لجريدة عمان:
2025-04-05@19:43:14 GMT

ماذا يحدث في دماغنا عندما نشعر بالخوف؟

تاريخ النشر: 21st, February 2024 GMT

ماذا يحدث في دماغنا عندما نشعر بالخوف؟

ترجمة: حافظ إدوخراز -

بدءًا من الشعور المزعج بالضيق نتيجة المشي وحيدًا في زقاقٍ مظلم إلى القلق الذي قد يشعر به المرء تجاه مستقبل غامض، يتغيّر طعم الخوف ليأتي بنكهات مختلفة. وإذا كان هذا الانفعال يرتبط عندنا بآلية أساسية للبقاء (حماية النفس من المخاطر المميتة)، فإن العديد من الاضطرابات النفسية المتعلقة بالخوف تتجاوز هذه الوظيفة الأوّلية: نوبات الهلع، والرّهاب الاجتماعي، واضطرابات ما بعد الصدمة.

.. إن القاسم المشترك بين جميع هذه الاضطرابات هو الانفعال المتمثل في الخوف وأعراض ردّ الفعل الذي يصدر عنا تجاه خطرٍ يتهدّدنا.

لقد أصبح من الممكن الآن، بفضل التقدم التكنولوجي الذي تم إحرازه في مجال علم الأعصاب، استكشاف الكيفية التي يخلق بها الدماغ حالات الخوف والدفاع. وأتاحت تقنيات التعرّف على مناطق معيّنة من أدمغة الكائنات الحية والتحكّم بها (القدرة على تحفيزها أو تثبيطها) إمكانية اكتشاف مناطق جديدة من الدماغ مسؤولة عن العمليات المعرفية المرتبطة بالخوف، فضلا عن تحديد الآليات التي تتحكّم في «ذاكرة الخوف» لدينا على مستوى الخلايا العصبية، والطريقة التي نتذكّر بها الأحداث التي وقعت في الماضي وارتبطت لدينا بالخوف.

هكذا نعرّف الخوف «علميًّا»

عندما نواجه تهديدا ما، فإن دماغنا يقوم بتعزيز آليات الدفاع محاولةً به التخفيف من عواقب التهديد وتحسين فرص البقاء على قيد الحياة. تكون النتيجة في الوقت نفسه معرفية وسلوكية، وهذا المزيج من الآليات المعرفية والسلوكية هو ما ندركه بشكل واعٍ كشعورٍ بالخوف.

عندما نواجه موقفا خطيرا فإننا مثل بقيّة الحيوانات، نملك ثلاثة خيارات: إما القتال أو الفرار أو البقاء ساكنين في مكاننا (لكيلا يلاحظنا أحد). ومن منظورٍ تطوري، فإن هذه الإجابات الثلاث تترتّب عنها آثار مختلفة. تكتشف العديد من الحيوانات المفترسة فرائسها من خلال رؤيتها وهي تتحرّك، وبالنسبة للأنواع التي تمثّل فريسة لهذه الحيوانات، فإنه من المنطقي أن تتسمّر في مكانها ولا تبدي أي حركة. غالبًا ما نلاحظ رد الفعل هذا عند القوارض على سبيل المثال. إن الكثير من معرفتنا العلمية عن الخوف والدماغ تأتي في الواقع من التجارب السلوكية التي تُجرى على الحيوانات.

لقد تم إجراء الكثير من الأبحاث التي تهدف إلى فهم الآليات الدماغية للخوف من خلال استخدام إجراءٍ يسمّى بـ «الإشراط المرتبط بالخوف»، أو «الإشراط البافلوفي» (نسبة إلى العالم الروسي إيفان بافلوف/المترجم). وكما سنرى لاحقا فإن تجارب الإشراط هذه تسمح لنا باستكشاف بعض الآليات المسؤولة عن الانفعال المتمثل في الخوف. غير أنه من الضروري أن نفهم أن ثمّة فرقا بين المكوّنات المختلفة لهذا الانفعال، وكيف يمكن دراسة كل مكوّن على حدة.

