موقع النيلين:
2025-04-06@10:52:18 GMT

أمريكا «الحائرة» المحيّرة

تاريخ النشر: 25th, February 2024 GMT


معظم الأزمات العالمية جعلت العالم، عالميْن، بما في ذلك الحربان العالميتان الأولى والثانية، ولكن الحرب الإسرائيلية على غزة قسّمته إلى 3 فرق غير متكافئة لا في الحجم ولا في القوة والتأثير، إسرائيل تمثل وحدها فريقاً، يقتل ويهدد ويتوعد كثيراً، يرى قليلاً، يفتح عينيه على ما يريد رؤيته ويغلق عقله أمام ما لا يريد استيعابه، لا يسمع أبداً ولا يكترث بما يقوله العالم ولا بما تطالب به الحكومات ولا بما تثور وتتظاهر لأجله الشعوب.

الفريق الثاني يمثل أغلبية العالم، يحذر ليل نهار من عواقب استمرار الحرب، يرى ما ترتكبه القوات الإسرائيلية في قطاع غزة من إبادة جماعية وتطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية؛ وبين هذين الفريقين يقف الفريق الثالث حائراً ومحيّراً، يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول، تمثله الولايات المتحدة وقليل من حلفائها الأوروبيين الذين يخشون الخروج من تحت عباءتها ومن التجرؤ على إسرائيل، يرددون ما يقوله سيد البيت الأبيض وإدارته، يغيّرون في المصطلحات ويلتزمون بالمضمون، ليس لديهم أية نوايا للخروج على النص الأمريكي الإسرائيلي. في السابع من أكتوبر الماضي كان الوضع مختلفاً.

بعض دول العالم دانت هجوم حماس وأيّدت «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها» ولكنه الحق الذي تحوّل إلى باطل بعد أن تجاوز المعقول، وانتهج طريق الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، واستهدف التطهير العرقي للأرض من أهلها، وارتكب من الجرائم في حق المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ ما أثار الغضب عالمياً، وحرّك الجماهير في الكثير من الدول تنديداً بالحرب، وللشهر الخامس تواصل إسرائيل حربها الظالمة، والتي لم تعد حرباً على غزة فقط ولكنها أصبحت حرباً على كل مدافع عن حق الشعب الفلسطيني، وكل متصدٍ لمحاولات التهجير القسري لأهل غزة، وكل رافض للاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين، وكل مطالب برفع الحصار وإدخال المساعدات، وكل منتقد للخطاب الإسرائيلي المتطرف، يتساوى في ذلك لو كان رئيس دولة أو زعيماً سياسياً أو شخصية عامة أو مسؤولاً أممياً، وأمام ذلك كان من الطبيعي أن تتبدل مواقف دول وتنتقل من الدفاع عن إسرائيل إلى الدفاع عن الحق الفلسطيني، ليزداد عدد الدول المنضمة للفريق الرافض للحرب والمدرك أنها تجاوزت المدى ظلماً وعبثية، ويتضاءل الفريق التائه بين التزامه الانحياز الأعمى لإسرائيل وبين يقينه أنها حرب تهدد الاستقرار العالمي.

كثير من الدول تمردت على الموقف الأمريكي، وأمريكا نفسها توحي للعالم أنها تريد أن تتمرد على التزاماتها تجاه إسرائيل التي أصبحت مثل الثور الهائج الذي يضرب في كل الاتجاهات ويتجاوز كل القوانين الدولية والإنسانية، ولكن واشنطن تعجز عن فعل قناعاتها، فهي اليوم تقف في منطقة ضبابية الرؤى، تصدر للعالم صورة الدولة الحائرة، ولكن الحقيقة أنها المحيّرة بين ما تراه صحيحاً وما تفرضه عليها إسرائيل، بعد أن انقلب الوضع وفلت زمام إسرائيل وخرجت عن السيطرة الأمريكية والعالمية، وهو ما فضح ازدواجية أمريكا التي تطالب بإدخال المساعدات من دون شروط وتتلقى وعوداً من الحكومة الإسرائيلية بذلك ولكن بلا تنفيذ، تتوافق مع الوسيطين المصري والقطري وبوجود إسرائيلي على هدن تبادل أسرى ووقف إطلاق النار ولكن عندما يعرض المفاوضون الإسرائيليون الأمر على نتنياهو يرفض، تتوقف المفاوضات وتعود مراراً من دون قرار.

