إعادة إعمار غزة.. بين السياسة والتمويل
تاريخ النشر: 26th, February 2024 GMT
يمانيون – متابعات
كلما تصاعد الحديث عن الهدنة في الحرب الدائرة في قطاع غزّة، تصاعد معه الحديث عن إعادة الإعمار ليس بصفته أحد شروط المقاومة للقبول بالهدنة، فحسب، ولكن بصفته الجائزة التي ستقدّم لسكان القطاع من الدول الشقيقة والصديقة التي اكتفت بدور المتفرّج طوال أيام الحرب، بل وساهم بعضها في حلّ بعض أزمات الكيان مثل تركيا، والإمارات “العربية”.
بناء على ما سبق يمكننا تقسيم إعادة إعمار غزّة إلى قسمين؛ سياسي، ومالي، مع وعينا بأن المالي يحاول شراء السياسي وفرض شروط عليه.
لكي نفهم استراتيجية إعادة الإعمار، لا بدّ لنا من فهم استراتيجية الدمار؛ كيف حدث؟ ولماذا حدث؟ إن كان الدمار عشوائياً فكلّ ما نحتاجه هو الأموال لرسم المخططات وشراء المواد الأولية وتشغيل العمال، والعمل بجد فيعود العمران، وتدبّ الحياة في أوصال البيوت والمدن المدمّرة.
أما إذا كان الدمار ممنهجاً ومدروساً ضمن خطة محدّدة المعالم، فإن إعادة الإعمار الحقيقية لا تكون إلا بإفشال هذه الخطة ومعاكسة نتائجها.
باعتقادي إنّ الدمار في غزّة ينتمي إلى النوع الثاني، وهو اعتقاد مبني على أدلة ساقتها مجموعات دولية مستقلة تسجّل الدمار الذي تخلّفه الحروب، بحسب الدكتور جيمون فان دن هوك من مختبر بيئة الأزمات في جامعة ولاية أوريغون فإن التدمير في قطاع غزّة متصاعد بشكل منظّم لم تشهده حروب أخرى مثل الحرب في أوكرانيا، الدمار يتصاعد منذ ثلاثة شهور، في شمال غزّة من 50 – 90%، في الوسط بما في ذلك مدينة غزّة من 12 – 24%، وفي جنوب القطاع من 7 – 15%. كما يتميّز التدمير بأنه يرتكز في خط منتصف القطاع طولياً مع معدلات تدمير أقل شرق وغرب القطاع. في الوقت نفسه يعمل العدو على إنشاء حزام أمني بعرض يتراوح بين 2 كيلومتر في الشرق وكيلومتر في الشمال، مع شارع عرضي يقسم القطاع إلى قسمين شمالي وجنوبي.
إذا وضعنا المعلومات السابقة على الخارطة لن نحتاج للكثير من الجهد لندرك أن ما يحدث هو رسم مسار لتهجير جزء كبير من سكان قطاع غزّة نحو المناطق الجنوبية، تمهيداً لنقلهم إلى أماكن أخرى داخل الوطن العربي أو خارجه، لكي يتحوّل هذا المسار إلى حقيقة على أرض الواقع تتدخّل أموال إعادة الإعمار لتستكمل المهمة، كيف؟
الذهاب إلى شمال القطاع ينطوي على مخاطر أمنية بسبب العدو الذي يمكن أن ننعته بكل النعوت السيئة، لكننا في الوقت نفسه لن نترك المشرّدين يعانون من الجوع وحرّ الصيف وقرّ البرد في العراء، فتنطلق عملية إعادة الإعمار في جنوب القطاع، ويتسابق المتبرّعون والمانحون للقيام بدورهم الإنساني، لكن مساحة جنوب القطاع ضيّقة، ومهما بلغ حجم الاستثمار فإن خلق بنية تحتية قادرة على خدمة أكثر من مليون إنسان أمر يتجاوز المستحيل. يتدخّل الإنسانيون مرّة أخرى وتبدأ هجرة جديدة طوعية تحت ستار العمل، إلى دول الخليج، أو إعادة التوطين في دول أوروبية، في مقدّمتها تركيا التي استقبلت أفواجاً محدودة من النازحين.
