أكد الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، أن ما يشهدُه العالمُ الآنَ من تطوراتٍ خطيرةٍ، لا علاجَ ‏له إلا بالعملِ بما في كتابِ اللهِ، والعودةِ لسنةِ نبيِّه الكريمِ كي يأمَنَ الناسُ على حياتِهم وأوطانِهم وأولادِهم، ‏فالقرآنُ الكريمُ هو الدستورُ الأوَّلُ والأخيرُ ليس للمسلمينَ فقط، بل للإنسانيِّةِ كُلِّها.

القرآن الدستور الأول والأخير للإنسانية

وأضاف خلال كلمته بتخريج الدفعة الأولى من «مدرسة الإمام الطيب»‏ لحفظ القرآن الكريم وتجويده؛ أنَّ ‏الحَافظَ للقرآنِ الكريمِ لَيَحملُ في قلبِّهِ دُستورَ خيرَ أمَّةٍ أُخرِجَتْ للناسِ، يحملُ الفرقانَ والنورَ المبينَ، وإذا انضمَّ إلى ‏الحفظِ الفَهْمُ والعملُ صارَ حاملُ كتابِ اللهِ نورًا يهدي إلى طريقِ اللهِ، يأخذُ بأيدي مَن حولَه من ظلماتِ الجهلِ إلى ‏نورِ العلمِ والمعرفةِ، وهذه رسالةُ الأزهرِ الشريف، والأزهر في حقيقتِه وجوهرِه إنما هو صورةٌ من صُوَرِ ‏العبقريةِ العلميةِ، التي لها امتدادٌ معرفيٌّ شَمِلَ من المغربِ حتى الملايو، فكم من طالبٍ علم أوى إليهِ مِنَ الأقطَارِ ‏البعيِّدةِ، والأصْقَاعِ النَّائيةِ، فاغتربَ عَنِ الأهلِ والوطنِ، وتجشَّمَ البُعدَ وصبرَ على ذَلك.‏

وتابع أنه قد نتجَ عَن هَذِه الرِّحْلاتِ العلميةِ إلى الأزهرِ الشريفِ أن أهدى الأزهرُ إلى كُلِّ قُطرٍ مِنَ ‏الأقطارِ عقلًا مُتألِّقًا وشخصيةً رفيعةً كانت بَابَ عِلمٍ وَأمانٍ ورحمَةٍ لِذلك البلدِ، وخَلعَ عَلى تِلكَ الشَّخصيَّاتِ خِلعةَ العِلمِ ‏والمعَرفةِ ونَوَّرَ العقولَ بقَبسِ الحكمةِ، فلم يُفّرِّقْ بينَ وافدٍ وغيرِه، بل اهتم اهتمامًا شديدًا بِمن يَفدُ إليهِ مِن شتَّى البُلدانِ ‏عملًا بوصيِة سيدِنا رسولِ اللهِ، حينما وفد إليه سيدُنا صفوانُ بنُ عسّالٍ، وقال له: إني جئتُ أطلبُ العِلْمَ، فقال: مرحبًا بطالبِ العِلْمِ؛ إنَّ طالبَ العِلْمِ لَتَحُفُّهُ الملائكةُ وتُظِلُّهُ بأجنحتِها، ولذلك فقد رحّبَ الأزهرُ بأبنائِه الوَافِدينَ ‏تَرحِيبَ الأبِ بِابنِهِ البَّارِ، واضطلاعًا بِدورِه العالميِّ.‏

