موقع النيلين:
2025-04-03@02:32:01 GMT

لماذا يعجز الناس عن رؤية الأهوال القريبة ؟

تاريخ النشر: 2nd, March 2024 GMT


يمتلئ تاريخ سلالتنا الإنسانية المعجز بقصص مقبضة عن القمع والطغيان والحروب الدامية والهمجية والقتل والإبادة الجماعية. وكثيرا ما نحار حينما نرجع النظر فنتساءل: لماذا لم توقَف هذه الأهوال مبكرا؟ كيف أمكن أن يتعايش معها الناس؟

والصورة في كاملها هائلة التعقيد. لكن جزءًا كبيرًا منها يشير إلى القواعد الحاكمة لعمليات المخ البشري.

فالحركات السياسية المتطرفة، وكذلك الصراعات المميتة، غالبًا ما تتصاعد ببطء. وحينما تبدأ الأخطار صغيرة ثم تزداد بالتدريج، فإنها تنتهي إلى إثارة رد فعل عاطفي أضعف، وإلى مقاومة أقل، وإلى قبول أكثر مما كان ينبغي أن تثيره لولا تدرجها. فتتيح الزيادة البطيئة لأهوال أكبر وأكبر أن تجري في وضح النهار، وتبدو بديهية، وتظهر وكأنها من طبائع الأمور.

إنَّ أحدنا عالم أعصاب، والآخر أستاذ قانون. ومن مجالينا المختلفين، بتنا نعتقد أنه ليس بالإمكان أن نفهم الفترة الراهنة -والتحولات التي تعد من جملة طبائع الأمورـ دونما تقدير لأسباب وكيفية عدم ملاحظة الناس للكثير للغاية مما نتعايش معه.

السبب الأساسي يتثمل في سمة بيولوجية محورية في مخنا، هي الاعتياد، أو نزوعنا إلى أن تقل استجابتنا وتقل للأمور التي تتسم بالديمومة أو بالتغير البطيء. لأن أحدكم يدخل مقهى معبأ برائحة القهوة ففي البداية تكون الرائحة طاغية، ثم لا تكاد تنقضي عشرون دقيقة حتى يعجز عن شم الرائحة. وهذا لأن خلاياك العصبية الشمية تتوقف عن الاستجابة لرائحة باتت الآن مألوفة.

وأنت، بالمثل، تتوقف عن سماع الطنين المستمر لجهاز تكييف؛ لأن مخك يصفي ضوضاء الخلفية. فمخك يهتم بما يطرأ حديثا من تغير، لا بما يبقى على حاله.

التعود من أكثر سماتنا البيولوجية أساسية، فهو شيء نشترك فيه نحن الكائنات ثنائية السيقان كبيرة الرؤوس مع حيوانات أخرى على الأرض منها القردة العليا والفيلة والكلاب والطيور والضفادع والأسماك والجرذان. والبشر يعتادون الظروف الاجتماعية المعقدة من قبيل الحرب والفساد والتمييز والقمع والمعلومات المغلوطة المنتشرة والتطرف. ولا يقتصر أمر التعود على تقليصه الميل إلى الملاحظة ورد الفعل تجاه الأفعال المنافية للأخلاق من حولنا، ولكنه أيضا يزيد احتمالية أن نشترك فيها نحن أنفسنا.

فقد تبين من دراسة أجريت في مختبر دكتور شاروت على سبيل المثال أن الناس يعتادون كذبهم. فقد أتيحت لمتطوعين في تلك الدراسة فرصة للكذب مرارًا كسبًا للمال على حساب شخص آخر. وفي ثنايا ذلك كان يجري تسجيل نشاط أدمغتهم.

بدأ المتطوعون بكذبات بسيطة نسبيًا، من قبيل الغش من أجل ربح سنتات قليلة إضافية. ثم ببطء، وعلى مدار التجربة، باتت الكذبات أكبر بهدف تحقيق زيادة في كميات الدولارات.

في البداية، كانت أجزاء المخ التي تشير إلى المشاعر تستجيب بقوة لدى المتطوعين في حال كذبهم، بما يشير إلى أنهم كانوا غير مستريحين إلى كذبهم. ثم حدث مع كل كذبة إضافية أن قلت الاستجابة الشعورية في المخ، فقد اعتاد الناس. ودونما الشعور السلبي، لم يكن من شيء يكبح الكذب، فكذب الناس وكذبوا وازدادوا كذبا.

