الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بين أبوة المؤسّس ومعايير المأسسة
تاريخ النشر: 9th, March 2024 GMT
لعلّ من أهمّ الأهداف التي تبنّاها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين منذ نشأته، وسعى إلى التأصيل لها والدعوة إليها: نشر الدعوة وتعزيز الوحدة، وحماية الحقوق والدّفاع عن المكتسبات، وتوجيه الشعوب إلى ما فيه عزّها وكرامتها بعيداً عن تأثير الحكّام أو الخضوع لسياسات الحكومات، وهي أهداف كبار تستحقّ أن تبذل من أجلها الجهود وتنفق في سبيلها التضحيات.
ويدرك الناظر إلى مسيرة الاتحاد بعد عشرين عاماً على تأسيسه إيمان علماء الأمّة باتحادهم، وتمسكهم بوجوده ودوره ورسالته، ولكنْ.. هل حافظ الاتحاد على ما قام من أجله في مجالات الدّعوة تنظيماً والوحدة انفتاحاً، والدفاع عن الثوابت وحماية الحقوق، خاصة حقوق الأقليات المسلمة ومصالح الأمّة الإسلامية؟ وهل استطاع أن يحمي قراره من سلطة الساسة وتأثير الحكومات الطامحة والطامعة؟!
الإدارة الأبوية وطموحات الشباب
شهدت سنوات التأسيس الأولى حيوية كبيرة في حركة الاتحاد وطموحاته، واستطاع مؤسّسه الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله تعالى أن يجمع حوله كبار علماء الأمّة تحت مظلّة الاتحاد، وكان الجميع يدينون للشيخ المؤسّس بالولاء والمرجعية، غير أنّ هذا الولاء لم يمنع عدداً من العلماء الشباب من الاعتراض على طريقة إدارة الاتحاد، والصّلاحيات المعطاة لرئيسه، وضعف مستوى الشورى في المؤسّسات القيادية، الأمر الذي انعكس على طريقة الانتخابات وما يشوبها من حالات استقطاب، مع التصريح بالاعتراض على نسبة التعيين المرتفعة المعطاة للرئيس في مجلس الأمناء! وارتفعت هذه الأصوات في الجمعية العمومية الثالثة عام 2010 في إسطنبول، تعترض على الخطاب المهادن الذي يعتمده الاتحاد في العديد من القضايا، مطالبين بخطاب أكثر وضوحاً في التعبير عن التحدّيات التي تواجه الأمّة، وكانت هذه الاعتراضات الإدارية والموضوعية السبب الرئيس في اتجاه عدد من علماء الاتحاد إلى تأسيس إطار علمائي دولي جامع هو رابطة علماء أهل السنة، الذي رأوا فيه بديلاً أكثر وضوحاً في التعبير عن قضايا الأمّة، وتبنّي طموحاتها، والدفاع عنها في مواجهة التحدّيات، من الاتحاد العالمي الذي ينحو منحىً تصالحياً إلى درجة ما سمّاه بعضهم: "تمييع المواقف وغضّ الطرف عمّا قد يشكّل مسّاً بالثوابت"!
إذا كانت البيوت إنّما تقوم على دعامتي التغافل والتغافر، فإنّ ممارسات علماء الاتحاد تدلّ على أنّ ما يبني البيوت لا ينطبق على المؤسسات، فلم يجد العلماء أنّ أمانة البلاغ والإصلاح تقبل منهم بالتغافل، فرفعوا أصواتهم بالاعتراض على ما رأوه خطأ، على اعتبار أن اعتراضاتهم هي من باب القيام بواجب النصح في موضعهتشقّقات وتصدّعات
عصفت بالاتحاد بعد الحركة الاعتراضية التي أوصلت إلى تشكيل إطار علمائي دولي موازٍ، مشكلات أخرى متعدّدة الوجوه تجلّت في استقالة الأمين العام للاتحاد الدكتور محمد سليم العوّا "اعتراضاً على طريقة إدارة الأمور" كما قال، ونائبا رئيس الاتحاد الشيخ محمد علي التسخيري عام 2010 والشيخ عبد الله بن بيّه، عام 2013، الأول اعتراضاً تصريحات أدلى بها الشيخ القرضاوي محذّراً ممّا رآه غزواً شيعياً للمجتمعات السنية، والثاني، لأنّ خطاب الاتحاد "لا يحقّق الإصلاح والمصالحة" بين مكوّنات الأمّة حسب رأيه.