مدرسة لتحفيظ القرآن

وبيَّن أنَّ الأزهرَ الشريفَ لم ينقطعْ عن بِرِّ أبنائِه الوافدينَ، والحرصِ على تعليمِهم، فأنشأ لهم مدرسةً لتحفيظِ ‏القرآنِ الكريمِ بالقراءاتِ العشرِ، وهي مدرسةُ الإمامِ الطيبِ المباركةُ، ونحن نشهدُ الآنَ حفلَ تكريمٍ مباركٍ لعددٍ من ‏الطلابِ الأوائلِ ممن حَفِظَ القرآنَ الكريمَ كاملًا أو بعضَ أجزاءٍ مِنه، ونحن إذ نحتفلُ اليومَ بالأوائلِ فإننا نُهيبُ ‏بأبنائِنا من حفظةِ القرآنِ الكريمِ أن يكونوا صورةً مشرفةً للقرآنِ الكريمِ، فبه يُعرَفون، وعلى دربِه يَسلكون، فلا ‏تكونوا مدخلًا لكل مشكِّكٍ في أخلاقِ الإسلامِ، ولكن كونوا نبراسًا يهتدي به مَن يريدُ الحقَّ، فأنتم سفراءُ للإسلامِ، إن ‏أحسنتم وبهدي القرآنِ الكريمِ اقتديتم آمن الناسُ برسالتِكم الساميةِ، وإن زللتم كنتم سببًا في ابتعادِ الناسِ عن الدينِ ‏الحقِّ، فلتنظروا لأنفسكِم أيُّ الفريقينِ خيرٌ مَقَامًا وأحسنُ نَدِيًّا.‏

وفي ختام كلمته قدم وكيل الأزهر الشكر لرئيس جامعة الأزهر على جهوده وتبنيه لكل مبادرات الأزهر، وأهمية ‏أن تتبنى الجامعة هذه المبادرة الطيبة «مدرسة الإمام الطيب» والقيام على تحفيظ القرآن الكريم في كل كليات ‏الجامعة، كما قدم الشكر للدكتورة نهلة الصعيدي، مستشارة شيخ الأزهر ورئيس مركز تطوير تعليم ‏الطلاب الوافدين والأجانب، على ما تقوم به من جهود في خدمة العلم والارتقاء بمنظومة الوافدين وهذه المبادرة ‏الطيبة «مدرسة الإمام الطيب»، ولولا هذه الجهود ما كنا لنحتفل اليوم بحفظة كتاب الله من الوافدين، مقدمًا اقتراحًا ‏بأن يتبنى المركز «مشروع الألف حافظ» من الطلاب الوافدين وسيكون أمرًا عظيمًا وخطوة على الطريق ‏الصحيح، فهذا يمكن الطلاب من حفظ كتاب الله وإتقان اللغة العربية، لنخرج بذلك طالبًا شاملًا.‏

المصدر: الوطن

كلمات دلالية: وكيل الأزهر الشريف الدكتور محمد الضويني المؤسسة الأزهرية الأزهر

إقرأ أيضاً:

القرآن الكريم.. مستويات خطابه النقدي واستراتيجية تحرير الإنسان

حاولت أن أحصي موضوعات النقد القرآني في مخاطبته للإنسان فردا وجماعة جزئية أو كلية فوجدتها متعلقة بالحمالات الخمسة التي تحصل عندما يتحرر الإنسان من الجاهلية والأمية (الثقافة الشفوية) وتحريف الديني والفلسفي ونظرية التاريخ الذي هو حصيلة العاهات الثلاث الأولى فتكون أربعتها فروعا من مسار الإنسان المحدد لمصيره أي نقد الإنسان التأله.

1 ـ مستوى نقد جاهلية الإرادة التي ليست حرة لأنها تصبح مضطرة بسبب كون الإنسان يكون أصم وأبكم واعمى فلا يعقل ولا يرجع: وذلك هو معنى الجاهلية.

2 ـ مستوى نقد الثقافة الشفوية التي ليس لها حكمة راجحة بل تكون دائما مرجوحة لانبنائها على تقليد الخالف للسالف المبني على الارتجال والذاكرة القصيرة التي لا ترى التحولات لامتناهية الصغر في التاريخ المديد.

3 ـ مستوى نقد التحريف الذي يترتب على إهمال ما يترتب على هذا التغير لامتناهي الصغر في التاريخ المديد فتحرف كل حوائل السقوط في القياس الخاطئ الذي يسقط الماضي على المستقبل لعدم الوعي بالتغير في التاريخ الإنساني.

4 ـ ستوى نقد نظرية التاريخ وهو الجهل بسنن التاريخ التي تختلف في المديد منه عن القصير ما يؤدي إلى الثبات الزائف الذي هو جمود الحضارات وعلة انحطاطها.

