقت دعوة المقاطعة صدىً واسعًا وتجاوبًا ملحوظًا في عُمان، عبر وسم «مقاطعة» عبر منصة «أكس»، وأيّد كثيرون مبادرة للاستبدال بالمنتجات «المقاطعة» منتجات محلية الصنع، أو مستوردة من بلاد لا تساند الاحتلال، وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في عُمان صورًا توضح للعمانيين المنتجات التي تجب مقاطعتها، وساهم العديد منهم في نشر ثقافة ووعي المجتمع بالمنتجات المحلية، والتي يشكل استهلاكها فارقًا جيدًا حتى على الاقتصاد المحلي.
وإذا كان رأي سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عمان أنّ «سلاح المقاطعة من أمضى الأسلحة وأنجحها في إخضاع العدو»، وأنه واجبٌ على الأمة، إلا أني وقعتُ في حيرة من أمري، عندما اطلعتُ على «مشروع» التوصيات التي رفعتها غرفة تجارة وصناعة عُمان للتقليل من آثار المقاطعة على الشركات المتأثرة، ومنها -مثلا- تبني الغرفة طلب هذه الشركات مع ملاك العقارات لتخفيض الإيجارات حتى انتهاء الأزمة، وإعفاء مؤقت لهذه الشركات من الضريبة السياحية وضريبة البلدية التي تصل في مجملها إلى 9% من قيمة المبيعات، وتخفيض تعرفة الكهرباء والمياه حتى انحسار الأزمة، وغيرها من المقترحات التي لا تعني، إلا الالتفاف على المقاطعة الشعبية. وباستثناء توصية واحدة متعلقة بتوفير مساهمة مالية لتغطية معاشات العُمانيين العاملين في هذه الشركات، فإنّ كلّ تلك التوصيات تقول للناس بلسان الحال: «كأنك يا بو زيد ما غزيت»، وهناك تقرير منشور أعدته دائرة البحوث والدراسات الاقتصادية بالغرفة، عن انخفاض إيرادات بعض هذه الشركات، وهذا يجعلنا نتساءل هل: تعمل الغرفة لمصلحة البعض على حساب الكل؟ وهل على الحكومة أن تعوّض تلك الشركات على حساب توجهات العُمانيين، وتوجهات الحكومة المشرّفة المؤيّدة للقضية الفلسطينية؟!
نحن بحاجة إلى حلول جذرية، لا إلى حلول ترقيعية مؤقتة، وذلك بالاهتمام بالإنتاج، وتطوير الصناعات، وإيجاد البدائل في السوق المحلي. فهل يُعقل أن نستورد التمور الآن من دول الجوار مثلًا؟ وما الفائدة التي جنتها العلامات التجارية العمانية من المقاطعة؟ وما هي الفائدة المرجوة من تعويض الشركات الأجنبية جراء خسائرها؟ إنّ الحلول المؤقتة لا تفيد في شيء مستقبلًا، ولا يُستبعد أن تعود حليمة لعادتها القديمة فور انتهاء الأزمة، وتعود المياه لمجاريها حتى تحدث أزمةٌ أخرى وتنطلق صيحات المقاطعة من جديد.
أستطيع أن أجزم أنّ الدول المنتجة والمُصدّرة ستدرس الوضع جيدًا، للحيلولة دون حدوث المقاطعة مرة أخرى، وقد تلجأ إلى أساليب ملتوية لبيع منتجاتها، لكننا الأوْلَى بدراسة أحوالنا حاليًّا ومستقبلًا، ومن الخطأ أن نلجأ إلى الحلول نفسها في كلّ مرة. وربما في هذا الشأن يحتاج الأمر إلى التركيز على المنتج الوطني، وهو ما أشار إليه الزميل خلفان بن سيف الطوقي، في تصريحات لـ«العربي الجديد»، من أنّ المبادرة لتفعيل مقاطعة منتجات الشركات الداعمة لإسرائيل، ذات أهمية خاصة للمنتج الوطني، لكن الأمر يتطلب ضمان «استدامة» هذا المنتج عبر سن القوانين وإقرار السياسات التشجيعية التي تعطي لهذا المنتج ميزة تنافسية، وليس عبر حملات دعائية مؤقتة.
