أصبحت صورة الطفل يزن كفارنة، الذي تحول لهيكل عظمي بمثابة تحذير للوضع الغذائي المتردي في قطاع غزة.

الطفل كفارنة (10 سنوات) التقط مصور أسوشيتد برس، حاتم علي، صورته بإذن من عائلته، حيث كان يكافح من أجل البقاء على قيد الحياة بعد وصوله لمستشفى رفح جنوب غزة، الأحد، وما لبث أن فارق الحياة، الاثنين الماضي، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.

جسد كفارنة وملامحه كانت أقرب إلى هيكل عظمي، حيث يلتصق جلده الشاحب بعظامه، بعدما تقلص لحمه وذبل، التواء جسمه كان علامة واضحة على الشلل الدماغي.

وقالت الصحيفة إن الطفل أصبح بمثابة "وجه المجاعة" في غزة. ومنذ أسابيع تحذر منظمات الإغاثة من الوفيات الناجمة عن الجوع والتي بدأت بالظهور بشكل أكبر بعد مرور خمسة أشهر على الحملة الإسرائيلية ضد غزة والحصار الذي تفرضه على القطاع، فيما يؤكد مسؤولون أمميون أن مئات الآلاف من الفلسطينيين على وشك "المجاعة".

الطفل الفلسطيني يزن الكفارنة

ولقي ما لا يقل عن 20 طفلا فلسطينيا حتفهم بسبب سوء التغذية والجفاف، بحسب مسؤولي الصحة في غزة، والذي أكدوا أن الأطفال، مثل يزن، كانوا يحتاجون لأدوية غير متوفرة، والعديد من الذين ماتوا عانوا أيضا من ظروف صحية خطرة، وفقا للصحيفة.

وقالت هيذر ستوبو، خبيرة سوء التغذية في منظمة "العمل ضد الجوع"، الإغاثية: "في كثير من الأحيان يعاني الطفل من سوء التغذية الشديد، ثم يمرض، وهذا الفيروس هو في النهاية سبب الوفاة"، مضيفة أنهم "لم يكونوا ليموتوا لو لم يعانوا من سوء التغذية".

ناضل والدا يزن لعدة أشهر لرعاية ابنهما، الذي يقول الخبراء إن حالته كانت تعني أنه يعاني من صعوبة في البلع ويحتاج إلى نظام غذائي ناعم وعالي التغذية. بعد القصف الإسرائيلي على غزة في أعقاب الهجوم الذي قادته حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، فر والداه من منزلهما، وأخذا يزن وأبناءهما الثلاثة الآخرين إلى مكان كانوا يأملون أن يكون أكثر أمانا.

ثم هربوا مرارا وتكرارا، كما قال والده، بحثا عن مكان أفضل ليزن، الذي كانت حالته تعني أنه لا يستطيع تحمل الملاجئ الفوضوية وغير الصحية. كانت كل مرة يغادرون بها صعبة، لأن يزن لم يكن قادرا على المشي.

ولم يكن بوسع والديه فعل شيء سوى مشاهدة تدهور صحة ابنهما تدريجيا، وقال والده شريف كفارنة، وهو سائق سيارة أجرة يبلغ من العمر 31 عاما من بيت حانون في شمال غزة لنيويورك تايمز: "يوما بعد يوم، رأيت ابني يضعف".

وفي نهاية المطاف، انتهى بهم الأمر في العودة، في مدينة رفح الجنوبية، حيث توفي يزن صباح الاثنين. وكان يعاني من سوء التغذية والتهاب في الجهاز التنفسي، بحسب الدكتور جبر الشاعر، طبيب الأطفال الذي عالجه. وألقى الدكتور الشاعر باللوم على نقص الغذاء في إضعاف جهاز المناعة الضعيف بالفعل لدى يزن.

ونقل رئيس منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في الرابع من مارس عن فريق للمنظمة زار مستشفيين في قطاع غزة قوله إن الأطفال يموتون جوعا في شمال غزة.

وقال ينس لاركيه، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية: "عندما يبدأ الأطفال في الموت جوعا، ينبغي أن يكون ذلك تحذيرا لا مثيل له".

وأضاف "إذا لم يكن ذلك الآن، فمتى يحين الوقت المناسب لبذل قصارى جهدنا وإعلان حالة الطوارئ وإغراق غزة بالمساعدات التي تحتاجها؟".

