دُعيتُ قبل عدّة أشهر إلى حضور ملتقى هندسي تنظّمه شركة تنمية نفط عُمان، وعُرضتْ في هذا الملتقى مجموعة من الدراسات التي تهتم بالشأن الهندسي والصناعي من حيث التحديات والحلول، وجذب انتباهي نقاش عن الطاقة الخضراء وحلول الذكاء الاصطناعي في تحسين عمليات الإنتاج والتشغيل في هذا النوع من الطاقة الذي يراد به الطاقة المتجددة منعدمة -أو قليلة- الانبعاثات الكربونية الضارة بالبيئة، وأحد أنواع هذه الطاقة ما تُعرف بالهيدروجين الأخضر الذي نحتاج إلى تفسير آلية إنتاجه واستعماله والتحديات التي تواجه عمليات إنتاجه وتشغيله والحلول التي تشمل الحلول الرقمية الذكية مثل الذكاء الاصطناعي.

نتطرق أولا إلى عرض بعض أهم استعمالات الهيدروجين الأخضر في حياتنا منها: في مجال النقل؛ حيث يمكن استعماله وقودا للسيارات والشاحنات والقطارات والسفن وحتى الطائرات التي تعمل بخلايا الوقود الهيدروجينية، كما يُستعمل كذلك في قطاع الصناعة مثل عمليات تكرير النفط، وإنتاج الأمونيا للأسمدة، ويُعتبر مادة خاما في صناعة الكيماويات، كما يمكن استعمال الهيدروجين وسيلةً لتخزين الطاقة خصوصا من مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والشمس، وفي محطات توليد الكهرباء سواء أكان بشكل مباشر أم دعما للوقود الأحفوري وإنتاجه.

بجانب معرفتنا بالاستعمالات العامة للهيدروجين، نحتاج إلى لفت الانتباه إلى ما يخص أنواع الهيدروجين المتعلق بالطاقة؛ فهناك الهيدروجين الأخضر والأزرق والرمادي، والاختلاف فيما بين هذه الأنواع يكمن في آلية الإنتاج ومستوى التأثيرات البيئية. نأتي أولا إلى تفسير الهيدروجين الأخضر الذي يُنتج بطريقة صديقة للبيئة عبر استعمال مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح عن طريق تحليل الماء (H2O) إلى هيدروجين (H2) وأكسجين (O2) بواسطة عملية تسمى التحليل الكهربائي، وهذا ما يجعل الهيدروجين الأخضر مختلفا عن آليات إنتاج الهيدروجين التقليدية التي تعتمد على الوقود الأحفوري التي تنتج الغازات الضارة، ويكون حينها الهدف من استعمال الهيدروجين الأخضر هو المساهمة في حماية البيئة، وتقليل الانبعاثات الضارة. أما الهيدروجين الأزرق فيمكن تعريفه بأنه نوع من الهيدروجين يُنتج عبر وسائل مرتبطة بمصادر الوقود الأحفوري مثل الغاز الطبيعي باستعمال تقنية استقبال ثاني أكسيد الكربون وتخزينه «Carbon Capture and Storage Systems» (CCS) لتقليل الانبعاثات الضارة التي لا يمكن التخلص منها بشكل كامل مثلما يحدث مع الهيدروجين الأخضر؛ فتشمل عملية الإنتاج إعادة تكوين البخار المحفز (Steam Methane Reforming - SMR)؛ حيث يتفاعل الغاز الطبيعي مع البخار الساخن لإنتاج الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون؛ إذ يُستقبل ثاني أكسيد الكربون الناتج ويُخزّن بدلاً من إطلاقه في الجو والتخلص منه؛ مما يقلل من التأثير البيئي الذي يمكن أن تحدثه هذه الغازات المنبعثة، بهذه الطريقة، يُعدّ الهيدروجين الأزرق خيارًا أكثر استدامة مقارنة بالهيدروجين الرمادي الذي يُنتج من الوقود الأحفوري دون تقنيات (CCS)، لكنه يظل أقل صداقة للبيئة من الهيدروجين الأخضر الذي يُنتج من مصادر الطاقة المتجددة. النوع الثالث هو ما يُعرف بالهيدروجين الرمادي الذي يمكن إنتاجه من الوقود الأحفوري وخصوصا من الغاز الطبيعي عبر عملية تسمى إعادة تكوين البخار المحفز (SMR)؛ ففي هذه العملية، يتفاعل الغاز الطبيعي مع البخار تحت درجات حرارة عالية لإنتاج الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون.