بدأت حركة المقاطعة في عُمان في وقت مبكر من الحرب، وكانت عفوية وليست منظمة. وحتى الآن -رغم بعض الاختراقات- لا يبدو أنّ المقاطعة ستنتهي قبل نهاية الحرب في غزة، ولكن المؤكد أنّ هناك تحولًا ليس في عُمان فحسب؛ بل في سوق الشرق الأوسط كله، وقد لا يعود السوق إلى ما كان عليه قبل الحرب، وهو ما لمّح إليه مصدر حكومي عُماني للموقع البريطاني بقوله: «هناك مناخ ضد كلّ شيء في الغرب. حتى الحرية والديمقراطية يُنظر إليها على أنها منافقة. الناس يقولون إنه لا ينبغي لنا أن نثق في هذه الأفكار».
في كلّ الأحوال، فإنّ المسألة تحتاج إلى دراسات مستفيضة لبناء صناعات وطنية قوية ومنافِسة، ولا أتصور أنه ينقصنا شيء لتحقيق ذلك، وموضوع المقاطعة هو موضوع كبير يحتاج إلى وقفات كثيرة وإلى أكثر من مقال.
زاهر المحروقي كاتب عماني مهتم بالشأن العربي ومؤلّف كتاب «الطريق إلى القدس»
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: هذه الشرکات الع مانیین فی ع مان سلطنة ع وهو ما
إقرأ أيضاً:
حماية الأجور .. خطوة لبيئة عمل جاذبة تتصدر مخاوف الشركات
«العمل»: القرار يعيد هيكلة السوق بعيدا عن الممارسات السلبية المستنزفة للموارد
«الشورى»: يؤدي دورا حيويا لضمان الاستقرار المالي للعمال
«غرفة التجارة»: اقترحنا إعفاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لمدة 6 أشهر لتصحيح أوضاعها
الاتحاد العام للعمال: 18 ألف شكوى سنويا تبرز حجم المشكلة وتداعياتها الخطيرة
مع بدء التطبيق الإلزامي لنظام حماية الأجور فـي سلطنة عُمان، تباينت ردود الأفعال بين مختلف الأطراف الفاعلة فـي سوق العمل، حيث أكدت وزارة العمل أن النظام يمثل إجراء ضروريًا لضمان حقوق العمال، وتعزيز الشفافـية، وتنظيم صرف الأجور إلكترونيًا بإشراف البنك المركزي العماني، مع فرض عقوبات على المخالفـين لضمان الامتثال.
فـي المقابل، تتصدر المخاوف أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الذين أبدوا قلقهم من تأثير النظام على أعمالهم، معتبرين أن الغرامات والالتزام الصارم قد يؤديان إلى إغلاق العديد من المشاريع الصغيرة التي تعاني أصلًا من شح الموارد، فـي حين يرى مؤيدو القرار أنه لن يؤثر إلا على الشركات غير الملتزمة وأن العديد من المؤسسات الملتزمة لم تواجه أي مشكلات أو غرامات. فـيما تقدم كل من مجلس الشورى، والاتحاد العام للعمال، وغرفة تجارة وصناعة عُمان بمقترحات لتخفـيف الأعباء على الشركات الصغيرة، ودعم التطبيق التدريجي للنظام. قال الدكتور بدر بن أحمد البلوشي المستشار الإعلامي بوزارة العمل: «إن قانون حماية الأجور جاء لضمان صرف الرواتب إلكترونيًا وتحويلها إلى حسابات العاملين بإشراف البنك المركزي العماني، مع إلزام أصحاب العمل بتحويل الأجور خلال 3 أيام من استحقاقها وتحديث عقود العمل عند أي تعديل فـي الأجر».
وأضاف: إن القانون يستثني حالات النزاع العمالي التي تتجاوز 30 يومًا، أو التوقف القسري عن العمل، أو بلاغات ترك العمل التي مضى عليها أكثر من 30 يومًا، ولضمان الامتثال، فرضت الوزارة جزاءات إدارية تشمل الإنذار، وإيقاف منح تراخيص العمل، إضافة إلى غرامة 50 ريالًا عمانيًا لكل عامل تتضاعف عند تكرار المخالفة.
وأكد البلوشي أنه فـي خضم التحديات التي يواجهها سوق العمل، تأتي قرارات حماية الأجور وتنظيمها كإجراء وطني مدروس، يهدف إلى تصحيح المسار وتحقيق مصلحة عامة تعود بالنفع على كل مواطن، ويضع المواطن العماني فـي موقع المسؤولية والتمكين، ويعيد هيكلة السوق ليعمل لصالحه بعيدًا عن الممارسات السلبية التي استنزفت موارده على مدى سنوات.