حذرت الأمم المتحدة من أن غزة تواجه خطر مجاعة، مشيرة إلى "عقبات هائلة" تحول دون إيصال إمدادات الإغاثة وتوزيعها في أنحاء القطاع، وفقا لرويترز.

        View this post on Instagram                      

A post shared by قناة الحرة | Alhurra (@alhurranews)

وناشدت وكالات إغاثة إسرائيل بتسهيل إنفاذ المساعدات الإنسانية إلى غزة والسماح بمرر آمن للقوافل الإغاثية داخل القطاع.

وعزلت إسرائيل شمال غزة عن جنوبه عسكريا في وقت مبكر من الصراع ومنعت الناس من التنقل بينهما. وتواجه قوافل المساعدات صعوبات في عبور نقاط التفتيش الإسرائيلية من الجنوب إلى الشمال.

وقالت إسرائيل إنه لا يوجد حد أقصى لكمية المساعدات الإنسانية المقدمة للمدنيين في غزة وألقت باللوم في بطء التسليم على قدرة الأمم المتحدة على التوزيع.

كانت معظم المساعدات تأتي عن طريق البر عبر معبر رفح الحدودي مع مصر، ومنذ ديسمبر، عبر معبر كرم أبو سالم مع إسرائيل، إلا أن وتيرة دخولها لا تزال شديدة البطء.

واشتكت الأمم المتحدة من عدة عقبات تواجهها في إدخال وتوزيع الإمدادات، منها إغلاق المعابر والقيود على الحركة والاتصالات وإجراءات الفحص الشاقة واضطرابات وطرق مدمرة وذخائر غير منفجرة.

قطاع غزة يواجه كارثة إنسانية حقيقية بعد أشهر على اندلاع الحرب

وبدأت بعض الدول، منها الولايات المتحدة والأردن، في إنزال المساعدات جوا، رغم أن وكالات إغاثة تقول إن الإنزال الجوي يوفر كميات أقل بكثير مما يمكن إدخاله على الشاحنات عبر البر.

تقدر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" أن نحو 1.7 مليون شخص، أي أكثر من 75 بالمئة من السكان، نزحوا داخل غزة، واضطر كثيرون منهم إلى النزوح أكثر من مرة.

وكثفت إسرائيل الشهر الماضي قصفها لمدينة رفح الواقعة جنوب قطاع غزة على الحدود مع مصر حيث يتكدس نحو 1.5 مليون شخص.

وتقول وكالات تابعة للأمم المتحدة إن معدلات سوء التغذية بين الأطفال في شمال غزة "مرتفعة جدا" وأعلى بنحو ثلاثة أمثال مما عليه الوضع في جنوب القطاع الفلسطيني حيث تتوفر مساعدات أكثر.

"التجويع كسلاح" في الحروب.. ماذا يقول القانون الدولي؟ تحذر الأمم المتحدة من أن أكثر من نصف مليون شخص في غزة يواجهون خطر المجاعة.

تقول منظمة الصحة العالمية إن معظم مستشفيات القطاع البالغ عددها 36 مستشفى توقفت عن العمل. وأضافت أنه لا يعمل من هذه المستشفيات جزئيا إلا 12 مستشفى فقط، ستة منها في شمال القطاع وستة في الجنوب، بينما يعمل مستشفى الأمل في خان يونس بالحد الأدنى.

وقال ريتشارد بيبركورن، ممثل منظمة الصحة العالمية في غزة والضفة الغربية، مطلع مارس إن أكثر من ثمانية آلاف شخص بحاجة إلى نقلهم خارج غزة لتلقي العلاج.

وتقول إسرائيل إن حماس تحول المساعدات لتستفيد منها. وتنفي حماس ذلك. وتقول إنه ليس لها أي دور في مهمة توزيع السلع التي تتكفل بها الأمم المتحدة والهلال الأحمر.

وتتوسط مصر والولايات المتحدة وقطر في مفاوضات الهدنة منذ يناير. وأدى اتفاق سابق وحيد إلى وقف القتال لمدة أسبوع في نوفمبر تشرين الثاني أطلقت خلاله حماس سراح ما يزيد على 100 رهينة في حين أطلقت إسرائيل سراح نحو ثلاثة أمثال هذا العدد من السجناء الفلسطينيين.

