851 مليون ريال عُماني إيرادات قطاع الاتصالات بسلطنة عُمان العام الماضي
تاريخ النشر: 27th, February 2024 GMT
- الهيئة توازن بين استدامة نمو القطاع مع تقديم الخدمات بأسعار معقولة
- خدمات الذكاء الاصطناعي تتطلب تواجد مراكز بيانات قوية ومعالجتها بسرعة أفضل
استعرضت هيئة تنظيم الاتصالات خلال اللقاء الإعلامي السنوي 2024 اليوم أبرز منجزاتها عن العام الماضي وأهدافها خلال العام الجاري، جاء ذلك بفندق نوفتيل مسقط وبحضور سعادة المهندس عمر بن حمدان الإسماعيلي الرئيس التنفيذي لهيئة تنظيم الاتصالات وممثلي مشغلي القطاع وعدد من الإعلاميين.
وقال سعادته: إن الهيئة ستنفذ خلال العام الجاري 29 مسحًا ميدانيًّا لمراكز الولايات في قياس جودة خدمات الاتصالات المقدمة للمنتفعين، حيث إن الهيئة ركزت خلال الفترة الماضية على رفع الجودة، وذلك من خلال مبادرات مختلفة لزيادة عدد شبكات الجيل الخامس والربط المتعلق بالألياف البصرية، ومبادرات لتحفيز الانتقال من شبكة الألياف النحاسية إلى خدمة الجيل الخامس أو شبكات الألياف البصرية، واسهم ذلك بتعرفة أفضل وتشجيع أكبر للمنتفعين جراء توفير تنوع من باقات الخدمات الثابتة والمتنقلة.
وأشار سعادته إلى أن الهيئة توازن بين استدامة نمو القطاع مع تقديم الخدمات بأسعار معقولة، كما أوضح أن شركات الاتصالات تقوم بدور فعال في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال توفير بنية أساسية لاستقطابه، لافتا أن خدمات الذكاء الاصطناعي تتطلب وجود مراكز بيانات قوية وذات قدرة على معالجة البيانات بسرعة أفضل سواء كمعالجات أو الربط مع المنتفع النهائي لتكون السرعات أعلى، إلى جانب دعم جهود الاستثمار في التقنيات الناشئة وصناعة الذكاء الاصطناعي.
وكشفت الهيئة أنه خلال العام الجاري ستركز على تجويد خدمات الاتصالات لقطاعات التعليم والصحة والسياحة والصناعة والنقل والاستدامة البيئية لقطاعي الاتصالات والبريد، والابتكار والبحث العلمي والتطوير في مجال الاتصالات، كما أكدت على أن الانتقال من خدمة الجيل الثالث إلى الجيل الرابع والخامس وتوزيع النطاقات الجديدة على شركات الاتصالات بسلطنة عُمان سيعمل على تجويد وتحسين خدمات الاتصالات خلال الفترة القادمة، إلى جانب زيادة فرص عمل وتأهيل الكوادر العمانية، وتعزيز التنظيم التشاركي مع مختلف القطاعات.
"الإيرادات"
وأكدت الهيئة خلال اللقاء إلى ارتفاع إيرادات قطاع الاتصالات إلى 851 مليون ريال عماني في العام الماضي وبنسبة 12% مقارنة بـ 760 مليون ريال عماني في عام 2022م، في حين تراجعت نسبة الاستثمارات إلى الإيرادات بنسبة 5% مسجلة خلال العام الماضي 24% مقارنة بـ 29% خلال عام 2022م، لافتة إلى أن إجمالي توصيلات الألياف البصرية لعام 2023 بلغ 101 ألف وحدة ليصل العدد الكلي لتوصيلات الألياف البصرية 814 ألف وحدة، وبنسبة تغطية 55%، كما بلغت عدد أبراج الاتصالات 842 برجا و1608 محطة تم ترقيتها للجيل الخامس خلال العام، وفيما يخص المنتفعين فقد تعاملت الهيئة مع أكثر من 41 ألف استفسار عبر كافة المنصات المتاحة للمنتفع، وبلغ إجمالي المبالغ المستردة للمنتفعين بقطاع الاتصالات أكثر من 96 ألف ريال عماني.
