أوروبا في الشرق الأوسط… إمدادات الطاقة قبل الحد من الدماء والدمار
تاريخ النشر: 20th, February 2024 GMT
للاتحاد الأوروبي مصلحة أمنية واستراتيجية عامة ومشتركة بين جميع الدول الأعضاء تقضي بالحد من الهجرة غير الشرعية والتعاون مع دول شرق البحر المتوسط ومع دول جنوب المتوسط لقطع خطوط انتقال المهاجرين القادمين من بلدان افريقية وأحيانا من بلدان آسيوية بعيدة كأفغانستان.
هذا هو الأمر الأول الذي يريد الأوروبيون ضمانه في منطقتنا.
خلال السنوات الماضية، تطور التعاون الأمني بين الاتحاد الأوروبي ودول شرق وجنوب المتوسط على النحو الذي ظهرت معه، من جهة، مراكز إيقاف وتجميع ودراسة أحوال المهاجرين غير الشرعيين على شواطئ المتوسط الشرقية والجنوبية قبل محاولتهم الانتقال إلى أوروبا. من جهة أخرى، صارت أوروبا تعتمد مبالغ أكبر كمساعدات مالية وإنسانية لدول الشرق الأوسط المستقبلة للمهاجرين غير الشرعيين كتركيا ومصر والمغرب وتعمل على رفع قدرات الضبط الأمني للسواحل في لبنان وليبيا وتونس لقطع الطريق على عصابات الجريمة المنظمة العاملة في مجال الهجرة غير الشرعية.
للاتحاد الأوروبي أيضا مصلحة استراتيجية ذات طابع اقتصادي في الحفاظ على قنوات التجارة الحرة مع الشرق الأوسط. يعتمد الكثير من الدول الأوروبية، خاصة في جنوب القارة، على إمدادات الطاقة القادمة إما من الخليج أو من شمال أفريقيا.
وهناك العديد من الاستثمارات الأوروبية الكبرى إن القائمة بالفعل أو المعدة للمستقبل في مجال الطاقة الخضراء والطاقة البديلة مع بلدان كالمغرب والجزائر ومصر. ومع الضغوط المتصاعدة على الأوروبيين بفعل تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية فيما خص تأمين احتياجاتهم من الطاقة، أصبح للإمدادات القادمة من الشرق الأوسط أهمية استراتيجية كبرى تتجاوز دول جنوب أوروبا إلى دول شرق ووسط وغرب القارة التي لم تعد قادرة على الاعتماد الأحادي على الطاقة القادمة من روسيا.
ولذلك، أقر الأوروبيون تشكيل قوة بحرية مشتركة لحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر التي يهددها منذ شهور الحوثيون بهجماتهم المتكررة على السفن التجارية ومحاولاتهم إعاقة مرور ناقلات النفط والغاز العملاقة، وهو ما يعيق وصول البضائع والطاقة إلى أوروبا ويرفع أسعار نقلها حين تأخذ السفن والناقلات طريق رأس الرجاء الصالح عوضا عن قناة السويس. هنا أيضا يتحرك الأوروبيون وفقا لدوافع المصالح الاقتصادية والتجارية المشتركة والتي تتلاقى حولها دول جنوب القارة كدول شمالها وشرقها وغربها.
كذلك يرتبط الاتحاد الأوروبي باتفاقيات تجارة حرة وشراكات اقتصادية وتنموية مع العدد الأكبر من دول الشرق الأوسط. وهي اتفاقيات وشراكات طورها الاتحاد منذ تسعينيات القرن العشرين (استراتيجيات وسياسات الشراكة الأورو ـ متوسطية) وبسببها صار الاتحاد الشريك التجاري الأول لبعض دول منطقتنا والشريك التجاري الثاني للبقية (بعد الصين). وترغب الدول الأوروبية في الحفاظ على تجارتها المربحة مع الدول العربية ومع تركيا وإسرائيل وأيضا إيران التي لم تقطع أوروبا يوما علاقاتها التجارية معها.