5 ـ مستوى نقد نظرية الإنسان المتأله وهو النقد الذي تتفرع عنه المستويات السابقة لأنها كلها تنطلق من نظريته القرآنية وهو أصل المدرسة النقدية العربية التي انطلقت من نقد الميتافيزيقا (الغزالي) ثم نقد نظرية المعرفة (ابن تيمية) لتصل إلى نظرية القيمة (ابن خلدون) وكلها يجمعها نقد نظرية الأخلاق.

نقد الجاهلية والإرادة غير الحرة: مستوى نقد جاهلية الإرادة التي ليست حرة لأنها تصبح مضطرة بسبب كون الإنسان يكون أصم وأبكم وأعمى فلا يعقل ولا يرجع: وذلك هو معنى الجاهلية.وهدف هذه محاولة فهم الجمع بين هدفي الرسالة الخاتمة: الجواب عن معنى النقد فيها وبديله أي الختم فيها أي الجمع بين الانطلاق من بديل خاص بما قبل الإسلام عند العرب (الجاهلية والثقافة الشفوية) وبديل عام يشمل كل الإنسانية جمعا بين خطاب موجه للعرب خاصة رغم أن الصفات المنقودة قابلة للتعميم لأنها مجودة في كل الشعوب البشرية التي فيها شيء من الجاهلية ومن الأمية بحيث إن الخصوصية هي في غلبتها على العرب حينها وليس في وجودها عندهم لكن الكونية تتمثل في علتها أو في ثمرتها التي هي رؤية الإنسان ورؤيته للتاريخ ومن ثم في نظرية القيمة وفي نظرية المعرفة.

وهذه المحاولة تكملة بمحاولة سابقة بينت فيها مقومات الرسالة ما هي في القرآن الذي هو خطاب له خمسة موضوعات يخبر الإنسان بها وهي المرسل والمرسل إليه والرسول ومنهج التذكير ومضمون الرسالة الذي علاقة الأول بالثاني المباشرة وعلاقة الثاني بالثالث المباشرة وعلاقة الثالث بالرابع المباشرة وعلاقة الخامسة والأخيرة بالعلاقة هي أصال هذه العلاقات كلها بالعلاقة الأولى أي بعلاقة المرسل بالإنسان المخاطب الأساسي في الرسالة حتى إن القرآن ليبدو وكأنه مبارزة بين الربوبية والإنسوية إذ القرآن يبدو وكأنه تدارك لخلل في خلق الإنسان جعله شبه عبد آبق لأنه لم يفهم شروط الاستخلاف التي هي عمل الجهازين اللذين جهز بهما الإنسان ليكون حر الإرادة غاية وراجح الحكمة أداة حتى لا يخلط بين آبقية العبد اللامكلف  واللامسؤول فيكون مفهوم الخطاب وكأنه تحريره أصبح غاية حتى يصبح إنسانا مكلفا ومسؤولا. ولهذه العلة قالقرآن نقل للإنسان من اللاتكليف واللامسؤولية إلى التكليف والمسؤولية وذلك بسعيه لتحرير إرادته وترجيح حكمته وذلك بإلغاء استعباد الإنسان للإنسان: وتلك هي الغاية الخلقية من الفتح ومن عتق الرقاب بوصفها أهم كفارة في آخلاق المؤمن.

فيكون القرآن "استراتيجية توحيد الإنسانية بمنطق السياسة المحمدية" وهو العنوان الذي اخترته في الجلي من قراءتي الفلسفية للقرآن وفيه أبين ما غفل عنه كل نقاده بحمق لا نظير له من المعري إلى طه حسين ومن هم  دونهم "فطنة" من نقاده شكلا ومضمونا ومن مفسريه بما يسمونه الإعجاز اللغوي أو العلمي أو العددي.

ومعنى ذلك أن القرآن الكريم قد ظلم من المؤمنين به مثلما ظلم من الكافرين به ليس لعدم وضوح طبيعته بل لأن ناقديه يغفلون عما ينقده مما يبنون  عليه نقدهم أي هذه المجالات الخمسة التي بدأت في هذه المحاولة بالإشارة إليها أي مستويات نقده الخمسة.