ما يُميّزالهيدروجين الرمادي -المَيزة من حيث تكلفة الإنتاج- هو أنه لا يحتاج إلى عمليات استقبال لثاني أكسيد الكربون الناتج وتخزينه مثلما يحدث في إنتاج الهيدروجين الأزرق؛ مما يؤدي إلى انبعاثات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون؛ فيجعله أقل استدامة في الجانب البيئي مقارنة بالهيدروجين الأخضر -الذي يُنتج من مصادر الطاقة المتجددة- أو الهيدروجين الأزرق -الذي يشمل عملية استقبال ثاني أكسيد الكربون وتخزينه-؛ ويعتبر حينها الهيدروجين الرمادي الأكثر شيوعا بسبب انخفاض تكلفة إنتاجه، لكنه يُعدُّ الأقل فائدة بسبب التأثير البيئي بسبب الانبعاثات الغازية الضارة المرتبطة بإنتاجه. ويمكن أن نستنتج عبر هذه المقارنة المختصرة للأنواع الثلاثة أن الهيدروجين الأخضر يُمَثِّلُ الخيارَ الأفضل للطاقة من حيث فوائده للبيئة؛ إلا أن تكلفة إنتاجه العالية تجعل منه خيارا منبوذا من قبل المستثمرين في قطاع الطاقة، ويأتي الهيدروجين الأزرق بعد الأخضر من حيثُ فوائده للبيئة بسبب أساليب الإنتاج التي تحاول تقليل الانبعاثات الضارة، وتكلفة إنتاجه أقل قليلا عن النوع الأخضر، في حين يكون الهيدروجين الرمادي أسوأ الخيارات بسبب عملية إنتاجه المرتبطة بالانبعاثات الضارة بالبيئة، في حين أن تكلفة إنتاجه الأقل من الأنواع الأخرى تجعله خيارا مفضلا عند منتجي الطاقة ومشغليها، ويُعدّ حينها أكثر الأنواع إنتاجا حتى وقتنا؛ فوفقا لدراسة نشرتها مجلة «Process Safety and Environmental Protection» عام 2023م ذكرت أن تكلفة 1 كيلو جرام من الهيدروجين المُنتج بواسطة الطاقة المتجددة تصل إلى قرب 23 دولارًا -وفقا لمصادر أخرى أن التكلفة تبدأ من 5 دولار للكيلو جرام التي تُعدّ أيضا مكلفة مقارنة بالأنواع الأخرى-، بينما يكلّف الهيدروجين المنتج بواسطة الوقود الأحفوري أقل من 2 دولار.

تكلفة أقل وجودة أعلى

يتضح عبر هذه المقارنة السريعة وجود التحديات الفنية التي تعيق تقليل تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر، وهناك عدد من الدراسات التي حاولت أن تجد حلولا لتقليل تكلفة إنتاج هذا النوع من الطاقة لفوائده الكبيرة ومستقبله الواعد في مواجهة الأزمة البيئية بسبب انبعاثات الطاقة الأحفورية الضارة؛ فوفقا لورقة علمية نشرتها مجلة «International Journal of Hydrogen Energy» التابعة لمجموعة «Elesvier» في عام 2021م ذكرت أن تكنولوجيا جديدة طُورت في غرب كندا تملك القدرة على جعل الهيدروجين المستخرج من الوقود الأحفوري خاليًا من الكربون، وأن هذه التكنولوجيا الجديدة لاستخراج الهيدروجين من رمال النفط -البيتومين الطبيعي- وحقول النفط التقليدية بتكلفة منخفضة وبدون انبعاثات كربونية قامت شركة (Proton Technologies Canada Inc) بتجربتها، وأُطلق مصطلح «الهيدروجين المائي» للإشارة إلى إنتاج الهيدروجين الخالي من الكربون من الطاقة الأحفورية عبر هذه التكنولوجيا الجديدة. كذلك قام فريق بحث في مركز بحوث مواد الطاقة في معهد العلوم والتكنولوجيا في كوريا الجنوبية (KIST) - نشر خبر الدراسة موقع «EurekAlert»- بتطوير عامل حفز نانوي لعمليات تحليل المياه عند درجات حرارة عالية يمكنه الحفاظ على كثافة تيار عالية تزيد عن 1 آمبير/سم2 لفترة طويلة عند درجات حرارة تزيد عن 600 درجة مئوية في حين كانت آليات تدهور المواد النانوية عند درجات حرارة عالية غامضة حتى الآن، ونجح الفريق في تحديد الأسباب الأساسية للسلوك غير العادي للمواد النانوية وحل مشكلاتها بنجاح؛ فقاد إلى تحسين أداء خلايا تحليل المياه الواقعية واستقرارها؛ فحققت المواد النانوية التي طورها هذا الفريق أداءً عاليًا واستقرارًا لتقنية تحليل المياه عند درجات حرارة عالية، مما يمكن أن تسهم في خفض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر؛ ليجعله منافسًا اقتصاديًا مع الهيدروجين الرمادي في المستقبل.