ونحن لا نعتاد فقط أفعال الكذب البسيطة. فتأملوا تجربة شهيرة أجراها في مطلع ستينيات القرن العشرين عالم النفس ستانلي ميليجرام. كان الدافع في هذه التجربة هو فهم صعود الاستبدادية مثلما حدث في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية وفي أثنائها.

أراد ميليجرام أن يدرس الطاعة ويفهم كيف يمكن للبشر العاديين أن يشاركوا في أعمال رهيبة. وتجاربه تعلمنا ما الطاعة، لكن ميليجرام، عامدا أو غير عامد، كان يدرس التعود أيضا.

فقد أظهر أن المواطنين العاديين مستعدون لإدارة صدمات كهربائية -حتى ما يبدو منها بالغ الإيلام- على آخرين حينما يطلب منهم ذلك شخص ذو سلطة. ولكن ترتيب ميليجرام كان حاسمًا. فقد سئل المتطوعون في تجاربه أن يديروا في أول الأمر صدمات بسيطة، ثم ببطء بالغ، وبالتدريج، أن يزيدوا الجهد الكهربائي إلى مستويات بادية الارتفاع.

وبطلبه من المتطوعين أن يزيدوا الجهد الكهربائي درجة في المرة، كان ميليجرام يحفز شعور الاعتياد. فلعل المتطوعين كانوا يشعرون بشيء من الإحساس بالذنب في أول الأمر، لكن لأن الصدمات تزايدت بدرجات بسيطة، كان أي إحساس بالذنب يأتي أقل قوة مما كان ليصبح عليه في حالة أخرى. ولما حان الوقت الذي وصل فيه المتطوعون إلى المستويات العليا، بدا أن كثيرا منهم قد اعتادوا فكرة إلحاق الألم الرهيب بغيرهم من البشر. ومن الإنصاف أن نستبعد أن كثيرا للغاية من المتطوعين كانوا ليمتثلوا لو طولبوا في أول الأمر بإحداث صدمات الجهد الكهربائي المرتفع.

تنبئنا دراسة ميليجرام بشيء مهم عن السلوك خارج المختبر، وعن كيفية اعتياد الناس لا على الكذب والقسوة وحسب، وإنما على الأهوال، حتى التي تقع عليهم أنفسهم. ففي كتاب ميلتن مايرز المذهل عن صعود النازية على سبيل المثال، كان رجل يعيش في ألمانيا في ذلك الوقت ووصف للكاتب النظام الحاكم فقال: إن «كل فعل، وكل حدث، يأتي أسوأ من سابقه، ولكنه أسوأ قليلا فقط».

وأضاف: «لو أن آخر وأسوأ أفعال النظام الحاكم كله قد حدث على الفور بعد الحدث الأول والأبسط، فإن الآلاف، نعم، بل والملايين كانوا ليشعروا بصدمة كبيرة… لكن الأمور بطبيعة الحال لا تجري هذا المجرى. ففي ما بين الحدثين، الأبسط والأفدح، مئات الخطوات البسيطة، وبعضها غير محسوس، وكل منها يهيئك لكي لا يصدمك ما يليه».

لعلكم الآن تفكرون في التطورات المنذرة التي تشهدها الولايات المتحدة وأوروبا. لو أن الأمر كذلك، فلكم الحق تماما في ذلك.

برغم أن جهود المقاومة تكون أبطأ مما يروق لنا لكنها كثيرًا ما تظهر ردًا على الظلم أو الأهوال، وتأملوا الثورة الفرنسية، وحركة الحقوق المدنية، وحركة «حياة السود مهمة» وحركة «وأنا أيضا» [#MeToo]. فهذه الحركات تنزع إلى أن تبدأ على أيدي «رواد عدم الاعتياد».

أولئك هم الذين لا يعتادون على شرور مجتمعاتهم، فيرون الخطأ خطأ ويجهرون بما يرون ليمنعوا الآخرين من الاعتياد. وفي الغالب يكون رواد عدم الاعتياد أفرادًا يتعرضون شخصيًا للأهوال أو التمييز، لكنهم يأبون اعتياده. ومالالا يوسفزادي، وموهاندس غاندي، وروزا باركس، وجلوريا ستاينم، وهارفي ميلك، ونيلسون مانديلا أمثلة واضحة لمن نجحوا في منع الآخرين من الاعتياد. وهناك أيضا رواد لعدم الاعتياد لا يكونون ضحايا، لكنهم يلاحظون معاناة الآخرين فيجهرون أو يتحركون. ومن أمثلة أولئك ويليام لويد جاريسون وإليانور روزفلت وبيتر سينجر.