تناقض المصالح والاستراتيجيات والسياسات هو لغة الأوروبيين الحقيقية وهو ما يظهر بجلاء في حالة النزاع المستمر في الشرق الأوسط منذ خريف العام الماضي حيث تتحالف ألمانيا مع إسرائيل وتهتم فرنسا بشؤون لبنان وتكتفي إيطاليا ببيانات إنسانية وبتوافق جميعهم على تجميد تمويل الأونروا
للاتحاد الأوروبي، ثالثا، مصلحة أمنية مباشرة في مواصلة مكافحة تنظيمات وجماعات الإرهاب التي فرضت خلال السنوات الماضية خرائط الدماء والدمار على بعض بلدان الشرق الأوسط كالعراق وسوريا واليمن وليبيا وهددت سلام بلدان أخرى كمصر وتونس وامتدت جرائمها إلى المدن الأوروبية من لندن وباريس إلى مدريد وبرلين.
منذ بدأت الولايات المتحدة الأمريكية حربها على الإرهاب في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأوروبا شريكة في الحرب ودولها تنسق عسكريا وأمنيا مع واشنطن على امتداد العالم العربي ـ الإسلامي من أفغانستان إلى دول الساحل في غرب أفريقيا.
واليوم، تتداخل أوروبا في سياسات مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، خاصة في العراق وسوريا واليمن وليبيا. وتظهر استطلاعات الرأي العام الراهنة في المجتمعات الأوروبية، وهي في المجمل أجريت بعد الانسحاب الكارثي للأمريكيين والأوروبيين من أفغانستان، أن قضية مكافحة الإرهاب وإبعاد أخطاره عن القارة العجوز مازالت ذات أولوية شعبية ويربط الأوروبيون بينها وبين منع الهجرة غير الشرعية وبينها وبين ضرورة التعلم من خطاياهم في أفغانستان.
غير أن مكافحة الإرهاب والحد من أخطاره صار أوروبيا قضية سياسة داخلية قبل أن تكون قضية خارجية، وأصبح جل اهتمام الحكومات ينصب في هذا الصدد على تأمين جبهات بلادهم المحلية والقضاء على انتشار التنظيمات العنفية وأفكارها وإبعاد منظريها إلى خارج أوروبا. نعم، تواصل أوروبا المشاركة مع الولايات المتحدة في عمليات الحرب على الإرهاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي بلاد الساحل. غير أن الأولوية السياسية للحكومات تنصب على الداخل وتأمين مجتمعات القارة العجوز وتغيير سياسات الهجرة واللجوء للتخلص بسهولة من العناصر المتطرفة بالإبعاد والترحيل. وفي ذلك، تستجيب حكومات الاتحاد الأوروبي أيضا لصعود اليمين الشعبوي والمتطرف.
للاتحاد الأوروبي، أخيرا، مصلحة مشتركة في إحياء الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى. الأطراف الأوروبية الفاعلة في مفاوضات الملف النووي الإيراني هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، والصيغة المستخدمة هي 5 + 1أي الدول أصحاب العضوية الدائمة في مجلس الأمن الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين وبريطانيا وفرنسا بالإضافة إلى ألمانيا.
كان الأوروبيون من مؤيدي التوصل إلى اتفاق مع إيران يضمن تحجيم مشروعها النووي وإبعاده عن العسكرة نظير الحد التدريجي من العقوبات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية المفروضة على الجمهورية الإسلامية منذ ثمانينيات القرن العشرين. وكانت هذه هي الصيغة التي توافقت عليها القوى الكبرى مع إيران سنوات إدارة أوباما وأسفرت عن الاتفاقية المسمى «خطة العمل الشاملة المشتركة» التي وقعت في فيينا. وكانت هذه هي الصيغة التي انقلبت عليها إدارة ترامب، وألغت العمل بالاتفاقية، وأعادت فرض العقوبات على إيران.
ومنذ جاءت إدارة بايدن إلى البيت الأبيض واستعادت الولايات المتحدة الرغبة الاستراتيجية في التوصل إلى اتفاق ملزم مع إيران يحول دون امتلاكها للسلاح النووي، والأوروبيون ينشطون في الوساطة بين واشنطن وطهران. حين ألغت إدارة ترامب التزام الولايات المتحدة باتفاقية فيينا، لم يتنصل الأوروبيون من الاتفاقية ولم يعيدوا فرض عقوبات ألغت على إيران واستمروا في الضغط على طهران للامتناع عن التصعيد في مشروعها النووي.
واليوم، يجتمع الأوروبيون، وعلى الرغم من شكوك بعض شركائهم في الشرق الأوسط كإسرائيل ودول الخليج، على حتمية إحياء الاتفاقية النووية والمزج بين السيطرة على المشروع النووي الإيراني والحد من العدوانية الإيرانية في بعض مواقع الشرق الأوسط كالعراق وسوريا ولبنان واليمن وبين الإلغاء التدريجي للعقوبات المفروضة على طهران.
