"إلى حين توفر الظروف الآمنة"، بهذه العبارة أعلن برنامج الغذاء العالمي، في تغريدة على حسابه الرسمي في منصة "إكس" يوم الثلاثاء الموافق 20 فبراير/ شباط 2024، وقف إدخال المساعدات الإنسانية إلى شمال قطاع غزة المحاصر، بعد 3 أيام فقط من استئناف محاولات إدخالها.

وسبق ذلك انقطاع كامل لكل أنواع المساعدات لمدة 3 أسابيع بعد قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي شاحنة مساعدات على الطريق الساحلي جنوب غرب مدينة غزة، قبل دخولها للمنطقة المحاصرة.

يتقاطع تصريح برنامج الغذاء العالمي، مع تصريحات في اليوم نفسه لليونيسف قالت فيها إن الموت يتهدد 600 ألف طفل في رفح جنوب قطاع غزة، يعيشون دون غذاء أو دواء وفي ظروف بالغة الخطورة في مخيمات المدينة.

ما بين الشمال والجنوب، ترتسم ملامح قاتمة السواد، لمصير مئات آلاف الذين يتهددهم خطر المجاعة، ويعصرهم الجوع وانعدام الإمدادات الغذائية في قطاع غزة، الذي يتعرض للعدوان الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

كيف بدأت المجاعة؟ بعد 48 ساعة من بدء العدوان الإسرائيلي على غزة أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، قراره بمنع دخول "الغذاء والماء والوقود إلى القطاع"، ليشكل هذا القرار اللحظة الفعلية التي بدأ فيها الاحتلال فرض حصاره التجويعي على قطاع غزة. أغلقت إسرائيل جميع المعابر مع قطاع غزة الذي كان يدخله يوميا 600 شاحنة عبر معبر كرم أبو سالم، وظلت المساعدات الإنسانية التي تدفقت إلى مطار العريش المصري محتجزة لـ 15 يوما كاملة، قبل التوصل إلى اتفاق أميركي مصري إسرائيلي لإدخالها بكميات لا تلبي 1٪ من احتياجات القطاع في الوضع الطبيعي. بدأ الجيش الإسرائيلي اجتياحه البري لشمال قطاع غزة في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد أيام من السماح بالدخول المقنّن للمساعدات، واقتصارها على خان يونس جنوبي قطاع غزة. بدأ الاحتلال بفصل محافظات غزة وشمال غزة عن المحافظة الوسطى عبر قطع شارع صلاح الدين، والتقدم باتجاه شارع الرشيد الساحلي غربا لإطباق الحصار على مدينة غزة ومدن شمال القطاع، التي واجهت تقدما بريا مماثلا. سارعت المنظمات الدولية للانسحاب من شمال قطاع غزة، وتركت أكثر من مليون مواطن تحت سطوة آلة الحرب الإسرائيلية. بدأت المواد الغذائية بالنفاد التدريجي مع محاصرة الشمال من أركانه الأربعة، واستمرار منع دخول أي نوع من المساعدات إليه، والتدمير الممنهج للأحياء السكنية والأسواق والمتاجر والمخابز، وواجه المواطنون صعوبات جمّة في تعويض ما ينقص من إمدادات.

في الأسابيع الأولى، استنفد شمال القطاع مخزون بيوته ومحاله التجارية من المواد الغذائية، ولجأ المواطنون إلى البحث في البيوت المدمرة أو الخالية من السكان عن المعلبات أو المجمدات، ويروي بعض السكان كيف أنهم اضطروا إلى خلع أبواب المحال التجارية التي هجرها أصحابها بحثا عما يسدّ جوعهم وأفراد أسرهم، بعد نفاد مخزون الطعام لديهم.

بدأت ملامح المجاعة تظهر على من تبقى من سكان شمال القطاع مع الإصرار الإسرائيلي على منع دخول أي مساعدات غذائية، في ظل موجات من القصف الجوي العنيف، ومواجهات برية شرسة مع المقاومة.