وأوضحت الهيئة أن إجمالي عدد مباني المدارس المغطاة في سلطنة عمان بخدمات النطاق العريض عالي السرعة بلغت 1215 مدرسة، وإن عدد العاملين في الشركات المرخصة ارتفع بنسبة 5% ليصل إلى 4167 عاملا وبنسبة تعمين 94%، وكشفت أن عدد الشركات المصرح لها في قطاع الاتصالات بلغت 314 مقدم خدمة.
"البريد"
كما بينت الهيئة إحصاءات قطاع الخدمات البريدية، مشيرة إلى ارتفاع إيرادات القطاع بنسبة 14% مسجلا 20.7 مليون ريال عماني للعام الفائت، وبينت أن عدد بعائث خدمات البريد المحلي ارتفعت بنسبة 34% لتصل إلى 3.3 مليون باعث مقارنة بالعام الذي سبقه، أما عدد بعائث خدمة البريد الدولي الصادر سجلت نموا بنسبة 14% لتصل إلى 397.5 باعث، وأكثر من مليوني باعث في عدد بعائث خدمة البريد الوارد وبنسبة نمو بلغت 60% مقارنة بالعام الذي سبقه، في حين بلغ عدد المرخص لهم لتقديم الخدمة في القطاع البريدي نحو 63 شركة، وأن إجمالي عدد العاملين في الشركات المرخصة البريدية بلغ خلال العام الماضي أكثر من 1.6 ألف عامل مرتفعا بنسبة 78% عن العام الذي سبقه.
"مشروعات المنجزة"
وأشارت الهيئة إلى أن أبرز المشروعات المنجزة خلال العام الماضي تمثلت في ضوابط الاستثمار في البنية الأساسية لشبكات الألياف البصرية والمتطلبات لإعداد خطّة إدارة الحالات الطارئة في قطاع الاتصالات، بالإضافة إلى إصدار ضوابط إجراءات المزاد العلني لأرقام الهواتف المتنقلة، وأكدت على الانتهاء من منظومة الإنذار المبكر في الولايات الساحلية بالتعاون مع هيئة الطيران المدني والمشغلين، وإصدار ترخيص من الفئة الأولى لشركة "ستارلينك مسقط" لتقديم خدمات الاتصالات العامة الثابتة.
وخلال اللقاء الإعلامي استعرضت الشركات المرخصة في قطاعي الاتصالات والخدمات البريدية أوراق عمل تطرقت حول مشاريع جودة خدمات الاتصالات والبنية الأساسية، واستعراض أهم ما أنجز من مشاريع جودة الخدمة في قطاع الخدمات البريدية، ومبادرات دعم الابتكار والتعمين، وكذلك أهم شكاوى المنتفعين وآلية التعامل معها، وجهود الشركات في دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والابتكار والتشغيل والتعمين.
وخلال اللقاء بينت عمانتل أن إجمالي حجم العمل المخصص مع الشركات الصغيرة والمتوسطة بلغ خلال العام الماضي 5.7 مليون ريال عماني لـ 51 شركة مستفيدة، وبلغ عدد الموردين المستفيدين 120مستفيدا، ونفذت الشركة خلال العام الماضي 336 محطة للجيل الخامس، وعملت على ترقية سعات 172 محطة من الجيل الخامس، كما قامت بترقية سعات 1050 محطة من الجيل الرابع، وتم بناء 222 برجا جديدا بالتعاون مع الشركات الموفرة للأبراج.
واستعرضت شركة اوريدو عمان إنجازات عام 2023م، موضحة أن 9.6 مليون ريال عماني تم صرفها للشركات الصغيرة والمتوسطة، كما تم اعتماد 48 مبادرة بقيمة 7.6 مليون ريال عماني لتكون في منصة نفاذ لتطابقها مع ضوابط وشروط المنصة، لافتة إلى انه تم تعيين خلال العام الماضي 123 موظفا.
من جانبها أشارت شركة فوافون إلى نمو تغطية شبكة الجيل الخامس بنسبة 117% ونمو في عدد شبكات التجوال الدولي بنسبة 9%، وساهمت الشركة في القيمة المحلية المضافة من خلال إبرام عقود مع الشركات المحلية بقيمة 66 مليون ريال عماني، ووظفت أكثر من 250 موظفا بوظيفة مباشرة وغير مباشرة، وتقوم الشركة على دمج الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وأتمتة العديد من العمليات في مركز مراقبة الشبكة ومركز الأمن السيبراني.
