أمران نمهّد بهما مضمون هذا المقال:
الأول: إن فلسطين، بحواضرها، وبشكل خاص القدس ويافا، منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، شكلت زمانا ومكانا حاضنا للنهضة العربية الحديثة، حيث شاركت فيها بشكل مميز، فكانت ندا ثقافيا فاعلا للحواضر العربية. لقد كانت مدن نابلس وعكا حيفا والخليل حواضر ثقافية مشاركة وحاضنة للثقافة العربية، عبر الكتب والمجلات والندوات والمؤتمرات الثقافية.
الثاني: إن فلسطين التي تعرضت للاحتلال البريطاني والهجرات الصهيونية كانت أيضا حاضرة في عمق الثقافة العربية، والصحافة التي كانت بمثابة ثقافة فعلية. وبذلك فقد كانت الثقافة العربية أكبر حاضن لفلسطين قضية سياسية وثقافية. وقد تجلى ذلك بشكل مهم واستراتيجي بعد عام 1948، بعد أن تمّ وأد النهضة العربية في فلسطين بشكل لافت.
لم تقصّر الثقافة العربية ولا المثقفون العرب في الاحتفاء بفلسطين، أكان في تمكين مثقفيها وشعرائها وكتابها وفنانيها في الاندماج فيها، أو في تناول الهمّ الفلسطيني في الصحافة والأدب والتعليم المدرسي والجامعي.
وقد تواجدت فلسطين في الدراما، ومنحها ظهور التلفزيون، وبالأخص الدراما التلفزيونية مجالا حيويا.
استقصاء التاريخ الفني الدراما خصوصا، بما تشتمل من دراما مسرح وسينما ومسرح يؤشّر على وجود فلسطين الفاعل؛ ذلك أن الفترة المزدهرة المرتبطة بعقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، بسبب حالة المدّ العربية المتضامنة ليس مع فلسطين فقط، بل دول الطوق، حيث تعرضت بلاد الشام ومصر للعدوان الإسرائيلي؛ فتركزت الأعمال الفنية التي جعلت فلسطين، والصراع العربي الصهيوني موضوعا لها، في كل من مصر لما لها من دور أصلا في الإنتاج الفني، لكن مصر كانت وما زالت الحضن الحنون لفلسطين، إضافة لبلاد الشام سوريا والأردن ولبنان. ولا ننسى عديد الأفلام والمسرحيات والمسلسلات التي كان الاستعمار والاستقلال موضوعها. ثم خفت تقريبا نسبيا في عقد الثمانينات لتعود مرة أخرى مع انتفاضة الحجارة عام 1988، ولعلنا نتذكر مسرحية واقدساه المصرية العربية، والمسرحية الأردنية البلاد طلبت أهلها. لكن ولأسباب لها علاقة بمؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وما تبعه من تسويات، ومنها اتفاقية أوسلو للسلام عام 1993، جعل الموضوع الفلسطيني يتراجع، لكنه عاد في الانتفاضة الثانية عام 2000 حيث كان اوبريت الحلم العربي، واعتقد أن الحرب الصهيونية على غزة الحبيبة وعلى الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف، ستكون موضوعا قادما في الفن والأدب في العالم العربي.
إنه سؤال وطني للفلسطينيين وسؤال قومي للعرب، وهو سؤال وجودي عميق، لعله يعيد البوصلة إلى مكانها، ذلك وقد جربنا وهم التسويات السياسة، في فلسطين وغيرها من البلدان، فإن الاشتباك الثقافي والفني مع القضية الفلسطينية هو طريق الخلاص القومي فعلا، وهو منطلق التحرر من الاستعمار الاقتصادي والثقافي والعسكري، لذلك فإن ما يحصل في الحرب على غزة، أكان ذلك متمثلا بملحمة المقاومة، أو إبادة الاحتلال الصهيوني لقطاع غزة، يشكل رافعة قومية في الفن والثقافة والإعلام. إن الفن العربي الحرّ والمتنور يتضامن مع فلسطين وقضايا الأمة العربية، وأهميته أنه يقدم بأسلوب جمالي مشوق، ولا يقتصر على الشعارات والخطب. وإن البداية ستكون هنا في فلسطين، لإعادة وهج القضية إلى الأدب والفن الفلسطيني.
