في الثالث من مارس الحالي قدمت فرقة الصحوة المسرحية عرضها المسرحي "التلي"، وما لفت الانتباهَ أن هذا العمل من تأليف الكاتب العراقي د.عباس الحربي، عن نص "الرحى"، فرجعت بالذاكرة إلى أيام مهرجان المسرح العماني في نسخته السابعة الذي عُقد في ولاية صحار أواخر عام 2017، حينما قدمت الفرقة نفسها عرضها المسرحي "الرحى"، بذات اسم النص، فتسائلت في نفسي هل هذا النص طويلٌ كفايةً بحيث يمكن لمخرجين آخرين تقسيمه إلى عملين! وما زاد من تشبثي بهذا السؤال تعقيب الكاتب عبدالرزاق الربيعي على العرض حينها بأن النص كان يحوي على الكثير من الحوارات الآسرة، فلماذا تم اختازله! إلا أن الجواب كان حاضرا مع بداية العرض، فكلا العملين عن نفس النص برؤية إخراجية مختلفة، قاد زمامها في عرض الرحى عام 2017 الدكتور شبير العجمي، وكانت حينها عودة قوية بعد توقفه عن الاخراج لعشر سنوات، واليوم يقود المخرج المبدع عبدالملك الاغداني، الذي استلهم اسم العمل من فكرة ابداعية استثنائية، فلم تكن تلك الحبال المسدلة في بداية العرض إلا دلالة قوية لمجريات أحداث العمل المسرحي "التلي".

و"التلي" هو مصطلح لحرفة تقليدية نسيجية، تعتمد على وسادة اسطوانية تلتف حولها الخيوط الزاهية لتصنع منها بعد ذلك أدوات قماشية تستعمل لصناعة ملابس النساء، فكانت الحبال المسدلة كأنها خيوط "التلي" التي تنزل من قمة المسرح إلى الأسفل في بقعتين، بقعة ترتبها "غزل"، تلك الفتاة الصغيرة المشاكسة، التي تحب عمتها كثيرا لأنها كبرت بمعيتها، ولكن عمتها التي تعيش في الجانب الآخر من الحبال تعيش حياة سوداية نتيجة اضطهاد وسخريات ومعاملة دونية لما فيها من مرض، تتعرض لتلك المعاملة من أخيها، وزوجة أخيها "أم غزل"، يبدأ المشهد الأول بحوار بين "غزل"، الفتاة اللطيفة التي تحب الخير والحياة والتفاؤل، والعمة، وتربطهما علاقة حب وود ووفاء.

وكان للعمة حبيب، تنتظر أن يأتي لخطبتها طويلا، حتى بدأ الأمل بالاختفاء، وحل اليأس والألم رهين حياتها، وما زاد من اليأس أنها أصيبت بالجدري الذي أدى إلى تساقط شعرها، وإلى بشاعة وجهها، ظلت العمة في بيت أخيها معزولة منبوذة، لم يقترب منها أحد إلا "غزل"، وحتى الطعام كان يأتها بوعاء قديم، بل عاشت كالخادمة تلبي كل ما طلب منها بخنوع واستسلام وسكوت.

حتى تأتي "غزل" ذات يوم بأخبار تزفها لعمتها، فحبيبها السابق سأتي على فرسه الجامح ليخطبها من أخيها، تستنكر العمة ذلك، معتقدة بأن ما تقوله "غزل" مجرد سوء فهم، حتى تتأكد أكثر وأكثر، فتنفرج همومها وتبدأ بتلقي الخبر المفرح بالكثير من البهجة والأمل، فيطول الحوار بين العمة و "غزل"، فكلاهما سعيدتان بهذا الخبر، الذي لم يُفهم من "غزل" بشكل صحيح فعلا، لتدخل "أم غزل" قاطعة الحوار بين العمة و ابنتها مؤكدة بأن حبيب العمة السابق جاء ليخطب "غزل" بدلا من العمة، ولكن "غزل" ترفض الفكرة وتقول أنها ستمثل عليه دور المجنونة حتى يصرف نظره عنها ويرجع للعمة.

هنا تثور العمة المنكسرة الخانعة، لتتحول إلى وحش كاسر جسدا وقلبا، تتحول إلى صورة أخرى مليئة بالحقد والغضب والغيرة، لتقنع "غزل" الطبية بأن تشرب سما لتطفئ غضبها، وفي قمة حب "غزل" وتعاطفها مع عمتها تشرب ذلك السم فينتفخ بطنها، فتتهمها العمة أمام أهلها بأنها ضحية علاقة جنسية غير شرعية، مستدلة بعلبة السجائر الرجالية التي كان الخطيب قد أرسلها منذ زمن للعمة.