أما شركة أواصر أوضحت أنها أطلقت مقسم الإنترنت العماني بالتعاون مع شركة "AMS-IX" وشركة Alliance Networks، وذلك بهدف ربط المؤسسات الرائدة في الصناعة والشبكات ومراكز البيانات والخدمات السحابية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه.
وتضمن اللقاء إلى استعراض شركة النطاق العريض لمنجزاتها ومشاريع قيد الإنشاء، واستعراض بريد عمان تطوراته ومنجزاته خلال العام الفائت وأهدافه خلال العام الجاري، وقدمت شركة نول عرضا مرئيا عن مراحل تطورها ونجاحها في المجال القطاع اللوجستي.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: خلال العام الماضی خلال العام الجاری الذکاء الاصطناعی ملیون ریال عمانی الألیاف البصریة خدمات الاتصالات قطاع الاتصالات الجیل الخامس خدمات البرید خلال اللقاء فی قطاع أکثر من
إقرأ أيضاً:
سيف العامري .. رائد فن الجرافيك ورمز التجديد في الفن التشكيلي العُماني
في صباح هادئ من أيام عُمان، زرتُ مشغل الفنان سيف العامري للمرة الثانية .. سيف هو جاري في السكن في منطقة معبيلة الثامنة، حيث يُشكل محترفه جزءاً من بيته الذي يتسم بالهدوء والطيبة، فتفوح منه رائحة البخور العماني الأصيلة ، كان يوماً مميزاً، إذ استقبلني الفنان كعادته بحفاوة دافئة تعكس عمق الاهتمام وترحيباً حقيقياً.
ما جذب انتباهي هذه المرة فور دخولي كان كثرة مكابس الطباعة المرتبة بانسجام على سطح المعمل، إلى جانب الأدوات والأصباغ التي نُظمت بعناية فائقة ، كما أضفت الأعمال الفنية المنتشرة على الجدران لمسة من الأناقة والاهتمام بالتفاصيل؛ فكل ترتيب بدا محسوباً بدقة، بدءاً من مكباس الكرافيك مروراً بالكليشيهات، والأعمال المطبوعة واللوحات، وأدوات الرسم، مما يشهد على رحلة إبداعية طويلة ومتميزة. ومن خلال تأملي في الأعمال المعلقة، تأكد لي غزارة الإنتاج الفني الذي يحمل بين طياته تاريخ إنجازاته، مما أوحى بتطور تجربة الفنان سيف العامري وإثراء مسيرته الفنية. وفي حديث شيق وثري، اطلعني على بداياته ومرحلة النشأة والتكوين، إلى جانب التجارب الدراسية التي أرست أسس فنه.
إن المجموعة الكبيرة من الأعمال المطبوعة التي انطلقت منها تجربة الفنان في عالم الكرافيك تعكس تميزه، مما جعله الأول والوحيد في هذا المجال بسلطنة عُمان، على الرغم من ظهور طاقات شابة واعدة على يديه.
سيف العامري، المولود عام 1965، نشأ في كنف أسرة كريمة بسيطة الحال في أحد أحياء مدينة السيب العريقة. ومنذ طفولته كان شغفه بالرسم واضحاً ؛ إذ اعتبر الفن الوسيلة الأساسية للتعبير عن ذاته، مما ترك أثراً كبيراً في تربيته داخل عائلته. لم تخلُ بداياته الفنية من التحديات؛ فقد عاش طفولته في ظروف مشابهة لأقرانه، حيث كان البحث عن أدوات بسيطة مثل الكرتونة والأقلام الملونة يمثل عقبة أمام التعبير الإبداعي نتيجة شح هذه المواد.
التحق سيف بمدرسة حفص بن راشد في المرحلة الابتدائية، ثم انتقل إلى الثانوية في حي العوامر بالسيب، الذي يتميز بقربه من البحر وتواجد الأقارب والأهل ، وقد تأثرت رؤيته الفنية ببيئته المتنوعة؛ إذ أحاطته أراض صخرية وسهول وأودية وجبال قريبة من منطقة حلبان، مما أكسبه حباً للطبيعة وجمال مناظرها حين تتلاقى الأمطار مع وديان الأرض.