غزة في براثن الجوع.. الأرقام تكشف حقائق مأساوية مع اتساع نطاق الأزمة الإنسانية في غزة، يحذر مسؤولون من حدوث مجاعة وشيكة في القطاع، بينما لا تصل المساعدات بشكل كاف لمئات الآلاف السكان

وقالت الولايات المتحدة أيضا إن الجيش الأميركي سيبني رصيفا عائما مؤقتا قبالة ساحل غزة لجلب المساعدات لكنها لا تخطط لنشر قوات أمريكية على الأرض.

وبعد مرور خمسة أشهر على بداية الهجوم الجوي والبري المتواصل الذي تشنه إسرائيل على غزة، قالت سلطات الصحة الفلسطينية إن ما يقرب من 31 ألف فلسطيني قتلوا وأصيب أكثر من 72500 آخرين، كما يُخشى من بقاء آلاف غيرهم قتلى تحت الأنقاض.

واندلعت الحرب بعد أن شنت حماس هجوما في السابع من أكتوبر على جنوب إسرائيل مما أدى وفقا للإحصاءات الإسرائيلية إلى مقتل 1200 شخص وخطف 253 رهينة.

المصدر: الحرة

كلمات دلالية: الأمم المتحدة سوء التغذیة قطاع غزة شمال غزة فی شمال أکثر من فی غزة

إقرأ أيضاً:

الأسلحة الكيميائية وسر نظام الأسد المظلم الذي تخشاه إسرائيل والغرب

ترك الانهيار المدوي والمفاجئ لنظام بشار الأسد في سوريا العديد من الأسئلة المفتوحة بلا جواب، واحد من هذه الأسئلة يتعلق بمصير ترسانة الأسلحة الكيميائية التي يمتلكها النظام، التي استخدمها ضد شعبه بالفعل في أكثر من مناسبة منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، وفشلت الجهود الدولية في تفكيكها بشكل حاسم ونهائي.

فرغم تبنّي مجلس الأمن الدولي قرارا بالإجماع عام 2013 بتدمير مخزون الأسلحة الكيميائية السوري والتخلص منه نهائيا في أعقاب مجزرة الغوطة، التي استخدم فيها نظام الأسد غاز السارين مُخلِّفا أكثر من 1400 قتيل، وإعلان الولايات المتحدة وروسيا إنجاز مهمة التخلص منها نهائيا في وقت لاحق، يُعتقد أن النظام نجح في إخفاء جزء كبير من ترسانته عن المراقبين، وتجديد جزء آخر منها خلال السنوات التالية، وقد ظهرت دلائل على استخدام النظام الأسلحة الكيميائية بعد الإعلان عن تفكيك ترسانته، أبرزها في دوما في إبريل/نيسان 2018 باستخدام الكلور وغاز الأعصاب.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2هذه الأسلحة ستكون أشد فتكا من الأسلحة النووية والعالم يتسابق لامتلاكهاlist 2 of 2كيف أخفقت روسيا في دعم بقاء الأسد؟end of list

تُثير هذه الترسانة الكيميائية الكثير من القلق لدى جهات عدة، أبرزها إسرائيل بكل تأكيد. فبحسب ما نشرته صحيفة "هآرتس" في 3 ديسمبر/كانون الأول، تزامنا مع تقدُّم فصائل المعارضة السورية وقبل أيام قليلة من فرار الأسد، كانت هناك مخاوف من إمكانية وصول الأسلحة الكيميائية التي يملكها النظام السوري السابق إلى أيدي فصائل المعارضة السورية المسلحة، ما قد يؤدي إلى تهديدات خطيرة لأمنها. لذلك، لم تمر بضع ساعات على انهيار نظام بشار الأسد رسميا، حتى قصف جيش الاحتلال مركز البحوث العلمية في المربع الأمني بدمشق، حيث تُدار برامج أسلحة كيميائية وصواريخ باليستية، وفقا لما ذكرته هيئة البث الإسرائيلية.

إعلان

في وقت لاحق، قصف سلاح الجو الإسرائيلي مؤخرا مستودعا آخر للأسلحة الكيميائية تابعا لنظام بشار الأسد المُنهار في غرب سوريا، وعموما كانت مستودعات الأسلحة الكيميائية أحد الأهداف الرئيسية لأكبر عملية جوية في تاريخ سلاح الجو الإسرائيلي، التي شاركت خلالها 350 طائرة في تدمير أنظمة أسلحة الجيش السوري المُنهار، بما يشمل أيضا الطائرات المقاتلة والصواريخ الباليستية وأنظمة الدفاع الصاروخي وحتى السفن القتالية.