في النموذج البافلوفي، يتم تكرار منبّه محايد (صوت على سبيل المثال) ومنبّه منفّر (مثل الصدمة الكهربائية). وبمرور الوقت، تصبح هذه المنبّهات المحايدة والمنفّرة مترابطة لدرجة أن الصوت البسيط يمكن أن يؤدي إلى استجابة سلوكية متمثلة في الخوف، حتى في حال غياب أي صدمة كهربائية.

كثيرًا ما تم استخدام هذا النوع من الإجراءات الإشراطية على القوارض، والتي كانت تتجمّد في مكانها خلال التجربة استجابة للصوت. يستخدم الباحثون خصائص هذا الجمود، مثل مدّته وتأخّره عن الصوت، من أجل قياس الاستجابة السلوكية المترتّبة عن الصوت.

عندما يصدر الصوت، فإنه ينشّط ترابطًا مكتسبًا في الدماغ بين الصوت والألم، ويؤدي إلى استجابات دفاعية نموذجية عند النوع من أجل مواجهة الخطر. وبالتالي فإن ما يسمح هذا الإشراط بدراسته يختلف عن الشعور الواعي بالخوف. وبتعبيرٍ آخر، فعندما يدرس الباحثون الإشراط المرتبط بالخوف عند الحيوانات، فإنهم في الواقع إنما يقومون بتقييم الاستجابات الدفاعية التي تُستثار من تهديدٍ ما، بدلا من تقييم الشعور نفسه بالخوف. إن هذا العنصر الأخير المكوّن للاستجابة الدفاعية هو عملية معرفية تنتمي إلى مجال الانفعالات. وكما هو الحال مع انفعالاتٍ أخرى، فإن فهم الخوف يتأتّى بشكل رئيسي من خلال الدراسات التي أُجريت على البشر.

يمكن تعريف الخوف في حدّ ذاته على أنه «تجربة عاطفية واعية»، أو بعبارة أخرى، كإدراكٍ للمرء على أنه في خطرٍ ما. وإذا كان الخوف ناشئا عن استجابةٍ لمنبّه خارجي، فإن القلق هو ظاهرة أكثر استدامة تحدث استجابةً لتهديدات أكثر غموضًا وليست وشيكة الوقوع.

الأسس البيو عصبية للخوف

تتدخّل دوائر دماغية مختلفة في الاستجابات التي يثيرها الخوف. تلعب اللوزة الدماغية دورًا رئيسيًا في إدراك التهديد، فهي تتلقى مدخلاتٍ حسّية من المهاد ومن مناطق حسّية أخرى، مما يسمح لها بتحديد التهديدات المحتملة بسرعة. وبمجرد التعرّف على تهديدٍ ما، تقوم اللوزة بتنشيط الجهاز العصبي الودّي، مما يؤدي إلى إطلاق الأدرينالين وهرمونات التوتر الأخرى. ويترتّب عن ذلك سلسلة من الاستجابات الفسيولوجية، مثل: زيادة معدل ضربات القلب والتنفس السريع والتعرّق، التي تساعد على إعداد الجسم لرد فعلٍ فوري.

وتسهم هذه الاستجابات الفسيولوجية أيضا بدورها في مشاعر الخوف الواعية لدينا. يتم تشفير التفاصيل المرتبطة بمواجهتنا لخطرٍ ما يتهدّدنا وتخزينها في الحصين، وهي منطقة في الدماغ تشارك في تكوين الذكريات واسترجاعها. وبالتالي، فعندما نواجه موقفًا مشابهًا في المستقبل، يقوم الحصين باسترداد الذاكرة المخزّنة ويساعدنا في التعرّف على التهديد.

تضطلع قشرة الفصّ الجبهي، التي تتدخّل في عمليات اتّخاذ القرار والتخطيط وحلّ المشكلات، بمسؤولية تنظيم الاستجابات العاطفية والسلوكية والتحكّم فيها. ويمكن لقشرة الفصّ الجبهي، في المواقف التي لا يكون فيها التهديد فوريًا أو خطيرًا، أن تقوم بإبطال الاستجابة التي تبدأها اللوزة الدماغية، مما يسمح لنا بالبقاء هادئين وعقلانيين.

