لماذا الحديث عن الثقافات وليس تفاهمها ؟
تاريخ النشر: 28th, February 2024 GMT
مرت حتى الآن أكثر من ثلاثة عقود على صدور الكتاب الذائع الصيت (صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي)، للمفكر الأمريكي البارز «صموئيل هنتنجتون» الذي كان عبارة عن أطروحة نشرت في مجلة [فورين أفيرز] الأمريكية، نشر عام 1993 قال فيها ما خلاصته: «إن الحضارات سوف تتصادم لاختلاف الأفكار والأيديولوجيات بين هذه الحضارات، وتنبأ بأن الصدام المقبل سيكون بين الحضارات الإسلامية والكونفوشيوسية الصينية، وبين الحضارة الغربية المسيحية».
والحقيقة هذه لو صحت، أن الاختلاف أو الصدام يكون بين الثقافات وليس الحضارات، ذلك أن الحضارات لا تتصادم لمجرد الاختلاف في الرؤى أو الأفكار أو التوجهات السياسية أو الفكرية أو حتى الدينية، لطبيعة التعددية الفكرية والدينية والسياسية، لكن الذي يدفع إلى التصادم هو عدوان ثقافات على الحضارات والثقافات الأخرى، ضمن أهداف الهيمنة والسيطرة، كما فعلها الاستعمار الغربي لبلدان كثيرة منذ القرن التاسع عشر وما بعده، وهي ضمن الصراعات السياسية التي تحدث، كما حدثت بعد الحرب العالمية الثانية، وسميت بـ(الحرب الباردة) وهو صراع على النفوذ والسيطرة الاقتصادية، وهذا لم يشر إليه «صموئيل هنتنجتون» أو تحدث عنه في هذا الكتاب المشار إليه آنفًا، إنما طرح أحكامًا مسبقة ومدفونة، كان قد طرحها مستشرقون وباحثون غربيون من النصف الأول من القرن الماضي، وهو أن الإسلام عدواني بطبعه وأن للإسلام حدود دموية، وسيشكل خطر على الحضارة الغربية إلخ!.
والواقع أن ما قاله هذا الأكاديمي الأمريكي غير المنصف في تحليله، اعتبر بلا مواربة أو غموض، أنه يهدف إلى دفع المؤسسات الغربية إلى الخوف من الإسلام وقوته وتأثيره مستقبلاً، وعدم الاستكانة والارتخاء لسقوط الاتحاد السوفييتي، و(النوم في العسل) بل يرى أن على القوى في الغرب أن تستيقظ لهذا المارد الصاعد، وهو الخطر الأخطر بعد سقوط الخطر الأحمر، والمقصود بالخطر الشيوعي آنذاك. والأطروحة تأتي ردًا مباشرًا على أطروحة «فرانسيس فوكوياما» في (نهاية التاريخ)، فكانت هذه الأطروحة والكتاب لهنتجتون التي تستفز الغرب وتحركت هواجسه النائمة من مخاطر متوهمة، وهو عليه أن يستعيد الصراعات التي مرت منذ قرون، وهو أن الإسلام، العصيّ على الانقياد كما يعتقدون، وهنا تكمن مخاطره كما يقولون، أو يتوهمون ذلك، وربما يقصدون أن المسلمين لا يزالون يرون أن إسرائيل عدوة لهم، أو أن الحقوق المهدورة للفلسطينيين ساهم فيها الغرب في قيام إسرائيل ودعمها فيما قامت به في حروبها، سواء ضد الدول العربية، أو حروبها ضد الفلسطينيين على أرضهم، وهذا بلا شك رؤية ظالمة وغير عادلة، وهم يدركون أنه لو حُلت القضية الفلسطينية، لساد السلام والوئام بين المسلمين والغرب، كما أن العلاقات العربية / الغربية في أغلبها ممتازة، لكن الاحتلال الصهيوني في فلسطين هو العقبة الكأداء لتحقيق السلام العادل، كما يجري الآن في غزة من إبادة جماعية للمدنيين ولا تزال مستمرة ضدهم، دون أن يتحرك الغرب -ويقدر لو أراد- لوقف هذا التمادي في هذه الإجرامية.