وثمة أمثلة أقل شهرة حولنا جميعا، قد يكون بعضهم في أسرتك، أو حيك، أو المكان الذي تعمل فيه.

فهل يمكن إنتاج رواد عدم الاعتياد؟ في ظننا نعم. ومفتاح ذلك ما وصفه يوما جون ستيوارت ميل بـ«تجارب العيش». لقد أبرز ميل أهمية أن ينظر المرء من بعيد إلى معتقداته وقيمه وأعرافه وأوضاعه، حتى يتسنى له تقييمها ولعله يعرف أن التغيير مطلوب. ولكي نفعل ذلك نحن بحاجة إلى تنويع تجاربنا.

لو أن الناس يعرضون أنفسهم عامدين لثقافات مختلفة، وممارسات مختلفة، وأشكال حكم مختلفة، فقد لا تستمر المظالم المحيطة بهم ظاهرة وكأنها حتم لا مفر منه أو بعض من طبائع الأمور.

وبزيارة بلد أجنبي على سبيل المثال قد يزيد الناس فرص اعتيادهم على أوضاعهم، وقد يكتسبوا بعدا مهما عن المعروف والمألوف ويرون الأشياء رؤية طازجة. وقد يحدث شيء مماثل من خلال التفاعل مع أشخاص ذوي تجارب متعددة أو من خلال إغراق المرء نفسه في وجهات نظر مختلفة عبر الأعمال الفنية (من روايات وشعر ومسرح وأفلام). ففور إبراز القمع وإظهاره جديدًا، أو فور خوضك تجربة بالرؤية أو بمحض التخيل لواقع خال من القمع، قد تجفل مما يجري الآن في وطنك.
يقول أبراهام جوشوا هيشل: «علينا أن نتعلم أن نندهش، لا أن نكيف أنفسنا». وبوسعنا أن نتعلم الدهشة من الفساد والموت بالمخدرات وإساءة معاملة الحيوانات في إنتاج الغذاء والعنف بالأسلحة. وبعد أن نعرف كيف يعتاد الناس، فإن المزيد منا قد يقدرون على اتباع نصيحة هيشل، فيعرفوا السمات غير الجيدة في حياتنا ويركزوا عليها، بل والسمات الشنيعة التي بتنا نسلِّم بوجودها في مجتمعاتنا.

تالي شاروت ـ كاس صنشتاين

ترجمة: أحمد شافعي – صحيفة عمان

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

رؤية استشرافية لمستقبل السودان بعد سيطرة الجيش على العاصمة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

سيناريوهات الحرب في السودان ربما تذهب إلى الأسوأ بعد أنّ نجحت القوات المسلحة السودانية في تحرير العاصمة الخرطوم، وما تبعها من السيطرة الكاملة على القصر الجمهوري، في 21 مارس من العام 2025.

صحيح سيطرة القوات المسلحة السودانية مازالت رمزية، بعد أنّ نجح الجيش في السيطرة على بعض المؤسسات الحيوية داخل العاصمة، منها مبنى المخابرات العامة وبعض الوزارات، إلا أنّ السيطرة على القصر الجمهوري حمل دلالة رمزية فهو مركز الحكم، ويُعبر عن رمز القوة والسيطرة والحكم في آن واحد.

صحيح هناك طرف ربما حسم جزءً من الصراع لصالحه بهذه السيطرة، إلا أنها سوف تظل رمزية في ظل الصراع الدائر بين الفريق عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، ومحمد حمدان دقلو والمعروف بـ "حميدتي"، نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع، لكن هذا لا يُعني الاستقرار السياسي في السودان ولا يُعني بالتبعية حسمًا عسكريًا كاملُا للجيش!

المتأمل للخلاف ما بين الخصمين الكبيرين في السودان يُدرك صعوبة التقارب بينهما، ولهذا فشلت كل مراحل التقارب السعودي بينهما؛ خاصة وأنّ الخلاف حول خطط المرحلة الانتقالية نحو حكم مدني، أو ما يُعرف بالاتفاق الإطاري، خاصة وأنّ الجيش أزاح حكومة عبد الله حمدوك من السلطة في أكتوبر من العام 2021، وهو ما ترفضه قوات الدعم السريع أو على الأقل ما أعلنت عن رفضة علنًا.