بدأت مسيرته الفنية حين أتيحت له فرصة الحصول على علبة ألوان خلال المرحلة الإعدادية، مما أوضح معالم موهبته بشكل أكبر. ففي عام 1979، لاحظ معلم الفنون المصري حسن غنام قدراته المميزة، فدعاه مع بعض الطلاب للمشاركة في مسابقة أقيمت بالتعاون بين إحدى الشركات العالمية والشركة الوطنية للألبان بمناسبة يوم الطفولة ، ولحسن حظه، حصد الجائزة الأولى، مما ألهمه لاستكشاف مزيد من أساليب الرسم والتعرف على تجارب الفنانين الآخرين.
في أروقة المعارض والورش الفنية، يبرز الفنان سيف العامري كأحد رواد جيل الثمانينات في فن الحفر الطباعي و يُعد من القلة المتميزة في هذا المجال بفضل خبرته وممارسته الدقيقة، واستثمار إمكانياته الفنية التشكيلية الكاملة، معتمداً على أدوات وتقنيات تتطلب دقة عالية وإبداعاً مميزاً ، لم يقتصر إبداعه على السطوح التقليدية فحسب، بل تجاوز ذلك بتطبيق تقنيات الحفر على خامات متنوعة مثل اللاينو والخشب، مما أسفر عن إنتاج أعمال فنية فريدة في تقنياتها وموادها ومواضيعها المختلفة ، وقد أبهرت هذه الأعمال الجمهور، ودعت الكثيرين لمحاولة فك رموزها واستكشاف معانيها العميقة.
منذ مطلع الثمانينات، شهد أداء الفنان سيف العامري تطوراً ملحوظاً على عدة مستويات؛ فقد تطورت أدواته ومفاهيمه ورؤاه الفنية، وتداخلت تجربته المتفردة مع تجارب فنانين آخرين خلال مراحل مختلفة دون أن تتعارض مع تجاربهم.
بدأت مسيرته باستخدام لونين فقط ، الأسود والأبيض، قبل أن يتجه في التسعينات إلى إدخال لمسات لونية جديدة أضفت بعداً آخر على تجربته الفنية. ويتبين لمن يتابع أعماله أنها تتميز بخصوصية وتميز فريد عن باقي التجارب التشكيلية.
يمتلك العامري عيناً خبيرة في فن الجرافيك والحفر، ويعتمد على تجريب تقنيات جريئة أفرزت نتائج غير متوقعة، متجاوزاً بذلك الأساليب التقليدية ، فعند وقوع البصر على جدار مشغله الذي يضم لوحاته المعروضة، يجد الناظر نفسه منغمساً في التأمل والتجوال بين التفاصيل الشكلية واللاشكلية الموزعة على أسطح لوحاته وإنتاجه الإبداعي.
كما أن خبرته السابقة في مجال الإعلام والتصميم الجرافيكي ساهمت في ترسيخ أسلوبه الفني، مما جعل لوحاته تحمل تأثيرات أدبية بفضل ميلها للرمزية والرؤية السريالية، معبرة بذلك عن قدرته الفريدة وعلاقته العميقة بالوسط التشكيلي ، وتجلى هذا التطور أيضاً في أعماله التجريبية التي بدأت باستكشاف الخامات والمواد والأحبار؛ مركزاً في البداية على التفاعل الخلاق على أسطح الزنك والخشب واللاينو، ثم انتقل إلى تميز الأسطح وتضاريسها، وصولاً إلى خلق سطح حي ملغز قادر على الحوار، تجسيداً لخبرته في التصميم والتلوين وفهمه العميق لكيمياء المواد.
