د. لبيب قمحاوي يكتب .. من يقرر مصير الفلسطينيين؟
تاريخ النشر: 10th, March 2024 GMT
#سواليف
من يقرر #مصير_الفلسطينيين؟
بقلم : د. #لبيب_قمحاوي
التاريخ: 10/03/2024
مقالات ذات صلة القسام تُربك نتنياهو وجيش الاحتلال بفيديو جديد عن الأسرى القتلى / شاهد 2024/03/10lkamhawi@cessco.com.jo
من يقرر مصير الفلسطينيين؟ سؤال مشروع في ظل ظروف غير طبيعية تسود الآن منطقة #الشرق_الأوسط عموماً والعالم العربي على وجه الخصوص، و أوضاعٍ غير مشروعة وغير إنسانية يحاول #الاحتلال الاسرائيلي فرضها بأساليب إجرامية على الفلسطينيين .
الفلسطينيون في #مأزق، و #العرب في #مآزق معظمها من صنع أياديهم، والاسرائيليون في مآزق داخلية واقليمية، وامريكا ومعها الغرب في مأزق أخلاقي وسياسي. جميع الاطراف المعنية في #الصراع #الفلسطيني _ #الاسرائيلي، سواء مباشرة أو بشكل غير مباشر، في مأزق سواء أكان ذلك المأزق من صنع أياديها أو مفروضاً عليها.
المأزق الفلسطيني يتمثل في محاور ثلاث هي : الاحتلال الاسرائيلي أولاً، و نهج أوسلو والسلطة الفلسطينية ثانياً، والفُرقة والانقسام الفلسطيني ثالثاً. وهذه المحاور الثلات تشكل في مجموعها المأزق الفلسطيني الحالي الذي يُلقي بظلال سلبية على القضية الفلسطينية نفسها .
إن التعامل مع هذه المآزق الثلاثة يشكل صعوبة كبيرة وتحديات مانعة كون القوى المؤثرة ليست محصورة بالفلسطينيين فقط، بل بقوىً عربية و/أو إقليمية و/أو دولية لها مصالح في بقاء الأمور كما هي بسلبياتها الملحوظة وظلالها القاتمة الجاثمة على الوضع الفلسطيني . ومع أن عنوان هذه المآزق فلسطيني، إلا أن القوى المؤثرة فيها وعليها هي قوىً غير فلسطينية، ولها بالتالي مصالحها الخاصة التي تأخذ أولوية على المصالح الفلسطينية أو متطلبات القضية الفلسطينية .
لقد أثبت العدوان الاسرائيلي الاجرامي الأخير على إقليم غزة الفلسطيني وما سبقه ويرافقه من اعتداآت مماثلة على الفلسطينيين أن “اسرائيل” قد أصبحت وحشاً عنصرياً وقوة إقليمية ضاربة تقتل وُتدَمِّر بلا تفكير أو رحمة أو انسانية في مسعى غامض لخدمة أهدافها بالإضافة إلى مصالح حلفائها خصوصاً أمريكا في المنطقة العربية خصوصاً والشرق الأوسط عموماً . وهذا يشكل تهديداً حقيقياً لأمن جيران “اسرائيل” في الاقليم كونه يؤكد تحوّل اسرائيل إلى مجتمع عسكري البنية عدواني النزعة والتوجه لا يؤمن بأي مسار ِسلْمِي كوسيلة لحل مشاِكلِهِ أو للوصول إلى أهدافه الاستراتيجية . ولا يقتصر هذا الموقف العدواني على الفلسطينيين بل اصبح مؤخراً يتجاوز ذلك إلى بعض دول الجوار مثل لبنان وسوريا واليمن حيث التعبير الوحيد في حوار اسرائيل مع هذه الدول هو التعبير بمفردات عسكرية تدميرية .