لقد كان الإشراط موضوعًا للدراسة لدى البشر، بما في ذلك الناس الذين تعرّضوا لأضرار عرضية على مستوى الدماغ. وعلى سبيل المثال، فإن المرضى الذين يعانون من تلفِ الحصين لا يتذكرون أنهم قد تعرّضوا للإشراط، لكنهم يستمرون مع ذلك في الاستجابة الدفاعية للمنبّه الذي ارتبط لديهم بتهديدٍ ما. إن الذكرى المرتبطة بالتعرّض للإشراط هي في الواقع شكل من أشكال الذاكرة الصريحة، التي تتطلّب تدخّل الحُصين، لكن تعلم الاستجابة الدفاعية هو شكل من أشكال الذاكرة الضّمنية، التي تعتمد على الفعل المشترك لعدة مناطق في الدماغ. ومن ناحية أخرى، فإن تلف اللوزة الدماغية يربك القدرة على اكتساب استجابةٍ دفاعية، لكنه لا يؤثر على التذكّر الواعي بأن المرء قد خضع لعملية الإشراط.

هل بإمكاننا التلاعب بالخوف؟

لقد عكف العديد من الباحثين قبل حلول القرن الحالي على دراسة أدمغة أشخاصٍ تعرّضت لأضرار من أجل فهم المناطق التي تتدخّل في الاستجابة المرتبطة بشعور الخوف. غير أن تضرّر مناطق كاملة من الدماغ حالت دون تمكّن الباحثين من دراسة وظائف الأنواع المختلفة من الخلايا العصبية الموجودة في هذه المناطق، مما حال دون فهم كيفية ظهور هذا الشعور على مستوى الدوائر الدماغية.

أما في الوقت الحاضر، فإن تقنياتٍ مختلفة تسمح للباحثين باستهداف مجموعات معيّنة من الخلايا العصبية بدقّة وفي وقت قصير بتنشيطها أو تعطيل عملها، وذلك بفضل «علم الوراثة الكيميائي» مثلا. تتمثّل إحدى هذه التقنيات في استعمال بروتينات مصمّمة خصّيصا لهذا الغرض وتقع داخل الخلايا العصبية الموجودة في أدمغة الحيوانات التي تُستخدم للأغراض البحثية.

تمثّل كيفيّة تنظيم ذكريات الخوف لدينا جانبا مهمّا من الاستجابة للخوف التي ركّز عليها الباحثون في دراساتهم، لأن زوال ذكريات الخوف هذه أمر بالغ الأهمّية للتعافي من الاضطرابات المرتبطة بالقلق أو الصدمات النفسية. يُعرف هذا النوع من التعلّم باسم «انطفاء الخوف»، ويعتمد بشكل أساسي على قشرة الفص الجبهي التي تتحكّم في الاستجابات العاطفية والسلوكية.

لقد نجح فريقنا بالمدرسة العليا للأساتذة (باريس) في تحديد منطقة دماغية جديدة تتصّل بقشرة الفصّ الجبهي، وأظهر في دراسة حديثة أن هذا الاتصال مسؤول عن انطفاء الخوف. ويتعلّق الأمر بـ«النواة الأوجيّة»، وهي جزء من المخيخ. وقد سُمّي هذا الأخير بهذا الاسم لأنه يحتوي على عدد كبير من الخلايا العصبية (ويعني «الدماغ الصغير» في اللغة اللاتينية)، وتحظى هذه المنطقة حديثًا باهتمامٍ كبيرٍ في الأبحاث العلمية حول الخوف.

قام الباحثون في فريقنا بإخضاع مجموعة فئران لإشراطٍ على الطريقة البافلوفية. وفي العادة، فبعد مرور بعض الوقت تتوقّف الفئران عن التسمّر في مكانها بعد سماع الصوت في حال إن لم يكن متبوعًا بصدمة كهربائية. وهذا يدل على انطفاء الترابط بين المثير الصوتي والصدمة الكهربائية، أي أن ذاكرة الخوف تتلاشى. ولكن من المثير للاهتمام أنه عندما قام الباحثون بتثبيط الخلايا العصبية في قشرة الفص الجبهي التي تتواصل مع النواة الأوجيّة باستخدام علم الوراثة الكيميائي، استمرت هذه الفئران في التسمّر في مكانها - لفترة أطول مقارنة بالفئران العادية.

