كان مجلس التعاون الخليجي قد وجه دعوة رسمية لحكومة إقليم كردستان العراق للمشاركة في اجتماعاته، ووجه الدعوة الأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي خلال اجتماعه مع رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني على هامش القمة العالمية للحكومات التي عقدت الأسبوع الماضي في دبي. 

وهذا تطور مهم يوضح كيف يسعى مجلس التعاون الخليجي إلى لعب دور مهم وناشئ في كردستان العراق، التي يُنظر إليها على أنها منطقة مستقرة ومزدهرة ترغب دول الخليج في الاستثمار فيها.

شهد العقد الماضي تعميق العلاقات بين حكومة إقليم كردستان ودول مجلس التعاون الخليجي. وكانت الإمارات أول دولة خليجية تفتتح قنصلية لها في أربيل عام 2012، وتبعتها الكويت عام 2015 ثم السعودية عام 2016. وافتتحت قطر قنصليتها عام 2023، في حين لم يكن للبحرين وعمان تمثيل رفيع المستوى بعد.

 وعلى الرغم من أن أربيل تفتقر إلى وجود دبلوماسي في عواصم الخليج، إلا أنه كانت هناك مناقشات مؤخرًا بشأن إنشاء مكتب دبلوماسي كردي في الإمارات العربية المتحدة.

تتمتع أبو ظبي بعلاقات دبلوماسية وسياسية واسعة النطاق مع حكومة إقليم كردستان، وهي واحدة من أكبر المستثمرين في عراق ما بعد الحرب، حيث يذهب جزء كبير من التمويل إلى كردستان، وفي عام 2014، افتتحت غرفة تجارة دبي مكتبًا في أربيل لدعم بعض الشركات الإماراتية التي كانت مسجلة بالفعل لدى حكومة إقليم كردستان.

ومع ذلك، فقد أدت العديد من التطورات إلى تعطيل تماسك العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وحكومة إقليم كردستان لعدة أسباب:

 (الأول) كان صعود تنظيم داعش إلى الصدارة في العراق في عام 2014، ففي عام 2013، كان من المفترض أن تكون أربيل مركزًا رئيسيًا للسياحة في المنطقة بهدف جذب السياح الخليجيين؛ لكن وجود داعش أضر بالأداة السياحية التي يمكن أن تعزز العلاقات. 

(ثانيًا) أدت الانقسامات داخل دول مجلس التعاون الخليجي إلى اختلاف السياسات التي تنتهجها الدول الأعضاء، مما خلق عقبة أمام استراتيجية مشتركة تجاه أربيل.

(ثالثًا) عانى الأكراد العراقيون من انتكاسات سياسية ودبلوماسية واقتصادية كبيرة بعد إجراء استفتاء على الاستقلال في عام 2017 في وقت اشتدت فيه الاضطرابات في المنطقة، وتميزت بالقتال ضد داعش والتنافس بين القوى الإقليمية.

 (رابعًا) أعاقت الانقسامات بين الأكراد أيضًا إمكانية وضع إطار شامل للعلاقات بين حكومة إقليم كردستان ودول مجلس التعاون الخليجي.

 وأخيرًا، أدت جائحة كوفيد-19 إلى عرقلة خطط البنية التحتية والاستثمار لدول الخليج في كردستان.

ومع ذلك، فإن نهاية الانقسامات داخل دول مجلس التعاون الخليجي أتاحت مجالًا لتفاعلات أقوى بين حكومة إقليم كردستان ودول الخليج، اعتمادًا على درجات متفاوتة من مشاركتها في أربيل، ويقوم القادة الأكراد برحلات متكررة إلى دول الخليج منذ موجة التطبيع في المنطقة، وكانت زيارة بارزاني إلى الإمارات وقطر عام 2022 مهمة في إظهار سياسة حكومته المتوازنة بمعنى الحفاظ على العلاقات الودية مع كل طرف.