تدخل الآلة !

هناك العديد من المقترحات العلمية التي لا يزال الكثير منها قيد الدراسة والتجارب العلمية، إلا أنه من المهم أن نضع الحلول الرقمية الذكية نصب أعيننا لقدراتها العالية في وضع حلول تقنية تتجاوز الحلول التقليدية الحالية التي من الممكن أن تتفوق عليها، وأحد الطرق هي استغلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي في مجال تحسين إنتاج الهيدروجين الأخضر مثل تحسين عمليات التحليل المائي؛ إذ يمكن استعمال الذكاء الاصطناعي لتطوير نماذج تنبؤية دقيقة لعمليات تحليل المياه عند درجات حرارة عالية؛ حيث يمكن أن يساعد ذلك في تحسين الكفاءة وتقليل الفقد في عملية إنتاج الهيدروجين، وتحسين استعمال المواد؛ إذ تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي اختيار المواد الأفضل والأكثر كفاءة في عمليات تحليل المياه وتخزين الهيدروجين.

كذلك يمكن تطبيق الذكاء الاصطناعي لتطوير أنظمة تحكم ذكية ومراقبة دقيقة لعمليات إنتاج الهيدروجين؛ ليزيد من كفاءة العمليات ويقلل من المخاطر الرقمية مثل الهجمات السيبرانية. تملك أدوات الذكاء الاصطناعي القدرة على تطوير أنظمة فعّالة لتخزين الهيدروجين ونقله بأمان وبكفاءة، ويستطيع الذكاء الاصطناعي المساهمة أيضا في تحسين عمليات التخطيط والتكامل بين مصادر الطاقة المتجددة وإنتاج الهيدروجين الأخضر مع الشبكات الكهربائية. أرى أن الحلول المقترحة التي يمكن تفعيلها عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي تملك الفرص الأوفر في المساهمة في تحسين عملية إنتاج الهيدروجين الأخضر وتقليل تكلفة إنتاجه، وهذه الحلول المقترحة بحاجة إلى دراسات علمية جادة. أما عن دور سلطنة عُمان في مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر؛ فهناك جهود كبيرة تُبذل في هذا الجانب؛ إذ وقعت سلطنة عمان عددا من الاتفاقيات لتطوير مشروعات تتعلق بإنتاج الهيدروجين الأخضر، وتتبنى رؤية «عُمان 2040» طموحات تخدم مجال الطاقة المتجددة منها إنتاج الهيدروجين الأخضر؛ فتُبذل الجهود الكبيرة في سبيل تحقق أهداف كبيرة تخدم هذا القطاع التي بدأ بعض ثمارها يؤتي أكله، وبإذن الله نرى إنجازات كبيرة تتعلق بقطاع إنتاج الهيدروجين الأخضر في قادم الأعوام.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: إنتاج الهیدروجین الأخضر مصادر الطاقة المتجددة ثانی أکسید الکربون الهیدروجین الأزرق الانبعاثات الضارة الذکاء الاصطناعی الوقود الأحفوری الغاز الطبیعی تحلیل المیاه تکلفة إنتاج الذی ی نتج فی تحسین یمکن أن من حیث

إقرأ أيضاً:

