آلات الموسيقى العُمانية التقليدية والهُوية الثقافية (2)
تاريخ النشر: 3rd, March 2024 GMT
في البداية لا بد من تقديم الشكر والتقدير للبروفيسورة أسمهان بنت سعيد الجرو أخصائية الدراسات التاريخية بمتحف عُمان عبر الزمان على المعلومات القيمة التي قدمتها لي والمقتبسة من كتابها قيد النشر بعنوان: "عصور ما قبل التاريخ في عُمان (6000-3000ق.م) الأسلاف يغرسون بذور التحضر" بشأن آلتين موسيقيتين مكتشفتين في مقبرتين من العصر الحجري، الأولى: مكتشفة في موقع رأس الحمراء (5) وهي صدفة بحرية لا تزال تستعمل في الموسيقى التقليدية العُمانية وتعرف باسم الجم أو اليم، وهذه الآلة الصدَفَة تُثقب من أحد جانبيها لإحداث فتحة للنفخ في تجويفها الذي يستغل كصندوق مصوت، ولهذه الصدفة فتحة واسعة يخرج من خلالها الصوت مضخما كبوق بما يشبه آلة الهورن النحاسية مع فارق الحجم والإمكانيات التقنية، أما الآلة الثانية، فكانت من موقع رأس الخبة (1) بولاية جعلان بني بوعلي، وهذه الآلة حسب الوصف عبارة عن: "صخرتين مسطحتين مثقوبتين يتم توصيلهما أو ربطهما بحبل يتم تحريكهما بشكل دائري في الهواء ليصدر منهما صوت موسيقي له دوي عال".
وعلى كل حال يبدو أن المكتشفين حينما قرروا إنها "موسيقية" كان ذلك بالمقارنة مع مثيلتها أو ما يشبهها التي وجدت عند قبيلة إفريقية حسب ما أتذكر من قراءة سابقة عن هذا الاكتشاف. من هنا، إذا ما اعتبرنا هذه الأداة الصخرية آلة موسيقية أو حتى تصويرية تستعمل في مصاحبة أداء نوع معين من أنواع الممارسات الغنائية في العصر الحجري فهذا من وجهة نظري له صلة بمعتقدات بدائية، ومع كل ذلك تنضم آلة الجم (الصدفة البحرية) إلى آلة البرغوم المصنوعة من قرون الوعول كأقدم ثلاث آلات موسيقية عُمانية معروفة لنا حتى الآن، وقد ذكرت في أكثر من مناسبة قِدم آلتي الجم والبرغوم، والآن أضيف هذه الآلة الصخرية كثالثة الأثافي، وبسبب عدم تسميتها حسب علمي حتى الآن سأطلق عليها في هذا المقال "آلة الخبّة الصوتية" نسبة إلى الموقع الذي اكتشفت فيه، وأضعها في صنف المصوتات بذاتها.
وبشكل عام لدينا في عُمان عدد من أنواع هذه الآلات المصوتة بذاتها تستعمل في أداء أنواع من الغناء التقليدي مثل آلة الجازرة؛ وهي أداة لجلب الماء من الآبار، وكذلك المنجور الذي يصنع من أظافر الحيوانات وغيرهما.
وفي الواقع كنت أعتقد أن مرحلة عُمان القديمة (قبل الإسلام) هي الحلقة الأضعف في تاريخ آلات الموسيقى العُمانية، ولكن إذ بي أكتشف عكس ذلك تماما، والسبب ما زودتنا به الاكتشافات الأثرية والروايات التاريخية والأدبية حتى الآن.