من جانبها، حرصت إدارة الشؤون السياسية التابعة للمعارضة السورية على طمأنة المجتمع الدولي بشأن موقفها من الأسلحة الكيميائية، متعهدةً بعدم استخدامها مهما كانت الظروف، وهو ما يدفعنا للتساؤل: ما الذي نعرفه حقا عن مخزون نظام بشار الأسد من الأسلحة الكيميائية؟ وكيف تَشكَّل؟ وما أشهر العمليات التي استخدم فيها النظام هذا السلاح في الحرب؟ وقبل ذلك، ما الأسلحة الكيميائية؟ ولماذا تثير كل هذا الرعب؟

أكبر ترسانة في العالم

في عام 1971، بدأت أولى المحاولات السورية لامتلاك السلاح الكيميائي، حين أنشأ عبد الله واثق شهيد، الفيزيائي النووي والمستشار الأول للرئيس السابق حافظ الأسد، مركز البحوث والدراسات العلمية لأغراض الأبحاث الكيميائية، لتبدأ دمشق في أنظمة الحماية من الهجمات الكيميائية بمعاونة الاتحاد السوفياتي، جنبا إلى جنب مع 11 ألف قناع واقٍ حصلت عليها البَلَدان من الصين.

وتشير المصادر الأميركية إلى أن سوريا حصلت على مخزون ضئيل من الأسلحة الكيميائية من مصر عشية حرب أكتوبر عام 1973، بيد أن الجيش السوري لم يستخدم تلك الأسلحة ضد إسرائيل أو ضد خصم آخر في أي وقت، ويبدو أنها كانت مجرد خطة تحوُّط في مواجهة سيناريو الانهيار العسكري الشامل. ومع ذلك، بعد أن فقدت دمشق الحليف المصري في أعقاب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في نهاية السبعينيات (اتفاقية كامب ديفيد)، وبشكل أخص بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 الذي فقدت خلاله سوريا 80 طائرة حربية دفعة واحدة في سهل البقاع، والحرب العراقية الإيرانية التي أضعفت الشراكة بين سوريا والاتحاد السوفياتي بسبب دعم الأخير لإيران في حربها ضد النظام البعثي العراقي، ازدادت عزلة النظام السوري وانكشف ضعفه الإستراتيجي والعسكري، ما وفَّر حوافز إضافية للاستثمار في الأسلحة الكيميائية.

إعلان

تشير التقديرات إلى أن دمشق بدأت فعليا في إنتاج "الكيماوي" في منتصف الثمانينيات، ففي عام 1983 أشارت تقديرات الاستخبارات الوطنية الأميركية لأول مرة إلى وجود منشأة سورية لإنتاج الأسلحة الكيميائية. وكشف إفصاح صادر عن الحكومة البريطانية في عام 2014 أن سوريا حصلت بحلول عام 1986 على مئات الأطنان من المواد الكيميائية الأولية، بما في ذلك "ثلاثي ميثيل الفوسفيت"، و"ثنائي ميثيل الفوسفيت"، و"فلوريد الهيدروجين"، من المملكة المتحدة، وتقنيات أخرى لتطوير عوامل الأعصاب مثل غاز السارين.

وبحلول عام 1990، أشارت وسائل الإعلام والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الأميركيين إلى أن سوريا حوَّلت العديد من مصانع الكيماويات الزراعية إلى مرافق لإنتاج السارين. وفي عام 1997، زعمت مصادر أميركية وإسرائيلية أن برنامج الأسلحة الكيميائية السوري بات يتضمن منشآت إنتاج في دمشق وحمص وحلب، ويمكنه إنتاج السارين والخردل، وربما "في إكس" (VX) الذي يُصنَّف واحدا من أكثر الأسلحة الكيميائية فتكا وخطورة.