بايدن وبلينكن وغيرهما يعلنون رفضهم اقتحام رفح ثم يعودون ويرضخون للضغط الإسرائيلي ويهادنون ويوافقون شريطة حماية المدنيين، فضلاً عن الخلافات الإسرائيلية الأمريكية بشأن إقامة الدولة الفلسطينية وبشأن اليوم التالي للحرب وحماية المدنيين، وتفاصيل كثيرة تؤكد أن أمريكا أصبحت عاجزة عن لجم جموح نتنياهو والحد من شره اليمين الإسرائيلي المتطرف.

شظايا الصواريخ الأمريكية التي قتلت عشرات الآلاف من الأطفال والنساء الفلسطينيين وعجزت عن الاقتراب من قادة حماس، لا تختلف عنها شظايا التصريحات الإسرائيلية التي أصابت حلفاء وأصدقاء، وحاولت أن تقتل منظمات أممية وأن تلقي التهم جزافاً على دول تبذل كل ما تستطيع حتى لا تتوسع الحرب، وأن تنال من زعماء لأنهم قالوا «كفى قتلاً وتخريباً وتدميراً»، وخلقت أزمات دبلوماسية بين إسرائيل ودول عدة لن تكون آخرها البرازيل.

كما لم تنجُ الإدارة الأمريكية من شظايا تصريحات وزراء متطرفين في الحكومة الإسرائيلية، فضلاً عن الصورة التي ظهر بها سيد البيت الأبيض وفريقه وهو يصرح اليوم بعكس ما طالب به بالأمس، ليبدو أمام الرأي العام الأمريكي والعالمي مهزوزاً لا تليق به قيادة العالم، وزاد من ذلك التناقض الصارخ بين أقواله وأفعاله، مطالباته ومساعيه ووساطته، وفي ذات الوقت تزويده إسرائيل بكل ما تطلبه وما لا تطلبه من أسلحة لتواصل بها قتل الفلسطينيين، وكأنه لم يكفه إحباطه لأي قرار في مجلس الأمن لوقف الحرب باستخدامه المتواصل ل«الفيتو» الذي أفقد مجلس الأمن سلطته وجعله عاجزاً عن حماية الأمن العالمي.

الموقف الأمريكي محيّر لأي متابع، نموذج فاضح للعجز الأمريكي أمام التعنت الإسرائيلي، كاشف عن أن أمريكا أصبحت مهزوزة القرار، ضبابية الرؤية تجاه ما يحدث في غزة وفي غير غزة.

محمود حسونة – صحيفة الخليج

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

الكابوس الأمريكي

حاتم الطائي

 

ترامب يمارس سياسات شريرة تجاه الجميع لتحقيق مآربه الخاصة

الحرب التجارية العالمية تُلحق الأذى بجميع الاقتصادات

أمريكا مُقبلة على كساد اقتصادي بسبب السياسات اليمينية المُتطرفة

 

المُتَتبِّع للسياسات الأمريكية منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيض الأبيض في ولاية رئاسية ثانية، يُدرك حتمًا أن ترامب يُناور الجميع وفق سياسة "حافة الهاوية"؛ بل وربما يُمارس أسلوب "الإيهام بالغرق" سيئ السُمعة، الذي تتبناه وكالات الاستخبارات الأمريكية وعلى رأسها وكالة "سي آي إيه"، كأسلوب للتعذيب عبر إيهام ضحاياهم بأنَّهم يغرقون؛ بهدف انتزاع أي اعتراف يريدونه!!

ترامب يسير وفق هذه الأساليب المقيتة؛ حيث يضغط على جميع الأطراف لانتزاع ما يشاء من مطالب أو مكاسب، يظن أنها حقٌ لبلاده، في حين أنها لا تعدو سوى أساليب للاحتيال ونهب الأوطان وسرقة خيراتها؛ فتارةً يُريد الاستيلاء على قطاع غزة وطرد أهله وأصحاب الأرض الحقيقيين، لإقامة "ريفييرا الشرق الأوسط" وتنفيذ مخطط عقاري يجني من خلاله ملايين الدولارات. وتارة أخرى يسعى لتغيير اسم "خليج المكسيك" ليكون "خليج أمريكا"، في انتهاك صارخ وغير مسبوق لقواعد القانون الدولي. وبينما يُعلن عن تطلعه لأن تكون كندا هي الولاية الأمريكية رقم 51، يُريد كذلك أن يستولي على جزيرة جرينلاند الدينماركية، في مساعٍ وقحة لممارسة القرصنة الدولية في أنحاء العالم. ولم يكتف ترامب بذلك؛ بل أهان رئيس دولة في عقر البيت الأبيض، وتصرف بأسلوب استعلائي لا مثيل له ضد الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، ووصل به الأمر أن حَطَّ من كرامته على الهواء مُباشرةً، في تصرف غير دبلوماسي ويتعارض مع أي بروتوكول، أو أعراف دبلوماسية.