وإذا كانت المكتشفات الأثرية هذه قد أكدت استنتاجات الكاتب السابقة بشأن قِدم آلة الجم إلا أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لآلة البرغوم بعد، وما علينا سوى الانتظار لعل هناك المزيد مما تخفيه المواقع الأثرية. ومع ذلك كنت أضع آلة البرغوم وما زلت في صنف الآلات الموسيقية الأقدم في عُمان والمسؤولة إلى جانب آلة الجم عن أقدم سلم موسيقي عُماني وذلك استنادا إلى معيارين: مادة الصناعة، والسلم الموسيقي ذو الدرجة النغمية الواحدة. وهذا يعني أن هذه المرحلة القديمة أساسية في تاريخ آلات الموسيقى العُمانية، وآلاتها الموسيقية هي، أولا؛ المصوتات بذاتها: آلة الخبّة الصوتية، وثانيا؛ آلات النفخ البوقية واللحنية: الجم، والبرغوم، والقصبة، وثالثا؛ الآلات الوترية: المزهر/ القمبوس.
وهذه الآلات تمتد مرحلة ظهورها التاريخي منذ العصر الحجري كما لاحظنا حتى قبيل الإسلام، وهي آلات محلية بشكل عام، أو ذات صلة بشبه الجزيرة العربية من الناحية النظرية على الأقل.
ومع ذلك ستواجهنا إشكالية قِدم التواصل الحضاري العُماني مع الشعوب المجاورة في آسيا وإفريقيا، وعلاقة الآلات الموسيقية بالمراحل الزمنية المختلفة لهذا التواصل منذ أن سُيرت القوافل البرية وتجارة اللبان إلى العالم القديم، وزيادة قوة هذا التواصل مع بدء مرحلة عُمان الإسلامية وتطور تقنيات صناعة السفن.
من هنا، تعكس تنوع الآلات الموسيقية العُمانية هذه التطورات التاريخية المختلفة، فمنها ما هو مشترك مع أشقائنا في حضارة الجزيرة العربية، وأخرى مع حضارات شعوب الهند وفارس وإفريقيا، وإذا ما قارنا الآلات الموسيقية المكتشفة حتى الآن وتعود إلى مرحلة عُمان القديمة، فإن السؤال المهم التالي هو: أين هي الآلات الموسيقية الخاصة بمرحلة عُمان الإسلامية؟... وللمقال بقية.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الآلات الموسیقیة هذه الآلة الع مانیة حتى الآن ع مانیة
إقرأ أيضاً:
كتاب يوثق الفنون العمانية التقليدية في جزئين
أصدر المجلس الأدبي للشعر والموروث الشعبي كتاب بعنوان "مسيرة المجلس" مكون من جزئين منفصلين توثيقاً للفنون العمانية التقليدية، وذلك في إطار الجهود المبذولة من قبل المجلس للحفاظ على التراث الثقافي العماني ونقله للأجيال القادمة بأسلوب يعكس أصالتها وعمقها التاريخي، كما يهدف هذا المشروع إلى تسليط الضوء على الفنون الشعبية العمانية، بما في ذلك فن الرزحة والمحاورات الشعرية، وتوثيق خصائصها وأنماطها وأصولها، مع التركيز على المساجلات الشعرية التي كانت تجري بين الشعراء.
حيث تضمن الإصدار الأول نبذة تعريفية عن فكرة إنشاء المجلس، إضافة إلى شرح للبرامج التي سبقت الإشهار ومرحلة التدشين، كما يحتوي على مجموعة من المساجلات الشعرية والموروثات الشعبية التي سجلها أعضاء المجلس والمشاركون في مختلف الفنون العمانية المغناة، والتي تعكس المناسبات والأحداث الوطنية والاجتماعية.
أما الإصدار الثاني، جاء لتوثيق خصائص وأنماط بعض الفنون الشعبية، مثل الرزحة والعازي والزفين بشقيه "الزفين بالسيف" و"زفين الهيوس"، إضافة إلى فنون الميدان والتنجيلية والنيروز والحيلوه والغفان والتشحشح وأبو زلف وأمبم والحمبورة والطمبورة والشاروت والروغ، كما تناول هذا الإصدار شرحًا لمفردات المحاورات التي تدور بين الشعراء على ساحة الميدان، سواء الارتجالية منها أو تلك التي تتم بالمراسلة.
