«رأس الحكمة».. تضرب السوق السوداء في مقتل
تاريخ النشر: 25th, February 2024 GMT
المشروع الضخم يحدث توازنًا عاجلًا فى الاستثمار المباشر
الصفقة تُعيد الثقة للمواطن والمستثمر.. وتوفيرمئات آلاف فرص العمل
أحدثت صفقة مشروع رأس الحكمة آثارًا مدوية على كافة الأصعدة، منذ الإعلان عنها قبل يومين، حيث من المتوقع أن تنعش «الصفقة»زخم الاستثمار المباشر، خصوصًا مع دخول شركات كبرى وصناديق استثمار لها سمعة عالمية.
كما يتوقع أن تسهم «الصفقة»فى استعادة الثقة لدى المواطن والمستثمر المحلى بإمكانية تجاوز الأزمة الراهنة، عبر توفير أدوات سياسية واقتصادية مستدامة لمواجهة الأزمة الاقتصادية فى البلاد.
وتترقب الأسواق التأثيرات المباشرة لصفقة مشروع رأس الحكمة بالساحل الشمالى بالشراكة بين مصر والإمارات، التى أعلن عنها الجمعة، والتى سينتج عنها تدفقات دولارية بـ35 ملياردولار، خلال الشهرين المقبلين.
وبمجرد الإعلان عن الصفقة، تراجع سعر الدولار فى السوق الموازية بأكثر من 12 جنيهًامرة واحدة، ليلامس حاجز الخمسين جنيهًا للدولار الواحد.
وقبيل الإعلان عن الصفقة، قفزت السندات السيادية المصرية المقومة بالدولار، استحقاق 2050،حيث حققت أكبر مكاسب، إذ ارتفعت 1.1 سنت،ليجرى تداولها عند نحو 68 سنتاً،ووصلت لأعلى مستوى فى عام، وذلك يعنى ارتفاع السندات المقومة بالدولار، وانخفاض تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية، وهو ما يمكن تفسيره بانخفاض قلق المستثمرين تجاه قدرة مصر على تلبية التزاماتها الدولية.
وفور الإعلان الرسمى بين طرفى الصفقة شهدت الأسواق المالية والتجارية فى مصر بوادر انفراج للأزمة الاقتصادية التى عانت منها مصر خلال الفترة الماضية، ويتوقع خبراء الأسواق الذهب والعملة الموازية انخفاض منحنى السعر الذى كان يتصاعد خلال الفترة الماضية، انحصار الأزمة المالية وتحسن الأوضاع الاقتصادية.
وسجل سعر الذهب أمس هبوطًا حادًّا جديدًا بمنتصف التعاملات، وانخفض الجرام
200 جنيه،مقارنة بمستواه فى بداية التعاملات، بسبب تداعيات انخفاض سعر الدولار فى السوق الموازية، بعد إعلان تفاصيل صفقة تطوير مدينة رأس الحكمة، واقتراب ضخ نحو 35 ملياردولار فى السوق المصرية.
وكان سعر جرام الذهب خسر 85 جنيهًامع بداية التعاملات ليصبح مجموع ما فقده حتى منتصف تعاملات السبت 285 جنيهاً،بالإضافة إلى نحو 165 جنيهًاخسرها من قيمته مساء الجمعة بعد الإعلان عن صفقة مشروع رأس الحكمة بالساحل الشمالى بالشراكة بين مصر والإمارات، وتراجع سعر الدولار فى السوق الموازية.
وفيما يتعلق بالالتزامات الدولية، فستساهم الصفقة فى خفض الدين الخارجى لمصر بنحو 11 ملياردولار مسجلة لدى البنك المركزى المصرى كودائع للإمارات، حيث شمل الاتفاق أن يتم تحويل هذه الودائع إلى أموال بالجنيه المصرى يتم ضخها لتنفيذ المشروع.
الصفقة الكبرى ستساهم فى تخفيف حدة الضغوط على طلب الدولار، وبالتالى تقليص سعر الدولار فى السوق الموازية، كما ويتوقع أن يشهد مزيداً من التراجع خلال الأيام المقبلة، بما يسمح للبنك المركزى بخفض «متواضعنسبياً» لسعر الجنيه الرسمى، مما قد يسهل التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولى، لزيادة برنامج التمويل الموقع فى ديسمبر 2022 لأكثرمن 3 مليارات دولار، ويتوقع أن تبلغ القيمة الجديدة ما بين 7 إلى 10 مليارات دولار.