عندما سألت الفنان سيف العامري: "كيف اكتشفت الجرافيك وتعلمته؟" أجابني بأن تجربته بدأت في منتصف الثمانينات، حينما كان منظماً في مرسم الشباب في الوادي الكبير مع مجموعة من الزملاء الذين أصبحوا فيما بعد من الفنانين المعروفين، حيث كانوا يستخدمون مواد الرسم المتعارف عليها..حتى جاء عام 1994، حيث حانت الفرصة الحاسمة عندما استضافت السلطنة لأول مرة ورشة عمل في فن الحفر (الجرافيك ) بقيادة الفنانة التونسية الدكتورة فوزية الهشري .. وقد كنتُ من بين المشاركين في تلك الورشة، وتفاعلت مع تمارينها بكل جدية، مما أكسبني التأكيد على أنني قد وجدت "ظالتي" في هذا المجال... وفي عام 1995، شاركت بعملين جرافيكيين في معرض العيد الوطني، نفذتهما على خامة اللاينو، حيث واجهت معارضة شديدة؛ إذ وصفني البعض بأنني "كطير يغرد خارج السرب" بسبب جرأة مشاركتي. فسألته: "هل تعتقد أن ذلك يعود إلى غرابة الموضوع وعدم اطلاعهم على أساليب الحفر وتاريخ الجرافيك عالمياً ؟" فرد قائلاً: "خصوصاً عندما تظهر النتائج !!" ومنذ حصولي على الجائزة الأولى في عام 1995، أصبح تخصصي الرسمي هو الحفر اليدوي وفن الجرافيك.
في بداية أعماله الجرافيكية، تناول الفنان موضوعات الطبيعة الصامتة، حيث جسد إناء الماء والزهور مثل عباد الشمس، والفواكه كالكمثري، والحيوانات مثل المها العربي، وطائر الضاضو، وطائر مالك الحزين، وسمك القرش ، كما تناول مواضيع مثل معالم جامع المدينة القديمة والبيوت القديمة، والشناشيل، والأبواب، والنوافذ، والقباب، والزخارف الفلكلورية ، وقد تجسدت كل هذه الموضوعات في مجموعة جرافيك حفر جاف على سطح الليثوجراف، باستخدام تقنيات الطباعة اليدوية والطباعة التسلسلية، وذلك حتى عام 2021م.
ومن الجدير بالذكر أن الموضوعات الفلكلورية مثل الأقفال والأبواب والسقوف والنوافذ لم تكن تشكل الأساس لتلك السمات، بل كانت وسيلة للتواصل مع الجمهور الذي لم يعتد بعد على رؤية العمل الفني الحديث ، فقد أتاح له هذا الطابع الفلكلوري الفرصة لإظهار مقدرته الفنية والتقنية، كما شكل نوعاً من التفاعل مع المحيط والبيئة والثقافة. وعندما اطمأن جمهوره، بدأ يتجه نحو الحرية في خطوطه ومواضيعه وتكويناته، تاركاً لحركة الخطوط المتشابكة وأدوات الحفر الجريئة والصريحة دورًا في إثراء الموضوع، ليس لإلغائه، بل لتأكيد تأثيره الانفعالي وجماليته.
خلال مسيرته الفنية، لم يقتصر سيف العامري على تقنيات الحفر التقليدية، بل انطلق في رحلة بحثية لتطوير أساليب الطباعة والجرافيك باستخدام خامات وتجارب متعددة ، شملت هذه التجارب استخدام خامات جديدة مثل الزنك والألمنيوم، ولاحقاً النحاس، دون اللجوء إلى الحوامض أو المواد الكيميائية التقليدية؛ بل اعتمد على إمكانياته الخاصة في معالجة المواد، مما أضفى على أعماله طابعاً انتقالياً فريداً .
واجه العامري تحديات كبيرة في الحصول على الخامات المطلوبة، لكنه حول تلك الصعوبات إلى اكتشافات مبتكرة؛ إذ بدأ يفكر في إدخال اللون والحبر الملون في الأعمال الطبيعية، فتطورت عملياته خطوة بخطوة حتى وصل إلى تقنية الطباعة بالأربعة ألوان ، كما تبنى أسلوب الطباعة الأحادية على طريقة "المون برنت" باستخدام أربعة أسطح طباعية، بالإضافة إلى تجارب الطباعة المضغوطة والغائرة والبارزة على الليثوجرام المعدني ، وفي مرحلة لاحقة، استبدل المواد التقليدية بمواد مبتكرة مثل علب الحليب وعلب القصدير، التي نقش على سطوحها قصصا ومواضيع عديدة، من بينها موضوع الكرسي وعلاقته بالإنسان، الذي يتحرك ويبدو أحياناً كأنه متهدم.