وتأتي هذه الإصدارات لتكون مرجع شامل للهواة والمهتمين بالفنون العمانية، خاصة أولئك الذين يفتقدون إلى الفهم العميق لصياغة الشعر الشعبي ومقاصد الشعراء الشعبيين، وفهم المفردات المستخدمة في مختلف البيئات العمانية، سواء الحضرية أو البدوية أو الجبلية أو البحرية، ويعد توثيق المساجلات والمحاورات الشعرية إضافة نوعية لهذه الإصدارات، إذ يسعى المجلس من خلالها إلى شرح وتحليل الكلمات والتراكيب الشعرية، مما يسهم في تسهيل فهم الشعر وتحليل أبعاده الفنية والثقافية، وتشجيع المواهب الناشئة على المشاركة في هذا الفن العريق من خلال فهم أصوله وقواعده.
كما تتناول الإصدارات جانبًا جديدًا من تطور المساجلات الشعرية، حيث تم توثيق تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تطبيق "واتساب"، على هذا الفن، حيث أصبح بالإمكان إقامة محاورات شعرية بين الشعراء عن بُعد، مما يساهم في توثيق المناسبات الوطنية والاجتماعية بشكل فوري.
وأعرب خميس بن جمعة المويتي رئيس المجلس الأدبي للشعر والموروث الشعبي، ، عن سعادته الكبيرة بصدور إصدارات المجلس، مؤكداً أن رؤية الجهد المبذول يتحول إلى كتاب ملموس بين الأيدي يعد لحظة فخر واعتزاز، خاصة أنه ثمرة عمل مشترك بين أعضاء المجلس وزملائه الذين ساهموا في إنجازه.
وأوضح المويتي أن المجلس حصل على التصريح الرسمي من وزارة الثقافة والرياضة والشباب بتاريخ 11 ديسمبر 2022، ومنذ تلك اللحظة بدأ العمل المكثف كخلية نحل لجمع المعلومات والالتقاء بالرواة والباحثين والممارسين للفنون الشعبية العمانية، مؤكداً إلى أن هناك خطة طموحة لإصدار كتاب جديد كل عام.
و اوضح ربيع بن ملاح الهديفي نائب رئيس المجلس أن موضوع شرح الأشعار أياً كان نوعها ليس بالأمر الهين أو البسيط أبداً بل هو أمر محتاج إلى صبر و مثابرة وعزيمة وشيء من المعرفة المسبقة وشيء من اللغة والدراية بالكتابة وبالطباعة وسعة البال وتنوع المصادر والوقت الكاف والتمهل والمعارف المتنوّعة ، كل ذلك حتى يتمكن الشارح من تنفيذ مهمته، كما ان عليه أن يراعي مستويات القراء صعوداً ونزولاً من حيث مستويات مداركهم وعلمهم وثقافتهم وأن يُطعم شرحه بمفردات عمانية دارجة تتماشى مع سياق أبيات شعر الفن الذي يقوم بشرحه و ذلك من أجل أن يقترب من حقيقة ما كان الشاعر يضمره في قلبه و ترجمه أو كتبه في شعره حتى يقترب الشارح من توصيل المعلومات الكاملة ولو بشيء تقريبي للقارئ.
وأكد عبدالله بن محمد النعماني، عضو المجلس الأدبي للشعر والموروث الشعبي، أن إصدار المجلس للكتابين يأتي في إطار توثيق الفنون الشعبية الغنية التي تزخر بها سلطنة عمان، والحفاظ على هذا الإرث الثقافي وتعريف الأجيال القادمة به، وأوضح أن الكتابين يتضمنان شروحات تفصيلية حول هذه الفنون، وأساليب أدائها، وأصولها التاريخية، مما يجعلهما مصدراً قيّماً للباحثين والمهتمين بالفنون الشعبية، ومرجعاً موثوقاً يتيح للقارئ التعرف على مختلف الفنون التي تُمارس في مختلف محافظات السلطنة.