نتيجة لذلك، حظرت الولايات المتحدة بيع غاز السارين ومركبات الخردل إلى سوريا منذ ثمانينيات القرن العشرين، وتسبَّب ذلك في لجوء دمشق إلى السوق السوداء. مثلا في عام 1996، اتهمت السلطات الروسية الفريق المتقاعد أناتولي كونتسيفيتش بشحن 800 كيلوغرام من المواد الكيميائية الأولية إلى سوريا. ورغم إسقاط هذه التهم في نهاية المطاف، أفادت الصحافة الإسرائيلية أن كونتسيفيتش اعترف لاحقا بنقل مواد أولية لغاز الأعصاب.

من عام 2002 إلى عام 2006، كرَّرت التقارير الصادرة عن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) أن "دمشق تحتفظ بالفعل بمخزون من غاز الأعصاب السارين، لكنها حاولت على ما يبدو تطوير مواد أعصاب أكثر سُمِّية واستمرارية". في عام 2009، أصدرت الاستخبارات المركزية الأميركية تأكيدها أن النظام السوري يملك برنامج أسلحة كيميائية يُمكِّنه من تنفيذ هجمات كيماوية بالطائرات والصواريخ بعيدة المدى وبالمدفعية. وفي يونيو/حزيران عام 2012، أكَّد الجنرال "يائير نافيه"، مساعد رئيس الأركان الإسرائيلي حينها، أن سوريا تملك "أكبر ترسانة أسلحة كيميائية في العالم طوَّرتها منذ أربعين عاما"، وقال إن من بين الغازات الموجودة في ترسانتها غاز السارين وغاز الأعصاب وغاز الخردل. وفي يوليو/تموز من العام نفسه، جاء أخيرا أول اعتراف رسمي من النظام السوري بامتلاكه أسلحة كيميائية، وهو اعتراف لم يرد إلينا عبر تصريح رسمي لمسؤول حكومي، بل عبر آثاره التي ظهرت على جثث القتلى.

إعلان الكيماوي ضد الشعب

كانت الثورة التي حوَّلها قمع النظام إلى حرب دموية قد اندلعت بحلول ذلك الوقت، وتحوَّلت معها الأسلحة الكيميائية من "مخزونات صامتة" للتحوُّط ضد الخصوم الخارجيين إلى أسلحة مشهرة في وجه المواطنين السوريين. وفي الفترة ما بين أواخر نوفمبر/تشرين الثاني وأوائل ديسمبر/كانون الأول 2012، حصلت وكالات الاستخبارات الغربية على أدلة واضحة على أن النظام السوري كان يجهز الأسلحة الكيميائية للاستخدام، بما في ذلك خلط المواد الكيميائية الأولية وتحميل الأسلحة على مركبات نقل عسكرية خاصة.

لم تكد تمر أيام على تلك التقارير حتى جاء الخبر اليقين، حين استُخدم "الكيماوي" لأول مرة في حمص قبل نهاية عام 2012. وبعد بضعة أشهر، تحديدا في 19 مارس/آذار 2013، ظهرت أدلة على هجوم بالأسلحة الكيميائية في قرية خان العسل في محافظة حلب، مما استدعى تشكيل بعثة لتقصي الحقائق من قِبَل الأمم المتحدة. بيد أن الأسوأ لم يكن قد جاء بعد، ففي صباح يوم 21 أغسطس/آب 2013، ظهرت مقاطع الفيديو حول هجوم الغوطة، وهو الهجوم الكيميائي الأكثر فتكا في الحرب السورية، الذي أجبرت تداعياته نظام الأسد على إدخال فِرَق التفتيش الأممية ثم الرضوح لاتفاق روسي أميركي للتخلص من مخازنه الكيميائية تفاديا لضربة أميركية محتملة.

مجزرة الغوطة التي قامت بها قوات الأسد باستخدام الأسلحة الكيميائية في أغسطس/آب 2013 (الجزيرة)

ووفقا للنتائج الأولية التي أعلنتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، فإن الترسانة السورية تضمنت 1000 طن متري من الأسلحة الكيميائية من الفئة الأولى (الأسلحة الكيميائية الصريحة)، و290 طنًّا من المواد الكيميائية من الفئة الثانية (ذات الاستخدام المزدوج)، و1230 نظام توصيل غير معبأ من الفئة الثالثة مثل الصواريخ، وقد دُمِّرت الغالبية العظمى من هذا المخزون خارج سوريا. ولكن في حين رُحِّبَ بتدمير الأسلحة الكيميائية المعلنة في سوريا باعتباره إنجازا كبيرا، ظلَّت الأسئلة قائمة حول إذا ما كان النظام قد أفصح عن مخزوناته كاملة.