ومن وجهة النظر الخليجية، فإن الإرادة السياسية من جانب قيادة الكتلة الإقليمية مهمة من حيث المضي قدمًا في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية مع أربيل، وتخدم هذه العلاقات المزدهرة خطط «الرؤية» لدول الخليج. 

وقد اتبعت كل دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي استراتيجيات التنويع بدرجات متفاوتة، ومن المرجح أن تؤدي الاختلافات في وتيرة خططهم إلى المزيد من الترتيبات الثنائية أو الثلاثية مع حكومة إقليم كردستان، بدلًا من المشاركة الموحدة لمجلس التعاون الخليجي.

على سبيل المثال، تعد الإمارات العربية المتحدة ثاني أكبر مستثمر في كردستان العراق، حيث توفر 25% من الاستثمار الأجنبي المباشر، بعد الصين، وفي جهد متضافر لتعزيز علاقاتهما الاستثمارية والتجارية والاقتصادية، اقترحت أبو ظبي وأربيل إنشاء مجلس اقتصادي إماراتي-كردستاني، ويمكن لدول الخليج الأخرى أن تتبع مسارًا مماثلًا لتنسيق علاقاتها الاقتصادية مع حكومة إقليم كردستان.

ونظرًا لتحسن العلاقات بين تركيا ودول الخليج، هناك أيضًا احتمال قيام تعاون ثلاثي بين تركيا وحكومة إقليم كردستان ودول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يمكن أن يغير البيئات الجيوسياسية والجيواقتصادية في المنطقة. 

ويشار إلى التورط المزعوم لأكراد العراق في التقارب بين تركيا ودول الخليج، وخاصة الإمارات، وعلى الرغم من التقارير العديدة التي تزعم أن قيادة أربيل لعبت دورًا رئيسيًا في بدء محادثات مباشرة بين أنقرة وأبو ظبي، فمن الصعب معرفة مدى مشاركتها.

ويمكن لمشاريع البنية التحتية أن تكون مفيدة في جلب رؤوس الأموال الخليجية إلى كردستان العراق، ومع ذلك، قد تواجه مثل هذه المشاريع أيضًا تحديات كبيرة، بما في ذلك الانقسامات الكردية الداخلية، واعتراض بغداد وخطر ردود الفعل الإيرانية ضد كل من أربيل والخليج.

وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى العامل الإيراني في العلاقات المزدهرة بين حكومة إقليم كردستان ودول مجلس التعاون الخليجي، والذي من المرجح أن يعطي مساحة لتدخل تركيا، ومن الصعب القول بأن العلاقات بين أربيل والخليج لن تتعارض مع المصالح الإيرانية في العراق والحكومة الكردية.

 ومع ذلك، فإن الحوار الإقليمي المتزايد ومبادرات وقف التصعيد التي تنفذها حكومة إقليم كردستان ومجلس التعاون الخليجي يمكن أن تساعد في التخفيف من تورط إيران بالوكالة في المنطقة،  فيما يعتبر تحسين العلاقات بين أربيل والخليج، والتي تتشكل بفعل عوامل سياسية واقتصادية وأمنية، يمكن أن يساعد أيضًا في بلورة سياسة دول الخليج في العراق.

ولا تنخرط دول الخليج حاليًا على أساس مخصص - بدلًا من كونها لاعبين استباقيين في كردستان العراق - ولا تنتهج سياسة حازمة يمكن أن تستفز إيران، وهم يتبنون نهجا حذرا ولكن حازما لتقييم جدوى المشاريع، إلى جانب كيفية تطور البيئة السياسية في بغداد وأربيل. ويمكن قراءة دعوة مجلس التعاون لحكومة إقليم كردستان لحضور اجتماعاته ضمن هذا السياق الأوسع.