يشير هذا إلى أن الفئران التي تم التلاعب بأدمغتها لم تكن قادرة على إطفاء ذكريات الخوف لديها بشكل صحيح، مما يسلّط الضوء على أهميّة هذا التواصل بين قشرة الفص الجبهي والنواة الأوجيّة في تنظيم عملية انطفاء ذاكرة الخوف.

هذه دراسة واحدة فقط من ضمن عددٍ من الدراسات الحديثة التي تستفيد من التقنيات الجديدة المتوفرة في علم الأعصاب من أجل استكشاف الدماغ ودراسة الانفعال المتمثل في الخوف. وفي الواقع، فإن تجميع أجزاء أحجية الدوائر الدماغية التي تكمن وراء اكتساب السلوكيات الدفاعية والتعبير عنها أمر بالغ الأهمّية لكي نحصل على رؤيةٍ شاملةٍ حول تعقيد هذه العمليات. وهذا من شأنه أن يشجّع على إجراء المزيد من الأبحاث حول الأساليب العلاجية الجديدة لعلاج الاضطرابات المرتبطة بالخوف لدى البشر.

آنا مرجريدا بينتو باحثة في العلوم العصبية بالمدرسة العليا للأساتذة بباريس

المصدر: موقع The Conversation

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الخلایا العصبیة فی مکانها فی الواقع فی الخوف من أجل

إقرأ أيضاً:

حالة الخوف تدفع الذهب إلى مزيد من الصعود

#سواليف

يواصل #الذهب صعوده القوي، في ظاهرة لافتة، أثارت استغراب #الأسواق_المالية العالمية. وقد تبخرت بذلك تلك التوقعات التي كانت تشير إلى تراجع الذهب بعد تجاوزه 2100 دولار.

فقد حقق المعدن النفيس أداءً متفوقاً على معظم الأصول الاستثمارية الأخرى، خلال الثمانية عشر شهراً الماضية.

لذا، فنحن هنا نتراجع اليوم أمام عشاق الذهب، ونسحب كل ما وجهناه إليهم من انتقادات على الفترات الماضية، غير أننا نجد أنفسنا ملزمين بالتأكيد مجدداً على بعض الحقائق التي طرحناها سابقاً، والتي ما زالت قائمة:
ليس التضخم أو معدلات الفائدة الحقيقية هي من تقف وراء الصعود المذهل للذهب، على الأقل ليس بصورة مباشرة، فالذهب أثبت أنه ملاذ ضعيف للتحوط ضد التضخم، كما انهارت علاقته التقليدية بأسعار الفائدة الحقيقية في الآونة الأخيرة.

مقالات ذات صلة فتح جسر الملك حسين أمام المسافرين العرب اليوم 2025/04/05

كما لا يمكن اعتبار تراجع هيمنة الدولار على #الاحتياطيات_النقدية العالمية، أو زيادة مشتريات البنوك المركزية محركاً رئيساً لهذه الظاهرة، فرغم أن البنوك المركزية حول العالم قد عززت حيازاتها من الذهب، بمعدلات غير مسبوقة، خلال السنوات الثلاث الماضية.

إلا أن طلب هذه المؤسسات لم يشهد ارتفاعاً يتزامن مع موجة الصعود الراهنة، التي انطلقت أواخر 2023، بل على العكس تماماً، إذ يؤكد جيمس ستيل، كبير محللي المعادن النفيسة في بنك «إتش إس بي سي»، تراجع الطلب من البنوك المركزية خلال الأشهر الأخيرة، وفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي.

ولا يبدو أن طلب المستثمرين الأفراد يقدم تفسيراً مقنعاً لهذه الظاهرة المحيرة، فبيانات مجلس الذهب العالمي، تكشف عن ضعف ملحوظ في الإقبال على المجوهرات الذهبية خلال العام الماضي، مع استقرار في الطلب على السبائك،.

بينما تظهر بيانات حيازات صناديق المؤشرات المتداولة للذهب مقابل سعره اكتشافاً مثيراً للاهتمام، إذ بدأت موجة الصعود الكبرى في وقت كانت فيه حيازات هذه الصناديق تسجل انخفاضاً،.