كما يتوقع أن يتراجع أيضاً سعر الذهب فى مصر، فى حال استمر تراجع الدولار فى السوق الموازية، إضافة إلى أن توافر الدولار فى البنوك لسداد الالتزامات والتوصل لاتفاق مع صندوق النقد، سيسهم فى تخفيف أزمة تكدس شحنات البضائع فى الموانئ المصرية، ما ينتج عنه زيادة المعروض من السلع فى الأسواق وكبح التضخم والسيطرة على ارتفاع الأسعار.
وكان الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، شهد الجمعة، بمقر مجلس الوزراء فى العاصمة الإدارية الجديدة، فعاليات توقيع شراكة استثمارية كبرى مع دولة الإمارات من خلال ذراعها شركة أبوظبى القابضة فى مدينة رأس الحكمة لتنمية الساحل الشمالى.
وأوضح مدبولى تفاصيل الصفقة بضخ الإمارات 35 ملياردولار خلال شهرين منها 15 ملياردولار تستحق خلال أسبوع واحد، و20 ملياردولار مستحقة خلال شهرين.
تضمنت الصفقة، بحسب رئيس الوزراء، تحويل الإمارات 11 ملياردولار ودائع لها لدى البنك المركزى إلى استثمارات مباشرة فى المشروع منها 5 ملياراتدولار من الدفعة الأولى و6 مليارات دولار من الدفعة الثانية، أى حجم التدفقات المباشرة الجديدة ستكون 24 ملياردولار بعد خصم الودائع.
وتكمن الأهمية الأكبر للصفقة فى توفير سيولة دولارية تمكن الدولة المصرية من سد الفجوة الدولارية والتى تقدرها الحكومة بنحو 30 ملياردولار خلال السنوات المقبلة، بما يمكن الدولة من القضاء على السوق الموازية بصورة سريعة وإعادة الاستقرار لسعر الصرف مرة أخرى، مما يعود بالتعاملات إلى القطاع الرسمى مرة أخرى وسيضطر المضاربون على الدولار للتنازل عنه فى حال توفر السيولة الدولارية فى البنوك بشكل كافٍ لتلبية كافة المتطلبات الأساسية.
ومن المتوفع أيضاً أن تعود تعاملات العاملين فى الخارج مرة أخرى، وهى من أهم المصادر الدولارية التى فقدها الاقتصاد الرسمى خلال الفترة الأخيرة، مما يعيد جزءاً كبيراً من الدولار إلى المنظومة الرسمية مرة أخرى، وبالتالى من المتوقع تراجع الدولار إلى تحت حاجز 40 جنيهاًفى المراحل الأولى.
ومن النقاط المهمة أيضاً استخدام إيرادات الصفقة فى تخفيض جزء من الدين الخارجى لمصر فى صورة عملة محلية وليس أجنبية وهو الودائع الإماراتية البالغة 11 ملياردولار، ومع انخفاض الدين الخارجى وزيادة قدرة الاقتصاد على السداد مما يساهم فى تحسين التصنيف الائتمانى مرة أخرى لمصر، ويمكنها من العودة لأسواق الدين العالمية مرة أخرى فى حال الحاجة لأى اقتراض مستقبلى.
تجدر الإشارة إلى أن مصر لم تشهد منذ بدء ما يسمى بعمليات جذب الاستثمارات الأجنبية والبحث عن طرق مبتكرة لجذبها، صفقة مشاركة بين القاهرة وأبوظبى، والتى تعود على مصر بنسبة تجاوزت الـ30٪من الأرباح السنوية.
أخيراً.. هذه الصفقة الكبرى ستساهم فى تنشيط المصانع المحلية للدعم اللوجيستى والخدمات المتخصصة، وتوفير ملايين فرص العمل خلال مرحلة عمل المشروع وحتى بعد انتهائه، إضافة إلى تحقيق طفرة عمرانية وتنموية وعقارية وسياحية على أرض الساحل الشمالى غير مسبوقة.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: رأس الحكمة انهيار الدولار انخفاض اسعار الذهب محمود زاهر صفقة القرن الساحل الشمالى بيع الأصول الديون الخارجية صندوق أبوظبي السيادي جنیه ا
إقرأ أيضاً:
مناوي والحركات ككل من أهم أمثلة السياسة كسوق أعمال
بجانب ما ذكرته وبالتعليق على حديث مناوي تذكرت شخصية الأكاديمي البريطاني (أليكس دي وال)، لدي تحفظات كثيرة تجاه هذا الباحث والكاتب وأزعم بأن الزمن ومزيد من المراجعة كفيل بتوضيحها أكثر، لكن لا ضير من الحديث اليوم.
