لجريدة عمان:
2025-02-27@20:36:56 GMT

الواقع المحزن لِجَرَّاح في غزة

تاريخ النشر: 4th, March 2024 GMT

ترجمة: قاسم مكي -

في وقت مبكر من شهر فبراير كنت أجري عملية جراحية لفتاة تبلغ من العمر 17 عامًا تيتَّمت أثناء قصف جوي في غزة. خلف ستائر غرفة العمليات التي صنعناها من أردية الجرّاحين أمسكتُ شفرات مباضع الجراحة بملاقط لعدم وجود مقابض معقمة (وهذا يشكل خطورة على المصاب). حاولت دون جدوى إزالة الأنسجة المتهتكة بالشظايا.

كنت أعلم أن احتمال تلوث الجرح مرتفع جدًا في مثل هذه الظروف. لذلك اتخذنا الإجراء المعهود في هذه الحال وهو بتر ساقها بعد أيام قليلة لاحقًا.

قضيت أسبوعين كجرّاح متطوع في مستشفى غزة الأوروبي بالقرب من خان يونس والذي كان في الواقع آخر مؤسسة صحية تعمل في جنوب غزة. لم تكن تلك الفترة تشبه على الإطلاق أي شيء مرَّ في حياتي من قبل.

زرتُ القطاع المحتل أول مرة قبل 10 سنوات أثناء عملية «الجرف الواقي» التي شنتها القوات الإسرائيلية ضد حماس في عام 2014. ذهبت إلى هناك بغرض تدريس وتدريب الزملاء المحليين في فنون الجراحة الترميمية. وقتها صُدمت من بشاعة جراح مرضاي. لكني لم أشهد ما يماثل انهيار الأوضاع الإنسانية في غزة اليوم.

المستشفى الذي كنت أعرفه في يوم ما لا يمكن التعرّف عليه. لقد اختفى خلف حشد ضخم من الناس الذين جاؤوا بحثًا عن ملاذ آمن في مبانيه. كانت الممرات وآبار السلالم مكتظة بالأسر التي اتخذت منها ملاجئ. وكان الأطفال من كل الأعمار يتراكضون عبر الممرات خافتة الإضاءة. وفي قسم الطوارئ الفوضى لا تكاد تختفي. فهي سرعان ما تثور مع مجيء مصابين جدد بعد كل قصف.

وعلى الرغم من جهود الزملاء المحليين التي كرّسوها للمرضى كان هنالك تدهور مريع في المستلزمات الجراحية. فمعظم قواعد النظافة والتعقيم والعناية بالجروح التي سبق أن وصفتها فلورانس نايتنجَيل في حرب القِرْم تم التخلي عنها لانعدام المعدات المناسبة. (نايتنجيل 1820- 1910 ممرضة ومصلحة اجتماعية بريطانية ومؤسِّسة التمريض الحديث- المترجم).

كان مذهلا بالنسبة لي أن ما يشكّل أساس الجراحة الآمنة والذي كان يمارس أثناء كل حرب منذ معارك الخنادق في الحرب العالمية الأولى وإلى حرب أفغانستان تهاوَى تمامًا.

فمن دون تعقيم سليم لن يعيش المصابون بصرف النظر عن مهارة الجراح. وحتى إذا كانت الجراحة الفعالة ممكنة فالمشفى بالكاد يقدم رعاية ما بعد العمليات الجراحية بالنظر إلى قلة تجهيزات وحدة العناية الفائقة والنقص في الأعداد الكافية من الأطباء السريريين لمتابعة حالات المرضى. نتيجة لذلك كانت التهابات الجروح متفشية وحادة.

أما أعداد القتلى في أرجاء غزة (عند كتابة هذا المقال) والتي تقدر بأكثر من 29 ألف فصادمة بما فيه الكفاية. لكن حجم الإصابات التي تغير حياة المصابين من حروق إلى شظايا مغروسة في أجسامهم وأطراف مفقودة يصيب المرء بالدوار.

لقد أدركتُ لماذا تتجمع العائلات التي ليس لها مأوى عندما تتعرّض للهجوم. كانت تفعل ذلك لكي تحيا أو تموت معا. لقد فاقم فقدان العاملين في المشافي سواء بسبب الموت أو الإصابة أزمة الرعاية الصحية.