فلا يمكن أن تكون الرسالة متضمنة ما لا يمكن للمخاطب أن يفهمه فيكون القرآن كلاما في ما لا يفهم ليقنع به رسالة خاصة بالعرب أولا وعامة لأن ما يخص العرب لا تخلو منها حضارة في مراحل تاريخها ولأن المشكل حتى في ما فيه من خطاب يبدو خاصا بالعرب هو في آن مدخل للبحث في ما هو عام عند كل الشعوب بحيث إن مثال العرب هو البداية في النقد الكوني لما يصيب الإنسان من تجاهل لحقيقته التي لا يمكن أن يغفل عنها أي إنسان: يكفي النظر في ما ينهي عنه القرآن وما يأمر به حتى نعلم أن العلاج يدور كله حول ما ينهي عنه وما يأمر به في الاستراتيجية التي تحرر إرادة الإنسان وترجيح حكمته ليكون "رئيسا بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له" (ابن خلدون المقدمة بابها الثالث فصلها 24). فتكون استراتيجيته مستندة إلى مراجعة نظرية القيمة ونظرية المعرفة اللتين تمكنان الإنسان من رؤية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس فيكون بذلك محررا نفسه وعلاقته بغيره وبالعالم ليكون في آن مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها: وذلك هو مضمون الرسالة الخاتمة وتحديد طبيعة حيرة "ملتقى الطرق" في مسير الإنسان ومصيره. فأما مسيره فهو نظام العلامات الدالة على رجاحة الحكمة في اختيار الطريق وأما مصيره فهو الغايات التي يسعى إليها أي التحقيق الفعلي لشروط  الأهلية للاستخلاف. فيكون العمل والشرع مقدما على النظر والعقد تقديم الجهاد على الاجتهاد لأن الأول هو تحقيق الغايات الثاني هو ابداع الأدوات المناسبة لهذه الغايات. فيكون العمل والشرع هو منهاج التحقيق ويكون النظر والعقد هو حكمة التخطيط الذي قد يصيب وقد يخطيئ والتاريخ كله هو التصحيح الدائم بمقتضى التجربة للاستراتيجية المحققة لمجاهدة النفس والمعوقات ليكون المسير نحو المصير حصيلة سعي الإنسان في تاريخه ليكون أهلا للاستخلاف.

لذلك فالمحير في هذه الاستراتيجية هو ما يبدو فيها من تناقض. فعندما تقرأ الكلام على أصناف النقد القرآني الخمسة ونقارنها بنظرية الخلق القرآني تكتشف أن الكتابة مقدمة على اللغة لكن الخلق يكون باللغة أي الأمر كن الناقل من العدم إلى الوجود لأمر يبدو مقدما على الخلق بأمر "كن" أو غنيا عنه.

نقد نظرية التاريخ وجمود الحضارات: مستوى نقد نظرية التاريخ وهو الجهل بسنن التاريخ التي تختلف في المديد منه عن القصير، ما يؤدي إلى الثبات الزائف الذي هو جمود الحضارات وعلة انحطاطها.لذلك فلكأن الخلق ليس نقلة من العدم إلى الوجود بل هو نقلة من كتابة مشروع سابقة إلى تحقيقه بالخلق لاحقا. فيكون الوجود ليس خلقا مسبوقا بالعدم بل هو خلق لتعين بعض ما في المشروع المكتوب سابقا لأن القرآن غالبا ما يردد كلمة لولا ما سبق لما وقع التأجيل في الأحكام الإلهية التي كان يعاجز بها الكفار الرسول. وهذا المكتوب السابق في تعيين مكان ما سيوجد في حينه وزمانه وكيفه وتلك هي إرادة الله الحرة بمقتضى حكمته الراحجة المطلقتين. ولذلك فهو "مقيد" بها لأنه يكتب على نفسه ما يكتبه على مخلوقات من حرية الإرادة ورجاحة الحكمة التي تجعله هم أنفسهم لا يمكن أن يكون مسار حياتهم إلا مشروعا أولا وتحقيقا متواليا للمشروع وذلك هو معنى القضاء والقدر الذي لا يستثني المسؤولية لأن التكليف أفعال الإنسان بخلاف أفعال الله ليست مطلقة لا من حيث الإرادة ولا من حيث الحكمة بل هي نسبية بصورة تجعل ثمرة الأفعال بصنفيها بحاجة إلى الكسب من الإرادة الحرة والحكمة الراجحة المطلقتين.