وقضية الصراع أو الصدام، ليست جديدة على الفكر الغربي بشكل عام، فقد طرح «تشارلز داروين» نظريته في «البقاء للأصلح» من خلال الصراع بين الكائنات الحية وعوامل البيئة والمناخ وغيرها من العوامل الأخرى المساندة لهذا الصراع. ثم جاءت النظرية الماركسية في صراع الطبقات وتفسيره بأنه محرك التاريخ وهكذا، فإن «هنتجتون» جاء بنظرية ملخصها أن الاختلاف الفكري والفروقات الثقافية ستدفع الحضارات إلى الصراع والصدام ويرى الكاتب المصري ميلاد حنا «أن نظرية هنتجتون تعتبر الصفارة التي تعلن البدء للتحرك، والتي يبدو «أنها تحقق غايات وطموحات السياسة الأمريكية، التي تعتمد -أول ما تعتمد- على ضرورة خلق و «ابتداع» عدو خارجي يهدد «الحضارة» والقيم الأمريكية عمومًا والغربية خصوصًا. ولذا طرح هنتجتون نظريته أو رؤيته، وكان في ضوء معطيات الصراعات الحالية ترشيح الإسلام ليكون العدو المنتظر للغرب، ثم ذهب إلى مدى أبعد، وكعملية فلسفية استراتيجية، فافترض تحالفًا بين الإسلام والكونفوشية مجتمعين ومتعاونين في مواجهة الغرب، حتى أن كتّابًا كثيرين وقعوا في فخ الرؤية القائلة أن العالم سيتحول إلى صراع بين الغرب واللاغرب». فهذه الأفكار التي طرحها هنتجتون هدفها دفع مؤسسات صناعة القرار إلى التهيب والحذر من الآخر المسلم بدعاوي أن المسلمين يحملون أفكار عنيفة، وإذا ما أصبح لديهم قوة سوف يدمرون الغرب ويهدمون حضاراته.. إلخ: لذلك فإن دعاوي «صموئيل هنتنجتون» هي نفسها التي تدعو إلى الصدام وقهر الآخر والسباق لتجريده من قوته وتجريده من أسباب القوة والندية، وهو ما يسمى في علم السياسة والاستراتيجيات بـ(حروب الاستنزاف أو الحروب الاستباقية للآخر في إطار الصراع السياسي).
فهذه الرؤية من «هنتنجتون» كما قال د. محمد أبو الفضل، هي أنه: «عمل على توسيع هوة الخلاف بين الغرب والدول الإسلامية التي وجدت نفسها بعد صراع طويل ضد الغرب في الحقيبة الاستعمارية في صراع جديد ضد الغرب أيضًا الذي يتيه بهيمنته في كل المجالات، ويجب أن نعترف هنا بأن تراث الحقد يقوي مجالات الصراع ويذكي أوار الاختلاف، فهناك سقوط الأندلس والحروب الصليبية وتصفية الجيوب الإسلامية ومساعدة الأقليات غير المسلمة لتنشط ضد المسلمين، بل مساعدة بعض العناصر المتطرفة من المسلمين حتى تنشأ حروب أهلية ناهيك عن النظام العالمي الجديد / القديم الممسوخ الملامح».
وعبر عن ذلك «مانفريد أوستن» الأمين العام لمؤسسة همبولت عن قلقه لتجاهل الغرب للحضارات الأخرى مناديا بضرورة «أن نتعلم كيف نفهم بشكل أفضل لغة الحوار مع الأمم الأخرى، لكن قدرتنا على الحوار لن تزداد إلا إذا بدأنا بتعلم لغات الأمم الأخرى بصورة مكثفة. ولهذا نحتاج إلى سياسة ثقافية تقوم على فهم طبائع الشعوب بحيث نصبح قادرين على التعامل مع خصائصها المتميزة في التفكير والشعور، لقد خبرت خلال إقامتي في شرق آسيا -كما يقول- إن الناس هناك طوروا نوعًا من الاعتداد بالنفس يقوم أساسًا على أنهم لن يقبلوا حضارتنا على المدى الطويل إلا إذا كنا نحن بدورنا مستعدين للاهتمام بحضارات تلك الأمم الحضارية وبطبائعها اهتمامًا جادًا وعميقًا». فهذه الأطروحة هي نفسها الدافعة والمحرضة على الصدام؛ لأنها تشعل نار الأحقاد والتوترات بين الحضارات والثقافات لمجرد الاختلاف والتباين وهذا الاختلاف فطرة إلهية بين مختلف البشر. ومن الحكمة أن ينظر الغرب إلى مسألة التباينات بين الإسلام والغرب بمنظار الواقع وهو أن المظالم والقمع والقهر بمعايير غير عادلة