سودانايل:
2025-04-06@02:57:29 GMT

حرب السودان والموقف العربي

تاريخ النشر: 9th, March 2024 GMT

ناصر السيد النور
فيما ما زالت الحرب في السودان مستمرة وهي تكمل عامها الأول ـ التي حولت البلاد بالنتيجة المنطقية لبداياتها العبثية، إلى دمار ماحق طال الإنسان والمكان ـ تزداد بعداً عن أي أفق للحل يضع نهاية لتمدداتها العسكرية على نطاق جغرافي واسع، بينما تقترب من الوصول إلى الكارثة الإنسانية الشاملة، من مجاعة وأمراض تفتك بملايين المواطنين ضحايا الحرب.

وقد منعت المساعدات الإنسانية، المعلقة ضمن مناورات الحرب، من الدخول إلى مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور، كما صرح مؤخراً وزير الخارجية السوداني علي الصادق، وبهذا تكون الأزمة قد تحولت من حرب إلى مجاعة، إلى حصار، ثم كارثة إنسانية تهدد حياة سكان مناطق بعينها على أسس النزاع الجهوية.
واللافت أن الزيارات التي قام بها كل من الفريق البرهان إلى ليبيا ومصر مؤخراً، وقبلهما الجزائر، وما أعقبها من زيارة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) لليبيا، تكون الأزمة السودانية قد واصلت بحثها بالعودة إلى المسار العربي، في الجوار العربي الذي غاب طويلاً عن مشهد الصراع السوداني، بعد أن تعقدت السبل نحو المبادرات الإقليمية في الوجهة الافريقية للسودان. وكانت المحاولات الرسمية السعودية الأمريكية، أولى المبادرات من طرف عربي للوساطة في الشأن السوداني.
فمنذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل الماضي لم يلاحظ أي أثرٍ للجهود في حل الأزمة لإحدى أعضاء جامعة الدول العربية، إلا بالقدر الذي يرد في بياناتها من سيل الإدانات والدعوة إلى ضبط النفس، وغيرها مما تحفل به مقررات وبيانات الجامعة العربية. فقد أصدرت قرارها رقم 8913 الذي دعت فيه إلى الوقف الفوري للأعمال القتالية كافة، دون قيد أو شرط، وتعزيز الالتزام بالهدنة، سعياً نحو عدم تفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية للشعب السوداني، والحفاظ على مكتسباته وسلامة الدولة السودانية ومؤسساتها ومنشآتها، إلا أنها لم تكن أكثر من عبارات غير ملزمة. هذه الحرب في أحد وجوهها مثلت حرباً بالوكالة، كما يرى المراقبون، فالاتهامات طالت الإمارات العربية، وأشارت إلى دورها في الوقوف وراء قوات الدعم السريع، كما جاء في تقارير صحافية وقبلها تصريحات قادة الجيش السوداني، ما صعّد حدة التوتر على المستوى الدبلوماسي بين البلدين، وقد نفت دولة الإمارات في بيان خارجيتها قيامها بتسليح أي طرف، ولا يخفى على المراقب الدور الخارجي في تأجيج الصراع القائم بين أطراف إقليمية عدة، كشأن كل الحروب الداخلية، وهو صراع تكاد تخفي أجندته أكثر مما تفصح به مبررات الحرب نفسها. فالسودان بسبب موقعه الهامشي ووزنه في المحيط العربي، طالما كانت أزماته الكثيرة محل جدل حول مدى فاعلية استجابة السياسات العربية بين دعم مفتوح، أو موقف متردد، ما يجعل أزماته غير مدرجة في جداول سياسات الدول العربية ومنظماتها الإقليمية. ومن تأثيرات الأزمة، توجه السودان نحو إيران بعد قطيعة دامت لسنوات، في توقيت يشهد الإقليم فيه تجاذبات حادة، على مستوى الأنظمة والقضايا الملتهبة في المنطقة، وما أثاره هذا التقارب من قلق وتكهنات قابلة لأكثر من تفسير جيوسياسي وعسكري على البحر الأحمر، وما تسعى إليه إيران من إقامة قواعد لها على البحر الأحمر، وغيرها من مهددات تشهدها المنطقة، ويأتي الاقتراب من إيران في ظل تشابكات الصراع الدائر، الذي سيتأثر بشكل سالب مما تشكله هذه التحالفات المتناقضة وسياق السياسات العربية في المنطقة. فالتخوف الذي تبديه دول النظام العربي من دور بارز للإسلاميين أنصار النظام السابق، من جماعات الإسلام السياسي، وتحكّمه بإدارة المعركة، يجعل الموقف الحالي للحكومة السودانية التي يمثلها الجيش، بشرعية الحرب، التي يخوضها ضد الدعم السريع، تخضع لتفسيرات عدة، بين عودة للسلطة وتمكين مجدد للإسلاميين، في استعادة دورهم في السلطة بعد ثورات الربيع العربي المجهضة في كل من مصر وتونس وليبيا.