قوات الدعم السريع أعلنت عن رفضها إزاحة حمدوك من السلطة رغم أنها كانت مشاركة في القرار أو على الأقل كانت راضية عنه، وهي تتحمل جزءًا منه.

أما نقطة الخلاف الأبرز بين قوات الجيش والدعم السريع فهي على البرنامج الزمني المقرر لدمج قوات الدعم في صفوف الجيش النظامي؛ فالجيش يضع عامين كإطار زمني، بينما يضع الدعم السريع 10 سنوات كإطار زمني؛ وهنا الجيش يُريد ابتلاع القوة العسكرية المرادفة له والمنافسة لوجوده، بينما ترفض الأخيرة وترى نفسها بديلًا له.

 

دلالات المواجهة العسكرية وانتصارات الجيش

هناك معادلات ربما ساعدت في تحقيق انتصارات عسكرية للجيش خلال الفترة الأخيرة بعد أنّ تم دعمه بالمسيرات والأسلحة من قبل الثلاثي، روسيا وإيران وتركيا؛ لكن المؤشرات تؤكد أنّ انسحاب قوات الدعم السريع  من العاصمة الخرطوم كان تكتيكًا عسكرية، وأنه سوف يُعاود شن هجمات بمسيرات بهدف تشتيت قوات الجيش وتحميها خسائر فادحة.

وهنا يطرح خبراء عسكريون أنّ الانسحاب ليس بسبب قوة الجيش ولا لتراجع قوات الدعم السريع عسكريًا، ولكن لأنّ الأخيرة أرادت استنزاف الجيش على المدى البعيد عبر ضربات توجهها له من خلال وجودها في المقاومة، وهنا ترفع عن نفسها عبئ حماية العاصمة وتحمل تبعات المواجهة العسكرية على عتبات الخرطوم.

وهنا أدركت قوات الدعم السريع أنّ استمرار تمركزها في العاصمة بات عبئًا عسكريًا، فأرادت أنّ تتحرر من ذلك وتنتقل من فكرة المدافع إلى المهاجم، وهنا سوف تنقلب المعركة لصالحها بعد انهاء فترة تدريب مقاتليها على المسيرات التي تم دعمها بها.

وبحكم بنية قوات الدعم السريع وطبيعة عملها الميلشياوي، فقد تنجح في شن هجمات سريعة وخاطفة ربما تنهك قوات الجيش السوداني المنهك بفعل الحرب الدائرة قبل عامين، وهذا ما تعول عليه قوات الدعم وداعموها.

باتت المدن والولايات المحررة على يد قوات الجيش السوداني تمثل عبئًا على كاهل قوات الدعم السريع، فإضطرت للإنسحاب التكتيكي من بعضها، بينما تتواجد بعض قواتها بصورة متخفية داخل العاصمة وتنتظر شن عدد من الهجمات على أماكن تمركز قوات الجيش في إطار سياسة الإنهاك.

كما أنّ خطة الدعم السريع تتمركز في التركيز على تشتيت قوات الأمن السودانية وتكبيدها خسائر فادحة في مدة زمنية قصيرة، ثم الدخول لاسترداد ما سبق تحريره من العاصمة وبعض المباني الحيوية.

يتم تدريب قوات الدعم السريع على استخدام بعض الأسلحة الثقيلة والمسيرات، للبدء في حرب استنزاف لقوات الجيش السوداني، ثم الانتقال إلى تعزيز المواقع العسكرية من جديد، وفق خطة أعدت لها قوات الدعم السريع سلفًا، خاصة وأنّ الأخيرة أعلنت عن قيام حكومة موازية، وهو ما يدخل أيضًا في باب الاستنزاف السياسي طويل الأمد.

هناك تحول في لغة الحرب بعد عامين، منذ أنّ أندلعت في 15 إبريل من العام 2023؛ لكن المؤشرات العسكرية والاستراتيجية بعيدة عن فكرة حسم أحد الطرفين للصراع، ولكن الحسم قد يذهب إلى سيناريو التقسيم، حيث يُشكل كل طرف متنازع حكم ذاتي على الأراضي التي يُسيطر عليها.