نعود إلى صور الرادار التي توثّق الدمار، فقد خرج مقال في صحيفة النيويورك تايمز يشير إلى أن صور الدمار التي تبثّها شركات الأقمار الصناعية الخاصة أظهرت صورة لدبابة إسرائيلية، وأن هذه الصورة قد تكون ساعدت حماس على تحديد مكان هذه الدبابة واستهدافها وتعريض حياة الجنود الإسرائيليين للخطر، وعليه توقّفت شركات التلفزة والأقمار الصناعية والخاصة عن بثّ صور الدمار الملتقطة بواسطة الرادار، خوفاً من الملاحقة القانونية، علماً أنّ الشركات نفسها حصلت على تسهيلات تصفها بالخيالية، إضافة إلى دعم مالي لنقل الصور والأفلام نفسها من أوكرانيا.
سياسياً سيكون لتمويل إعادة الإعمار شروط، أولها تحديد الجهات التي تدير هذه العملية وتشرف عليها، فمجمل الدول التي ستموّل العملية سواء كانت أوروبية أو عربية، سبق لها وأن صنّفت حركة حماس على أنها حركة إرهابية، الاستثناء العربي تمثّله قطر، والأوروبي تمثّله تركيا. فهل نشهد عمليتي إعادة إعمار واحدة بإشراف عربي يمكن أن تمثّله سلطة عباس وأخرى بإشراف حماس؟ هل يقبل العدو بهذا السيناريو؟
يقول الخبراء إن عملية إزالة الأنقاض من غزّة ستحتاج إلى ثلاث سنوات، وإن إعادة الإعمار تحتاج خمس سنوات أخرى أي ثماني سنوات من دون حروب. بمعنى آخر على المقاومة أن تصمت لمدة ثماني سنوات إذا أرادت إعادة إعمار غزّة، وأن تقبل بكل الممارسات الصهيونية وبشكل خاص تهويد ما تبقّى من الضفة الغربية.
لا نستطيع القول إن بمقدورنا الاستغناء عن الجهود الدولية لإعادة الإعمار خاصة وأن الكلفة التقديرية الأولية لهذه العملية تتجاوز 20 مليار دولار، ما نستطيع فعله هو الانخراط في حملات شعبية حقيقية للمساهمة بإعادة الإعمار، وأن تكون هناك هيئة عربية شعبية على غرار المؤتمر القومي العربي تعمل على التدخّل بشكل فعّال، وتشكّل ضغطاً سياسياً وشعبياً على الحكومات والهيئات الدولية لتوجيه عملية إعادة الإعمار بما يخدم صمود أهل غزّة.
– الميادين نت/ عماد الحطبة
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: إعادة الإعمار إعادة إعمار
إقرأ أيضاً:
مناوي والحركات ككل من أهم أمثلة السياسة كسوق أعمال
بجانب ما ذكرته وبالتعليق على حديث مناوي تذكرت شخصية الأكاديمي البريطاني (أليكس دي وال)، لدي تحفظات كثيرة تجاه هذا الباحث والكاتب وأزعم بأن الزمن ومزيد من المراجعة كفيل بتوضيحها أكثر، لكن لا ضير من الحديث اليوم.
(أليكس دي وال) من نوع من يسمونهم بالمتخصصين حول السودان والقرن الأفريقي، وله كتابات عديدة وأوراق حول السودان، وتحفظي على شخصية اليكس ينطلق عموما من التحفظ على شخصية الخبير الذي يقترح السياسات، وقتها يتحول هذا الخبير من أكاديمي ليقدم كمختص خبير للجهات الفاعلة والمؤثرة، يصبح سياسيا وخادما مخلصا للمشغل، ستظهر انحيازاته المزعجة وقصور نماذجه أكثر. لكن (أليكس دي وال) له طرح معقول جزئيا كنموذج تفسيري للسياسة عموما، وللسياسة في السودان والقرن الأفريقي، خصوصا حين يوظف لفهم سلوك التنظيمات والشخصيات.