وبات من المُؤكد أنَّ هذه هي طريقة وأسلوب تعاطي الرئيس الأمريكي مع الجميع، القريب والبعيد، ولا أدل على ذلك من الحرب التجارية العالمية التي شنَّها قبل أيام، بعدما أعلن عن فرض رسوم جمركية على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة، بنسب تبدأ من 10% وتصل حتى 45% على بعض البلدان، في خطوة متهورة لا تعكس أي نوع من التخطيط الاقتصادي ولا الرؤية الواعية للتحديات الماثلة في الاقتصاد العالمي، وتُبرهن كذلك على أن ترامب- الملياردير وملك العقارات الشهير- يُدير أكبر اقتصاد في العالم كما كان يُدير أعماله الخاصة؛ إذ لا ينظر سوى إلى المكاسب التي يُريدها، ولا تعنيه أبدًا التداعيات الكارثية التي ستصيب الآخرين. لكن من المفارقات العجيبة أنَّ هذا الرئيس وإدارته اليمينية لا يعيان الفارق بين "منظمة ترامب" والاقتصاد الأمريكي؛ فالأولى مجموعة شركات خاصة لا يضُرها إذا خسر الخصوم، بل من مصلحتها إلحاق الأذى والخسائر بأي خصم، في حين أن الاقتصاد الأمريكي الذي تتجاوز قيمته 30 تريليون دولار، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد العالمي، وأي هزة تلحق به تُزلزل العالم. ولذلك جاءت النتائج كارثية عقب قرار فرض الرسوم الجمركية على جميع دول العالم؛ حيث فقدت أسواق الأسهم الأمريكية (وول ستريت) حوالي 5.4 تريليون دولار من قيمتها السوقية خلال يومين فقط، بينما تكبدت الشركات الأمريكية خسائر تجاوزت 2 تريليون دولار بسبب انخفاض قيمة الأسهم، وخسر أغنى 500 شخص في العالم أكثر من 536 مليار دولار خلال يومين؛ نتيجة لتأثير هذه القرارات على الأسواق المالية.

لذلك من المؤكد أنَّ سياسات ترامب المجنونة ستقود اقتصاد أمريكا نحو الانكماش في ظل رسوم جمركية هي بمثابة إعلان حرب تجارية على كل دول العالم، وتعكس سياسات اقتصادية قصيرة النظر لا تضع في الحسبان ما سيواجهه المستهلك الأمريكي من صعوبات وتحديات تتمثل في ارتفاع الأسعار وتراجع عمليات الشحن والتوريد إلى السوق الأمريكية، لا سيما من الدول التي تعرضت لرسوم مرتفعة مثل الصين، حتى حلفاء أمريكا من جميع أنحاء العالم سيتعرضون لأزمات عنيفة بسبب هذه القرارات. وخلال الأيام المقبلة ستشهد الأسواق ارتفاعات كبيرة في أسعار السلع، وسيدفعها المستهلك الأمريكي، وربما ينعكس ذلك على بقية أسواق العالم.

لم يدرك ترامب- ولا مستشاروه- أن الكساد سيعصف بالاقتصاد الأمريكي خلال شهور قليلة، وستواجه المصانع تحديات حادة في توفير المواد الخام التي تستوردها من الخارج، وباتت الآن خاضعة لرسوم جمركية باهظة. وأي كساد في الاقتصاد الأمريكي سيُلحق الضرر بالاقتصادات الأخرى المتشابكة.

من المؤسف أنَّ الدولة التي كانت أكبر الداعمين لحرية التجارة وحركة السلع وازدهار الأسواق، باتت الآن الأشد إضرارًا بالتجارة العالمية، وذلك بالتوازي مع قرار ترامب كذلك بتجميد المساهمة المالية لأمريكا في منظمة التجارة العالمية، والتهديد بالانسحاب منها. أضف إلى ذلك أن هذه القرارات وضعت اتفاقيات التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والعديد من دول العالم في مهب الريح، ولا يُعلم ما إذا كانت ستظل هذه الاتفاقيات ذات جدوى أم لا؟!

يتوازى مع هذا الجنون التجاري، تأجيج ترامب لحدة الصراعات في العالم، تارة باسم دعم المنظمات الانفصالية وزعزعة الاستقرار في المناطق الآمنة لا سيما في شرق آسيا، وتارة أخرى بإبداء التخلي الكامل عن أوكرانيا- ومن ورائها أوروبا- في مواجهة الدب الروسي الذي لن يتردد في مواصلة تقدمه العسكري في أوكرانيا ما لم يتحقق لساكن الكرملين ما يُريد.