هي نفسها الدافعة إلى الصراع والصداع وليس الاختلافات الفطرية الأنانية. لكن البديل الأفضل والأرقى لمقولة صراع الثقافات أو الحضارات- كما يقول البعض- ومنهم صاحب نظرية (صراع الحضارات)، هو أن تتفاهم الثقافات أو الحضارات وتتقارب من خلال الحوار الجاد الخالي من الاشتراطات والفرض والإرغام على الدول الأقل نموًا، لكن عليها أن تعترف بالآخر المختلف، ضمن الاختلاف المتعارف به بين الثقافات الإنسانية، وهو أن يكون التواصل والتعايش هو الوسيلة الإيجابية لتجنب الإنسانية عواقب الصراعات والتوترات والحروب، ضمن المشتركات الإنسانية بين الشعوب في هذا العصر، وبقدر ما تعظم الحاجة إلى إيجاد «حوار جدي بين الثقافات والحضارات، لإقامة جسور التفاهم بين الأمم والشعوب، ولبلوغ مستوى لائق من التعايش الثقافي والحضاري، يقوم على الفهم المتبادل لتهيئ الأجواء المناسبة لإجراء هذا الحوار، فيما هو مختلف بينهم في قضايا عالقة أو خافتة، وإيجاد الشروط المقبولة الصحيحة التي تسهم إلى إيجاد الأرضية المنشودة والغايات المقصودة.
ولا شك أن التفاهم بين الثقافات من خلال الحوار مع الآخر، ضرورة ملحة في عصرنا الراهن الذي يموج بالتوترات بين بعض الدول في عصرنا الراهن، ولذلك يجب ألا نرفضه وفق مسوغات ليست دقيقة بينه، والإسلام يدعو للحوار كما جاء في القرآن الكريم، لاسيما أن دعوة الحوار بين الحضارات، جاءت من الطرف الإسلامي دعوة عالمية من خلال سعي الحضارات لبناء علاقاتها على الحوار الإيجابي والتبادل الثقافي والتفاعل الحضاري الذي هو سمة الثقافات عبر التاريخ، وتقوم على ثقافة الحوار والتسامح، وبديلاً لمقولات الصدام والصراع. وهذا يتم من خلال المنهجية السليمة في الحوار الهادف، والسعي الجدي لقيام حوار بين الحضارات والثقافات مبني على الرغبة الصادقة في التفاهم والتعاون، فالحوار بين الثقافات لا يمكن أن يؤدي دوره المنوط به إلا من خلال إثراء التعاون الإنساني، والتفاهم الذي يؤدي إلى تقارب وجهات النظر بين أطرافها. فالحوار يظل مطلبا ملحا في عصرنا الراهن، ولا غنى عنه للإنسانية جمعاء، إذا ما أرادت أن تعيش بمنأى عن الصراع السلبي وتتجه للتدافع السلمي في معركة الحياة في التقدم والإبداع، الذي هو في الأصل سنة إلهية كونية، بين الأمم، فالحوار بين المختلفين المبني على المنهج الصحيح، يجب أن يسود بين الحضارات والثقافات، وأن يتحقق فيه شرط التعايش والتعدد والتنوع، ويقتنع الجميع أن الحوار بين الثقافات هو السبيل الأجدى والأفضل للتغلب على الحروب والتوترات، أو ما يسمى الآن بمشكلات الإرهاب وتوابعه بعد تجديد مفهومه بصورة سليمة وصحيحة، وبعيدًا عن المزايدات والمقاييس غير المنصفة، والأحكام المسبقة الظالمة، ومن خلال هذه المنهجية يمكن أن يتم إرساء مفاهيم إيجابية للتفاهم الجدي والصادق بين الثقافات والحضارات الإنسانية.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: بین الحضارات بین الثقافات الحوار بین من خلال وهو أن
إقرأ أيضاً:
39 ألف يتيم في قطاع غزة: أكبر أزمة يُتم في التاريخ الحديث
#سواليف
قال الجهاز المركزي للإحصاء، اليوم الخميس، إن الأطفال يشكلون 43% من سكان فلسطين، وإن 39 ألف يتيم في قطاع غزة، وإنها أكبر أزمة يُتم في التاريخ الحديث.
وأوضح الإحصاء، عشية يوم الطفل الفلسطيني، أن المجاعة وسوء التغذية تهدد حياة الأطفال في قطاع غزة، حيث أن هناك 60,000 حالة متوقعة من سوء التغذية الحاد، مؤكدا عودة شلل الأطفال إلى قطاع غزة.