طرحه من خلال نمذجة السياسة كسوق أعمال، والسياسيون من خلال هذا السوق يظهرون من خلال كونهم رواد أعمال أو رجال أعمال، أو موظفون أو مدراء تنفيذيون وغيرها، وهذا السوق يتضمن تبادلا نقديا لعملة سياسية، ولحركة مال سياسي، وفي هذا السوق يكون لقرار الشخص رائد الأعمال قيمة وتأثير، وإذا أخطأ في توقع السوق ودخل مغامرة كبيرة وخسر، فهو سيدفع نتيجة هذا الفعل ويتراجع بشدة في السوق.
هذا شرح مختصر وبسيط طبعا لطرح الباحث وهو نموذج وصفي وتفسيري وفي ظني لا يمكن وصفه بالاقتصاد السياسي بالمعنى الاجتماعي، لكنه أقرب لنماذج إدارة الأعمال لوصف السياسات في المدى القريب. رجل مثل حميدتي وقد كان لو وزن كبير في السوق السياسي من خلال المال الخارجي والعلاقات في السوق الأمني والمرتزقة العابرة للحدود وخدمات أمنية قدمت في الخليج وللأوروبيين، بكل ذلك فإن قرار حميدتي في السيطرة على السلطة والحرب كان قرارا خاطئا بمقاييس الربح والخسارة، هذا بفرض أنه قراره وحده فلقد خسر حميدتي تماما مكانته ومستقبله وسيهزم تماما. وما يمكن قوله في هذا الجانب لا يسعفنا نموذج (اليكس دي وال) فيه، لكن ما ذكرني كل ذلك كما ذكرت هو خطابات مناوي حاليا.
مناوي والحركات ككل من أهم أمثلة السياسة كسوق أعمال، والرجل في كل خطاباته يفكر من خلال السوق، هو مثلا يحاول تعظيم المال السياسي من خلال الدولة والسلاح، ويحاول زيادة رأس ماله الرمزي وسمعته من خلال الاستناد على دارفور والإدعاء بأنه ممثلها، والأهم يحافظ على شبكة علاقات مع المتنافسين والاتفاق معهم على منع أي وافدين جدد للسوق، وبذلك نفهم تحالف مثل الكتلة الديمقراطية ككل كونها تحالف سياسي أشبه بكارتيل political cartel، ومفهوم الكارتيل هذا يشير لتوافق وتحالف بين متنافسين على تنظيم سوقهم الخاص وتقسيمه، ويستخدم لوصف حالات في السياسة وأحيانا في وصف كارتيلات العصابات والمهربين للمخدرات، غالب قادة تحالف الكتلة الديمقراطية هم قادة في هذا الكارتيل.
إن النظر لحركات مثل حركة مناوي كأعضاء في الكارتيل بهذه الطريقة، يقتضي من المثقفين الوطنيين والسياسيين اقتراح سياسات تغير هذا السوق هيكليا وتفك الاحتكار، فتزيد مثلا العرض فيقل الطلب، فهم بتقسيمهم للسوق يحافظون على مستوى عرض مناسب مع الطلب عليهم بما في ذلك داخل دارفور، العرض السياسي اليوم يتوسع عموما بأدوات السلاح والصوت المناطقي والوعي بخطورة احتكار السوق، كذلك من أهم سياسات التغيير الهيكلي هو فرض ثوابت مؤثرة على السوق تفرض وعيا بثوابت تمنع نماذج الدخول في التنافس من خلال المال الخارجي والحرب على الدولة.
سأتوقف هنا لأن نموذج السوق السياسي سيبدو بعد ذلك تبريريا ووصفيا وشحيح منهجيا في اقتراح سياسات من منظور وطني، وكذلك سيبدو منغلقا عن عوامل التدخل الخارجي والتأثير الآيدلوجي وأدوات التغيير الناعم.
لكن مناوي كرجل أعمال سياسي عليه أن يتواضع ويعلم أن السياسة اليوم تغيرت تماما عن نمط السوق الذي دخله بعد اتفاق أبوجا العام ٢٠٠٦م.
الشواني
هشام عثمان الشواني
إنضم لقناة النيلين على واتساب