علاوة على التصريحات المختلفة لترامب وتوعُّده إيران بضرب مفاعلاتها النووية إذا لم تستجب طهران للضغوط الأمريكية وتُذعِن لمطالب واشنطن بتفكيك برنامجها للطاقة النووية، رغم أنَّه برنامج لأهداف مدنية وليس عسكرية. ولا أدل على ذلك من الحشود العسكرية المتزايدة في الشرق الأوسط، والقصف المتواصل لليمن بسبب مواقفه البطولية من العدوان الهمجي على غزة، والمذابح التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني الأعزل وسط صمت إقليمي ودولي غير مسبوق.

أمريكا تعيش اليوم كابوسًا لن تخرج منه كما كانت، هذا الكابوس يُشعل نيرانه رئيس يميني لم يكتف بكونه شعبويًا، لكنه أيضًا أصبح يمينيًا مُتطرفًا، يُغذي مشاعر الكراهية ويدعم السياسات التحريضية ضد حرية التعبير التي كانت عمود الخيمة في النظام السياسي الأمريكي، ويُلاحق أصحاب العقول النابغة من طلبة العلم الذين وفدوا إلى أمريكا لتلقي العلم، ما يُمهِّد لموجة من الهجرة العكسية للعقول من أمريكا إلى أوطانها أو إلى بلدان أخرى، بعدما أصبحت أمريكا أرضًا غير مُرحِّبة بالأجانب. بجانب ما نرصده من تغول عنيف لليمين المُتطرِّف في أمريكا، كان آخرها التحريض على عزل رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي بزعم عدم ولائه لترامب!

اليوم.. صورة أمريكا في العالم تنهار فعليًا ليس على مستوى الشعوب، ولكن على مستوى الحكومات كذلك، وبينما يزعم ترامب أنه يسعى لاستعادة أمجاد أمريكا، نجده في حقيقة الأمر يُمعن في تدميرها من الداخل.

الحقيقة التي نراها الآن أن أمريكا لم تكن يومًا صاحبة أمجاد حضارية فعلية؛ بل كانت حقل تجارب للتكنولوجيا المتطورة ومصنعًا للعديد من التقنيات الحديثة، لكنها للأسف تم استخدامها جميعًا في تدمير البشرية لا إعمارها، حتى الذكاء الاصطناعي يُستخدم في القتل والإبادة، وغزة خير شاهد ودليل.

ويبقى القول.. إنَّ الكابوس الأمريكي الجاثم على عالمنا اليوم يجب أن ينتهي وأن يستفيق العالم من سُباته، وينهض من أجل وضع حدٍ لما يجري في العالم من فوضى تقودها الولايات المتحدة ورئيسها، وعلينا جميعًا أن نسعى لإرساء السلام في العالم، فما يُتَخذ من سياسات لن يؤدي سوى لمزيد من الحروب؛ بل والحروب العالمية، ولا سبيل لمُواجهتها سوى بالتكاتف وبناء جبهات للسلام والاستقرار والدبلوماسية الرصينة، التي تخدم مصالح أكثر من 8 مليارات نسمة حول العالم، وليس نظامًا أو فئة يمينية مُتطرفة.

رابط مختصر

مقالات مشابهة

  • من هي ابتهال أبو السعد التي فضحت عملاق التكنولوجيا في العالم؟
  • الكابوس الأمريكي
  • برلماني: إسرائيل أصبحت تضرب بعرض الحائط كل الدعوات لوقف التصعيد
  • زيزو صفقة القرن الحائرة بين الأهلى والزمالك
  • عاجل | السيد القائد: العدو الإسرائيلي استأنف الإجرام منذ أكثر من نصف شهر بذات الوحشية والعدوانية التي كان عليها لمدة 15 شهرا
  • تركيا تُطالب إسرائيل بالانسحاب من سوريا.. أصبحت أكبر تهديد لأمن المنطقة
  • مصطفى بكري: لابد من موقف قوي وفاعل في مواجهة المؤامرة الإسرائيلية على سوريا
  • السعودية تدين وتستنكر الغارات الإسرائيلية التي استهدفت 5 مناطق مختلفة في سوريا
  • وزارة الخارجية: المملكة تعرب عن إدانتها واستنكارها الشديدين للغارات الإسرائيلية التي استهدفت خمس مناطق مختلفة في سوريا
  • المملكة تدين الغارات الإسرائيلية التي استهدفت 5 مناطق في سوريا