لقد أثبتت الحرب إلاسرائيلية الدموية الأخيرة على إقليم غزة الفلسطيني أن العلاقات العربية – الفلسطينية تمّر بمأزق حقيقي . فالصراع مع اسرائيل انتقل من حالته الطبيعية باعتباره صراعاً عربياً – اسرائيلياً إلى كونه صراعاً فلسطينياً – اسرائيلياً . وقد تم ذلك نتيجة لبعض الخيارات العربية السيئة سواء في نهج السلام مع اسرائيل أو في التطبيع معها، وكذلك نتيجة للخيار الفلسطيني في الذهاب إلى أوسلو والاتفاق مع اسرائيل متجاهلاً أهمية الغطاء العربي وبالتالي الدور العربي . لقد كان ذلك الخيار الفلسطيني تحت قيادة ياسرعرفات مماثلاً في أصوله لسلوك باقي الأنظمة العربية من زاوية إعطاء الأولوية للمصلحة القطرية لهذه الدولة أو تلك أو هذا النظام أو ذاك متجاوزة أية قيود مبعثها الرابطة والمصلحة القومية، وتَحَوَّل الدعم العربي بذلك من دعم عسكري إلى دعم سياسي لينتهي الأمر بالدعم الانساني حصراً وهو في واقعه البديل العربي الحالي للدعم العسكري أو السياسي النشط والمباشر والمؤثر، كما أنه مؤشراً على الإنسحاب العربي الفعلي من القضية الفلسطينية والاكتفاء بالتأييد اللفظي والشكلي للفلسطينيين .
على ضوء ما جرى من عدوان تدميري وقتل ُمنهج للفلسطينيين في إقليم غزة وإلى حد ما في الضفة الفلسطينية، وعلى ضوء الصمود البطولي والتضحيات الهائلة للفلسطينيين، وبالرغم من ضعف وهزالة الموقف العربي، فإن حقائق العلاقة بين العرب والفلسطينيين قد أصبحت واضحة ومثبتة قولاً وفعلاً . وفيما يلي أهم شواخص هذه العلاقة الآن :-
أولاً :الفلسطينيون كما أثبتت الحرب على إقليم غزة لا يريدون مغادرة وطنهم فلسطين إلى أي بلد آخر مهما كانت الضغوط أو الاغراآت .
ثانياً : الفلسطينيون بالتالي لا يريدون أن يستوطنوا أي بلد عربي آخر وأن مغادرتهم فلسطين في السابق كانت مؤامرة أصولها وأدواتها وأهدافها باتت معروفة، وأنها كانت خطأ تاريخياً لن يَسْمحَ الفلسطينيون بتكراره .
ثالثاً: لا داعي ولا حاجة لأي دولة عربية أن تُعَامِل الفلسطينيين بإجحاف خوفا من تنازلهم، أي الفلسطينيين، عن حق العودةً وبقائهم في بلدان اللجوء، في حين أن مثل هذا التنازل قد يأتي من خلال صفقات مشبوهة مثل “صفقة القرن” بين العرب واسرائيل أو العرب وأمريكا وليس من ِقبَل الفلسطينيين أنفسهم . الفلسطينيون لا يريدون سيناء المصرية أو الأردن أو لبنان أو أي دولة أخرى بديلاً عن وطنهم فلسطين، ولن يهجروا وطنهم فلسطين مهما حصل .
رابعاً: في حين أن الشعوب العربية هي الداعم الحقيقي للقضية الفلسطينية، فإن التآمر الرسمي العربي مع اسرائيل وأمريكا على الفلسطينيين قد يكون احتمالاً أكثر واقعية في خطورته على الفلسطينيين وقضيتهم . ومع ذلك فإن عدو الفلسطينيين يبقى هو العدو الاسرائيلي وليس الشقيق العربي، مع أن ظلم ذوي القربي قد يكون أشد مضاضة، ولكن هكذا يجب أن تجري الأمور الآن، وهكذا يجب أن تتم ادارة العلاقات مع الأشقاء العرب والصراع مع العدو الاسرائيلي في المرحلة الحالية .
خامساً: السلام والتطبيع والتعاون العربي – الاسرائيلي سواء المعلن أو المخفي هو بالنتيجة طعنة للفلسطينيين الذين لم يكسبوا شيئاً من ذلك السلام أو التطبيع، ولم يساهم أي من ذلك في إزالة الاحتلال ولو جزئياً أو ينجح في الضغط الفعال على اسرائيل لوقف برنامجها الاستيطاني وعدوانها وجرائمها في حروبها المختلفة ومنها حربها الأخيرة على إقليم غزة والضفة الفلسطينية، بل على العكس ربما تكون قد ساهمت، ولو جزئياً، في تخفيف الضغط الدولي على اسرائيل والحصار البحري المفروض عليها جزئياً الآن.
سادساً: بالرغم من كل ما سبق، فمعركة الفلسطينيين الآن هي مع اسرائيل وحلفائها وليس مع العرب، وإن كان الأمل أن يأخذ حكام العرب موقفاً مماثلاً لهذا الموقف الفلسطيني بالنسبة لإسرائيل باعتبارها العدو الحقيقي والفعلي للعرب ومصالحهم مهما كانت إتفاقات بعض العرب مع ذلك العدو، أو متطلبات المصالح الضيقة الآنيَّة لتلك الأنظمة العربية المعنية .