المصدر: بوابة الفجر

كلمات دلالية: احمد ياسر فلسطين اخبار فلسطين غزة العراق الخليج العربي دول الخليج الصين داعش مجلس التعاون الخليجي قطر سوريا ايران الاتحاد الاوروبي أخبار مصر دول مجلس التعاون الخلیجی کردستان العراق العلاقات بین فی المنطقة فی کردستان دول الخلیج کردستان ا ومع ذلک یمکن أن فی عام

إقرأ أيضاً:

صحيفة إسرائيلية تكشف عن أسباب التعاون بين سوريا والعراق

بغداد اليوم- ترجمة 

كشفت صحيفة الجيروسليم بوست الإسرائيلية في تقرير نشرته، اليوم الثلاثاء، (1 نيسان 2025)، عما وصفتها بــ "أسباب التعاون" بين حكومة النظام السوري الجديدة المقادة من قبل أحمد الشرع والحكومة العراقية. 

وقالت الصحيفة بحسب ما ترجمت "بغداد اليوم"، ان الحكومة العراقية وعلى الرغم من الخلافات الكبيرة مع النظام السوري الجديد حول هويته السابقة، الا انها مستعدة للتعاون معه لضمان استقرار المنطقة، موضحة "الحكومة العراقية ترغب بالحفاظ على امن واستقرار المنطقة الامر الذي يحتم عليها التعاون مع النظام السوري الجديد نظرا للمشتركات العديدة". 

وتابعت "النظام السوري الجديد يحاول من جانبه إعادة توحيد سوريا بعد الحرب الأهلية، الامر الذي يقودها الى تحديات خطيرة، الامر الذي يجعل من تعاونها مع الحكومة العراقية امرا حتميا لمواجهة خطر تلك العناصر والجهات الإرهابية التي تهدد استقرار سوريا وتفكك مساعي توحيدها من جديد وخصوصا تنظيم داعش الإرهابي". 

وأضافت "من المشتركات الأخرى التي تحتم على الجانبين التعاون بشكل كبير، هو وجود مناطق كردية للحكم الذاتي في كلا البلدين"، مشيرة الى ان التعاون بين الجانبين يأتي بهدف الحفاظ على وحدة البلدين من تفكك محتمل قد يقع فيما اذا انهارت الأوضاع الأمنية في سوريا. 

واختتمت الصحيفة تقريرها بالتشديد على ان انهيار الأوضاع الأمنية في سوريا في حال سيطرت التنظيمات الأكثر تطرفا على الأوضاع سيهدد بتشتيت سوريا وتقسيمها، الامر الذي يمثل خطرا مباشرا على الامن العراقي بشكل خاص، وامن المنطقة بشكل عام، موضحة ان نظام احمد الشرع يحظى الان بدعم خارجي يجعل التعامل معه أكثر مقبولية من التعامل مع تنظيمات إرهابية، بحسب وصفها.

مقالات مشابهة

  • مجلس التعاون الخليجي: الغارات الإسرائيلية على سوريا تقوّض الأمن الإقليمي والدولي
  • «التعاون الخليجي» يدين غارات الاحتلال الإسرائيلي على سوريا
  • “التعاون الخليجي”: اقتحام المسجد الأقصى انتهاك صارخ للمقدسات الإسلامية
  • إقليم كردستان يبدأ عمليات الصيانة في حقل كورمور استعداداً لموسم الصيف
  • مجلس جامعة أسيوط يوافق على توقيع مذكرة تفاهم مع جامعة بيلاروسيا الحكومية
  • أحمد ياسر يكتب: هل نرى اتفاقا أمريكيا سعوديا بدون إسرائيل؟
  • مجلس أمن إقليم كردستان يعلن هوية مهاجم احتفالية عيد أكيتو
  • ترامب يستعد لزيارة السعودية وعدد من دول الخليج
  • صحيفة إسرائيلية تكشف عن أسباب التعاون بين سوريا والعراق
  • خلال اتصال هاتفي بين الرئيس الشرع والسوداني… سوريا والعراق يؤكدان عمق العلاقات الثنائية وأهمية التعاون المشترك