إعلان

بادئ ذي بدء، اقتصر دخول الفِرَق إلى مواقع تخزين السلاح الكيميائي التي أعلن عنها النظام، أما المواقع غير المُعلنة فكان على المفتشين تقديم طلب دخول إليها عبر إرفاق مجموعة من الأدلة التي تدعم شكوكهم، أي إن تحركات المفتشين كانت تخضع لشروط النظام، وكان له صلاحية رفض تلك التحركات. في إحدى الحالات، شكَّك المفتشون بأن النظام يمتلك أكثر من 20 طنًّا من غاز الخردل هو حجم ما اعتُرف به رسميا، وعندما ضغطت الأمم المتحدة على النظام، ذكر أنه كان قد أتلف فعلا مئات الأطنان من غاز الخردل قبل بدء عملية التفتيش دون تقديم أدلة على ذلك.

لاحقا، كشفت العيّنات التي أخذتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في موقع الأبحاث العسكرية السورية "المعهد 3000" (في مايو/أيار 2014 ويناير/كانون الثاني 2016) عن وجود بعض المواد الكيميائية الناتجة عن تحليل غاز الأعصاب "في إكس"، كما وجد المفتشون آثارا من كحول "بيناكوليل" في المنشأة، وهو مادة أولية لغاز الأعصاب "سومان" وليس له استخدامات سلمية.

قُطعت هذه الشكوك باليقين حين استأنف النظام هجماته الكيميائية بعد الإعلان عن تفكيك ترسانته. وتشير تقديرات مستقلة إلى وقوع عشرات الهجمات الكيميائية للنظام بعد تفكيك ترسانته رسميا. على سبيل المثال، في الرابع من إبريل/نيسان 2017، ظهرت التقارير حول هجوم بغاز السارين على قرية خان شيخون، 30 ميلا جنوبي إدلب، الذي خلَّف أكثر من 100 قتيل، وهي الحادثة التي عُرفت بمجزرة خان شيخون، ما دفع الولايات المتحدة إلى إطلاق 59 صاروخا من طراز "توماهوك" على قاعدة الشعيرات الجوية، الموقع الذي انطلق منه الهجوم الكيميائي.

لاحقا، استهدف النظام مدينة دوما بريف دمشق عام 2018 بأسطوانات غاز الكلور، مما أسفر عن مقتل 43 شخصا. وردا على هذا الهجوم، شنَّت الولايات المتحدة إلى جانب فرنسا وبريطانيا، في إبريل/نيسان عام 2018، ضربات عسكرية ضد ثلاثة مواقع ذكرت إدارة ترامب حينها أنها كانت جزءا من برنامج الأسلحة الكيميائية السوري، منها موقعان لتخزين الأسلحة الكيميائية في غرب حمص، أحدهما الموقع الأساسي لإنتاج غاز السارين، بينما الموقع الثالث كان في إحدى مناطق دمشق، وذكر مسؤول في البنتاغون حينها أنه مركز لتطوير وإنتاج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

إعلان ما السلاح الكيميائي وما خطورته؟

يقودنا هذا الاستعراض إلى حديث مقتضب حول الأسلحة الكيميائية نفسها، ولماذا تُعد مصدرا للرعب. بحسب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، يُعرَّف السلاح الكيميائي بأنه أي مادة كيميائية سامة مُصمَّمة خصوصا لإحداث الوفاة أو غيرها من الأضرار، أو أي مادة أخرى يمكن أن تؤدي بتفاعل كيميائي إضافي إلى تلك المادة السامة، التي يمكن أن تُستخدم مباشرة، أو تُوضع في ذخائر عسكرية.

تنقسم الأسلحة الكيميائية إلى عدة عوامل بحسب استخدامها، هناك مثلا خردل الكبريت الذي يُصنَّف ضمن العوامل المنفّطة، وتظهر تلك العوامل في الحروب على شكل سائل، أو رذاذ، أو بخار، أو غبار، وتدخل إلى الجسم عبر الرئتين والجلد. وغاز الخردل ليس له لون أو رائحة، ولكن عندما يُخلط مع مواد كيميائية أخرى فإنه يصبح بُنّي اللون وله رائحة تشبه رائحة الثوم، وتشمل أعراضه حروقا في الجلد والأغشية المخاطية والعينين، بالإضافة إلى التهابات جلدية ومشكلات في الجهاز التنفسي مثل التهابات القصبة الهوائية والرئتين.