(أليكس دي وال) من نوع من يسمونهم بالمتخصصين حول السودان والقرن الأفريقي، وله كتابات عديدة وأوراق حول السودان، وتحفظي على شخصية اليكس ينطلق عموما من التحفظ على شخصية الخبير الذي يقترح السياسات، وقتها يتحول هذا الخبير من أكاديمي ليقدم كمختص خبير للجهات الفاعلة والمؤثرة، يصبح سياسيا وخادما مخلصا للمشغل، ستظهر انحيازاته المزعجة وقصور نماذجه أكثر. لكن (أليكس دي وال) له طرح معقول جزئيا كنموذج تفسيري للسياسة عموما، وللسياسة في السودان والقرن الأفريقي، خصوصا حين يوظف لفهم سلوك التنظيمات والشخصيات.
طرحه من خلال نمذجة السياسة كسوق أعمال، والسياسيون من خلال هذا السوق يظهرون من خلال كونهم رواد أعمال أو رجال أعمال، أو موظفون أو مدراء تنفيذيون وغيرها، وهذا السوق يتضمن تبادلا نقديا لعملة سياسية، ولحركة مال سياسي، وفي هذا السوق يكون لقرار الشخص رائد الأعمال قيمة وتأثير، وإذا أخطأ في توقع السوق ودخل مغامرة كبيرة وخسر، فهو سيدفع نتيجة هذا الفعل ويتراجع بشدة في السوق.
هذا شرح مختصر وبسيط طبعا لطرح الباحث وهو نموذج وصفي وتفسيري وفي ظني لا يمكن وصفه بالاقتصاد السياسي بالمعنى الاجتماعي، لكنه أقرب لنماذج إدارة الأعمال لوصف السياسات في المدى القريب. رجل مثل حميدتي وقد كان لو وزن كبير في السوق السياسي من خلال المال الخارجي والعلاقات في السوق الأمني والمرتزقة العابرة للحدود وخدمات أمنية قدمت في الخليج وللأوروبيين، بكل ذلك فإن قرار حميدتي في السيطرة على السلطة والحرب كان قرارا خاطئا بمقاييس الربح والخسارة، هذا بفرض أنه قراره وحده فلقد خسر حميدتي تماما مكانته ومستقبله وسيهزم تماما. وما يمكن قوله في هذا الجانب لا يسعفنا نموذج (اليكس دي وال) فيه، لكن ما ذكرني كل ذلك كما ذكرت هو خطابات مناوي حاليا.
مناوي والحركات ككل من أهم أمثلة السياسة كسوق أعمال، والرجل في كل خطاباته يفكر من خلال السوق، هو مثلا يحاول تعظيم المال السياسي من خلال الدولة والسلاح، ويحاول زيادة رأس ماله الرمزي وسمعته من خلال الاستناد على دارفور والإدعاء بأنه ممثلها، والأهم يحافظ على شبكة علاقات مع المتنافسين والاتفاق معهم على منع أي وافدين جدد للسوق، وبذلك نفهم تحالف مثل الكتلة الديمقراطية ككل كونها تحالف سياسي أشبه بكارتيل political cartel، ومفهوم الكارتيل هذا يشير لتوافق وتحالف بين متنافسين على تنظيم سوقهم الخاص وتقسيمه، ويستخدم لوصف حالات في السياسة وأحيانا في وصف كارتيلات العصابات والمهربين للمخدرات، غالب قادة تحالف الكتلة الديمقراطية هم قادة في هذا الكارتيل.
إن النظر لحركات مثل حركة مناوي كأعضاء في الكارتيل بهذه الطريقة، يقتضي من المثقفين الوطنيين والسياسيين اقتراح سياسات تغير هذا السوق هيكليا وتفك الاحتكار، فتزيد مثلا العرض فيقل الطلب، فهم بتقسيمهم للسوق يحافظون على مستوى عرض مناسب مع الطلب عليهم بما في ذلك داخل دارفور، العرض السياسي اليوم يتوسع عموما بأدوات السلاح والصوت المناطقي والوعي بخطورة احتكار السوق، كذلك من أهم سياسات التغيير الهيكلي هو فرض ثوابت مؤثرة على السوق تفرض وعيا بثوابت تمنع نماذج الدخول في التنافس من خلال المال الخارجي والحرب على الدولة.
سأتوقف هنا لأن نموذج السوق السياسي سيبدو بعد ذلك تبريريا ووصفيا وشحيح منهجيا في اقتراح سياسات من منظور وطني، وكذلك سيبدو منغلقا عن عوامل التدخل الخارجي والتأثير الآيدلوجي وأدوات التغيير الناعم.
لكن مناوي كرجل أعمال سياسي عليه أن يتواضع ويعلم أن السياسة اليوم تغيرت تماما عن نمط السوق الذي دخله بعد اتفاق أبوجا العام ٢٠٠٦م.
الشواني
هشام عثمان الشواني
إنضم لقناة النيلين على واتساب