وأشار إلى أن قوات الاحتلال اعتقلت منذ السابع من أكتوبر أكثر من 1,055 طفل في انتهاك منهجي لحقوق الطفولة وخرق صارخ للقانون الدولي.
مقالات ذات صلة أشلاء تناثرت ورؤس تهشمت.. ناجون يكشفون ما حدث في مجزرة مركز الأونروا يوم أمس 2025/04/03الأطفال يشكلون 43% من سكان فلسطين.. وقطاع غزة يتصدر بنسبة 47%
وأظهرت التقديرات الديموغرافية أن عدد سكان دولة فلسطين بلغ نحو 5.5 مليون نسمة مع نهاية العام 2024، وتوزعوا بواقع 3.4 مليون في الضفة الغربية و2.1 مليون في قطاع غزة. يمتاز المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع فتي، إذ شكّل الأطفال دون سن 18 عاماً 43% من إجمالي السكان؛ أي ما يقارب 2.38 مليون طفل/ة، بواقع 1.39 مليون في الضفة الغربية و0.98 مليون في قطاع غزة. أما الفئة العمرية دون 15 عاماً، فقد بلغت نسبتهم 37% من إجمالي السكان، ما يعادل حوالي 2.03 مليون طفل/ة، منهم 1.18 مليون في الضفة الغربية و0.9 مليون في قطاع غزة. وشكّلت الفئة العمرية دون 18 عاماً نحو 47% من سكان غزة، مقارنة بـ 41% في الضفة الغربية، بينما بلغت نسبة الأطفال دون 15 عاماً 40.3% في قطاع غزة مقابل 34.8% في الضفة.
قطاع غزة ينزف طفولة: 534 يوماً من العدوان يسلب الأطفال أحلامهم ويهدم براءتهم تحت الركام
واجه أطفال فلسطين، خلال 534 يوماً من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة (7 تشرين الأول 2023 – 23 آذار 2025)، كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث شكلوا مع النساء أكثر من 60% من إجمالي الضحايا.
وأسفر العدوان عن استشهاد 50,021 فلسطينياً، بينهم 17,954 طفلاً، منهم 274 رضيعاً ولدوا واستشهدوا تحت القصف، و876 طفلاً دون عام واحد، و17 طفلاً ماتوا جراء البرد في خيام النازحين، و52 طفلاً قضوا بسبب التجويع وسوء التغذية الممنهج. كما أصيب 113,274 جريحاً، 69% منهم أطفال ونساء، بينما لا يزال أكثر من 11,200 مواطناً مفقوداً، 70% منهم من الأطفال والنساء.
أما في الضفة الغربية، فقد استشهد 923 مواطناً، بينهم 188 طفلاً، و660 جريحاً من الأطفال منذ بدء العدوان الإسرائيلي وحتى تاريخ إصدار هذا البيان.
أكثر من 1,055 حالة اعتقال بحق الأطفال: انتهاك منهجي لحقوق الطفولة وخرق صارخ للقانون الدولي
كشف تقرير صادر عن مؤسسات حقوق الأسرى عن تصاعد غير مسبوق في اعتقالات الاحتلال الإسرائيلي للأطفال الفلسطينيين، حيث وثّق خلال العام 2024، وحده، اعتقال ما لا يقل عن 700 طفل، ليرتفع إجمالي الأطفال المعتقلين منذ اندلاع الحرب إلى أكثر من 1,055 طفلاً. حرم هؤلاء الأطفال من طفولتهم وحقهم في التعليم، وتعرضوا لانتهاكات جسيمة أثناء الاعتقال، شملت اقتحام منازلهم ليلاً، والاعتداء عليهم بالضرب أمام ذويهم، وإطلاق النار عليهم، إضافة إلى تقييد أيديهم وأرجلهم وتعصيب أعينهم وحرمانهم من المساعدة القانونية، في انتهاك واضح للقانون الدولي، واتفاقية حقوق الطفل. وحتى بداية آذار 2025، لا يزال الاحتلال يحتجز أكثر من 350 طفلاً أسيراً. وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار في كانون الثاني 2025، تم الإفراج عن 51 طفلاً من الضفة الغربية والقدس والخط الأخضر، إضافة إلى 44 طفلاً من قطاع غزة، اعتقلوا بعد السابع من تشرين الأول، وذلك ضمن المرحلة الأولى من صفقة التبادل.