الابتكار الثقافي.. تصميم المستقبل بمقاييس إماراتية

محمد عبدالسميع

أخبار ذات صلة آرت دبي 2025.. احتفاء بالتنوع أدباء وباحثون: القراءة.. صانعة الخيال والابتكار الثقافي

إذا كان الابتكار، بمفهومه البسيط والمركّب، يدخل فيه التجديد والإضافة، فإنّ مفهوم الابتكار الثقافي لابدّ أن يتضمّن هذه العناصر وأكثر، بحسب التصنيفات والقراءات المتبعة في هذا الشأن، ومع أن الثقافة كمفهوم، عالم واسع متعدد الأبعاد ومتفاعلها، فإنّها كانت ولا تزال محلاً مناسباً لتطبيق الابتكار، وقراءة أثره على المساحة الثقافيّة في الفنون والثقافة، دون أن ننسى أنّ الأفكار تبقى أفكاراً على الورق وتنظيرات، إن لم يتمّ العمل بها، ولهذا فمن الإنصاف القول إنّ قياس الأثر يصلح وبامتياز على الحالة الإماراتيّة في هذا الموضوع، وهي الحالة التي اتخذت من الموجود والتراث والفنون والعناصر الثقافيّة الأخرى بيئةً مناسبةً للابتكار فيها، تحت مظلّة الدولة، أو إدارة القطاع العام، وحفز القطاع الخاص في ظلّ تشجيع الدولة وإدراكها أهميّة هذا التحوّل من التقليدي في العمل الثقافي إلى الأيسر والأنجع والأمثل، مع قراءة ما يسوقه المتخصصون والمنظّرون من التنبّه إلى أخطار فقدان الثقافة بريقها، أو الاستثمار في الثقافة دون وجود قيم وأصالة تحفظ للموروث حضوره وللثقافة وهجها، إذ تبدو هذه المسألة في غاية الأهميّة ونحن نتحدث عن الابتكار الثقافي، وفي ذلك يكثر الحديث ويتم تناول الموضوع من أكثر من جانب.
على أنّ الدولة/النموذج (الإمارات)، والتي سنقرأ من خلالها أهميّة فكر التجديد أو الابتكار وقراءة الاستثمار الواعي في هذا الموضوع، إنّما هي دولة تعي وتدرك جيّداً هذا الأمر، فهي تسير خلال المتاح وتتأمّل بنيته ومادته الثقافيّة، لتروّج له وتعمل على تيسيره وتقديمه للجميع، بل وفهم المعنى الاقتصادي المتضمّن في هذا النوع من الابتكار، أي الابتكار الثقافي، في أن تدرّ الصناعات الثقافيّة والإبداعيّة دخلاً جيّداً، فنكون قد حققنا عن طريق الابتكار الشهرة وانتشار المنتج الثقافي، وحافظنا على القيمة الجماليّة المتضمّنة والمميزة لمفردات الثقافة والفنون، والأرقام والنسب الإحصائيّة التي تطالعنا بها مراكز الدراسات والصحف، تعطينا مؤشراً مفرحاً على حجم المنجز قياساً إلى النسبة العربيّة والعالميّة المتحققة في هذا الموضوع.
اقتصاديّات الثقافة
ويؤكّد المتخصصون في هذا الشأن والمهتمون وبما يعرف بـ«اقتصاديّات الثقافة»، أهميّة العمل على الإبداع أو الابتكار أو الخلق أو تقديم النوعي والمفيد في الموضوع الثقافي، بشقّيه الوظيفي والثقافي، مع الحفاظ على الجماليات والإرث والأصالة والروح، وما يتخلل كلّ ذلك من عادات وموروث، فنكون قد وصلنا إلى مرحلة التجديد والإضافة بالوعي والفهم إلى أين نحن سائرون.
وقد عملت دولة الإمارات العربيّة المتحدة على تحقيق الوجهة الإبداعيّة للعالم، ومثال ذلك ما حققته استراتيجيّة دبي للاقتصاد الإبداعي، نحو أن تكون دبي وجهةً مفضلة لكلّ المبدعين، بل وعاصمةً للاقتصاد الإبداعي، فتضاعف عدد الشركات الإبداعيّة في مجالات المحتوى والتصميم والثقافة إلى 15 ألفاً، وتضاعف عدد المبدعين إلى 140 ألفاً، ترفد ذلك كلّه المؤسسة الثقافية ذات العلاقة، مثل «مركز محمد بن راشد للابتكار الحكومي عام 2014، وذلك لتعزيز تنافسيّة حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، لتصبح ضمن الحكومات الأكثر ابتكاراً على مستوى العالم.