ومع تداعيات الحرب الروسية ـ الأوكرانية على إمدادات الطاقة العالمية وأزمة الطاقة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي، يريد الأوروبيون فتح أبواب التجارة العالمية تدريجيا للنفط الإيراني والاستثمار في الصناعات البترولية لإيران بعد أن أرهقتها عقوبات العقود الماضية. وعلى الرغم من أن الحرب في غزة واتساع مسارحها الإقليمية من خلال أدوار وكلاء إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن تقلل كثيرا من قدرة الأوروبيين على الضغط في اتجاه إحياء المفاوضات مع الجمهورية الإسلامية، إلا أن الانفتاح على طهران وتغيير سلوكها الإقليمي وإعادة دمجها في اقتصاديات الطاقة العالمية بحيث تتجاوز مجرد التصدير إلى الصين يظل أولوية استراتيجية للأوروبيين.
فيما عدا ما سبق، فتناقض المصالح والاستراتيجيات والسياسات هو لغة الأوروبيين الحقيقية وهو ما يظهر بجلاء في حالة النزاع المستمر في الشرق الأوسط منذ خريف العام الماضي حيث تتحالف ألمانيا مع إسرائيل وتهتم فرنسا بشؤون لبنان وتكتفي إيطاليا ببيانات إنسانية وبتوافق جميعهم على تجميد تمويل الأونروا.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الشرق الأوسط أوروبا الطاقة غزة الشرق الأوسط غزة أوروبا الطاقة الدمار مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الهجرة غیر الشرعیة للاتحاد الأوروبی الاتحاد الأوروبی الولایات المتحدة فی الشرق الأوسط
إقرأ أيضاً:
أمريكا ترسل حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط
أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، أمس الثلاثاء، أنّ الولايات المتّحدة سترفع عدد حاملات طائراتها المنتشرة في الشرق الأوسط إلى اثنتين، إذ ستنضمّ إلى تلك الموجودة الآن في مياه الخليج حاملة ثانية، موجودة حالياً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل، في بيان إنّ حاملة الطائرات "كارل فينسون" ستنضم إلى حاملة الطائرات "هاري إس. ترومان"، من أجل "مواصلة تعزيز الاستقرار الإقليمي، وردع أيّ عدوان، وحماية التدفق الحرّ للتجارة في المنطقة".
The Pentagon has ordered more air squadrons to the Middle East, extended the USS Harry S. Truman’s deployment, and redirected the USS Carl Vinson Carrier Strike Group to the region.
Follow: @AFpost pic.twitter.com/36xbDs0eUC
وتأتي هذه الخطوة بعد أن أعلن المتمردون الحوثيون اليمنيون المدعومون من إيران الشهر الماضي، مسؤوليتهم عن هجمات قالوا إنها استهدفت حاملة الطائرات هاري إس ترومان، في البحر الأحمر. لكنّ واشنطن التي تشنّ منذ أسابيع غارات ضد الحوثيين في اليمن، لم تؤكّد وقوع هجمات على حاملتها.
وأعلنت واشنطن في 15 مارس (أذار) الماضي، عن عملية عسكرية ضد المتمردين اليمنيين لوقف هجماتهم على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، الممر البحري الحيوي للتجارة العالمية.
ومنذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة، يشنّ الحوثيون، في خطوة وضعوها في إطار إسنادهم الحركة الفلسطينية، عشرات الهجمات الصاروخية ضدّ الدولة العبرية وضدّ سفن في البحر الأحمر يقولون إنها على ارتباط بها.
وتوعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحوثيين المدعومين من إيران بالقضاء عليهم، محذّراً طهران من استمرار تقديم الدعم لهم. ولم يحدّد البنتاغون بالضبط المكان الذي ستبحر فيه هاتان الحاملتان عندما ستصبحان سوياً في الشرق الأوسط.
وفي بيانه، أوضح المتحدث باسم البنتاغون أنّ وزير الدفاع بيت هيغسيث أمر بنشر "أسراب إضافية وأصول جوية أخرى في المنطقة، من شأنها أن تعزّز قدراتنا في الدعم الجوي الدفاعي". ولدى البحرية الأمريكية حوالي 10 حاملات طائرات.