في جنوب قطاع غزة، والمنطقة الوسطى، ظلت الأمور المعيشية أفضل نسبيا من الشمال، مع دخول أعداد محدودة من شاحنات المساعدات، لكن تقاطر مئات آلاف النازحين من شمال القطاع، شكل ضغطا على مخزون هذه المناطق من المواد الغذائية، ورفع الحاجة إلى كميات أكبر من المساعدات الإنسانية التي ظلت على حالها.

القطاع صار قطاعين

مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي، أطلق الاحتلال عمليته البرية لاجتياح مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، مما تسبب بتهجير مئات الآلاف من سكانها نحو مدينة رفح بالدرجة الأولى، ومناطق المخيمات الوسطى بأعداد أقل، وتحول قطاع غزة إلى 3 كتل سكانية؛ هي: رفح والوسطى والشمال.

وبعد مرور 3 شهور كاملة على العدوان، استمر فصل شمال القطاع عن وسطه وجنوبه، ومع وصول المعارك إلى قلب مدينة خان يونس، استمر اتصال رفح بالمنطقة الوسطى عبر الطريق الساحلي، الذي كان عُرضة للغارات والقصف برا وبحرا وجوا.

ولا يزال شمال قطاع غزة تحت الحصار المطبق، يقطنه وفق التقديرات المتباينة قرابة 700 ألف مواطن، حُرموا تماما من أي دعم غذائي أو وصول للمساعدات الإنسانية، التي قُطعت تماما وفق بيان برنامج الغذاء العالمي كما أسلفنا.

أما في جنوب قطاع غزة، يستمر دخول شاحنات المساعدات الإنسانية بشكل متقطع، مما يسهم في توفير المعلبات والدقيق بكميات لا تلبي احتياج أكثر من مليون مواطن يقطنون رفح والمحافظة الوسطى.

مصائد قنص في الشمال

جاءت تصريحات المقرر الأممي المعنيّ بالحق في الغذاء، مايكل فخري، الذي اتهم إسرائيل "باستخدام الجوع سلاحا لإيذاء وقتل المدنيين في غزة"، لتؤكد ما جاء في تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" في ديسمبر/كانون الأول الماضي قالت فيه إن الحكومة الإسرائيلية "تستخدم تجويع المدنيين أسلوبا للحرب في قطاع غزة، مما يشكل جريمة حرب".

وجاء التقرير في حينه ليشكل إثباتا حقوقيا على نمط الحصار الجديد الذي بدأت "إسرائيل" بفرضه على قطاع غزة، ويلاحظ المتابع استمرار المجاعة وتفاقمها في الشمال، حيث يعتمد الاحتلال إجراءت جديدة منها:

 إغلاق المسارات المؤدية إلى جنوب قطاع غزة، وفرض حصار مطبق على سكان الشمال، ومنعهم من التحرك جنوبا. لم يعُد جيش الاحتلال معنيا بتهجير سكان الشمال إلى الجنوب، بقدر ما أصبح يفرض إبادة صامتة بالتجويع، وإيصال من تبقى شمالا إلى مرحلة الهلاك جوعا، كأسلوب انتقام واضح. اتخذ الحصار على شمال قطاع غزة نمطا جديدا لم يقتصر على منع دخول المساعدات الإنسانية، بل تعداه إلى تحويل العدد القليل من الشاحنات التي يُسمح لها بالوصول إلى مصائد قنص واغتيال للمواطنين، الذين كانوا يتجمعون في انتظار وصول الشاحنات والحصول على المعونات. لجأ الاحتلال إلى استهداف شاحنات المساعدات ذاتها وقصفها وهي في طريقها إلى الشمال المحاصر، مما أسفر عن صدور قرارات بوقف إرسال المساعدات إلى الشمال، كما أعلن برنامج الغذاء العالمي.

ووثّقت عدسات الصحفيين في مدينة غزة، عشرات المقاطع المصورة، التي تظهر استهداف المواطنين بإطلاق النار من الدبابات وطائرات "كواد كابتر" المسيّرة، وحتى الزوارق البحرية، مما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى من أجل الحصول على كيس طحين أو صندوق من المعلبات الغذائية.