وسط المذابح والشقاء تعلَّم أفرادُ فرق العمل المتبقين في المشافي بعد تناقص أعدادهم استراتيجياتِ التماسك النفسي. ففي أثناء تناول فنجان من القهوة التي أعدت على اللهب في أرضية غرفة العمليات أخبرني جرَّاح كيف علَّم نفسه التركيز على المشكلة الطبية التي يواجهها أمامه وعدم الانشغال بالسؤال عن تفاصيل الخلفية المؤلمة للإصابة التي لحقت بالمريض.

في حالات عديدة كنت أشعر بالعجز. لكن وجود الأطباء الأجانب على الأقل طمأن فرق العمل المحلية بأن تعرّضهم لهجوم من الجيش الإسرائيلي أقل احتمالًا.

وعلى الرغم من عملي في مناطق النزاعات في الماضي فإنني لم أشهد أبدا مثل هذا القصف المستدام في غزة. صرتُ أكثر قلقا وفارقني النوم مع مر الأيام خلال فترة الأسبوعين التي قضيتها بالمستشفى. لكن الناس في غزة تحملوا هذه المعاناة لأكثر من أربعة أشهر.

منذ عودتي من هناك ظللت أفكر بشدة حول ما يمكن أن نفعله لاحتواء هذه الكارثة. فالحاجة مُلِحَّة للمعالجين والمعدات. وخطوط الإمداد الحالية غير كافية إلى حد بعيد والأرواح تُفقد في كل يوم تُحتجز فيها هذه الموارد ويُحال دون وصولها إلى غزة. هل لا يمكن لحكوماتنا إزالة العوائق البيروقراطية التي تعرقل تسليم المعدات المنقذة للحياة؟

في آخر أيام وجودي في المستشفى التقيت صديقا فلسطينيا. إنه طبيب شاب سبق لي أن عملت معه طوال عشرة أعوام. لقد اضطر إلى النزوح ست مرات منذ شهر أكتوبر. لكنه خاطر بزيارتي من رفح.

قال لي وأنا أصافحه: «أخذوا كل شيء دكتور تيم وأهم شيء أخذوه كرامتي». وعندما سألته كيف تمضي أموره وهل يثابر على علاج المرضى نظر إلى في حزن وقال: «يجب أن نتمسك بالحياة. علينا أن نستمر».

تيم جوديكار استشاري الجراحة التجميلية والترميمية ونائب رئيس سابق للكلية الملكية للجراحين في إنجلترا، سافر إلى غزة مع المنظمة الخيرية المعنية بالإغاثة الدولية في الكوارث والطوارئ مع الدعم طويل الأمد (آيديل).

عن صحيفة الفاينانشال تايمز

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی غزة

إقرأ أيضاً:

المثقف في زمن الاختزال: بين هيمنة السرديات وإمكانات الفعل


في عصرٍ تتسارع فيه الوقائع لتتحول إلى تغريدات، وتُختزل المعاني في شعارات، يُصبح المثقف عالقًا بين ماضٍ يقدّس العمق، وحاضرٍ يستعجل السطحية.

فكيف يمكن له أن يمارس دوره وسط سطوة الاختزال؟ وكيف يتعامل مع الطغيان الرمزي للسرديات المُهيمِنة، التي تسعى إلى ضبط الوعي الجماعي وفق أنساق محددة سلفًا؟

كل عصرٍ تحكمه سردياته الكبرى، وهي ليست مجرد “قصص تُروى”، بل أنساق معرفية تُكرَّس عبر المؤسسات الناعمة، من الإعلام إلى التعليم، بل وحتى في أنماط الحياة الاستهلاكية، حيث يتم تشكيل وعي زائف—كما وصفه هربرت ماركوزه—يجعل الأفراد يتماهَون مع واقع مفروض دون وعي نقدي.

هذه الهيمنة لا تعني فقط فرض تصوّر معين عن الواقع، بل إنتاج واقع لا يرى ذاته إلا من خلال عدسة السردية المُهيمِنة.