سابعاً: التغيير في الموقف العربي جاء للأسف إيجابياً تجاه اسرائيل، وسلبياً تجاه الفلسطينيين، وكأن الصلح أو التطبيع مع اسرائيل كان يتطلب التنصل من الفلسطينيين وقضيتهم، أو حتى ُمنَاصبتهم العداء بالنسبة للبعض الآخر. حيث تمادت بعض الدول العربية الى الحد الذي أصبح فيه ذكر اسم فلسطين والفلسطينيين خارج إطار سياسة الدولة أمراً يستوجب العقاب .
الآن وقد أثبت الفلسطينيون بالفعل وليس بالقول أن لا مطامع لهم في أي دولة عربية سواء أكانت مضيفه لللاجئين أم لا، وأن الفلسطينيين مصممون على الدفاع عن حقوقهم وقادرون على دفع الثمن، وانهم لا يريدون أن يكونوا عالة ًعلى أحد بعد أن قبض مَنْ قبض وَصَرف مَنْ صرف من العرب والفلسطينيين على حساب قضية فلسطين . المطلوب الآن أن يقوم العرب فعلاً وليس قولاً بتغيير سياستهم ومواقفهم تجاه الفلسطينيين ووقف أي تعاون مع اسرائيل على حساب الفلسطينيين وقضيتهم .
ويبقى السؤال، من يقرر مصير الفلسطينيين؟ الاجابة الوحيدة المعقولة والمقبولة تؤكد أن الفلسطينيين أنفسهم والفلسطينيين فقط هم الذين يحق لهم ممارسة حق تقرير مصيرهم بأنفسهم طبقاً للقانون الدولي، وخلاف ذلك فإن الحلول والاقتراحات المتداولة الآن عربياً ودولياً، خصوصاً تلك المتعلقة بمستقبل إقليم غزة والضفة الفلسطينيية، تأتي منسجمة مع المطالب الاسرائيلية و مع المسار الاستعماري ومنطق القوة السائدين حتى الآن في تعامل العالم مع القضية الفلسطينية، الأمر الذي يستدعي رفض الفلسطينيين لمثل تلك الحلول واستمرار مقاومتهم الفعالة والدائمة بكافة الاشكال للاحتلال الاسرائيلي لوطنهم فلسطين .
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: سواليف مصير الفلسطينيين الشرق الأوسط الاحتلال مأزق العرب مآزق الصراع الفلسطيني الاسرائيلي القضیة الفلسطینیة مصیر الفلسطینیین على الفلسطینیین مع اسرائیل إقلیم غزة من یقرر
إقرأ أيضاً:
تامر أفندي يكتب: أنا اليتيم أكتب
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أمات أبوك؟
ضلال أن لا يموت أبي..
ففى البيت منه روائح ربٍ.. وذكرى نبي..
أكتب الآن كيتيم لم يبك منذ ١٥ عامًا، ولا يعرف ما الذى دفعه للبكاء اليوم، أهى الدعوة المفاجئة للكتابة عن يوم اليتيم!.. ربما.. وربما موت أصدقاء وتركهم يتامى استدعى شجون لحظة الفراق.. آه من الفراق.
عن أبى أولًا أحكى لكم.. كنا نتهاتف إذ أنه قبل سنوات كنت أبحث عن عمل وبالكاد وجدت فرصة، فأحببت أن أرفع عن كاهله همى واتصلت به أخبره، كان صوته مُتعبًا بعض الشىء لكن ضحكته كانت كما هي، أغلقت معه الهاتف وبعد ١٠ دقائق ظهر لى اسمه ورقمه.. "أيوا يا أبا".. البقاء لله والدك توفى..! كيف وكيف وألف ألف كيف.. هذا قدر الله.. هكذا يا أبى فجأة دون وداع يليق بما كان بيننا من صداقة!.. هكذا دون أن أضع فى يدك بعض الأحلام التى تمنيت تحقيقها!.. هكذا دون أن تخبرنى ماذا على أن أفعل بعدك!.