تكتيكات التجويع في الجنوب

وفي وسط وجنوبي القطاع، اتخذت تكتيكات الحصار الإسرائيلي أنماطا جديدة؛ منها:

اتفاقية إدخال المساعدات الأولى عبر معبر رفح بين مصر وقطاع غزة، بعد تفتيشها في معبر العوجا "نيتسانا" الحدودي بين مصر وإسرائيل، التي أسفرت عن دخول كميات محدودة من المساعدات شكلّت نسبة ضئيلة من احتياجات القطاع. جرى اتفاق جديد في ديسمبر/كانون الأول الماضي لإدخال المساعدات إلى قطاع غزة عبر كرم أبو سالم، بعد دخولها من مصر إلى إسرائيل عبر معبر العوجا، وهي الخطوة التي قالت الأمم المتحدة إنها تهدف لتسريع وتيرة دخول المساعدات إلى القطاع، وزيادة كمياتها عبر ضم المساعدات القادمة من الأردن للاتفاقية، لكنها لم تحقق أي فرق يُذكر؛ بل منحت الاحتلال سلطة التحكم المطلق بدخول المساعدات إلى جنوب القطاع. تواطؤ السلطات الإسرائيلية بشكل كامل في منع دخول المساعدات مطلقا إلى قطاع غزة، عبر السماح للمستوطنين في فبراير/شباط الجاري بالتظاهر أمام الطرق المؤدية إلى معبري كرم أبو سالم والعوجا "نيتسانا"، ومنع مرور الشاحنات وقطع طريقها.

لجأ سكان شمال القطاع إلى البحث المضني عن أي طعام يمكن تناوله، ووصل بهم الحال إلى طحن علف المواشي والدواجن لتناوله، والبحث في الأراضي الزراعية عما تنبته الأرض من ورقيات.

وفي جنوب ووسط قطاع غزة يواجه السكان مشقة بالغة في توفير المواد الغذائية، نتيجة لشح المواد الغذائية وارتفاع أسعار المتوفر منها، في ظل أوضاع معيشية واقتصادية بالغة السوء.

وفي حين تمضي "إسرائيل" في استخدام الجوع كسلاح حربي ضد أهل غزة، بدأت أعداد الوفيات بالارتفاع نتيجة حالات الجفاف أو سوء التغذية، وانتشار واسع للأمراض المِعَوية؛ نتيجة شرب المياه الملوثة وغيرها.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: برنامج الغذاء العالمی المساعدات الإنسانیة المواد الغذائیة دخول المساعدات المساعدات إلى شمال قطاع غزة جنوب قطاع غزة الأول الماضی شمال القطاع منع دخول

إقرأ أيضاً:

فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة

#سواليف

في ليلة 17 يوليو/تموز 2014، كانت عائلة شحيبر التي تنحدر من #غزة على موعد مع حادث أليم ومُعتاد في #فلسطين المحتلة، حيث قصف #جيش_الاحتلال منزلهم. أما الهدف الإستراتيجي، فتمثل في قتل عدة أطفال: أفنان (8 سنوات)، ووسيم (9 سنوات)، وجهاد (10 سنوات)، الذين استُشهِدوا وهم يُطعِمون الحَمام على سطح المنزل، فيما تسبب القصف في استشهاد طفلين آخرين.

بعد القصف مباشرة، بدأت منظمتان حقوقيتان هما “الميزان” الفلسطينية و”بتسيليم” الإسرائيلية في البحث عن السبب الحقيقي وراء الاستهداف، لكنها خلصت إلى عدم وجود أي هدف عسكري في منزل شحيبر حسب ما أكدته الأمم المتحدة نفسها بعد ذلك في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2015.

هناك سؤال ثانٍ كان يؤرق المحققين المستقلين حيال #السلاح الذي استُخدِم في القصف، وما أثار الاهتمام في أثناء تنقيب المحققين هو أسطوانة سوداء حملت نقوشا مسحها الانفجار جزئيا وعليها كُتب “أوروفارد ـ باريس ـ فرنسا”.