كما أن العلاقة التناسبية بين هذه الحيازات وسعر المعدن الأصفر، أضحت أكثر ضعفاً خلال السنوات القليلة الماضية، مقارنة بالعقدين السابقين.

وهذا يقودنا إلى طلب #المستثمرين المؤسسيين على الذهب، وهي ظاهرة يصعب تتبعها بدقة، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الدافع وراء إقبال مديري الأصول وشركات التأمين وصناديق التحوط على شراء المعدن الأصفر؟

تتمثل الإجابة الأكثر وضوحاً في رؤيتهم للذهب كدرع واقية ضد الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية، أو بتعبير أبسط، إنهم يشترون بدافع الخوف، ونظراً لأن مصدر كثير من هذه الاضطرابات يكمن في السياسة الأمريكية، فإن هذا التوجه يبدو منطقياً. في الظروف الطبيعية، تدفع حالة عدم اليقين المستثمرين نحو الدولار الأمريكي والسندات الحكومية.

إلا أن بعض المستثمرين يتعاملون بجدية مع تصريحات إدارة ترامب، عن رغبتها في إضعاف الدولار بشكل ملموس، وبالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن التضخم المرتفع غير المستقر، قد يستمر لفترة طويلة، فإن سندات الخزينة الأمريكية لم تعد تمثل ملاذاً آمناً.

غير أن سؤالاً يفرض نفسه هنا: يبدو الذهب كاستثمار يتمتع بزخم كبير، ونعلم أن الزخم يمكن أن يكتسب قوة ذاتية، ما يدفعنا للتساؤل: هل المخاوف بشأن السياسات أو النمو الاقتصادي، هي وحدها التي تقود سعر الذهب للارتفاع؟ أم أن الخوف من تفويت فرصة استثمارية كبيرة، يلعب دوراً في هذه المعادلة أيضاً؟.

من ناحية أخرى، من المهم التوقف عند هذه المفارقة الواضحة بين «البيانات الناعمة» (المستمدة من الاستطلاعات) شديدة السلبية، و«البيانات الصلبة» (المعتمدة على المعاملات الفعلية)، التي لا تزال إيجابية في معظمها.

فعلى صعيد البيانات الناعمة، أظهرت استطلاعات معهد إدارة التوريد لشهر مارس، عودة قطاع التصنيع إلى مسار الانكماش، بعد شهرين من التوسع، حيث تراجعت مؤشرات التوظيف والطلبيات الجديدة، في حين ارتفعت مستويات المخزون.

ويرجح أن السبب هو مسارعة الشركات للشراء قبل فرض الرسوم الجمركية، إذ يشير فريق «روزنبرغ ريسيرش» إلى انهيار نسبة الطلبيات إلى المخزون، التي وصلت حالياً إلى مستوى يرتبط في الظروف العادية بفترات الركود، بينما يواصل قطاع الخدمات أداءه الجيد، ما يعكس قوة اقتصادية في القطاعات غير المعرضة للتأثر المباشر بالرسوم الجمركية.

أما البيانات الصلبة، فيصعب تفسيرها، فقد أظهر استطلاع الوظائف الشاغرة ومعدل دوران العمالة (جولتس)، انخفاضاً واضحاً، حيث تراجعت الوظائف الشاغرة بوتيرة أسرع من توقعات الاقتصاديين، بانخفاض قدره 194 ألف وظيفة خلال الشهر، إلى إجمالي 7.6 ملايين.

كما انخفضت الاستقالات الطوعية قليلاً، بينما ارتفعت حالات تسريح العمالة إلى أعلى مستوى في خمسة أشهر، خاصة في قطاعات التجزئة والخدمات المالية، وكما كان متوقعاً، في القطاع الحكومي، إذ يبدو أن «وزارة الكفاءة الحكومية»، التي يشرف عليها إيلون ماسك، بدأت تترك أثرها.

وطالما ظلت هذه المؤشرات ضمن نطاق معقول، فإن الزيادات المتزامنة في حالات التسريح والوظائف الشاغرة والاستقالات، تشير إلى سوق عمل صحي، حيث لا تشعر الشركات بالقلق من نقص العمالة، ويسعى كل من الباحثين عن عمل وأرباب العمل، لإيجاد الخيارات الأفضل.