والتحريف ينتج عن قدرة الإنسان على مقابل ما يضمن حرية الإرادة ورجاحة الحكمة الإنسانيتين عندما يتأله الإنسان فيظن نفسه ذا إرادة مطلقة الحرية وحكمة راجحة باطلاق وكأنه الخالق: فيتوهم نفسه قادرا على الخلق وينسى أن ذاته ليست من خلقه وتلك هي علامة حب التأله الذي هو عين الكفر بوجود الإله الوحيد الخالق الذي له في مشروعه المكتوب قابلية الكسب الذي يجعل الأفعال خيرية وعدمه الذي يجعل الأفعال شرية شرطين في حرية الإرادة النسبية  ورجاحة الحكمة النسبية عند الإنسان فيكون بهذا المعنى حائزا على نوعين من الوجود يجعلانه إما عبدا مستخلفا حقا أو عبدا آبقا. وذلك هو معنى تبين الرشد من الغي الذي يؤدي إلى الكفر بالطاغوت والإيمان بالله (البقرة 256).

وبذلك نفهم أن يكون تعدد  الرسالات ضرورة لتحقيق التسابق في الخيرات المؤدي إلى حرية الاختيار العقدي الموصل لتبين الرشد من الغي في عالم الشهادة الباطن (المائدة 48) وتطبيقه مادية في عالم الشهادة الظاهر(وهو السلوك في  المسير التاريخي المحدد للمصير ما بعد التاريخي أو حصيلة الاخلاق الإنسانية في الوجود الفعلي.

ولا يمكن أن يوجد تعدد الرسالات إلا إذا كانت ذات مستويين: الأول هو مستوى الرسالات التي تكون خاصة بالأمم كل واحدة بحسب حالة نضوجها المعين (لكل أمة رسول بلسانها) والتي تكون عامة للبشرية كلها وهي من ثم ينبغي أن تكون الخاتمة لأنها صارت في الحقبة التي اكتمل فيها نضوج الإنسانية التي عرفت هذه الظاهرات التي صارت موضوع النقد القرآني التذكير لما هو مشترك بين البشر وعلة التعدد في التعامل مع هذا المشترك (النساء 1 والحجرات 13).

فتصبح نظرية التعدد القصدي في الخلق أي إن التنوع  مع الوحدة هو شرط التعارف معرفة ومعروفا ما يترتب عليه اكتشاف حقيقة المشترك بين البشر وراء الفروق العرقية والطبقية والجنسية ما يجعل المشترك هو الذي به يعير البشر عند الله أي التقوى التي هي المعيار الوحيد للتفاضل بينهم وهو الموجب من الأخلاق في الأعمال وليس في الأقوال.

وبذلك نفهم أن الأخلاق وجوبها وسالبها تقال بجهاد النفس وجهاد المغريات التي تحول دونها ونسيان ما هو مرسوم فيها من شروط تبين الرشد من الغي أي الإرادة الحرة والحكمة الراجحة لأن الإنسان يعلم معنى الظلم إذا قاس معاملته للغير بما يريده من معاملة الغير له. فيكون الإنسان في آن معيار الخير ومعيار الشر لكنه ينسى أو يتناسى تطبيق المعيار بالعدل الذي هو التناظر بين المعاملتين. ومن ثم فالأخلاق القرآنية الموجبة والسالبة في آن هي التعامل بالمثل مع التخفيف من المثل الشرير قدر الإمكان لكنه يوجبه عند الضرورة لأن من لا يعامل العدوان بالرد عليه يكون ظالما لنفسه والظلم منهي عنه للغير وللنفس في آن.