مقالات ذات صلة حالة الخوف تدفع الذهب إلى مزيد من الصعود 2025/04/05

بسبب هذا الاكتشاف رفعت أسرة شحيبر دعوى في فرنسا ضد شركة “إكسيليا”، بسبب تواطؤها المحتمل في جريمة حرب اقترفتها إسرائيل في عملية “الجرف الصامد”. تقول هذه الأسطوانة الكثير عن الدعم العسكري والتقني الفرنسي لصالح جيش الاحتلال، وأحدث فصل فيه ما كشف عنه موقع “ديسكلوز” في تحقيق يورط فرنسا في #جرائم_إسرائيل في حق أهل غزة أثناء #حرب_الإبادة الدائرة حاليا.

رمادية فرنسية

قبل انطلاق الحرب على غزة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرنسا رسميا وإعلاميا أيضا تصرح بالدعم الكامل لجيش الاحتلال للرد على ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن إسرائيل حولت هذا الزخم الغربي من التعاطف إلى الإقدام على #جرائم حرب يصعب إخفاؤها.

بدأ التوجس يجد طريقه إلى أروقة الداعمين الغربيين، خصوصا مع ارتفاع الأصوات الرافضة للإبادة في الرأي العام الغربي، ومحاولاته الضغط على صناع القرار لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.

في فرنسا، سبق أن وجَّه 115 برلمانيا في أبريل/نيسان من عام 2024 رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبين إياه بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، لأن أي تحرك عكس ذلك يعني ضلوع باريس في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.

قبل ذلك بأيام، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال، وصوَّتت 28 دولة لصالح هذا القرار، فيما اعترضت 6 دول على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، أما فرنسا فوجدت لنفسها مكانا مريحا في المنطقة الرمادية التي جلست فيها 13 دولة من الممتنعين عن التصويت.

يتسق موقف فرنسا من هذا القرار الأممي مع موقفها العام حيال حرب غزة، وملف تزويد إسرائيل بالأسلحة، أو ببعض القطع التي تستعملها تل أبيب في صناعة أسلحتها التي توجهها في الغالب نحو الفلسطينيين العُزّل.

منذ بداية الحرب على غزة، سلكت فرنسا مسلكا يرقص على جميع الحبال، فهي لم تعلن قطع أي تعامل عسكري مع دولة الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه نزلت بهذا التعاون إلى أقل درجة ممكنة، بحيث تحافظ على خيط رفيع يربطها بتل أبيب، مع بذل كل الجهد المطلوب للمحافظة على هذا الخيط من الانقطاع.

موضوعيا، لا تُمثِّل تجارة الأسلحة بين فرنسا وإسرائيل إلا 0.2% فقط من 27 مليار يورو من صادرات باريس إلى دول العالم التي يمكنها استعمالها عسكريا أو في مجالات تقنية أخرى وتكون غالبا مجرد قطع غيار، حسب تصريح سيباستيان ليكورنو، وزير القوات المسلحة الفرنسي.

لا تمانع فرنسا من تبادل المساعدة مع الإسرائيليين فيما يخص بيع الأسلحة، لكن المساعدة تخضع لحسابات أخرى أفصحت عنها مصادر لصحيفة “لوموند” أثناء التحقيق الذي نشرته الجريدة الفرنسية عام 2021 حول برنامج “بيغاسوس” للتجسُّس، حيث يقول المصدر: “نحن قريبون من الإسرائيليين بمسافة تسمح لنا أن نعرف ماذا يفعلون، لكن في الوقت ذاته، لدى فرنسا رغبة واضحة في عدم مساعدة إسرائيل في أي عمليات تقوم بها في غزة، لذلك لا نريد أخذ أي مجازفة في إرسال بعض الأسلحة التي قد تُستعمل في ذلك”.