وبذلك، تصبح الحقيقة نفسها مسألة نسبية، ليس لأنها معقدة أو متعددة الجوانب، بل لأن هشاشة الخطاب النقدي أمام المد الإعلامي تجعل من الصعب مساءلة هذا الواقع أو تجاوز حدوده الرمزية.

فالطاغية، سواء كان سلطة سياسية قمعية أو نظامًا رأسماليًا شاملًا، لا يحتاج إلى القمع المباشر دائمًا.

هناك أدوات أكثر فاعلية، مثل “التنسيم الإعلامي”—أي تفريغ الوعي من مضامينه النقدية عبر إغراقه بالتوافه، وإعادة إنتاج الواقع بطريقة تجعل القمع يبدو غير مرئي.

وكما قال بيير بورديو:
“السيطرة الأكثر فعالية هي تلك التي لا تُرى، لأنها تجعل المهيمن عليه متواطئًا مع هيمنته دون وعي منه.”

وبذلك، يصبح الانخراط في هذا الواقع أشبه بالدخول في دائرة مفرغة، حيث يتكرر إنتاج السرديات نفسها دون مقاومة تُذكر، وكأن المجتمع يُعاد تشكيله وفق رؤية تضمن استدامة هشاشته الفكرية.

لكن مواجهة هذه السرديات لا تتم فقط بتفكيكها، بل بإنتاج سرديات بديلة.

فالنقد وحده، دون تقديم نموذج مضاد، لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الهيمنة عبر الاعتراف الضمني بقوتها.

لذا، على المثقف ألا يكتفي بالكشف عن التلاعب الرمزي، بل أن يعمل على إنتاج وعي نقدي قادر على تجاوز منطق “رد الفعل” نحو بناء خطاب جديد منافس.

يجب ألا يكون هذا الخطاب مجرد صدى للواقع السائد، بل قوة فاعلة تستطيع كسر هشاشة البنية الفكرية المفروضة على الجماهير.

المعضلة الكبرى التي يواجهها المثقف اليوم ليست فقط في هشاشة المساحة المتاحة له داخل المشهد الثقافي، بل في الإقصاء الناعم الذي يتعرض له.

لم يعد هناك مجالٌ للأفكار العميقة في فضاءاتٍ تلهث خلف كل ما هو لحظي وسطحي!

وكما لاحظ أنطونيو غرامشي، فإن الصراع الفكري هو في جوهره “صراع على الهيمنة الثقافية”، حيث تُسلب الجماهير أدوات الوعي عبر ترويضها داخل أنظمة خطابية لا تتيح سوى “خيارات مزيفة”.

وبين هذا وذاك، يجد المثقف نفسه أمام سؤال حرج:
هل عليه أن يتكيف مع هذا الواقع، ويعيد صياغة خطابه وفق متطلبات الزمن الرقمي؟ أم يتمسك بعمقه ولو كان الثمن هو العزلة؟

لكن القول بأن المثقف أمام خيارين فقط—إما الاندماج التام في السوشال ميديا، أو العزلة—هو في ذاته شكلٌ من أشكال الاختزال الذي يجب تفكيكه.

بل هناك خيار ثالث: إعادة ابتكار الخطاب النقدي بطرق جديدة تتناسب مع طبيعة العصر، دون أن تفقد جوهرها.

فالمثقف الذي يرفض الانخراط في المنظومة الرقمية يفقد القدرة على التأثير، بينما المثقف الذي ينغمس فيها بلا وعي يتحول إلى جزء من آلة الهيمنة، حيث تُفرغ حتى الخطابات الراديكالية من مضمونها، وتُعاد تعبئتها كمنتج استهلاكي (Commodified Thought).

وهنا تكمن الإشكالية!

فبين تفكيك السلطة والخضوع لمنطقها، تنشأ حالة من التردد تفضي إلى هشاشة الدور الثقافي ذاته.

لذا، فإن التحدي الحقيقي ليس رفض أدوات العصر، بل إعادة توظيفها لصالح مشروع ثقافي مقاوم، قادر على اختراق الحواجز الرمزية التي تفرضها المنظومة السائدة.