بعد الذهول شعرت برتبة من الله على قلبي.. توضأت وصليت ركعتين وكان الجميع انفض من حولى مسرعين إلى المستشفى لإلقاء نظرة الوداع الأخير على والدي، ووقفت أنا وحيدًا.. من الآن صرت هكذا.. فالعالم كان أبي.. كان عائلتى وأصدقائي.. فهمت فى تلك اللحظة لماذا سقط أبى حينما توفيت جدتي.. كنت صغيرًا أمسكت بيده لينهض، لكنه كان يجهش بالبكاء ويقول: "ضِعت يا أمى"، حينها خلت أبى أقوى من ذلك وتعجبت كيف لمن أراه طودًا عظيمًا أن يسقطه شىء حتى ولو كان وفاة أمه، والآن أدركت لماذا سقط أبى ولم يستطع أن ينهض، لكن لا ينبغى على السقوط الآن رغم قسوة الفاجعة فليس هناك من أحد حولى سيمد يده لى لأنهض.. الجدار التى كنت أستند عليه هدمه ملك الموت.
جيرانى كرروا علىَّ السؤال بدهشة وتعجب: أمات أبوك؟.. الدهشة كانت لأن أبى لم يمرض ولم يفقد عنفوان صحته، كانت قبضة يده بقوتها لكن قبضة الموت كانت أبقى.. لم أنبس ببن شفاه.. لم أجب أحدًا ولكنى ابتلعت ما حفظته من أبيات داخلي:
أمات أبوك؟
ضلالٌ! أنا لا يموت أبي
ففى البيت منه
روائح ربٍ وذكرى نبي
هنا ركنه تلك أشياؤه
تفتق عن ألف غصنٍ صبي
جريدته تبغه متكاه
كأن أبى بعد لم يذهب
وصحن الرماد وفنجانه
على حاله بعد لم يشرب
ونظارتاه أيسلو الزجاج
عيونًا أشف من المغرب
رتب الله لى ما يليق بوداع أبي.. جهزت قبره وعطرت كفنه وذهبت لإلقاء نظرة وداع عليه فى المستشفى، وصعدت مرغمًا إلى قمة الحزن أو إن صح التعبير سقطت فى جحيمه، أنا الذى ما تخيلت يومًا وداعه، أفتح باب "ثلاجة الموتى" لأقبل جبينه دون أن يحدثنى كعادته، لكنه رأفة بى ودعنى بابتسامته التى بعد لم تفارقني.. عشت اليتم وعرفت أنه لا أحد بعد الأب.. لا جدار تستند عليه.. لا جبل تأوى إليه.. لا مجازفة ولا مغامرة ولا طمأنينة.. لذا أشفقت على إخوتى مما أشعر به فاتخذت قرارى بأن أكون لهم أبًا.
فى شارعنا ثمة صراخات علت ودوت ونبأ حسبته زيفًا لكنه كان حقيقة.. مات صديقى وأخى وجارى وتيتم أبناؤه.. مات هو الآخر دون مقدمات.. خرج من المباراة دون سبب.
كنا صغارًا نتكئ عليه، وكان هو من ذوى الهمم يتكئ على عصاه، نلعب الكرة فى تحدٍ بين الشوارع والحارات، فيؤرجها بين قدمه وعصاه فلا يستطيع أحد نزعها منه حتى يحرز بها هدفًا، فنصيح ابتهاجًا به «العب يا الورد».. كان بطلنا وكنا ظله أينما ذهب، يرفع عصاه فيلمس القمر، ويغرسها فى الأرض فتنبت شجرًا.. وها هو نجمنا يغادر ملعب الحياة ويجعل المباراة بعده بلا معنى، رحل هداف البطولة من غير وداع أخير لجماهيره.
جرح اليُتم فى زمن مواقع التواصل الاجتماعى لا يندمل ولا يهدأ فكلما حاولنا أن ننسى، جدده أبناؤه بفيديو وهو يتكلم.. يبتسم.. يحلم.. أهذا الذى يتكلم فى الواقع الافتراضى لا يمكنه الترجل إلينا هنا.. حسنًا فعل "مارك" بإجراء حذف الفيديوهات القديمة، فكلما تم عرضها تجددت فواجع الفراق.
تستطيع إذا ما دخلت قريتنا أن ترى اليُتم على جبينها، فحوادث موت الآباء الشباب كثيرة، والحزن يا سيدى وشم لا يُمحى لا تُزيله ضحكات ولا انتصارات فى الحياة.. هب أنك حققت كل النجاحات ولم يعد أباك هنا.. ولم تعد أمك هنا.. كيف سترى انعكاس نجاحك وعيناهما كانت المرآة؟!