السودان مقسم ما بين قوات الجيش التي تُسيطر على شرق وشمال السودان وما بين قوات الدعم السريع التي تُسيطر على إقيلم دارفور وأجزاء من الجنوب وغرب السودان، فضلًا على ما حققته قوات الدعم السريع من انتصارات في منطقة المالحة في شمال دارفور.

نجح الجيش الفترة الأخيرة في تحقيق بعض الانتصارات العسكرية بعد دعم الدول المشار إليها، روسيا والصين وإيران، فضلًا عن تميزه في سلاح المدفعية والطيران والمسيرات، فضلًا عن عودة قائد قوات درع السودان إلى صفوف الجيش بعد تمرده على قوات الدعم السريع، وهو ما ساعد في استعادة الجيش لولاية الجزيرة.

لا يمكن للسودانين الذين نزحوا قبل عامين العودة إلى بلادهم في الوقت القريب بسبب انهيار البنية التحتيّة والصحيّة وانتشار الكوليرا والملاريا والحصبة الألمانية، مع توقف تام للأنظمة الصحّية الحيوية، ويُضاف لهذا المواجهة العسكرية لكل طرف من طرفي النزاع على الطرف الآخر، وهو ما يُؤدي إلى مقتل المدنين وعدم تحقيق الاستقرار الاجتماعي أو الحياة الطبيعية.

 

سيناريوهات الحرب الأهليّة وشبح التقسيم

سيناريو التقسيم مازال يفرض نفسه على الساحة السودانية حتى بعد أنّ حسم الجيش معركة العاصمة لصالحه؛ خاصة وأنّ قوات الدعم السريع سبقت بالتوقيع على ميثاق سياسي لتشكيل حكومة موازية في 22 فبراير الماضي.

السودان لا ينتظر سيناريو التقسيم فقط ولكن ينتظر سيناريو الحرب الأهليّة، فقد باتت أقرب إليها من أي وقت مضى، ولعل قراءة السيطرة على العاصمة الخرطوم هو الأقرب لهذه القراءة.

القوات المسلحة السودانية نجحت في تحرير بعض المدن والولايات التي كانت بحوزة قوات الدعم السريع على مدار عامين كاملين، لكن هذه القوات مازالت تُسيطر على مناطق داخل العاصمة والجانب الجنوبي من مطار الخرطوم، على الأقل حتى كتابة المقال التحليلي، فضلًا عن سيطرتها على ولاية دارفور ومنطقة المالحة.

عدم حسم المعركة عسكريًا من قبل أحد الطرفين يطرح بقوة سيناريو الحرب الأهلية والتقسيم في آن واحد، خاصة وأنّ هناك معادلا مهما في القضية يرتبط بوجود الإخوان المسلمين أو الكيزان في بنية الجيش السودان، الذي اعتمد عليه في هذه الحرب.

الكيزان هم من أطلقوا شرارة هذه الحرب قبل عامين، وهم أصحاب المصلحة في استمرارها، فحزب المؤتمر الوطني يُريد أنّ يعود إلى المشهد السياسي في السودان مرة أخرى، وهذا لن يتأتى إلا عبر مسارين، أحدهما مرتبط بخلط الأوراق ومن ثم استمرار الحرب، والمسار الثاني مرتبط بدور المؤتمر الوطني وعناصرة من خلال دعم الجيش السوداني في هذه الحرب، وبالتالي تكون ضريبته أنّ يُحافظ الأخير على وجوده السياسي والعسكري.

وهذا قد يُشكل خطرًا على أمن السودان والمنطقة العربية، من زاوية استمرار التقسيم، ومن زاوية عودة الإخوان أو الكيزان للمشهد السياسي، بعد الانتصار العسكري الذي حققه في العاصمة الخرطوم.

الاتهامات المتبادلة بين الجيش وقوات الدعم السريع، يُحمل فيها الأخير الجيش بأنّ الإخوان يتركزون في جزء من بنيته، وهو ما يمثل خطرًا على مفهوم الدولة الوطنية أو شعارات الثورة التي رفعتها القوى المدنية قبل عامين.

قد ينظر البعض لهذه الاتهامات على أنها مكايدة سياسية وعسكرية، هدفها تشويه الآخر، ولكن الحقيقة أنّ الإخوان مازالوا يتنفسون من رئة المؤسسة العسكرية في السودان، وهو ما يُشكل خطرًا على أمن المنطقة والعالم، ويتطلب تقدير موقف أقرب للواقع قبل أنّ تضيع السودان ما بين شبح التقسم وعودة الإرهاب من جديد.