ومن الجدير بالذكر أنّ الأسباب التي دفعت ببعض العلماء الشباب المعترضين على سياسة الاتحاد إلى تشكيل كيان علمائي دولي موازٍ، لم توصلهم إلى ترك الاتحاد، بل جمع أكثرهم بين عضوية الاتحاد وعضوية الرابطة الدولية الجديدة التي أنشؤوها، فيما آثر الذين تركوا الاتحاد لأسباب إدارية كالدكتور العوّا، أو لأسباب سياسية مذهبية كالشيخ التسخيري، الانسحاب الصامت الهادئ، دون إثارةٍ إعلامية أو ثورةٍ داخلية، ورافق ذلك غياب عدد غير قليل من علماء السلف أو تغييبهم، وإيثار كثير من العلماء المحسوبين على التيار الصوفي عدم الانضمام للاتحاد لأسباب عديدة، مع ابتعاد العلماء المرتبطين بالمؤسسات الرسمية من وزراء الأوقاف والمفتين والقضاة عن الدخول تحت مظلّة الاتحاد، إضافة إلى خروج عدد من علماء الشيعة أو امتناعهم عن الحضور والمشاركة، فأصبح الكمّ الكبير من العلماء المنضوين تحت لواء الاتحاد ممّن يصنّفون بالعلماء الحركيين، فوُصِم الاتحاد بالحزبية، وضعف تأثيره العامّ في تثبيت قيم الوسطية والوحدة والانفتاح والحوار، وزاد التحدّي لديه في المحافظة على قيم الاستقلال والحياد والبعد عن تأثير الحكّام والحكومات الطامحة إلى تسخيره والاستثمار فيه، مع السعي الدؤوب من قياداته للمحافظة على هذه القيم التي نشأ الاتحاد عليها ورفع شعارها على مرّ السنين.
تغافر لا تغافل
إذا كانت البيوت إنّما تقوم على دعامتي التغافل والتغافر، فإنّ ممارسات علماء الاتحاد تدلّ على أنّ ما يبني البيوت لا ينطبق على المؤسسات، فلم يجد العلماء أنّ أمانة البلاغ والإصلاح تقبل منهم بالتغافل، فرفعوا أصواتهم بالاعتراض على ما رأوه خطأ، على اعتبار أن اعتراضاتهم هي من باب القيام بواجب النصح في موضعه، وحافظوا في الوقت نفسه على مبدأ التغافر فلم يجرّحوا ولم يتجاوزوا حدّ الاعتراض إلى سلوك التهشيم والإساءة، واكتفوا حين لم يجدوا من يستجيب لنداءاتهم بالانسحاب من الاتحاد والاستقالة من عضويته، أو بذل الجهد في إطارٍ يرون أنّه أكثر استجابة لتطلعاتهم وأكثر تعبيراً عن طروحاتهم، ويبقى التعويل على قيادة الاتحاد في الدورة التنظيمية الجديدة أن تضع هذه الهواجس والأفكار في جدول اهتمامها، فتجري عملية تقييم ومراجعة، تساهم في تعزيز المأسسة ومعرفة تطلعات العلماء لتلبيتها، وطاقاتهم للاستثمار فيها.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مسيرة رأيه مسيرة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين رأي اجتهادات مقالات مقالات مقالات سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ة الاتحاد الأم ة
إقرأ أيضاً:
اتحاد علماء المسلمين يدعو العالم لتحرّك عاجل لوقف إبادة غزة ويعلن جمعة الغضب
قال الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إنّ: "جرائم حكومة نتنياهو، في غزة، تجاوزت كل الحدود"، وطالب بـ"ضرورة إيقاف قتل النساء والأطفال بالأسلحة المدمرة والجوع والعطش والمرض".