ولم تقتصر مواضيع أعماله على التجارب اللونية فحسب، بل تناولت أيضاً موضوعات إنسانية مثيرة تسلط الضوء على الجرائم الناجمة عن الجهل والتخلف، مثل المساجد المهدمة، بالإضافة إلى استحضار الأحاسيس اللونية وتوثيق ويلات الحروب التي يدفع ثمنها الأبرياء .. والرحيل والشهيد.
وإذا كانت مرجعية المشهد البصري لدى سيف العامري تبدو واقعية، فإن ذلك لا يتوافق مع مجمل النتائج الإبداعية في لوحاته. ففي أعماله الجرافيكية، نلاحظ بوضوح تأثيرات قصدية في توزيع درجات الفاتح والغامق، وتباين العناصر النافرة والبارزة، وبين المحدد والمنفلش، وبين الواضح والمبهم ، كما يظهر التقسيم المساحي والقطاعي في تكوين المشهد، مما يحقق التناسب والتناسق المطلوب.
ويبرز أيضاً أثر التصميم في توزيع المساحات الهندسية والألوان بشكل رياضي وسليم، مما يمنح المشهد التصويري قدرة على الحضور وإثارة انتباه المشاهد، داعياً إياه لاستكشاف أماكن خفية تثير الجدل وتدفع الحوار وتوجه هذه التقسيمات والألوان الناظر إلى مشاهد مألوفة وصور متناقضة تُظهر شيئاً من هذه القصدية في عملية دائمة الانفتاح.
العنصر الأهم في تجاوز المرجعية الواقعية يكمن في الميل الجارف للتجريب باستخدام الخامات والرؤية الحداثية للمشهد البصري، ومحاولة الوصول إلى ما لا تستطيع الوسائل التقليدية في الطباعة التعبير عنه، فيتحول العمل إلى رسم وتصوير ومعالجة فنية مكثفة.
في معرضه اواخرعام 2023 الذي أقامه في بيت الزبير، قدم سيف العامري أكثر من 30 عملاً جديداً، مؤكداً بذلك على ثوابته السابقة ومضيفاً إليها غنائية اللون وجمالية اللمسة. حملت المعرض عنوان "أحاسيس لونية"، اشتملت على أعمال أحادية اللون مع تأكيد مميز على اللونين الأوكر والأصفر، مما أتاح للمساحات التعبيرية اكتساب مناخات جديدة وبث روح متجددة في الجو العام للمشهد.
هذه الأعمال، وإن بدت قريبة من النفس، إلا أنها عاصية على التأويل؛ إذ تتسلل بشفافية دون أن تفقد شرعيتها من حيث القدرة والبلاغة ، ويظهر ذلك من خلال توزيع الألوان واللمسات التي تعكس حرفية عالية وروحاً حداثية وفهماً نخبوياً لرسالة الفن، مؤكدًا على التجديد الدائم في مسيرته الفنية.
في الختام، يتجلى سيف العامري كفنان مبدع استطاع عبر مسيرته الفنية أن يُحدث تحولاً جذرياً في التعبير البصري؛ فمن خلال أعماله الجرافيكية الأولى التي حملت طابعاً تعبيرياً واضحاً، انتقل لاحقاً إلى تجريدات ملونة متقنة تعكس تراكم خبراته وحسه الفني الراقي ، وتظل خامة العمل الفني على رأس أولوياته، إذ يوظفها بإبداع في كل عمل جديد، مما يمنح لوحاته ملمساً ومظهراً فريداً يضفي عليها روح الشباب والحيوية .. هذا الابتكار والتجديد جعلا من سيف العامري رمزاً للتجديد والتميز في الفن التشكيلي بسلطنة عُمان، حيث أضاف بعداً نوعياً مميزاً إلى المشهد الفني المحلي.
الفنان سيف العامري فنان متميز ومكافح، لم تنل تجربته في فن الجرافيك من البحث و الدراسة الذي تستحقه، وأمل أن تتوفر لي الفرصة مستقبلاً للقيام بذلك.
وقبل أن أودعه، سألته بفضول عن سر الأناقة والترتيب الباهر في محترفه ؛ أوضح الفنان أنه يعتز بقدرته على الحفاظ على نظافة وترتيب مكان العمل، وقد عبر عن ذلك قائلاً: " أحب الأماكن الأنيقة المرتبة؛ وعندما أنتهي من عملي، أجعل المكان نظيفاً كأنني لم أعمل."
فنان و أكاديمي مقيم في مسقط