 

انعكاسات الحرب على أمن المنطقة والعالم وانتشار الإرهاب

استمرار الحرب وهو وارد بصورة كبيرة يُعني تهديدًا لأمن المنطقة والعالم وانتشار الإرهاب والتطرف، خاصة وأنّ هناك ما يُؤكد أنّ نشاط الإخوان المسلمين مازال قائمًا، صحيح النظام السياسي تغير ولكن النظام نفسه مازال يتمتع بحيويته، وهنا نقصد بنية هذا النظام من خلال وجود الإخوان المسلمين في جزء كبير من بنية الجيش السوداني.

وفي حال حسم الجيش لهذا الصراع وهو أمر مستبعد سوف يُهدد ذلك أمن المنطقة والعالم، لأنه يُعني ببساطة شديدة عودة الإخوان المسلمين إلى المشهد السياسي، النظام الذي وفر حماية لتنظيم قاعدة الجهاد، كما أنه وفر حماية للميلشيات التابعة للإخوان المسلمين المصريين، ومنها حركة ما يُعرف بـ سواعد مصر.. حسم، وهذا لا يُعني أن سيناريو سيطرة فوات الدعم السريع هو الأفضل، فهي قوات ميلشياوية لا يمكن التعامل معها وغير قادرة على تحقيق الأمن في المنطقة أو في الداخل السوداني.

وهنا يمكن القول إنّ السودان قد يكون في طريق الذهاب إلى سيناريو الحسم لقوات الجيش المدعومة من عدد كبير من الدول المحيطة بالسودان أو الدول الكبرى، وهو ما سوف يُودي إلى نفس النتيجة.

وهنا لابد أنّ ينتبه العالم لأهميّة الموقف السياسي والعسكري واللحظة الراهنة التي تعيشها السودان، وضرورة مواجهة تبعات هذه المرحلة التي تُهدد أمن المنطقة والعالم، خاصة وأنّ المؤشرات كلها تذهب لانتشار الإرهاب والتطرف ليس فقط على الصعيد الداخلي ولكن إلى دول الجوار بل وتصديره إلى العالم.

ولابد أنّ تكون خطة المواجهة في خمس محاور،: 

-الضغط العسكري على الطرفين في السودان، ومنع وصول الأسلحة إليها، وفق قرار أممي.

-تقريب وجهات النظر عبر حوار غير مباشر بين الجيش وقوات الدعم السريع، حتى الوصول إلى تسوية يمكن البناء عليها.

-مراقبة الحدود الجغرافية لدول الجوار مع السودان لمنع أي تسللات لقوى دينية مؤدلجة ربما تُهدد أمن هذه الدول أو أمن المنطقة.

-فرض عقوبات دولية على الدول التي يثبت عليها دعم أي قوة عسكرية سودانية، لإنهاء وتصفية الصراع والبدء في عملية سياسية تنهي الخلاف القائم.

-رسم مقاربات سياسية تجمع القوى السياسية مع المؤسستين العسكريتين عبر حوار يكون بداية لإنهاء الخلاف، ويا حبذا لو كانت هذه المبادرة من قبل الدول التي لم تتورط في دعم جبهة على أخرى.

مقالات مشابهة

  • برشلونة يعجز عن تسجيل داني أولمو
  • رقم قياسي باسم الحضري يعجز كريستيانو على تحطيمه
  • البون الشاسع بين رؤية البروفسير الطيب زين العابدين ومواقف وتصريحات البروفسير مأمون حميدة
  • تفسير رؤية التوت الأبيض في المنام
  • لماذا سقط الحلاق المتحمّس؟!
  • رؤية استشرافية لمستقبل السودان بعد سيطرة الجيش على العاصمة
  • أبناء بلا رحمة.. مأساة أم الشهداء التي تخلى عنها أقرب الناس وماتت وحيدة
  • خبير عسكري: الاحتلال يعجز عن القيام بعملية برية واسعة بغزة والمقاومة لديها إستراتيجيتها
  • شاب أردني يعبر عن دهشته من رؤية هلال العيد.. فيديو
  • خطيب مسجد أبو حنيفة: التدخلات غير المختصة في رؤية الهلال أثارت البلبلة