بينما يُعد الكلور ضمن العوامل الخانقة، التي تكون عادةً في شكل غاز وتدخل الجسم عبر الرئتين. عند استنشاقها، تُسبب هذه العوامل تهيُّجا في الأنف والمجرى التنفسي، وقد تؤدي إلى تراكم السوائل في الرئتين مما يسبب الاختناق. يُعد الكلور مادة كيميائية مزدوجة الاستخدام، إذ يُستخدم في العديد من التطبيقات المدنية السلمية المشروعة، لكن يُحظر استخدامه بوصفه سلاحا بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

أما الأسلحة الكيميائية الأكثر خطورة فهي العوامل المؤثرة على الأعصاب مثل "السارين"، و"في إكس". تظهر هذه المواد أيضا في شكل سائل، أو رذاذ، أو بخار، أو غبار، وتخترق الجسم عبر الرئتين والجلد كليهما، وتؤدي إلى تشنجات شديدة، وفقدان السيطرة على الجسم، وشلل العضلات بما في ذلك عضلة القلب والحجاب الحاجز مما قد يؤدي إلى الوفاة.

إعلان

أحد أكثر تلك العوامل استخداما هو غاز السارين، الذي طُوِّر أثناء الحرب العالمية الثانية، واكتسب اسمه من اسم العالِم الألماني الذي طوَّره، ومثله غاز "تابون" وغاز "سيكلوسارين". وتُعد هذه المجموعة من الغازات الطيارة التي تتحول إلى سائل في درجة حرارة غرفة طبيعية، غير أن غاز السارين هو أخفها، والسارين الصافي عندما يكون سائلا يكون عديم اللون والطعم والرائحة.

استخدم نظام الأسد هذه العوامل في هجمات كيميائية مختلفة على مدار السنوات الماضية، لكن التقارير تشير إلى أن المادة الكيميائية السامة الأكثر استخداما هي الكلور. ووفقا لبيانات "بي بي سي"، يُشتبه في استخدام جيش النظام السوري للكلور في 79 هجوما مسجلا. وتُعزى ميزة الكلور -في الهجمات الكيميائية- إلى صعوبة إثبات استخدامه، وبالتالي زيادة إمكانية الإنكار، بسبب سرعة تطاير الكلور، ما يعني تبخّره وتشتته سريعا.

أب يرثي أبناءه بعد مقتلهم على إثر الهجمات الكيميائية التي شنتها قوات الأسد في مدينة الغوطة في أغسطس/آب 2013 (الأوروبية)

تشير شهادات المنشقّين عن مركز الدراسات والبحوث العلمية السوري لصحيفة "لوموند" الفرنسية عام 2020 إلى أن براميل الكلور تُصنع محليا، وأشارت تلك الشهادات إلى كيانات جديدة لم تكن معروفة من قبل، مثل ورشتين لإنتاج البراميل المتفجرة المليئة بالكلور، إحداهما تقع في جمرايا، والأخرى بالقرب من مصياف. ويشير التقرير أيضا إلى آليات تزويد المركز بالمواد الكيميائية، إذ اكتشف المحققون أنه بين عامَيْ 2014-2018، صدّرت 39 دولة -بينها 15 دولة أوروبية- 69 فئة من المنتجات التي يُحتمل خضوعها للعقوبات إلى سوريا، وتضم بصورة أساسية مُركب "أيزوبروبانول"، الذي يُسمح بتسويقه فقط إذا كانت نسبة تركيزه أقل من 95%، لأنه يمكن استخدامه في صنع غاز السارين.

إعلان

وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 2023، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بيانا في يوم إحياء ذكرى كل ضحايا الحرب الكيميائية، أشارت فيه إلى أن النظام السوري لا يزال يمتلك ترسانة من الأسلحة الكيميائية، مع مخاوف جدّية من احتمال تكرار استخدامها في سوريا. وأشار البيان إلى أن روسيا تساعد النظام السوري في إخفاء مخزوناته من الأسلحة الكيميائية. وقد وثَّقت الشبكة حتى تاريخ 30 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2023 ما لا يقل عن 222 هجوما بالأسلحة الكيميائية في سوريا في قاعدة بياناتها، منذ أول استخدام موثق لهذه الأسلحة المحرّمة دوليا في 23 ديسمبر/كانون الأول عام 2012. وقد نفّذت قوات النظام السوري ما مجموعه 217 هجوما من إجمالي تلك الهجمات، بينما نفّذ تنظيم الدولة الهجمات الخمس المتبقية.