وتدخل إسرائيل أيضاً محور الصراع من أكثر من باب فكل من الطرفين طرق بابها منذ أن التقى الفريق البرهان برئيس الكيان في يوغندا في 2021 بصورة علنية لم يسبقه إليها سياسي أو مسؤول سوداني في تاريخ السودان الحديث. وما سربته التقارير عن زيارات سرية وعلنية بين الجانبين والسماح للطيران الإسرائيلي بالمرور بالأجواء السودانية، أسوة بدول المنطقة العربية. ويبدو أن إسرائيل أصبحت البوابة التي ينفذ عبرها نحو الغرب، وضمانة حصانة ضد محاكمات دولية لجرائم حرب مرتكبة، ودعم مرتقب من دول المنطقة المطبعة مع الكيان الصهيوني، كما لو أن إسرائيل أصبحت الحكومة السرية التي تحكم العالم، كما يشاع في الأسطورة الرائجة. وبالعودة إلى زيارة الدولتين مصر وليبيا في سياق دوريهما المفترض في حل الأزمة السودانية، فإن الأولى التي زارها الفريق البرهان دعوة، أم استدعاء من قيادتها كان دورها الأكبر منذ تفجر صراع الحرب الأهلية في فتح حدودها أمام موجات الفارين وما شكله من ضغط، وهي التي تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة. ولكن على الصعيد السياسي بدا ملحوظاً وقوفها إلى جانب الجيش، وفقا لتقديرات استراتيجيتها الجيوسياسية ببعدها التاريخي في علاقتها مع السودان على بوابتها الجنوبية، وما يعنيه انهيار السودان من مهددات على أمنها القومي على طول خط النيل، والتحديات التي فرضتها السياسات المائية لدول حوض النيل. وبينما تلمح الدوائر المقربة من السلطة المصرية بدفع الطرفين، خاصة طرف البرهان (الجيش) نحو قبول التفاوض، بعد خسارة الجيش، وخشيتها من عودة الإسلاميين الذين يقفون خلف الجيش، وفي عودتهم بما تراه مصر عودة لكابوس الإخوان المسلمين. ولا تزال جهود الدولة المصرية متأرجحة، على الرغم من عقدها لاجتماع قمة على مستوى رؤساء دول الجوار السوداني في يوليو الماضي، الذي خرج بخطة العمل التنفيذية التي وردت في بيانها دون إحراز تقدم في ملف المشكل السوداني، إلا بالقدر الذي أفصحت عنه عبارات البيان. أما ليبيا بلد الجوار الثاني، والأقل أثرا قياساً بالدور المصري كبلد تمزقه الصراعات منذ ما يزيد على عقد من الزمان، تسيطر عليه حكومتان تدعم إحداهما قوات حفتر، كما يشارك قوات الدعم السريع عبر الحدود المفتوحة تنفيذا لأجندة إقليمية كما تشير التقارير. وقد صرحت حكومة طرابلس (الدبيبة) بحل المشكلة السودانية، دون أن تفصل الطرق التي ستنتهجها في ذلك، ولكن تبقى ليبيا بحدودها المفتوحة مع السودان ووجود جماعات مقاتلة من الحركات المسلحة، أحد أضلع الصراع، ولكن من المستبعد أن يكون لها دور حاسم في حل الصراع إن لم يكن في تأجيجه فليس في إنهائه.
والموقف العربي الراهن بما يمر به من منعطف حرج إزاء عجزه أمام الكثير من التحديات، وما يحدث في غزة لا يتوقع أن يحدث تحركاً إيجابيا في الأزمة السودانية، التي باتت حرباً منسية، كما يتردد في الإعلام العالمي. ولأن البلدان العربية لا تملك الإرادة أو القوة الكافية لتدخل بشكل يمكن أن يؤدي إلى حل الصراع، فإنها تعول على ما تراه الدول الكبرى والمؤسسات الدولية من حلول وخطط، فإما أن تلزم الطرفين بقبول المقررات الأممية، أو تبقى رهينة حساباتها وأجندتها السياسية الحذرة. فإذا كانت المبادرات العربية قد تعددت منابرها من وساطة غير مباشرة بين الطرفين في جدة، إلى المحادثات السرية في المنامة بالبحرين وغيرها من لقاءات، إلا أنها لم تبد أو تعمل على حل الأزمة السودانية، بما تقتضيه ضرورات الأمن القومي العربي.
كاتب سوداني
نشر بصحيفة_ القدس العربي اللندنية# عدد اليوم 09مارس 2024م