القرآن كاستراتيجية توحيد إنسانية: فيكون القرآن 'استراتيجية توحيد الإنسانية بمنطق السياسة المحمدية' وهو العنوان الذي اخترته في الجلي من قراءتي الفلسفية للقرآن.لكنه في الآيات 9 إلى 12 من الحجرات يبين أن الرد على الظلم لا ينبغي بالظلم بل بإصلاح الظالم وتلك هي استراتيجية مقاومة البغي سواء في نفس الجماعة أو بين الجماعات لأن البشر بمقتضى الآية 1 من النساء اخوة ليس بمقتضى الرحم الجزئي بل بمقتضى الرحم الكلي. فيكون ما يأمر به  القرآن في علاج البغي في الجماعة من الصنف الأول واجب التعميم في الصنف الثاني. ومن هنا كان القرآن أول رسالة وضعت قوانين للحرب كونية وهي ما ييسر السلم بعدها لأن الهدف هو إيقاف البغي وليس إدامة الحرب. وقد فسر القرآن بأن الحروب كلها ترجع إلى علل نفسية كما هو بين في ما تلا خطة إيقاف البغي بإيقاف ما يعلله في الغاية وهو بقية الآيات من 9 إلى 12 قبل الكلام على التعارف معرفة ومعروفا ونفي التقاضل بين البشر عند الله اعدل العادلين واحكم الحاكمين بغير الأخلاق أو التقوى في التعامل بينهم.

وختاما فكل الحمقى ناقدي القرآن من جنس المعري بداية وطه حسين غاية علته حب التأله عندهم وكل من يحاكونهم سواء كانوا مثلهم في النباهة القاصرة التي يمثلها طه حسين الذي يدعي محاكاة شك ديكارت وهو لم يفهم حتى معنى الشك الذي يتحرر منه باللجوء إلى الضمانة الإلهية وليس إلى الغباء البشري الذي يعميه حب التاله فيظن علمه محيطا وعمله تاما أو دونهم وحب تأله المتشبهين بمن يظنونهم ذوي علو محيط وعلم تام: فأكثر من 99 في المائة من مثقفي العرب أدعياء الحداثة هم من اجهل خلق الله بحضارتهم وبحضارة الغرب قبل الانقلاب الهيجلي والماركسي النافين لما يتعالى على عالم الشهادة سواء آمنت بالدين المحرف أو  آمنت ببديل منه هو من جنسه لأن ما كادينا محرف بطريقة بولص ولوثر صار عين دين العجل إما معه أو ضده ببدائل من الدين المحرف كالحال في الماركسية التي يعوض فيها الحزب الكنيسة والدولة الطاغوت في حضارة تعليل الاستعمار بما يسمونه المهمة التحضيرية لمن ينفون عنهم الإنسانية لزعمهم دونها ما داموا لا يسلمون بتفوق حضارة المستعمر  بكبار مؤسسيها مثل ديكارت ولايبنتس ونيوتن إلى حدود النقد الكنطي والاعجاب الجوتي  كانوا شديدي الإيمان والتواضع وأكثر المبدعين في تاريخ البشرية للعلوم التي يتمكن من الاستعمار في الأرض دون معارضة قيم الاستخلاف فيها.

مقالات مشابهة

  • توتر في هولندا اثر حرق نسخة من القرآن الكريم
  • غضب واستنكار واسع بعد حرق «نسخة من القرآن الكريم» في هولندا
  • حكم عمل ختمة قرآن ووهب ثوابها للميت.. الإفتاء توضح
  • حكم جعل القرآن الكريم أو الأذان نغمات للهاتف المحمول.. الإفتاء توضح
  • طالبة بإدارة شرق مدينة نصر التعليمية تحصد المركز الثاني فى مسابقة القرآن الكريم على مستوى الجمهورية
  • القرآن الكريم.. مستويات خطابه النقدي واستراتيجية تحرير الإنسان
  • بحضور نائب محافظ الأقصر.. تكريم 800 حافظ للقرآن الكريم بقرية أصفون المطاعنة في الأقصر
  • تكريم 200 طفل من حفظة القرآن الكريم بالوسطانى في دمياط
  • تكريم 800 حافظ للقرآن الكريم بقرية أصفون المطاعنة بحضور نائب محافظ الأقصر.. صور
  • الإمام الكفيف بالأزهر: قبل الصلاة بكون في منتهى الرهبة وتزول فور قراءة القرآن