أسلحة فرنسا.. للدفاع فقط

في تقرير لها في 28 أبريل/نيسان الماضي، أفادت صحيفة “لوموند” أن فرنسا حتى قبيل الحرب الأخيرة على غزة كانت تزود إسرائيل بقطع ضرورية لصنع القذائف المدفعية، لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت باريس وقف العقود الخاصة بهذه القطع.

وتشير تقارير البرلمان الفرنسي الصادرة عام 2023 إلى أن فرنسا أرسلت إلى إسرائيل عددا من المعدات الخاصة بتدريع السيارات والمراقبة عبر الأقمار الصناعية.

بعيدا عن المعلومات التي جاءت في وسائل الإعلام الفرنسية، ثمَّة أخبار أخرى أكثر لفتًا للأنظار، منها التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع “ديسكلوز” الفرنسي في مارس/آذار 2024، وقال إن باريس سمحت في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة (ما يغلّف الطلقة)، انطلقت من مرسيليا عبر شركة “أورولينكس” الفرنسية المتخصصة في صناعة المُعدات العسكرية.

يشير التحقيق إلى أن حجم الشحنة وصل إلى 800 كيلوغرام من الذخائر أُرسِلَت إلى شركة “آي إم آي سيستمز” الإسرائيلية، المُزوِّد الحصري للجيش الإسرائيلي لهذا النوع من الذخائر، ويتعارض هذا التمويل المباشر مع تأكيد باريس عبر قياداتها السياسية أن الأسلحة والمعدات الدفاعية فقط هي ما تصل إلى تل أبيب.

فضيحة المُسيَّرات

مع جولة خفيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للعالقين في غزة، نجد أن صوت الخلفية المشترك بين الفيديوهات يغلب عليه ضجيج الطائرات المُسيَّرة، أو ما ُسميه أهل غزة بـ “الزنّانات”.

شكَّلت حرب غزة فرصة لإسرائيل لتفعيل الكتيبة 166 التي تحمل اسم “سرب الطيور النارية”، بحسب ما نشر موقع “إسرائيل ديفِنس”، والهدف من هذه الطائرات هو مراقبة غزة، ثم تنفيذ الضربات. وضمن هذا السرب هناك الطائرة “هيرميس 900” التي يصل طولها إلى نحو 15 مترا، وهي قادرة على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة، وعلى ارتفاع 9000 متر.

لا يحتاج الضباط الذين يوجِّهون هذه الطائرات إلا إلى غرفة تحكم تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمليات، ثم تنفيذ الضربات مستفيدين من الدقة الكبيرة التي توفرها هذه الطائرات الحديثة، حيث بإمكانها مثلا الإجهاز على سائق سيارة على بُعد 5 أو 10 أمتار دون إصابة أي راكب آخر في السيارة نفسها، رغم أن الاستعمال الإسرائيلي لهذه الأسلحة لا يهتم كثيرا بالقتلى المدنيين.

في تحقيق جديد حول صفقات السلاح بين فرنسا وإسرائيل، نشر موقع التحقيقات الفرنسي “ديسكلوز” وثائق تُثبت تورط شركة “تاليس” الفرنسية، التي تمتلك الدولة 26% من أسهمها، في تسليم إسرائيل مجموعة معدات إلكترونية تساعد في جمع قطع طائرة “هيرميس 900″، من بينها قطعة “TSC 4000 IFF”، وهي تساعد هذه المُسيَّرات على تجنُّب الصواريخ والمُسيَّرات “الصديقة” التي قد تعترض طريقها، حتى لا تسقط الصواريخ الموجهة نحو الفلسطينيين على الإسرائيليين أنفسهم.

يشير التحقيق إلى أن 8 قطع من هذه الأجهزة أُرسِلَت فعلا إلى إسرائيل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2024، أي بعد أشهر من انطلاق العمليات الإسرائيلية في غزة.