ودعا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، العالم أجمع، عبر بيان له، لـ"ضرورة التضامن مع أهل فلسطين، من خلال تحركات عاجلة تشمل جميع الوسائل المؤثرة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية على مستوى الحكومات".
وفي السياق نفسه، طالب الاتحاد العالمي، من الخطباء في العالم، بـ"تخصيص خطب الجمعة الموحدة" في إشارة إلى أهمية تسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني، وضرورة دعمهم لإيقاف حرب الإبادة التي يشنّها ضدهم الاحتلال الإسرائيلي.
أيضا، دعا الاتحاد العالمي، المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية، لـ"الاستمرار في دعم غزة وتوثيق الانتهاكات حتى رفع الحصار وتحقيق العدالة"، مبرزا خلال البيان نفسه، أنه: "يتابع ببالغ القلق والأسى ما يتعرض له قطاع غزة من إبادة جماعية، وجرائم حرب ممنهجة، وتجويع، وحصار جائر، وتهجير قسري، تحت وطأة الآلة العسكرية الصهيونية المدعومة من قوى الاستكبار العالمي".
وجاء في البيان: "في ظل هذا العدوان السافر يؤكد الاتحاد تضامنه الكامل مع أهلنا في الأرض المحتلة، ويذكّر بوجوب نصرة المظلومين كما أمرنا الله تعالى في قوله: [وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ] (الأنفال:72)، وفي الحديث الشريف: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" (متفق عليه)".
وأضاف: "في إطار الواجب الشرعي والإنساني، يدعو الاتحاد كافة الأمة الإسلامية والمجتمع الدولي إلى التحرك العاجل عبر الخطوات التالية: بالنسبة للحكومات ضرورة بذل كل الجهود العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لوقف العدوان، والضغط على أمريكا لمنع العدوان، فهي القادرة على ذلك، وهي التي تعد مشاركة فيما يحدث في غزة".
واسترسل: "بالنسبة للمسلمين فواجبهم: تخصيص الجمعة الموحدة لأجل غزة العزة:
ندعو جميع الأئمة والخطباء في جميع المساجد إلى تخصيص خطبة الجمعة القادمة بتاريخ 6 شوال 1446ه /4 ابريل 2025م، تحت عنوان "نصرة غزة ... واجب الأمة ومنع العدوان فريضة أولى".
"مع التركيز على إدانة الصمت الدولي تجاه جرائم القتل والتجويع والتهجير القسري لأهلنا في غزة والضفة، وفضح التواطؤ الدولي في استمرار العدوان على فلسطين والمسجد الأقصى، وحث المصلين على الدعم المادي والمعنوي لأهل غزة" وفقا للمصدر ذاته.
كذلك، دعا إلى: "المسيرات السلمية العالمية" بالقول: "نوجّه الدعوة إلى جميع المصلين في كل المساجد حول العالم للخروج في مسيرات سلمية بعد صلاة الجمعة، إلى أقرب مكان عام، للتعبير عن التضامن مع غزة ورفض العدوان، مع التأكيد على الالتزام الكامل بالسلمية وعدم التصادم مع الأجهزة الأمنية، رفع شعارات التي تُعرّي الجرائم الصهيونية وتُطالب بوقف الحرب".
ومضى بالقول: "نطلب من اتحادات العلماء والهيئات الإسلامية في كل بلد تنظيم فعاليات الضغط السياسي والإغاثي، وخاصة في الأردن وسوريا وليبيا واليمن والعراق وتركيا وماليزيا وباكستان، وغيرها من الدول".
وأكّد على: "أهمية تكرار هذه التحركات أسبوعيا، وزيادة زخمها حتى يتم وقف العدوان ورفع الحصار الظالم عن غزة".