39 ألف يتيم في قطاع غزة: أكبر أزمة يُتم في التاريخ الحديث
كشفت التقديرات عن أن 39,384 طفلاً في قطاع غزة فقدوا أحد والديهم أو كليهما بعد 534 يوماً من العدوان الإسرائيلي، بينهم حوالي 17,000 طفل حرموا من كلا الوالدين، ليجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع الحياة دون سند أو رعاية. يعيش هؤلاء الأطفال في ظروف مأساوية، حيث اضطر الكثير منهم للجوء إلى خيام ممزقة أو منازل مهدمة، في ظل غياب شبه تام للرعاية الاجتماعية والدعم النفسي.
إلا أن المعاناة لا تقتصر على فقدان الأسرة والمأوى، بل تمتد إلى أزمات نفسية واجتماعية حادة؛ إذ يعانون من اضطرابات نفسية عميقة، مثل الاكتئاب والعزلة والخوف المزمن، في غياب الأمان والتوجيه السليم، إضافة إلى ضعف التعلم والتطور الاجتماعي، ليجدوا أنفسهم فريسة لعمالة الأطفال، أو الاستغلال في بيئة قاسية لا ترحم.
أطفال غزة بين قصف العدوان وانهيار النظام الصحي: مأساة مستمرة
كشف تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) عن واقع كارثي عاشه أطفال قطاع غزة ذوو الإعاقة نتيجة العدوان الإسرائيلي، حيث أصيب 15 طفلاً يومياً بإعاقات دائمة بسبب استخدام أسلحة متفجرة محظورة دولياً، ليصل إجمالي الإصابات إلى 7,065 طفلاً، بينهم مئات فقدوا أطرافهم أو بصرهم أو سمعهم. كما سجل 4,700 حالة بتر، 18% منها (ما يعادل 846 حالات) بين الأطفال، ما زاد من تعقيد المأساة. هؤلاء الأطفال يواجهون كارثة مزدوجة بسبب الإعاقات الجسدية والنفسية، إضافة إلى انهيار النظام الصحي نتيجة تدمير المستشفيات، ومنع دخول الإمدادات الطبية والأطراف الصناعية. كما أدى انتشار سوء التغذية إلى تفاقم التشوهات العظمية وإعاقة التئام الجروح.
إلى جانب ذلك، يحاصر خطرُ الموت نحو 7,700 طفل من حديثي الولادة بسبب نقص الرعاية الطبية، حيث عملت المستشفيات المتبقية بقدرة محدودة جداً، ما يعرّض حياة الأطفال للخطر. ومع نقص الحاضنات وأجهزة التنفس والأدوية الأساسية، تدهورت الظروف الصحية، ما يزيد من احتمالات وفاتهم.
عودة شلل الأطفال إلى قطاع غزة بعد 25 عاماً: تحديات كبيرة واجهت حملات التطعيم وسط أزمة صحية خانقة
شهد قطاع غزة تفشي فيروس شلل الأطفال للمرة الأولى منذ 25 عاماً في تموز 2024، بسبب انخفاض نسبة التطعيم من 99% إلى 86% نتيجة الأوضاع الصحية الصعبة. استجابة لذلك، نفذت منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة الأخرى ووزارة الصحة الفلسطينية ثلاث جولات تطعيم لمكافحة انتشار المرض. تم خلال الجولة الأولى تطعيم 559,161 طفلاً أعمارهم بين 0 و10 أعوام باستخدام اللقاح الفموي الجديد من النوع 2 (nOPV2)، تبعها تطعيم 556,774 طفلاً في الجولة الثانية، أما الجولة الثالثة فقد اشتملت على تطعيم 602,795 طفلاً. أسهمت هذه الجهود في الحد من انتشار الفيروس رغم التحديات المستمرة.
المجاعة وسوء التغذية تهدد حياة الأطفال في قطاع غزة: 60,000 حالة متوقعة من سوء التغذية الحاد
أظهر تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) للفترة من تشرين الثاني 2024 إلى نيسان 2025، أنه من المتوقع أن يعاني حوالي 1.95 مليون شخص في مختلف أنحاء قطاع غزة من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، والمصنفة ضمن المرحلة الثالثة أو أعلى (أزمة أو أسوأ)، ويشمل ذلك ما يقرب من 345,000 شخص من المحتمل أن يواجهوا انعداماً غذائياً كارثياً (المرحلة الخامسة من IPC). ومن المتوقع تسجيل حوالي 60,000 حالة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 59 شهراً خلال الفترة الممتدة من أيلول 2024 إلى آب 2025، وهو يعني أن هؤلاء الأطفال يعانون من نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية التي تؤثر، بشكل كبير، على صحتهم ونموهم، من بينها 12,000 حالة من سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو أسوأ شكل من سوء التغذية، وقد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تشمل الفشل العضوي أو الموت. كما ستحتاج 16,500 امرأة حامل ومرضع إلى العلاج بسبب سوء التغذية الحاد، ما يؤثر، بشكل كبير، على صحتهن وصحة أطفالهن، وقد يؤدي إلى مضاعفات صحية أثناء الحمل والولادة.