لكن يشترط أن تعمل هذه العوامل بتناغم، حيث إن الارتفاع المتزامن في حالات التسريح وانخفاض الوظائف الشاغرة، يعكس مخاوف اقتصادية.

بينما قد يشير ارتفاع الوظائف الشاغرة، مع زيادة حالات التسريح إلى تفاؤل، أما توقف الاستقالات مع ارتفاع حالات التسريح وتراجع الوظائف الشاغرة – وهو ما نشهده حالياً – فيشير مجتمعاً إلى أن الأجواء السلبية تتحول إلى قرارات مؤلمة في سوق العمل.

ورغم أن اتجاهات التغير في المؤشرات تثير القلق، إلا أن الأرقام لا تبتعد كثيراً عن اتجاهات ما قبل الجائحة، إذ يرى برادلي ساندرز من مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس»، أن أحدث البيانات تشير إلى أن سوق العمل «يعود إلى أنماطه الطبيعية السابقة للجائحة»، بما في ذلك العلاقة التاريخية بين معدل البطالة والوظائف الشاغرة، وهذا يعني أن تغيرات الشهر الماضي ليست مقلقة بالقدر الذي يبدو عليه.

وهكذا، ظل هذا السؤال يراودنا حول البيانات الاقتصادية لسنوات: ما الذي يمثل تباطؤاً حقيقياً، وما الذي يعد مجرد عودة للمعدلات الطبيعية، بعد فترة من النشاط الاقتصادي المحموم في أعقاب الجائحة؟.

هناك أيضاً بيانات متباينة في قطاع البناء والتشييد، حيث أظهرت أرقام مكتب الإحصاء الأمريكي، ارتفاع الإنفاق على البناء لشهر فبراير بنسبة 0.7 %، مقارنة بالشهر السابق، متجاوزاً التوقعات، ومسجلاً نمواً للشهر الرابع من أصل خمسة أشهر ماضية، وتركزت أكبر المكاسب في بناء المنازل العائلية المنفردة وتحسينات المساكن، ما يتوافق مع بيانات بدء بناء المساكن في فبراير.

ويشير إلى قوة أساسية في الاقتصاد، غير أن التقرير تضمن بعض نقاط الضعف، فقد استقر بناء المنشآت الصناعية، وانخفض الإنفاق على الفنادق والمكاتب، كما تراجعت تصاريح المساكن الخاصة الجديدة في فبراير، فيما يبدو اتجاه الإنفاق على مدار العام عبر جميع قطاعات البناء مثيراً للقلق.

وتبدو البيانات الناعمة والبيانات الصلبة في طريقها للتقارب، وإن كان ببطء، وبشكل غير متكافئ، حول نظرة مستقبلية ضعيفة، لكنها ليست بالغة السوء، غير أنه نظراً لمستويات عدم اليقين المرتفعة، فمن الضروري رؤية المزيد من البيانات الصلبة السلبية، قبل وضع احتمالات عالية لحدوث ركود في عام 2025.

مقالات مشابهة

  • حالة الخوف تدفع الذهب إلى مزيد من الصعود
  • ماذا يحدث لجسمك عند تناول ماء الزنجبيل لمدة أسبوع؟
  • حالة طوارئ.. ذئاب تنتشر في أمريكا| ماذا يحدث؟
  • إفراط الأم في الخوف على الأبناء.. حالة صحية أم مرضية؟
  • ماذا يحدث لبشرتك عند وضع المكياج يوميا
  • فعل عجيب يحدث عندما تصلي على النبي .. الشيخ الشعراوي يوضح
  • «جرائم حرب ومجازر وحشية».. ماذا يحدث في رفح الفلسطينية؟
  • عندما نشعر بالجوع.. ماذا يحدث عند تناول موزة علي الريق
  • نشرة المرأة والمنوعات : أطعمة تزيد الطول للأطفال والمراهقين.. ماذا يحدث لجسمك عند تناول الطعمية على الإفطار؟
  • فوائد وأضرار.. ماذا يحدث لجسمك عند تناول الطعمية على الإفطار؟