أما خطورته، فيُعد السلاح الكيميائي ضمن أخطر الأسلحة فتكا بالبشر على المستوى الجماعي، غير أن حجم الأضرار الناجمة عنه يعتمد بشكل كبير على تركيزه، وهو أمر يختلف من مكان إلى آخر، حيث تزيد المخاطر في الأماكن المغلقة والضيقة، مقارنة بالمساحات الواسعة على سبيل المثال، وفي كل الأحوال يؤدي التعرض لذلك النوع من المواد إلى الوفاة إذا زاد التركيز الذي يتعرَّض له الشخص ومدة التعرُّض على حدٍّ معين.

حقيقة أخرى لا تقل أهمية عن السلاح الكيميائي هي أنه "عشوائي" في اختيار ضحاياه، إذ يمر بين جنبات البيوت والحارات الضيقة، فيقتل مَن يقابل بلا تمييز. وتزداد الأمور سوءا إذا علمنا أن المواد الكيميائية تُحمَل مع الرياح أو المياه إلى مسافات طويلة، ويستمر تأثيرها لمدة يومين تقريبا في البيئة التي أُطلقت بها، في ظل ظروف مناخية متوسطة، ومن أسابيع إلى شهور في ظل ظروف شديدة البرودة.

كل هذا ولم نتحدث بعد عن ذلك القدر من الألم غير المحتمل الذي يعانيه الضحايا قبل الموت. تبدأ أعراض تسمم السارين مثلا بدموع غزيرة، مع ألم واضح ورؤية مشوَّشة، إلى جانب سيلان اللعاب والتعرق المفرط والسعال وضيق الصدر والتنفس السريع والإسهال والغثيان والقيء، مع آلام في البطن وزيادة التبول والارتباك والنعاس والصداع، إلى جانب ذلك يرتفع معدل ضربات القلب ويضطرب ضغط الدم. ومع استمرار التعرض، يفقد الشخص الوعي، وقد تظهر تشنجات وشلل، تنتهي بفشل الجهاز التنفسي، ثم الوفاة.

إعلان

فيما يتسبَّب الكلور في ألم حارق واحمرار وبثور على الجلد، مع شعور بحرقة في الأنف والحلق والعينين، وسعال ساحق، وضيق شديد في الصدر، وصعوبة في التنفس، يعقب ذلك تراكم السوائل في الرئتين، ومع استمرار التعرُّض تكون الوفاة هي النتيجة التالية. كل هذا القدر من الألم ألحقه نظام الأسد بلا رحمة بآلاف الضحايا، الذي كانوا بالنسبة إليه ثمنا مقبولا للاحتفاظ بكرسي السلطة، الذي لم يُخيَّل إليه أنه سيفقده بين طرفة عين وانتباهتها، في اثني عشر يوما فقط.

مقالات مشابهة

  • «شفت أمي غرقانة في الدم وأخي يغسل يديه بدمها».. كابوس صباح الذي تحول إلى حقيقة
  • أمريكا تنتقد إسرائيل والأمم المتحدة لفشلهما في التعاون لوصول المساعدات لغزة
  • هل يصبح "إنستغرام" الدجاجة التي تبيض ذهبا لـ"ميتا"؟
  • الأمم المتحدة: إسرائيل لا تزال ترفض توصيل المساعدات إلى شمال قطاع غزة
  • الأمم المتحدة: إسرائيل تواصل رفض إيصال المساعدات إلى شمال غزة
  • ارتفاع مؤشرات سوء التغذية في غزة
  • الأسلحة الكيميائية وسر نظام الأسد المظلم الذي تخشاه إسرائيل والغرب
  • روني كاسريلز.. حان الوقت لتغيير حق الفيتو الذي يحمي إسرائيل
  • المجلس النرويجي للاجئين: مليون فلسطيني يواجهون الشتاء بلا مأوى بغزة
  • لندن وأوسلو ستوقعان "شراكة صناعية" في مجال تحول الطاقة