لا ينبغي للمثقف أن يكون مجرد “ناقد للنظام السائد”، بل يجب أن يكون “صانعًا لخطاب بديل”.

ولتحقيق ذلك، لا بد من البحث عن استراتيجيات جديدة تضمن بقاء الخطاب النقدي مؤثرًا دون أن يفقد قوته، مثل:
•إعادة ابتكار الخطاب بطريقة تواكب التحولات الثقافية، مثل المقالات الموجزة المدعومة بالتحليل العميق، أو الوثائقيات القصيرة التي تحمل مضامين نقدية قوية.
•توسيع الفضاء الثقافي عبر منصات مستقلة (Independent Platforms)، مما يتيح هامشًا أوسع للحركة، بعيدًا عن الرقابة الرمزية التي تفرضها المنصات السائدة.
•استخدام وسائل التواصل بذكاء، بحيث يتم إعادة توجيه الخوارزميات لخدمة الفكر النقدي (Algorithmic Resistance)، لا العكس!
•بناء مجتمعات فكرية موازية، بعيدًا عن المؤسسات التقليدية، من خلال إنشاء فضاءات نقدية مستقلة، مثل المجلات الإلكترونية، والمنتديات الثقافية، والتجمعات الفكرية المستقلة.
•تحويل الفكر إلى مشروع عملي، بحيث لا يبقى المثقف مجرد “محاضر أكاديمي”، بل يصبح فاعلًا في مجتمعه من خلال مشاريع ثقافية أو حملات توعوية، تساهم في تغيير أنماط التفكير بدلًا من الاكتفاء بالتنظير.

السرديات المهيمنة ليست قدرًا مقدورًا، بل هي نتيجة صراع دائم على الوعي!

المثقف ليس متفرجًا في هذا الصراع، بل هو أحد لاعبيه الأساسيين.

وما دام قادرًا على زعزعة هذه السرديات، ولو بخلق نافذة صغيرة للفكر النقدي، فإنه يظل فاعلًا!

إذن، فالسؤال ليس كيف ينجو المثقف في عصر الاختزال؟

بل: كيف يعيد تعريف دوره في هذا العصر، لا كضحية له، بل كمنتج جديد للوعي؟

فالهشاشة لا تأتي من غياب الفكر، بل من غياب القدرة على تحويل الفكر إلى قوة تغيير حقيقية!

هل يستطيع المثقف اليوم تجاوز هذه الهشاشة، ليصبح قوة فاعلة، لا مجرد شاهد على التحولات؟

إبراهيم برسي
zoolsaay@yahoo.com  

مقالات مشابهة

  • وزير الاتصالات وتقانة المعلومات المهندس حسين المصري لـ سانا :حول ‏افتتاح صالة الخدمات البريدية الجديدة بالمؤسسة السورية للبريد في دمشق : ‏تمكنا بفضل الجهود المتميزة من تجاوز العديد من المشاكل التي خلفها النظام ‏البائد، وخاصة تلك المتعلقة بالطوابير الطويلة
  • فريق طبي بمستشفى الأزهر بأسيوط ينجح في استئصال ورم وزنه 55 كيلوجراما
  • مركز أورام طنطا ينظم اليوم العلمي الخامس والخمسون بعنوان «سرطان الثدي وأحدث طرق العلاج»
  • الحسيني: مصر كانت جاهزة للمتغيرات التي حدثت في المنطقة الفترة الأخيرة
  • المثقف في زمن الاختزال: بين هيمنة السرديات وإمكانات الفعل
  • إسرائيل توسّع الاحتلال بـالأمر الواقع
  • مدينة الشيخ خليفة الطبية تحقق إنجازاً طبياً متميزاً
  • دياب لـ سانا: أدعو الشركات التي كانت تعمل في مجال النفط سابقاً إلى العودة لسوريا والمساهمة في تطوير هذا القطاع الحيوي بخبراتها واستثماراتها التي سيكون لها دور مهم في تحقيق التنمية والنهوض بقطاع النفط والغاز
  • بسعر خيالي.. ابتكار درّاجة مدعومة بـ«خوذة الواقع الافتراضي»
  • في خطوةٍ تعكس التقدُّم المستمر في مجال الجراحة الدقيقة