وقال البلوشي: إن عدم استقرار العاملين وكثرة التنقل الوظيفـي يعودان إلى عدم التزام بعض منشآت القطاع الخاص بسداد الأجور، حيث تلقت الوزارة 17648 شكوى مرتبطة بالأجور عام 2023، و16407 شكاوى فـي 2024، بالإضافة إلى 969 شكوى فـي يناير من العام الجاري، منها 825 حالة تتعلق بعدم استلام الراتب الشهري، مما يعكس الحاجة الماسة لتطبيق نظام حماية الأجور بصرامة.
وأوضح أن نظام حماية الأجور يشمل جميع منشآت القطاع الخاص دون استثناء، مع التزام الوزارة بتخفـيف الأعباء المالية الناجمة عن تطبيقه، وفـي هذا الإطار، تعاونت الوزارة مع البنك المركزي العماني لضمان سهولة الإجراءات، وحثت البنوك المحلية على توفـير إرشادات واضحة لأصحاب العمل حول تحويل الأجور بسلاسة، كما أدت بعض البنوك دورًا بارزًا فـي توعية زبائنها، فـيما تواصل الوزارة متابعة التحديات لضمان تنفـيذ النظام بمرونة وكفاءة.
دور مجلس الشورى
من جهته قال سعادة أحمد بن سعيد الشرقي عضو مجلس الشورى ممثل ولاية لوى ورئيس اللجنة الاقتصادية والمالية بالمجلس: «إن نظام حماية الأجور وضع من أجل تحسين مستوى الشفافـية فـي سوق العمل العماني، من خلال توثيق عمليات دفع الأجور، حيث يهدف إلى دعم الامتثال للقوانين واللوائح العمالية، مما يسهم فـي تحسين بيئة العمل وتعزيز ثقة المستثمرين وأصحاب العمل فـي النظام المالي وسوق العمل المحلي».
وأوضح سعادته أن النظام يشكل ركيزة أساسية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام يحفظ حقوق العمال ويعزز ثقة المستثمرين فـي السوق العماني، إذ يسهم النظام فـي تعزيز الاقتصاد الوطني عبر ضبط سوق العمل، وتوفـير بيانات دقيقة للأجور، وتقليل النزاعات، إضافة إلى دعم الجهود فـي مكافحة الممارسات غير الصحية والامتثال للمعايير الدولية مما يحسن سمعة الشركات ويجذب المواهب.
وأكد سعادته أنه رغم الدور الحيوي لنظام حماية الأجور فـي ضمان الاستقرار المالي للعمال، تواجه بعض المؤسسات صعوبات فـي التكيف، مما يؤدي إلى تأخير الرواتب، خاصة بسبب مشكلات مالية أو إدارية، كما يعبر أصحاب الأعمال عن مخاوفهم من الأعباء الإدارية والتكاليف الإضافـية، لا سيما فـي المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، من جهة أخرى، يلجأ بعض أصحاب العمل إلى أساليب للتحايل، مثل تسجيل رواتب أعلى من المبلغ الفعلي المحوَّل، مستغلين ضعف وعي بعض العمال بحقوقهم وآليات تقديم الشكاوى، وأضاف بقوله: «لمواجهة هذه التحديات، تعتمد الجهات المختصة على تنفـيذ ومتابعة هذا النظام بإجراءات صارمة، تشمل فرض غرامات على المخالفـين، وتعزيز الرقابة الإلكترونية، وتكثيف حملات التوعية لضمان التزام جميع الأطراف بالقانون، وتحقيق بيئة عمل أكثر عدالة واستقرارًا».
وبين سعادته أن مجلس الشورى يؤدي دورًا حيويًا فـي ضمان فعالية نظام حماية الأجور عبر متابعة تطبيق القانون ومراجعة مواده لضمان تحقيق التوازن بين حقوق العمال وأصحاب العمل، كما يسهم فـي تقديم توصيات لتحسين آليات التنفـيذ من خلال الاطلاع على التقارير الرسمية والتواصل مع الجهات المختصة.
وأفاد رئيس اللجنة الاقتصادية والمالية بمجلس الشورى أنه عبر جلسات الاستماع التي عقدتها اللجنة الاقتصادية والمالية ولجنة الشباب والموارد البشرية بحضور وكيل وزارة العمل، نجح المجلس فـي إيصال صوت العمال وأصحاب العمل، مما ساعد فـي تحقيق توافق أكبر بين جميع الأطراف، ورغم التحديات، يظل النظام ركيزة أساسية لتنظيم سوق العمل، وتعزيز الشفافـية والاستقرار الاقتصادي، فـيما يمثل دور مجلس الشورى ضمانة لاستمرارية التطوير وتحقيق العدالة للجميع.