nassyid@gmail.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: الأزمة السودانیة الدعم السریع

إقرأ أيضاً:

السلطات السودانية تفرج عن اثنين من رموز نظام البشير لدواعٍ صحية

كشفت مصادر سودانية مطلعة النقاب عن أنه تم الإفراج عن بكري حسن صالح ويوسف عبد الفتاح وهما من قيادات حكومة الإنقاذ بعد أن أبلغهما مسؤول عسكري بأن السلطات قررت إطلاق سراحهما بسبب تدهور حالتهما الصحية.

وكان صالح وعبد الفتاح قد خضعا للمحاكمة بتهم تتعلق بالانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة المنتخبة في عام 1989، ولكن الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من عام قد عطلت سير المحاكمة.

وقد أوضح عضو هيئة الدفاع عن المتهمين، محمد الحسن الأمين، في تصريحات نقلتها صحيفة "سودان تربيون" أن هذا القرار قد أُبلغ له من قبل عقيد في الاستخبارات العسكرية. كما ذكر الحسن أن الإفراج عن صالح وعبد الفتاح يأتي بعد تدهور حالتهما الصحية، حيث ستُجرى عملية جراحية ليوسف عبد الفتاح الأسبوع المقبل، في حين من المتوقع أن يغادر بكري حسن صالح مستشفى مروي بعد تعافيه في يوم السبت المقبل.

ويضيف الحسن أن السلطات قد رفعت مستوى الحراسة المفروضة على صالح وعبد الفتاح، إلا أنها أبقت على مرافق واحد فقط لكل منهما.

وبكري حسن صالح ويوسف عبد الفتاح هما شخصيتان بارزتان في النظام السوداني السابق، حيث شغلا مناصب رفيعة في الحكومة والمجتمع العسكري. بعد سقوط نظام البشير في 2019، تم اعتقالهم ووجهت إليهم تهم تتعلق بالفساد والانقلاب العسكري، وظلوا تحت الاحتجاز في ظروف قانونية وسياسية معقدة نتيجة للأزمة السياسية في السودان.

وجاء القرار بعد سلسلة من الأحداث التي أثرت على سير الإجراءات القانونية المتعلقة بمحاكمة كبار قادة نظام البشير. ففي سبتمبر 2024، تم نقل صالح وعبد الفتاح، بالإضافة إلى الرئيس المخلوع عمر البشير ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين، من منطقة وادي سيدنا العسكرية في أم درمان إلى مستشفى مروي بالولاية الشمالية بعد تقارير طبية أظهرت تدهور صحتهم بشكل ملحوظ.