كيف لأطفال غزة أن يكونوا بكل هذه القوة وهم يتامى؟!.. من أين لهم كل هذا الكبرياء بعد الفقد؟!.. لا يمكن أن يحدث ذلك إلا إذا كانوا ولدوا أباء.. رجالًا.. جبالًا.. فعجبًا أن تنضح مدينة اليُتم بالحياة.
هل كان الجرح يؤلم؟
أبى جَفَّ فجأة..
تيبَّس كالشجر المهجور..
أبى مات هناك..
أبى دُفن هناك
فى التل المطلِّ على مشهد حياته المنهار
فأين أموت يا أبي؟
وأنا أتحدث مع الموت سخر مني، فلم يٌعد هناك دار فى شارعنا إلا وزرع فيها شجر اليُتم.. شارعنا كان عنوانًا للفرح.. كنا كفرقة شعبية تٌجيد كل أنواع الفنون.. رجال ونساء يرقصون على وقع أنغام السعادة.. نعسنا واستيقظنا وقد احتل الحزن الشارع، لم نفطن ونحن صغار أن الذى يموت لن يعود.. ظللنا ننتظر لسنوات ونحن نستعيد الذكريات.. كانوا يقولوا لنا أن من مات ذهب إلى ربنا.. وكنا نذهب إلى الله نصلى فى المسجد ونعود فظننا أنهم حينما يفرغون من لقاء الله سيعودون لكن ذلك لم يحدث.
أتحاشى السؤال عن أحمد وبدر أبناء الدكتور مسعد!.. لأننى أعرف أن قناديل الفرحة لن تُضئ وإن بدت مشتعلة.. عرفت مسعد يتيمًا لم أر أباه.. ثم مات شقيقه الأكبر شهيدًا فخلد ذكراه باحتفالية سنوية فى القرية، ومنذ تلك اللحظة تحامل مسعد على نفسه وحمل جثمان أخيه على ظهره طيلة حياته حتى ودعنا هو الآخر شابًا أثناء ركضه فى ملعب الحياة.. تاريخ وفاته كان قد سبق صعود روحه بشهور حينما ماتت أمه.. فكيف لغصن أن يعيش وقد اجتث جذر شجرته وساقها؟!.. لست أعرف من هم الموتى.. من فُقدوا أم من فقدوا أحباءهم؟.. لعلنا نموت ببطء كلما فقدنا حبيبًا ولحظة الموت ما هى إلا إعلان رسمى عن الرحيل.
بموت أمي..
يسقط آخر قميص صوف
أغطى به جسدى
آخر قميص حنان
آخر مظلة مطر
وفى الشتاء القادم
ستجدوننى أتجول فى الشوارع عاريًا..
كُثر من ماتوا ومن تيتموا.. محمد عواد وفايز شاكر ومحمد حسن.. وأدرك أن شعور اليُتم ليس فقط من يشعر به هم الأبناء بل إن الآباء والأمهات أكثر يُتما إذا فقدوا قرات أعينهم..
مهما كنت كبيرًا وماتت أمك.. ومات أبوك.. ستصيرا يتيمًا.. كتب صديق لى مرثية لأمه جاء بها: «فى لحظات القنوط.. الهبوط.. السقوط.. الفراغ.. الخواء، وفى لحظات انتحار الأمانى وموت الرجاء وفى لحظات التناقض حين تصير الذكريات والحب ضدى وتصبح فيها القصائد ضدى وتصبح حتى الحروف ضدى وفى اللحظات التى أتسكع فيها على طرق الحزن وحدى أفكر فيك لبضع ثوانى فتغدو حياتى حديقة ورد».
مُرة هذه المقطوعة إلى الدرجة التى توصف مرارتها بالحلوة.. كنت أود أن أسأل صديقى كيف يرى المرء نفسه إذا ما سحبت الأقدار منه مرآته.. فخشيت على نفسى من الإجابة.
حرفان هما معنى الحياة
ثمة إلاه خلقه الله لك
بين كفيه قبس مما فى يد الله
ستتأمل الحرفين مليًا فى لحظة ما لتُدرك ما بهما من نعم ومعان ومواقف.. وستتمنى أن تعاود سنوات عمرك مرات لأداء فرائض الإيمان تحت أقدام هذا الإله الذى وضعه الله فى حياتك.. ستدرك أن أعظم ابتلاء فى الحياة هى لحظة فقد هذا الإله، وأن التحذير الربانى لنبيه ما جاء بهذا الشكل في: «فأما اليتيم فلا تقهر» إلا لعظمة الفقد وشدة الكسر، وستعى أن أم موسى ما كان لها أن تطمئن لتلقى بابنها فى اليم إلا بأمر مباشر من الله سمعته بقلبها وأٌذنيها، ستدرك صعوبة اختبار «هاجر» وفجعتها وركضها بين «الصفا والمروة» من فرط بكاء ابنها، وأن «دبدبة إسماعيل وزمزم ما كانت إلا شفقة على أمه»، وستتعلم على مهل ما حملته البتول من معُجزة وعظمة أن يُنسب عيسى لأمه وتباهيه بين قومه ببره: «وبرًا بوالدتي».