لم تقصّر العروبة الثقافية؛ فما زالت الأمة العربية متجانسة ومتضامنة، وهي تسعى من خلال الأفراد، والذين سيصير لهم ناظم شعبي (ورسمي مستقبلا)، انطلاقا من الوعي على أن استهداف فلسطين المستمر انما هو استهداف للأمة العربية، وعليه فسيكون دوما للمثقفين دورهم في الانتصار لقضاياهم الحقيقية، في الهوية والوحدة، لا ما تلهيهم بعض الدوائر بقضايا غير حقيقية، عبر محاكاة الفن الموصوف بالمعاصر الذي لاءم الأماكن التي خرج فيها في الغرب، لما كان من سياق وأسباب وخصوصيات تختلف عن واقعنا العربي.
عودة فلسطين إلى الثقافة العربية يكون بالمساهمة في تحريرها، وكذلك في جعلها إحدى قضايا الأمة المرتبطة فعلا بها، فلا يتحقق التحرر العربي جزئيا، من هنا يصبح الإقبال على فلسطين هو إقبال على كل بلد أيضا.
وعودة الثقافة العربية إلى فلسطين، هي عودة طبيعية، بل استئناف لما كان، كون القضية العربية، وقضية الثقافة العربية والنهضة العربية هي جميعا مندرجة في منظومة واحدة موحدة فعلا، تشكل بوصلة المصير، فليس المطلوب فقط حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني، بل مصير الأمة العربية؛ فلم يكن مثلا يوسف شاهين في فيلمه المصير قبل ثلاثة عقود، متحدثا عن الأندلس في زمن معين، ولا مصر في زمن حديث ومعاصر، بل أراد مصيرنا العربي.
إن القطرية الموغلة في التقوقع على الذات لن تنجي هذا القطر أو ذاك، كذلك فإن مد التحالفات خارج الوطن العربي ليس خلاصا. لم يكن مثلا مدّ الجسور مع الأوروبيين سياسيا في قطر عربي عزيز وغال، على حساب الرابطة العربية مخلصا، كما لم يكن التحالف خارج العروبة مخلصا أيضا.
الطريق واضح لوجود فلسطين على خارطة الثقافة العربية، وتفعيل هذا الوجود. كذلك فإن الاهتمام بالتنوير على الثقافة العربية في فلسطين المحتلة أمر مهم للأجيال هنا في فلسطين، حتى تعرف طريقها وتتجنب الاغتراب.
ثمة مقترح مهم اليوم وغدا، يساهم في استلهام الحالة الفلسطينية ثقافيا، أدبيا وفنيا، من خلال فكرة القوافل الثقافية التي يمكن أن تصل إلى رفح، تضامنا مع شعبنا في قطاع غزة، فإن ذلك بالطبع يعود للمثقفين والكتاب والفنانين في مصر المحروسة، وهو بلا شك سيعني الكثير ليس للأهل هناك، بل للشعب الفلسطيني والشعوب العربية، كونه سيكون ملهما لجمهور الثقافة العربية. إن إصغاء المثقفين المصريين والعرب الذين يمكنهم الوصول إلى حدود فلسطين، سيعني لنا وقوف الأشقاء معنا. من ناحية أخرى، وفي حال التوصل إلى وقف إطلاق النار، فإننا نتمنى أن تتوجه جموع المثقفين إلى داخل قطاع غزة، لعمل مخيم شبه دائم لأشهر، يعايش فيه المثقفون شعب فلسطين، ويخففون من آلامهم، خصوصا أن الغزيين والفلسطينيين بشكل عام هم جمهور أدبي وفني لهم.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الثقافة العربیة فی فلسطین
إقرأ أيضاً:
ذكرى رحيل أحمد خالد توفيق رائد أدب الفانتازيا والرعب العربي
تصادف اليوم ذكرى رحيل الأديب المصري أحمد خالد توفيق، أول رائد في أدب الرعب، الذي تُوفي في 2 إبريل (نيسان) 2018 عن 55 عاماً.