هنا يثور الأب ويقتنع بأن عليه أن يطهر شرفه وبين وعيل وصراخ الأم من هول ما يحدث، تعيش العمة في قمة النشوة والشعور بالانتصار، فمن صنع هذا الانسان المجرم، هنا يطرح العمل العديد من التساؤلات الوجودية العميقة.

وحملت الحبال -الذي أبدع المخرج في توظيفها- لعبة العقدة ذات الرمزيات العديدة والعميقة، ففي تصاعد الاحداث خطوة بخطوة تتشابك الحبال ببعضها شيئا فشيا، وكأن ذلك تجسيد لتشابك الطيبة بالشر، وبعدها تشابك الحب بالكره، ثم تشابك الخير بالشر، فتشابك الصوت بالافصاح، وتشابك العقل بالجنون، وأخيرا تشابك الحياة بالموت.

وقد أدى العمل على الخشبة في "التلي" البطلة عزة اليعربية التي قامت بدور "غزل" مؤدية دورها باتقان يفوق الوصف، نقلت أحاسيسها الطفولية البرئية إلى المتلقي بروح بريئة، ونقلت لوعتها وحرقتها وألمها بطريقة لامست الجمهور من روعة الاتقان وتقمص الدور بكل جدارة، أداء أدى إلى تعاطف الجمهور بل حتى انهمار دموع البعض منهم، إلى جانب اخلاص الحارثية التي أدت دور العمة، فكانت بحق ملهمة في تدرجها من المنكسرة إلى المتجبرة، من الهادئة الراضية إلى الوحش القاسي الذي لا يرحم، وأدت رقصات كناية عن التحول دفعت بالجمهور إلى صمت والهدوء حابسة أنفاسهم، وبدور الأم أماني المقبالية التي تحولت من المتسلطة الآمرة والنهاية إلى ملكومة المنكسرة في مشهد يصور تبدل الأحوال في هذه الدنيا الصغيرة، وأخيرا دور الأب الذي أداه باسل اللمكي، ورغم حواره البسيط إلا أنه صور بإتقان مشاعر الأبوة حين تلقيه خبرا مفجعا كهذا.

ومما ميز العمل حضور الموسيقى بصورة حية، وحضور الصوت الغنائي كذلك بمعية موسيقيين ساروا مع العرض مضيفين الكثير من البعد الصوتي والمؤثر من خلال الموسيقى التصويرية.

وبين "الرحى" و "التلي" يشترك الابداع لا محالة وروعة النص الابداعي الأدبي الرفيع، ومع الرؤيتين الاخراجيتين وفِرَقُ العمل حدث الابهار، فـ "الرحى" التي شاركت فيها بدور العمة الفنانة سميرة والوهيبية وكانت حينها "هجران"، وشاركت به بدور "غزل" الفنانة بلقيس البلوشي وكانت حينها "عناية"، لا زالت منقوشة بالذاكرة، واليوم "التلي" يؤكد على أن الابداع لا يتوقف وأن النص مهما تشابه يبقى فيه المخرج كما يقال "مؤلفٌ آخر" يمارس ابداعه ولعبته الفنية ملبيًا جموح خياله.

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الخير استقبل وفد المؤهلين المتقاعدين في الجيش

استقبل النائب أحمد الخير، في دارته في المنية، مراجعات الأهالي والمواطنين، ومن بينهم وفد من المؤهلين المتقاعدين في الجيش اللبناني، ووفد من جمعية المواساة في منطقة المنية.

مقالات مشابهة

  • طريقة قانونية لإلغاء التوكيل عند النص على عدم إلغائه إلا بوجود طرفيه
  • وزير الإسكان يلتقى مجموعة من المطورين العقاريين لمناقشة التحديات التي تواجه القطاع العقاري وبحث فرص التعاون المشترك
  • رئيس الوزراء يؤكد ضرورة العمل على تذليل التحديات التي تواجه القطاع السياحي
  • ماذا يفعل الأمي الذي لا يحفظ إلا قصار السور؟
  • 5 رسائل خارجة عن النص من جمهور الأهلي للاعبيه
  • الخير استقبل وفد المؤهلين المتقاعدين في الجيش
  • حينما تصبح الهوية قيدًا .. تأملات في نسب شجرة الغول لعبد الله بولا
  • كيفية إضافة تعليقات توضيحية إلى الصور في مستندات جوجل (دليل شامل)
  • المقاومة الفلسطينية تشتبك مع العدو وتجهز على خمسة من جنوده في جباليا
  • حصيلة جديدة لشهداء غزة والمقاومة تشتبك مع الاحتلال بجباليا