الأم.. هبة وعطية ربانية البعض منا يدرك عظمتها فيتفانى فى لثم قدميها، والبعض يأتيه الإيمان بها فى لحظة ما أو فى محنة ما، والبعض يركض فى الحياة ولا يُدرك ما فاته إلا حين تصطدم رأسه بمقولة السماء: «ماتت التى كٌنا نكرمك من أجلها».
لكل أم ملحمة وكتاب مقدس ولكل ابن حرف وفرح ودمعة مختلفة.. لى صديق أصبح يُشار إليه بالبنان كان مشروع أمه، التى أفنت فيه عمرها، يقول لى أحد أقاربه، أنه حينما بدأ صديقى هذا يظهر على شاشات التلفاز منذ سنوات، كانت أمه تٌخرج "تلفزيون صغير" على "تربيزة خشبية" أمام دارها فى قريتها وتدعو الجميع إلى مشاهدة ابنها بقول: "الأستاذ هيطلع دلوقتى فى التلفزيون".. سأترك لكم هذا المشهد لتستكملوه كل منكم بخياله..!
لى صديق آخر ودع أمه وهى تبتسم قبل أن يأتيها ملك الموت وخرج مسرعًا من المستشفى ولم يعد من لحظتها إلى الحياة.. ومازال ملك الموت يبحث عنه ليعتذر له عن عدم قبض روحه مع روح أمه..!
أعرف الكثير من الأمهات اللاتى يغضبن إذا نودين بأسمائهن دون أن يقول المنادى «الست أم فلان».. ولا عجب أن تٌضحى بتعريفها واسمها من ضحت بحياتها من أجل صناعة هذا الابن.
يقول لى صديق وقد أخذ ثمار حرفه من غصون بعض الفلاسفة فى التعبير عن حبه لأمه: «كل البيوت مظلمة يا صاح حتى تستيقظ الأم، فهى كل شيء فى هذه الحياة؛ هى التعزية فى الحزن، والرجاء فى اليأس، والقوة فى الضعف».
وأسكت أنا لأن أمى أعظم من الحرف.. فما أكتبه ويٌعجب البعض أراه لا يرقى لأن يٌشكل كلمة حب أضعها فى كف أمي، حتى درويش حينما كتب ترنيمته الخالدة على "علبة كبرت" لم يصعد سوى درجة واحدة فى المحبة ولكم من درجات لا تُحصى
«إن أمى لا يمكن أن تكون كبقية الأمهات».. هكذا قال لى إحسان عبد القدوس وأنا أطالعه ليلة أمس، ثم بدأت أسمع صداها فى كل الشوارع وأراها مرسومة على كل شفاه المارة.. لم أبُد تعجبًا مما قاله «إحسان».. فهزنى بعنف قائلًا: «أمى صنعتنى بيديها كما صنعت مجدها بيديها.. لا تحمل شهادة مدرسية أو تأهيلًا علميًا ورغم هذا أخرجت جيلًا كاملًا من الكتّاب السياسيين والصحافيين.. هى التى أرشدت أقلامهم».
تساقط الدمع من عينيه وهو يتحدث عن أصعب لحظة فى الحياة: «سمعت صوتًا يقول البقية فى حياتك.. أحسستُ كأن شفتى قد انفرجتا وانطلقت منهما صرخة: البقية فى حياتك؟ هذا التعبير لا يقال لي..! إنه ليس لى حياة إلا مع أمي».
أترك درويش وإحسان ووالدة صديقى التى مازالت تتابع ظهوره فى التلفاز حتى بعدما فارق جسدها الحياة وأهرب من عبارات النعى ومرض الأمهات.. وأدندن مع نزار:
أيا أمي
أيا أمي
أنا الولدُ الذى أبحر
ولا زالت بخاطرهِ
تعيشُ عروسةُ السكّر
عزائى لمن فقد إلهه: عسى لقاء.