وخسرت الأوساط الثقافية برحيله شخصية أدبية متميزة حققت نجاحاً وحضوراً بارزاً، فقد كان يمارس نشاطه الأدبي، إلى جانب مزاولته مهنة الطب، وكان عضو هيئة التدريس واستشاري قسم أمراض الباطنة في جامعة طنطا، مسقط رأسه التي عاش فيها أغلب سنين عمره.
ولد توفيق بمدينة طنطا، في 1962 ودرس الطب وتخرج في جامعة طنطا في 1985 وحصل على الدكتوراه في طب المناطق الحارة في 1997، ثم اشتهر بكتابة أدب الشباب والخيال العلمي والفانتازيا، ولقب بـ"العراب" وكان أيضاً مترجماً.
استهل رحلته الأدبية بكتابة "سلسلة ما وراء الطبيعة"، التي حققت نجاحًا كبيرًا، واستقبالًا جميلا من الجمهور، ما دفعه لمواصلة مجال الكتابة، ثم أصدر سلسلة "فانتازيا" في 1995، و"سلسلة سفاري" في 1996، وفي 2006، سلسلة دبليو دبليو دبليو.
وكان توفيق غزير الإنتاج، ومن أشهر أعماله الروائية، رواية يوتوبيا في 2008، التي تُرجمت إلى عدة لغات، وأُعيد نشرها، صدر له رواية "السنجة" في2012، ورواية مثل إيكاروس في2015، ثم رواية "في ممر الفئران" في 2016، كما صدرت له روايات أخرى مثل "قصاصات قابلة للحرق"، و"عقل بلا جسد" و"الآن نفتح الصندوق" التي تكونت من 3 أجزاء.
وكتب توفيق في الصحافة العديد من المقالات الدورية وتحديدا في مجلة الشباب لمؤسسة الأهرام، وفي جريدة التحرير وفي مجلّات وصحف أخرى منها صحيفة الاتحاد الإماراتية، أما على صعيد الترجمة فنشر سلسلة "رجفة الخوف"، التي تضمنت روايات رعب مُترجمة، كما ترجم رواية "نادي القتال" للكاتب تشاك بولانيك، ورواية "ديرمافوريا" و "عداء الطائرة الورقية " و" تشي جيفارا: سيرة مصورة"، وله أيضا بعض الكتابات الشعرية.
كما كتب القصة القصيرة، ونال جائزة عزوز العربية لأدب الطفل في 2018، عن قصته الميرانتي أميرالبحار. وتحولت العديد من أعماله لمسلسلات تلفزيونية، واشتهر بمقالاته الساخرة،
وكان أحمد خالد توفيق رائداً متميزاً في نتاجه الأدبي، فقد كتب "قصة تكملها أنت: قصة رعب تفاعلية" بمشاركة 4 مؤلفين شباب هم قراء محبون للأدب وليسوا كتابًا محترفين، في 2007 عن دار ليلى، وصدرت له روايات مصورة كوميكس، وفي 2017 صدر له كتاب "اللغز وراء السطور" أحاديث من مطبخ الكتابة: عن دار الشروق، حاول فيه فك لغز الكتابة بأسلوبه الساخر والممتع، حيث قدم وصفة سحرية من عصارة تجاربه ومن تجارب كبار الأدباء، في تجربة مفيدة وممتعة للقارئ والمؤلف معًا.
وانعكست مهنته طبيباً وأستاذاً جامعياً على سلاسل قصصه، ففي "ما وراء الطبيعة" البطل رفعت إسماعيل أستاذ جامعي لأمراض الدم، وفي سلسلة "سافاري"، يروي العراب مغامرات الطبيب الشاب علاء عبد العظيم في وحدة طبية دولية في الكاميرون، ليعالج المرضى من أوبئة القارة السمراء، وقد استفاد العراب من خبراته كأستاذ جامعي حاصل على درجة الدكتوراة في طب المناطق الحارة، ليبدع لنا عشرات القصص المختلفة عن المرض والأوبئة في أفريقيا عبر قصص "سافاري".