غرفة تجارة وصناعة عُمان
كشف الشيخ أحمد بن عامر بن محمد المصلحي، رئيس لجنة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بغرفة تجارة وصناعة عُمان، عن استلام الغرفة شكاوى واستفسارات حول مخالفات تأخر تحويل رواتب العمال، وقد رفعت الغرفة، ممثلة للقطاع الخاص، مقترحات رسمية للجهات المعنية، تتضمن إعفاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لمدة 6 أشهر لتصحيح أوضاعها المتعلقة بفتح حسابات للعمال وتحويل الرواتب إلكترونيًا، مع تطبيق الغرامات بعد هذه المدة فـي حال عدم الالتزام.
وطالب المصلحي بمراعاة الوضع الاقتصادي الحالي وتأثيره على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فجميع هذه المؤسسات تعمل فـي 4 قطاعات، هي قطاعات المقاولات والنظافة والشحن والخدمات اللوجستية، ومعظم هذه الأنشطة مرتبطة بعقود لدى الحكومة أو شركات كبيرة أو أفراد، والدفع يكون بعد التاريخ المحدد لصرف الرواتب، ويتطلب من وزارة العمل عدم فرض غرامات على هذه القطاعات مع إدراك الجميع بالتأخر فـي تسديد فواتير هذه القطاعات.
واقترح المصلحي منح امتيازات للمؤسسات الملتزمة بدلًا من فرض الغرامات، مثل تسهيل إصدار إقامات العمل أو تخفـيض رسوم تجديدها، لتشجيع المؤسسات على الالتزام بتحويل الرواتب، مؤكدًا ضرورة التشاور مع الغرفة قبل تطبيق أي قرارات تؤثر على القطاع الخاص.
الاتحاد العام للعمال
قال عمار بن سالم الغفـيلي، مساعد الرئيس للتشريعات العمالية فـي الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان: «إن الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان منذ المرحلة الأولى من إطلاق نظام حماية الأجور سعى لوضع توعية العمال بأهمية نظام حماية الأجور على رأس أولوياته، وذلك من خلال تنظيم برامج توعوية موجهة للعمال وأصحاب العمل، تهدف إلى توضيح آلية عمل نظام حماية الأجور والفوائد التي يقدمها، كما أطلق الاتحاد العام، عبر حساباته فـي مواقع التواصل الاجتماعي، عدة حملات إعلامية، تهدف لتوضيح حقوق العمال بموجب هذا النظام وكيفـية الاستفادة منه».
وأفاد الغفـيلي أنه تربط الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان علاقة تعاون مع وزارة العمل، تعكس الشراكة الاستراتيجية بينهما التي تهدف إلى تحقيق بيئة عمل عادلة، وسوق عمل مستقر؛ وفـي هذا الإطار يعمل الاتحاد العام بالتعاون مع وزارة العمل لضمان نجاح نظام حماية الأجور وتحقيق أهدافه المرجوة، وهذا التعاون يجري عبر عدة محاور، أبرزها إعداد السياسات والإجراءات التي تدعم تطبيق نظام حماية الأجور بما يحقق التوازن بين حقوق العمال ومصالح أصحاب العمل، ومتابعة مدى التزام أصحاب العمل بتطبيق النظام، ومعالجة أي تحديات قد تواجه العمال فـي هذا الإطار، والتوعية بتنظيم حملات توعية مشتركة، تستهدف العمال وأصحاب العمل لتعريفهم بأهمية النظام وآلياته وكيفـية الاستفادة منه، وحل النزاعات العمالية فـي حال وجود شكاوى تتعلق بالأجور أو غيرها، والإسهام فـي تسريع الإجراءات القانونية وضمان حصول العمال على حقوقهم.
18 ألف شكوى
أكد الغفـيلي أن وزارة العمل، منذ إطلاقها نظام حماية الأجور فـي عام 2023، حرصت على توعية أصحاب العمل والموظفـين بأهمية التسجيل فـي النظام، وذلك عبر مختلف قنواتها الرسمية، ورغم الجهود المبذولة، لم يشهد النظام إقبالًا واسعًا من قبل أصحاب العمل، مما دفع الوزارة إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية، وفـي هذا السياق، تم تشكيل فريق عمل يضم جهات حكومية متعددة إلى جانب عدد من الجهات ذات الصلة، بهدف مراجعة النظام وإجراء التعديلات اللازمة، وأسفر ذلك عن صدور النسخة المُحدَّثة من النظام بموجب القرار الوزاري رقم 299 / 2023، والذي خضع لاحقًا لتعديلات إضافـية فـي عام 2024، ومنحت الوزارة منشآت القطاع الخاص مهلة زمنية تمتد لعام كامل لتوفـيق أوضاعها قبل التطبيق الإلزامي للنظام، حرصًا على تحقيق انتقال سلس يراعي مصالح جميع الأطراف.