كما تسببت الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في تعطيل المحاكمات، حيث فرّ قادة النظام السابق من سجن كوبر ضمن آلاف السجناء بعد اندلاع الحرب، مما فاقم من تعقيد الوضع الأمني والسياسي في البلاد.

واندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية في البلاد. هذا النزاع أعاق بشكل كبير سير الإجراءات القضائية ضد الرئيس المخلوع عمر البشير، ونائبه بكري حسن صالح، وعدد من كبار قادة النظام السابق، الذين كانوا يواجهون محاكمات تتعلق بانقلاب 1989 وتهم فساد أخرى.

وقد عانت البلاد من تداعيات هذه الحرب على جميع الأصعدة، بما في ذلك النظام القضائي، الذي أصبح في حالة من الجمود بسبب الظروف الأمنية والسياسية الصعبة. في هذا السياق، تأتي خطوة الإفراج عن صالح وعبد الفتاح لتزيد من تعقيد المشهد السياسي، حيث يتساءل البعض عن مغزى هذا القرار في ظل الوضع المتأزم الذي تشهده البلاد.

ويتوقع مراقبون أن تثير هذه التطورات المزيد من التساؤلات حول الإجراءات القانونية المتخذة بحق رموز النظام السابق، وكذلك حول كيفية تأثير الحرب على سير العدالة في السودان في ظل الظروف الراهنة.

وأواخر مارس / آذار الماضي عاد رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان، إلى القصر الرئاسي في العاصمة، وأعلن "الخرطوم حرة"، فيما حاولت قوات "الدعم السريع" التقليل من أهمية هذه الخطوة.

وظهر البرهان، وهو أيضا قائد الجيش، في القصر الرئاسي وسط عشرات الجنود، وقال: "انتهى الأمر.. الخرطوم حرة".

وفي الفترة الأخيرة تسارعت وتيرة تراجع قوات "الدعم السريع" في ولايات عدة، منها الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض وشمال كردفان وسنار والنيل الأزرق.

ومن أصل 18 ولاية، تسيطر قوات "الدعم السريع" فقط على جيوب غرب وجنوب مدينة أم درمان غربي الخرطوم، وأجزاء من ولايتي شمال كردفان وغرب كردفان.

كما تسيطر "الدعم السريع" على 4 ولايات في إقليم دارفور (عرب)، بينما يسيطر الجيش على الفاشر عاصمة شمال دارفور الولاية الخامسة في الإقليم.

ويخوص الجيش و"الدعم السريع" منذ أبريل 2023 حربا أسفرت عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص ونزوح ولجوء حوالي 15 مليونا آخرين، وفق الأمم المتحدة والسلطات المحلية، بينما قدرت دراسة أجرتها جامعات أمريكية عدد القتلى بنحو 130 ألفا.


مقالات مشابهة

  • طارق البرديسي: ما حدث في السودان كارثيا وعلى الغرب دعم الجيش
  • طارق البرديسي: ما حدث في السودان كارثي.. وغياب الغرب يؤكد وجود مؤامرة
  • الكشف عن الدولة العربية التي قدمت دعما لحملة القصف على اليمن
  • إسقاط مسيرات حربية من قبل القوات المسلحة السودانية| تفاصيل
  • محلل سياسي: يجب توحيد الضغوط العربية على أمريكا لحل الأزمة في غزة
  • الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
  • السلطات السودانية تفرج عن اثنين من رموز نظام البشير لدواعٍ صحية
  • مفاهيم الصراع.. العروبة والحضن العربي
  • إعادة بناء القرية السودانية: رؤية لمستقبل مستدام بعد الحرب
  • نتنياهو والصراع الداخلي ضدّه