ويؤثّر هذا التوجّه الواعي على موضوع الابتكار، بالربط بين كلّ المتغيرات والأسباب التي تدعم هذا الأمر، وهو عمل تكاملي تتم فيه قراءة محفّزات الإبداع والتقنيات والإضافة والمواكبة العصريّة للتكنولوجيا، ويأتي دعم الدولة ليكلل كلّ ذلك، ولهذا كانت مواضيع تحدّي القراءة والترجمة ونسب الريادة وخطّة اقتصاديات الإبداع، كهدف وطموح، بل لقد كانت منصّة «ابتكر»، التي طوّرها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، تصبّ في هذا الاتجاه، كمنصّة تفاعليّة، وتوصف بأنّها الأولى من نوعها باللغة العربية للابتكار الحكومي، لصنع جيل من المبتكرين العرب وقادة المستقبل. ولتوضيح أهميّة هذه المنصّة، فقد كان هدفها الوصول إلى 30 مليون مشارك عالمياً، إضافةً إلى تنفيذ دبلوم في الابتكار بالتعاون مع جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، كدبلوم يعدّ الأول من نوعه أيضاً، لإعداد جيل من الرؤساء التنفيذيين للابتكار في الجهات الحكومية، وكذلك استحداث منصب الرئيس التنفيذي للابتكار في كلّ جهة حكومية اتحاديّة، وهو ما يؤكّد نظرة الدولة الواعية والواثقة نحو المستقبل، بما في ذلك من ريادة ونبوغ معرفي وتقني وتحقيق نسب عالية في موضوع الابتكار.
دعم الابتكار
وفي مجال رؤية الدولة أيضاً ورسالتها، يمكن وبكلّ جدارة أن نذكر «صندوق محمد بن راشد لدعم الابتكار»، والذي تبلغ قيمته 2 مليار درهم، وكذلك مبادرة «أفكاري»، الرامية إلى تشجيع موظفي الجهات الحكومية الاتحادية على تقديم أفكارهم ومشاريعهم المبتكرة، ويؤكّد كلّ ذلك ما يسمّى بـ«مسرّعات دبي المستقبل»، لصنع منصّة عالميّة متكاملة لصناعة مستقبل القطاعات الاستراتيجيّة، وكذلك خلق قيمة اقتصاديّة قائمة على احتضان وتسريع الأعمال وتقديم الحلول التكنولوجيّة في المستقبل.
إنّ «شهر الابتكار»، كموضوع عملي وعلمي أيضاً في دولة الإمارات العربيّة المتحدة، هو شهر يستحق الحفاوة والاعتزاز المجتمعي بما انعكس على الأجيال من ثمار موضوع الابتكار، أمام تحديات القادم التكنولوجي الذي لا تستطيع أيّ دولة واعية أن تقف على الحياد منه، فإمّا أن ندخل بقوّة أو ننعزل عن العالم وما يحيط بنا من ثورة معرفيّة وتكنولوجيّة، فأجندة دبي المستقبل، دليل على التحدي والإيمان بالمخرجات المهمّة، كمبادرات رائدة عالمياً، كما في استراتيجيّة دبي للطباعة ثلاثيّة الأبعاد، واستراتيجيّة دبي للقيادة الذاتيّة، والمجلس العالمي للتعاملات الرقميّة، ومتحف المستقبل ومرصد المستقبل، وتنظيم بطولة العالم لرياضات المستقبل.
ولهذا، فإنّ كلّ ما ذكر يدور حول المستقبل، بما يحمله هذا المفهوم من تحديات، وفي الصميم من ذلك، كان «متحف المستقبل» بانوراما رائعة على مستقبل العالم، كمتحف تمّ تغذيته بأحدث الإنجازات التقنية وآخر الاكتشافات العلميّة، إذ اعتبر هذا المتحف مختبراً شاملاً لتقنيات المستقبل وأفكاره، لندخل إلى الاستثمار في العقل المبدع ودعم الأفكار والمشاريع الرياديّة والمبادرات والأبحاث التي تضيف قيمةً نوعيّة وتسهم في تحقيق التأثير الإيجابي، وفي السياق علينا أن نذكر أهميّة موضوع الطباعة ثلاثيّة الأبعاد، وما تشتمل عليه من مزايا تنافسيّة مرتبطة بالكلفة المنخفضة، والسرعة في الإنجاز، باعتبار ذلك يشكّل نموذجاً عصريّاً في التصميم.
ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل إنّ الطموحات تتواصل في دولة الإمارات العربيّة في استحقاقات هذا العصر والابتكار الذي بات أمراً واقعاً فيه، ففي النسخة السادسة من «هاكاثون الإمارات»، كانت هناك قراءة تستشرف المستقبل، حتى سنة 2031، بما في ذلك من تعزيز للهوية الوطنيّة وتعزيز الاستدامة وتطوير الرؤية والمؤشرات والمخرجات، وكذلك توسيع الشراكات.
أمّا «قمّة الابتكار» التي عقدتها الإمارات، سنة 2016، فكانت رؤية تؤسس لكلّ هذا النجاح الذي نعيش، خاصةً القراءة المبكّرة لدور الابتكار في موضوع الاقتصاد المعرفي، وتعزيز استخدام الحاسوب والأجهزة الذكية في المدارس، والاهتمام بالتعليم الإلكتروني في الدولة، والمؤسسات البحثيّة والمعاهد التقنية لتعزيز الإبداع والابتكار، والمجمعات المتنوعة، في إطار حفز ثقافة التعليم الإلكتروني في القطاعات الحكومية وشبه الحكومية والخاصة، وإطلاق العديد من البرامج التي جاءت في سياق رؤية الدولة لما نحن مقبلون عليه من تحديات التقدّم والتحوّل الرقمي والحاجة إلى ابتكارات تدعمها وتشجعها الأعمال المؤسسية في الدولة.
من ناحية أخرى فإن دولة الإمارات العربية المتحدة لها حضورها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تحقيق أكبر قطاع إبداعي يعتمد على تصدير المنتجات والخدمات الإبداعية، وقيمتها 13.7 مليار دولار أميركي.
إنّ الابتكار، وبما يحمله من تغيير إيجابي في المضامين والأسلوب والأفكار، ومن عمليات إبداعيّة معقدة تغذيها تدفقات المعرفة والتنوّع الإبداعي في المجتمع، نحو الصناعات الثقافيّة والإبداعيّة، والتصميمات المتوقّعة في الآداب والفنون والموسيقى والأزياء والمهارات الحياتيّة الأخرى، هو مفهوم جدير بقراءته، وهو في دولة الإمارات العربيّة المتحدة، وكما هو واضح، محمولٌ على جناح ثقة الدولة وقيادتها الرشيدة بالمردود الثقافي والحضور القويّ للإمارات في العالم، ولهذا فالمعايير الإبداعيّة تحتاج دائماً إلى قراءة وإعادة قراءة وفهم للتحديات وسبل تقديم الحلول.

مقالات مشابهة

  • مدبولي يتابع طرح مشروعات الطاقة التي ستتخارج منها الحكومة
  • افتتاح محطة وقود جديدة تابعة لشركة المناصير للزيوت والمحروقات باسم محطة الضليل
  • عقار عمره 180 عاماً يصبح أسرع علاج للاكتئاب في التاريخ
  • الابتكار الثقافي.. تصميم المستقبل بمقاييس إماراتية
  • الحديدة.. مليشيا الحوثي تفرغ شحنة وقود مشبوهة في ميناء رأس عيسى
  • تقرير: ليبيا قد تدخل أزمة وقود حادة بحلول يونيو
  • كم تُكلّف ساعة العمل في أوروبا؟ الدول الأعلى والأدنى في تكلفة العمالة...
  • جمهورية الكونغو تسعى لزيادة إنتاج الكهرباء إلى 1500 ميجاوات بحلول عام 2030
  • تقرير دولي: ليبيا تحقق زيادة طفيفة في إنتاج النفط والمكثفات
  • «بايتدانس» تدخل عالم الشخصيات الرقمية بقدرات غير مسبوقة