وكشف الغفـيلي أن الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان لا يزال يتلقى شكاوى يومية من العمال بشأن تأخر صرف أجورهم، حيث تصل بعض حالات التأخير إلى أكثر من خمسة أشهر، فـي حين يُجبر بعضهم على مواصلة العمل رغم عدم استلام مستحقاتهم، وتشير إحصائيات وزارة العمل إلى تلقيها أكثر من 18,000 شكوى سنويًا من العمال العمانيين وحدهم، دون احتساب شكاوى العمال غير العمانيين، مما يبرز حجم المشكلة وتداعياتها الخطيرة.
ويؤكد الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان أن فرض الجزاءات الإدارية على المخالفـين يعد خطوة أساسية لضمان تطبيق نظام حماية الأجور بفعالية، بما يسهم فـي تعزيز الامتثال للقوانين وتحقيق بيئة عمل مستقرة، كما يولي الاتحاد اهتمامًا خاصًا بمتابعة الشكاوى وتحليل معدلات الالتزام، فـي إطار سعيه لضمان استدامة النظام وحماية حقوق العمال.
بين مؤيد ومعارض
أثار تطبيق نظام حماية الأجور ردود فعل متباينة بين أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، حيث يرى البعض أن النظام لم يراعِ اختلاف حجم الشركات، فهناك مؤسسات كبرى قادرة على الامتثال بسرعة، بينما تواجه المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر تحديات كبيرة، خاصة أنها تفتقر إلى الموارد الإدارية والتقنية اللازمة لتطبيقه، كما أن التطبيق الإجباري والغرامات قد يتسببان فـي إغلاق العديد من المشاريع الصغيرة التي تعاني أصلًا من شح الموارد، مما قد يؤدي إلى زيادة البطالة بدلًا من تقليلها.
ويؤكد منتقدو النظام أن العبء الإداري والمالي المفروض على المؤسسات الصغيرة، مثل الورش ومحلات الحلاقة والمشاريع الفردية، يمثل تحديًا كبيرًا نظرًا لافتقارها للخبرة فـي التعامل مع الأنظمة المصرفـية المعقدة، كما أشاروا إلى أن الدعم والتوجيه لم يكن كافـيًا، حيث كان من الأفضل تقديم حلقات عمل استشارية فـي مختلف الولايات قبل فرض النظام، لمساعدة الشركات على فهمه وتطبيقه بشكل سلس.
فـي المقابل، يرى آخرون أن النظام خطوة ضرورية لحماية حقوق العمال وضمان التزام الشركات بصرف الرواتب فـي مواعيدها المحددة، خاصة مع تسجيل آلاف الشكاوى السنوية المتعلقة بتأخير الأجور، ويشير مؤيدو القرار إلى أن المؤسسات المُنظّمة التي تلتزم بالقوانين لم تواجه أي مشكلات، مستشهدين بتجارب شركات مثل مصنع فجر للمياه المعدنية، الذي التزم بدفع الرواتب وفق النظام ولم يتعرض لأي غرامات.
ويعتبر هؤلاء أن الجدل الدائر حول النظام مصدره الشركات غير الملتزمة، التي دأبت على تأخير الأجور لعدة أشهر، مؤكدين أن النظام سيسهم فـي تنظيم سوق العمل وضمان استقرار العلاقة بين العامل وصاحب العمل، مما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني. على صعيد آخر، تتجه الوزارة لتعزيز إجراءات التوعية والدعم الفني لمساعدة المنشآت على التكيف مع متطلبات النظام، عبر مراكز الاتصال، والحلقات التدريبية، والمواد التوعوية المتقدمة، وتؤكد الوزارة التزامها المستمر بتطوير النظام بما يحقق العدالة والشفافـية فـي سوق العمل، مع الحرص على توازن المصالح بين جميع الأطراف، لضمان بيئة عمل مستقرة ومحفزة تدعم النمو الاقتصادي الوطني.