ويسلط التحقيق الضوء على إشكالية مراقبة العقود السرية التي تعقدها الجهات العليا الفرنسية مع بعض الدول ومن بينها إسرائيل، وذلك رغم خروج وزير الدفاع الفرنسي يوم 20 فبراير/شباط 2024 أمام البرلمان مؤكدا أن جميع القطع التي تُرسَل إلى إسرائيل عبارة عن معدات يُتأكَّد من نوع الآليات التي تُستَعمل فيها.

يعود هذا التعاقد السري بين فرنسا وإسرائيل إلى 2 مارس/آذار 2023، حين اشترت شركة “إيلبيت سيستيمز” الإسرائيلية المصنعة لطائرات “هيرميس 900” ثماني قطع إلكترونية بمبلغ 55 ألف يورو للقطعة الواحدة من جهات فرنسية (440 ألف يورو إجمالا). وصل الطلب بعد أسابيع من انطلاق الرد الناري على هجمات 7 أكتوبر، في الوقت الذي كانت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن النيران الإسرائيلية غالبا ما تطول النساء والأطفال الرضع.

ورغم ذلك، يقول موقع “ديسكلوز” إن وزارة الدفاع الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي وقَّعت عليها بعدم بيع أسلحة لجهات تستهدف المدنيين، بل واصلت دعم تحركات حكومة نتنياهو في تدمير قطاع غزة.

كانت فرنسا قد واجهت في وقت سابق دعوة من 11 منظمة حقوقية تتزعمها منظمة العفو الدولية “أمنستي” بسبب إرسالها أسلحة إلى تل أبيب، مع العلم أن الأخيرة لا تجرب أسلحتها ولا الأسلحة التي تحصل عليها من حلفائها إلا في مواجهة الفلسطينيين.


سكوربيون

تجمع فرنسا وإسرائيل علاقة تسليح وتكنولوجيا وطيدة، ويكشف تحقيق مهم لموقع “أوريان 21” عن العلاقة بين جيش الاحتلال وجهاز الدفاع الفرنسي، وعن الغموض الكبير الذي يكتنف هذه العلاقة، التي تشهد تعاونا بين الفرنسيين والإسرائيليين على حروب المستقبل التي سيكون أبطالها الروبوتات والطائرات المُسيَّرة.

تمتاز العلاقات بين فرنسا وإسرائيل بنوع من الودية، وإن كانت قد تعكرت في الفترة الأخيرة، بيد أن الأمر ليس بذلك الوضوح أو الشفافية فيما يتعلق بالجانب العسكري، لأن العلاقة تتأرجح بين الود والمنافسة، بل تصل أحيانا إلى الاختراق. لا يحب الفرنسيون الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون في مجال الصناعات العسكرية، فهم يكسرون الأثمان بهدف الاستيلاء على أسواق السلاح.

وليس هذا فحسب، بل أصبح جيش الاحتلال منذ سنوات يتوجه إلى أهم الأسواق التقليدية التي كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية المطلقة فيها لينافسها هناك، وهي سوق أفريقيا.

منذ اتفاق أوسلو، استثمرت إسرائيل كثيرا في القارة السمراء، خصوصا في مجال حماية الأنظمة القائمة. وفي السياق نفسه، حافظ الإسرائيليون رغم ذلك على نوع من التعاون مع الفرنسيين كما حدث في الكاميرون، حيث دعموا الجيش الكاميروني للقتال ضد جماعة “بوكو حرام”، وأقدم مرتزقة إسرائيليون على تأطير كتيبة التدخل السريع، التي تعمل تحت قيادة الرئاسة مباشرة، وجهز الإسرائيليون كتيبة التدخل السريع ببنادق كانت حتى الأمس القريب لا تأتي إلا من الصناعة الفرنسية.

تجاوز تأثير السلاح الإسرائيلي رعايا فرنسا السابقين من الأفارقة إلى فرنسا نفسها. وصحيح أن جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه الغاشم على غزة قد استعان بكل مَن له إبرة يمكنها أن تغطي حاجتها العسكرية لإبادة غزة وسكانها، إلا أن الإسرائيليين في الظروف العادية يؤثّرون بالفعل في مجال التسليح والدفاع الفرنسي، مع أن العكس ليس صحيحا بالضرورة.

ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت فرنسا هي التي تبيع الأسلحة لجيش الاحتلال، أما اليوم، فأضحت تل أبيب تبيع لباريس، إذ استوردت فرنسا أنظمة المراقبة الإلكترونية والمُسيَّرات، وحتى الجنود الآليين. ولا يُخفي الفرنسيون انبهارهم بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالقليل من البحث، يمكننا الوصول إلى بعض نتائج هذا التعاون الخفي، أما الفاكهة المسمومة الأكثر نضجا هي “برنامج سكوربيون”.

لا يعلم الفرنسيون الكثير عن برنامج خفي يسمى “تآزر الاتصال المعزز بتعدد الاستخدامات وتثمين المعلومات”، المعروف اختصارا بـ”سكوربيون”، وهو برنامج “ذكي” سيدخل في قلب إستراتيجية القوات البرية الفرنسية للعقدين المقبلين.

أهم نقطة في برنامج “سكوربيون” هي تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة، تسمح للجنود المختلفين والأدوات العسكرية المنتشرة، وبالخصوص المُسيَّرات والروبوتات، بالاتصال في وقت واحد لاستباق أي ردود فعل يقوم بها العدو المفترض.

لذا، سيتمكن الجندي الفرنسي من الحصول على جميع هذه المعلومات عبر مواقع “جي بي إس” خاصة بالبرنامج، الذي عملت عليه شركة “إلبيت” الإسرائيلية، من أجل حرب “بدون ضوضاء”، وبحيث يُتيح هذا النظام الاستباقي لفرنسا أن تتجنَّب مقتل العديد من جنودها عبر قراءة التحركات الاستباقية لعدوها.

عمل جيش الاحتلال على تطوير تقنياته عبر تجريبها في غزة وفوق جثث أهلها، ولذلك تمكن من التقدم في نقاط ثلاث: أولها محو أصوات محركات المُسيَّرات، وثانيها تصغير حجمها وتطويرها بحيث يماثل حجمها حجم الحشرات، وأخيرا القضاء على أي آثار رقمية لها مع تحديد إشارات العدو.

كل هذا وأكثر يوجد في برنامج “سكوربيون” الذي لا تقتصر أهميته في الصناعة الفرنسية على الاستخدام، بل تتجاوزه إلى التصدير، حيث أبدت بعض الدول، ومنها دول عربية، حماسها الشديد للحصول عليه، وهو برنامج وصل بالطبع، قبل كل هؤلاء المشترين، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وبذلك يبدو الموقف “المحايد” الذي تحاول القيادة السياسية في فرنسا اتخاذه من حرب الإبادة الحالية، موقفا لا تعضده مواقف الجانب العسكري، الذي بات بصورة أو بأخرى جزءا من هذه الحرب، وجزءا من آلة القتل التي تحرق وتدمر يوميا كل ما تطاله دون رادع.

مقالات مشابهة

  • برنامج الأغذية العالمي يغلق مخابزه في غزة
  • اليونسيف: دخول المساعدات لغرة ليس خيارا أو صدقة بل تطبيق للقانون الدولي
  • اليونيسف: منع دخول المساعدات إلى غزة يؤثر على أكثر من مليون طفل
  • فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • جيش الاحتلال الإسرائيلي يوسع المنطقة الأمنية في شمال غزة
  • فضيحة الدرونز التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • عاجل | السيد القائد: المنظمات الدولية تشهد على المجاعة في قطاع غزة ونفاد القمح والطحين من المخابز التي كانت توزع الخبر لأبناء الشعب الفلسطيني
  • الديب أبوعلي: إسرائيل تعمل على تطهير غزة عرقيا والقاهرة تدافع وحدها عن الفلسطينيين
  • جيش الاحتلال يبدأ عملية برية في الشجاعية.. وقصف عنيف بمختلف مناطق غزة
  • غزة الآن.. أحزمة نارية وتوغل بري للاحتلال بحي الشجاعية شمال القطاع