من القصف إلى الاعتقال: كيف دمّر العدوان الإسرائيلي حق التعليم لجيل فلسطيني كامل
أصبح التعليم في قطاع غزة ضحية رئيسية للعدوان الإسرائيلي المستمر منذ 471 يوماً، حيث دمرت قوات الاحتلال 111 مدرسة حكومية بشكل كامل، و241 مدرسة حكومية تعرضت لأضرار بالغة، إضافة إلى تعرض 89 مدرسة تابعة للأونروا إلى قصف وتخريب، ولذلك حرم 700 ألف طالب/ة من حقهم الأساسي في التعليم للعام الدراسي 2024/2025، كما حُرم حوالي 39 ألف طالب/ة من حقهم في تقديم امتحان شهادة الثانوية العامة للعام الدراسي 2023/2024.
لم يقتصر الدمار على المباني، بل طال الأرواح: فقد ارتقى 12,441 طالباً/ة و519 معلماً/ة شهداء تحت القصف، بينما أصيب 19,819 طالباً/ة و2,703 معلماً/ة بجروحٍ متفاوتة الخطورة. ولا توجد حتى الآن معلومات دقيقة حول عدد طلبة المدارس والكوادر التعليمية الذين تم اعتقالهم من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال العمليات البرية في مختلف مناطق قطاع غزة.
تسبب العدوان في انقطاع الدراسة النظامية لمدة عامين دراسيين متتاليين، حيث توقفت الدراسة لمدة 300 يوم دراسي حتى تاريخ 28/01/2025. وعلى الرغم من اعتماد وزارة التربية والتعليم لمسارات تعليمية بديلة مثل التعليم الإلكتروني المتزامن وغير المتزامن والمدارس المؤقتة، تشير بيانات وزارة التربية والتعليم العالي إلى أن أكثر من 298 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة ملتحقون بالمدارس الافتراضية. إلا أن العديد من هؤلاء الطلاب لم يتمكنوا من تلقي تعليمهم بشكل فعّال طوال هذه الفترة، بسبب عدم وجود مناطق آمنة، إضافة إلى انقطاع الكهرباء والإنترنت، وقلة توفر الأجهزة اللازمة، ما يُنذر بفجوة تعليمية تهدد مستقبل جيل بأكمله.
في الضفة الغربية، لم تكن الأوضاع أفضل، حيث سجل استشهاد 90 طالباً/ة وإصابة 555 آخرين، بالإضافة إلى اعتقال 301 طالباً/ة و163 كادراً تعليمياً، في سياسة ممنهجة لتفكيك البنية التعليمية.
وأفاد تقرير حديث صادر عن مجموعة التعليم بتدهور حاد في إمكانية حصول مئات الآلاف من الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، على التعليم خلال العام 2024، بسبب معيقات متشابكة تشمل القيود الإسرائيلية على الحركة، وهدم المنازل، وعنف المستوطنين، والعمليات العسكرية المكثفة.
وسجلت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية 2,274 حادثة عنف طالت المنظومة التعليمية، منها 109 هجمات استهدفت مدارس بالتخريب أو الاعتداء المباشر، حيث اقتحم مستوطنون مسلحون فصولاً دراسية واحتجزوا طلاباً ومعلمين، أو تنكيلاً بالتلاميذ خلال تنقلهم إلى المدارس.
وأشار التقرير إلى تعرّض أكثر من نصف الطلبة في المناطق الأكثر تضرراً للمضايقات أو التأخير القسري أثناء ذهابهم إلى مدارسهم، ما أدّى إلى حرمان نحو 806,000 طالب/ة من الوصول الآمن إلى التعليم. ومنذ عدوان الاحتلال الواسع في شمال الضفة الغربية، بتاريخ 21 كانون الثاني 2025، تعطلت العملية التعليمية في نحو 100 مدرسة.